موت البجعــة - د.هيفاء بيطار

مـجـمــوعــة قـصـصـيـة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 03:28 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

مجرد موضوع تعبير

وقفتْ مدّرسة اللغة العربية الشابة، المبتسمة دوماً قرب طرف المنصة في الصف السادس، وخاطبت الطالبات بصوتها البشوش الواثق قائلة: انتن الآن صبايا، تدركن وتفهمن جيداً، أريد لذهنكن أن يكون حراً، ولخيالكن أن يحلق بلا حدود، يبتدعُ صوراً، ويعبرّ عن أحاسيسكن، بصراحة. لا أريد أن تكون دروس التعبير تقليدية، كأن يكون الموضوع عن يوم افتتاح المدرسة، أو يوم إغلاقها، أو عن عيد الأم، أو رسالة لصديقة في الغربة، أو رحلة مدرسية، أو وصف إحساسكن بقدوم الربيع. تبدأ أغلب المواضيع بجملة: استيقظت على زقزقة العصافير...‏

ضج الصف بالضحك، وتعالت صيحات من أكثر من حنجرة: معك حق يا آنسة...‏

انتظرت المدّرسة الشابة توقف الطالبات عن الضحك، بدت راضية كون تلقائيتها حرضت تجاوبهن معها، كانت تسعى لخلق روح في مناهج التدريس، ولترسيخ علاقة متينة بينها وبين الطالبات.‏

صفقت مرتين كي يعود الصف إلى انضباطه، وتابعت: الموضوع هذه المرة طريف، أريد من كل واحدة منكن أن تصف لي حادثة أو مفاجأة، تحديداً طُرفة حصلت بينها وبين والدها، بالتأكيد كل واحدة منكن ستتذكر عشرات الحوادث، لكن المطلوب وصف حادثة واحدة وأثرها المحبب والعميق في الذاكرة، اتسعت ابتسامة المدرسة قائلة: يجب أن يأخذ الأب حصته في مواضيع التعبير..‏

علت همهمات الرضى والسرور من حناجر الطالبات، كتبت المدرسة على اللوح الأخضر نص الموضوع:‏

وصف حادثة أو طرفة وقعت بينك وبين والدك بما لا يزيد عن عشرين سطراً.‏

كتبت الفتيات في دفاترهن نص الموضوع، ما عدا هيفاء التي انقضّ عليها نصّ الموضوع كالصاعقة، فأحسّت أن قلبها يهوي في حضنها، ثم يسقط على الأرض ككرة لحمية تنزف دماً، والتهب وجهها فجأة بحرارة لاذعة، وتعرقت راحتا يديها بغزارة حتى كاد القلم ينزلق من بين أصابعها لولا أنها ضغطت عليه بقوة، وأخذت حالة من التهيج الشديد تنتابها عجزت عن فهمها والسيطرة عليها.‏

كانت هيفاء في العاشرة من عمرها، متفوقة في دراستها، ومحط تقدير مدرساتها، ومحبة صديقاتها، كل شيء فيها كان جميلاً ولطيفاً ومكللاً بالنجاح، وكان حضورها الطفولي العذب ينشر عبقة أينما حلّت، فما بالها تتبلبل هكذا من مجرد موضوع تعبير!‏

أخذت أنفاس الطالبات تضغط على روحها حتى تكاد تسحقها، ما عادت قادرة على تحمّل صوت المدّرسة الذي أصبحت عذوبته تتحول إلى سياط إبرية تخدش أذنيها، همت بالقيام. ستفتح الباب وتفر، ستخرج بأية طريقة، ما عاد بإمكانها البقاء ولا الجلوس، ولا حتى التنفس، وجدت نفسها تقوم عن مقعدها، تسير باتجاه الآنسة وتهمس في أذنها بأنها تود الخروج لقضاء حاجة.‏

أذنت المدرسة لهيفاء بالخروج، دون أن يخطر ببالها أنها عكرّت سلام طفلة، وأحدثت في روحها صدوعاً وشروخاً عميقة، وبأنها فتحت ندبات جروح عمرها عشر سنوات، اعتقدت طفلة نضرة مثل هيفاء أنها نسيتها.‏

ما إن أغلقت هيفاء باب الصف وراءها، حتى أخذت أنفاسها تتسارع بقوة، وأحست أنها على وشك الاختناق. كان الهواء يتوقف في منتصف صدرها، عبرت نظرتها الممر الطويل الرمادي المغبر بين الصفوف، لأول مرة تحس بكآبته، اندلقت الدموع من عينيها السوداوين الواسعتين، امتدت يدها إلى جيب صدارتها الكاكية اللون لتخرج منديلاً ورقياً، لكنها لم تعثر للأسف على أي منديل، اضطرت أن تمسح دموعها بظاهر كفيها الطريين، واضطرها أنفها الذي يسيل بدوره أن تتمخط بكم صدارتها.‏

نزلت الباحة الخالية، نظرت إلى ساعتها، قالت في نفسها: بعد ربع ساعة تنتهي الحصة، وسينزل الطلاب إلى الباحة. تأملت أرض الباحة المفروشة بأوراق ومناديل ورقية، وأكياس نايلون ملونة، لأول مرة أيضاً تحس بشناعة المنظر، ومن خلال دموعها الطافحة بغزارة من عينيها، تفتق في نفسها الطفولية إحساس عميق يؤكد لها أن أرض الباحة تشبه بشكل ما أيامها، ترى ما وجه الشبه، وكيف انسلت إليها هذه الفكرة؟ أو تفتقت من روحها، لا تعرف. اتجهت إلى الحائط الذي يحمل أكثر من عشرة صنابير مياه أغلبها مفتوح، يصب الماء في حوض نمت في قاعه أعشاب خضراء وطحالب...‏

وجدت هيفاء نفسها تغلق صنابير المياه ما عدا واحداً، أخذت ترشق وجهها بالماء البارد. تمددت دموعها بالماء، أنعشتها البرودة وهدأت روحها المتعكرة، أحست أن الهواء وصل إلى آخر نقطة في رئتيها... تمخطت وغسلت أنفها، لكن دموعها لم تكف عن الانسكاب، كانت تعجز عن تحليل ما يعتمل في داخلها، تقززت نفسