|
||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 03:28 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
العناية الإلهية لم يستطع أن يمنع دموع العرفان والسلام من الإنسكاب غزيرة من عينيه، حين أكد الطبيب أن الخطر قد زال تماماً، وبأنه يستطيع للحال أن يغادر المستشفى بعد أن قضى فيها تسعة أيام متأرجحاً بين الموت والحياة. كان قلبه الذي أصيب باحتشاء منذ أيام، يجيش في تلك اللحظات بمشاعر رائعة هي مزيج من الفرح والامتنان والشكر للعناية الإلهية، والعناية المشددة التي لزمها تسعة أيام، لكنه لم يستطع أن يفصح عن مشاعره، مجرد كلمة شكر باهتة وواهنة انطلقت من حنجرته وهو يقول للطبيب: شكراً. وقع الطبيب أوراق تخرجه من العناية المشددة القلبية، وكتب له وصفة طبية يلتزم بها مدى حياته، وحذره من الجهد والتدخين، بل لم يتورع عن تهديده بأن الإحتشاء في المرة القادمة -لا قدر الله- سيكون صاعقاً لا مجال لرده إن لم يلتزم بتعليماته حرفياً. تركه الطبيب بعد أن قال له بلهجة اعتيادية: الحمد لله على سلامتك، واتجه إلى مريض آخر، امتدت يده إلى علبة المناديل الورقية، وسحب بيد مرتعشة منديلاً ليمسح دموع الشكر والفرح بأنه نجا، وتذكر منذ تسعة أيام كيف صرخ ملتاعاً من ألم صدري صاعق ومباغت فاجأه وهو يهم يلبس حذائه، كان وحيداً في البيت، فابنه وزوجته في عملهما، وحفيداه في المدرسة، وتمكن بجهد من فتح الباب، ولو لم تكن جارته أم سمير في طريقها إلى السوق وسمعته يصرخ، لما تمكن الجيران من نقله إلى المستشفى، بل كان في العالم الآخر... غطته سحابة حزن بنفسجية وهو يتخيل كم كان قريباً من الموت، تنهد فيما يده تمسح دموعه وهي ترتعش: آه لقد كبرت، بعد أشهر سأدخل في الرابعة والسبعين، وحين حاول الابتسام طارداً سحابة الحزن، شاكراً العناية الإلهية والعناية المشددة على نجاته، هبطت سحابة الحزن بكامل ثقلها على صدره، وغاص قلبه الذي تموّت جزء كبير منه في ألم نفسي عظيم، تذكر ابنه وحل صمت ثقيل في روحه شبهه بالرصاص، وبقي لحظات طويلة بلا فكر، روحه مثقلة بجلال ألمٍ عظيم، فجأة رن صوت رقيق في أذنيه يتساءل: أتراه يحبني! وحاول أن يسخر من نفسه قائلاً: عيب يا رجل، كيف تشك بمحبة ابنك لك؟ وافتعل ضحكة انتهت بأن تقلص وجهه بألم، حقاً لا يمكن للإنسان أن يكذب مشاعره، قلبه المريض لا يخدعه بل يؤكد له بأن ابنه لا يحبه، وأنه كان ينتظر موته وآمن أن علة البشرية كونها تؤمن بالطواطم، وبمسلمات لا تناقشها، وبدت له رابطة الدم التي يتحدث عنها الناس أكبر وهم، وتذكر أيامه بتفاصيلها العادية وانسيابها الروتيني، لم تبد مرعبة كما بدت الآن، وهو على فراش مرضه بعد أن واجه الموت، وتساءل جزعاً: يا إلهي كيف يشع الرعب من شقوق يومه العادي؟ أتراه يبالغ، لكن ألا يأكل معهم، ويجلس بينهم يتابع برامج التلفاز؟ ماذا يطلب منهم أكثر؟ أيعتب على زوجة ابنه كونها لم تكلمه أبداً وطوال سنوات زواجها، لم تبادره يوماً بحديث، لكنها امرأة مكافحة تعمل خارج البيت ثماني ساعات، وتعود تنتظرها واجبات منزلية لا نهائية، لدرجة أنها تنسى تماماً وجود كهل عاطل عن العمل ولا لزوم له في بيتها، لكنه بيته. ألم يقدم لهما بيته يوم تزوجا، وترك لهما غرفته المشمسة الواسعة لتكون عش حبهما، وانزوى في غرفة صغيرة أشبه بالسجن ليس فيها نافذة يطل من خلالها على العالم في الخارج... وتذكر يوم تمسح به ابنه كما تتمسح قطعة بصاحبها ورجاه أن يسجل البيت باسمه، وللحال وافق. آه كم يعصره الندم الآن، وتذكر المثل الشعبي، قلبي على ولدي وقلب ولدي على الحجر. فليعترف أنه ما كان يطلب شيئاً لنفسه، لم يهتم أبداً لما يأكل، وكان يبتسم راضياً وهو يلاحظ زوجة ابنه كيف تخصص حصص اللحم الكبيرة لولديها وزوجها، ولا تضع في صحته إلا فتات اللحم، متظاهرة أنها تسكب الطعام بهذه الطريقة بالمصادفة، في أعماقه كان راضياً ويقول بصوت مفعم بالحنان: ألف صحة على قلوبكم يا أحبائي... لم يكن لمشاعره أن تُجرح حين كان ابنه أو زوجته يطلبان إليه أن يأوي إلى غرفته باكراً لأن ضيوفاً سيزورونهما. كان يحاول أن يعذرهما بأن وجود كهل مثله غير مرغوب فيه في وسط الشباب، وحين داهمته زوجة ابنه ذات يوم حاملة أكياساً ممتلئة أغراضاً متنوعة، لم يمتعض، وهو يراها تكدسها في غرفته الضيقة دون أن تستأذنه قائلة بلهجة جافة: لا مكان لدينا. أحس يومها أن هذه الأغراض تخنقه، لكنه لم يعلق بكلمة. كان يحتمل كل شيء برضى وهو يراهم بصحة جيدة وسعداء، لكنه كان يشتهي بين وقت وآخر لو يسمع كلمة حنان أوحب تنطلق من حناجرهم الحجرية، عبثاً تذكر دموع شيخوخته كيف كانت تفاجؤه في عزلته وهو يؤكد لنفسه بأن الكهل لا يحتاج الحنان. وتذكر يوم زجره ابنه عن تقبيل حفيده، متهماً إياه أنه السبب في إصابة الصغير بالأنفلونزا الحادة، حين هم بالدفاع عن نفسه، لم يستطع أن يقول سوى كلمة انطلقت حزينة منكسرة: أنا؟! ومن يومها نُهي بطريقة غير مباشرة عن تقبيل الصغيرين. كانت تسليته الوحيدة الجلوس في المقهى الشعبي يلعب الورق مع رفاقه، يشكون بعضهم لبعض غذر الزمان والأولاد لكن ابنه فاجأه ذات يوم بأنه ما عاد قادراً على مصروفه في مقهى الرصيف، وبأن ضغوطاً مادية قاهرة تسحقه و... لم يقل شيئاً، بل تحوّل إلى قوقعته يلاعب نفسه كل يوم بالورق، ويأوي باكراً إلى فراشه يعارك ساعات الأرق طويلاً حتى ينجده النوم. وحين نقل إلى المشفى، لم يزره ابنه وكنته إلا مساءً، كم يستعيد وجهاهما الآن بوضوح، يا لفظاعة القسوة المتشربة في قسماتهما، صحيح أنهما قالا له: سلامتك، إن شاء الله تشفى، لكنه أحس أن كلامهما لا يخرج من القلب أبداً، بل مجرد رذاذ شفاه. مرت ممرضة بجانبه قاطعة عالم تخيلاته الحزينة، وسألته: عمو، متى سيأتي أولادك ليخرجوك من المشفى؟ قال: اليوم. سألت: في أي وقت؟ السرير يلزمنا يا عمو، دوماً هناك مرضى بالقلب. قال: حسناً، هل يمكنك الاتصال بابني في عمله، سأعطيك الرقم؟ قالت: بالتأكيد، سأتصل به. أحس بلهجة التعاطف الإنساني في صوتها، سألها عن اسمها: قالت: سامية. كان بحاجة أن يردد اسماً بشرياً، ردد في سره اسمها مراراً، لكأنه يقاوم به صقيع وحدته وعزلته المديدة، بدت له رقيقة ولطيفة، وربما عاشقة، وحين عادت لتخبره بأن ابنه سيمر لاصطحابه بعد انتهاء دوامه، نظر إلى أصابعها باحثاً عن خاتم خطوبة، لكنه لم يجد.. سألته: هل تناولت فطورك؟ قال: أجل، أكلت بيضة مسلوقة، وقليلاً من اللبنة. ابتسمت قائلة: ألف صحة، ما رأيك بفنجان قهوة.. انهمرت دموعه مباغتة وغزيرة، ودّ لو يضمها بكل الحنان المقموع في نفسه، فاجأتها دموعه، اعتقدت أنه خائف، قالت تطمئنه: -لا تخف يا عمو، لقد زال الخطر، ألم يطمئنك الطبيب؟ وامتدت يدها بشاشة مطوية سحبتها من جيب الروب الأبيض الناصع الذي تلبسه، ومسحت دموعه، تنهد بعمق، آه منذ دهر لم تمسه يد بشرية، بهذا الحنان، أعطته الشاشة، فاستلمها بيد مرتجفة، قالت له: حسناً سأرجع بعد قليل بالقهوة، آه على فكرة، كيف تشربها. قال بصوت اجتهد أن يكون عادياً: دون سكر. كانت عاصفة دموعه في أوجها، وأخذ قلبه يختلج بمشاعر شتى، لن أعود، لن أرجع إلى البيت، حيث يسكن قساة القلوب، يا لفظاعة قسوتهم، لكن أين عساني أمضي؟ ألم يُجرد من كل ضمان لشيخوخته بعد أن وهبهم بيته؟ وآمن في تلك اللحظة وهو يستعيد وجهي ابنه وكنته أنهما كانا ينتظران موته وأنه سمعهما مراراً يتحدثان أمامه بأن غرفته ستؤول بعد وفاته إلى غرفة مكتب يدرس فيها الأولاد، وكان يغض الطرف فيما يبلع الإهانة ببسمة بلهاء. عادت الممرضة تحمل فنجاني قهوة، تنشق الرائحة الشهية، ورشف رشفة طويلة قائلاً: لم أذق أطيب من هذه القهوة في حياتي. ضحكت كاشفة عن أسنان منضدة.. بيضاء رائعة قائلة: شكراً على المجاملة. قال: صدقيني، لا اجاملك. قالت: ألف صحة. قال: ما ألطفك، أتعرفين، منذ سنوات لم يقل لي أحد ألف صحة. سألته: لماذا؟ ضحك ولم يجب، سألها: هل أنت مخطوبة؟ أربكها سؤاله، قالت: قريباً إن شاء الله. قال لها: محظوظ الشاب الذي سيتزوجك. تورد وجهها قائلة: حقاً؟ قال: بالتاكيد. لمح سحابة حزن طافت فوق وجهها سألها: ثمة شيء يشغل بالك؟ قالت متنهدة: لا أبداً. قال: اعتبريني والدك، لماذا أحسستك منذ لحظة حزينة؟ رنت إليه بعينين صافيتين وقالت: بصراحة يا عمو الحياة صعبة، أقصد المادة تلعب دوراً أساسياً في حياتنا. سألها: أتعانين ضغوطاً مادية؟ قالت: ومن لا يعاني؟ برقت بذهنه فكرة كالومض، قرر تنفيذها للحال، وضع فنجان قهوته جانباً ونزع خاتم زواجه الذهبي العريض والوحيد الذي يملكه، قال لها برجاء: -لا ترفضي رغبة أخيرة لرجل وحيد، اقبلي مني هذا الخاتم، ومده إليها بيد مرتعشة. حملقت اليه فيه دهشة وقالت : لكن، ما المناسبة؟ قال بلهجة فيها رجاء: لا ترفضي رغبة رجل وحيد، قلبه معطوب من نقص الحب. ابتسمت قائلة: تعبير جميل، هل قلبك معطوب من نقص الحب؟ قال: أجل. تفحصت الخاتم، بدت سعيدة، رازته بيدها وضحكت قائلة: أظنه يساوي الكثير، ولكن؟! قال: أرجوك لا تعلقي بكلمة. سألت: لكني لم أفهم المناسبة. قال مازحاً: لأنك قلت لي ألف صحة. ضحكت قائلة: روحك مرحة حقاً. دمعت عيناها تأثراً، شدت على يده قائلة: أشكرك، ابتسمت وهي تقول: أتعرف: هذا الخاتم يمكن أن يصير خاتمين. قال: هذا ما أتمناه. ناداها الطبيب، فلبت مسرعة، عاد يغرق في ذكرياته التي تداخلت وغامت في رؤية ضبابية من التعب، بعد قليل سيأتي ابنه ليصحبه، سيقرأ خيبة الأمل على وجهه كونه نجا من الاحتشاء، وسيتأجل تحويل غرفته إلى غرفة مكتب للأولاد. بحث بعينيه المتعبتين الدامعتين عن حل، عن يمينه ويساره مرضى قلوبهم تموت من نقص الحب... تجولت عيناه في المكان حوله، حتى استقرت نظرته فوق لافتة كتب عليها بخط أسود عريض وأنيق: العناية المشددة ابتسم في سره وقال: الأصح أن يكتبوا العناية الإلهية. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |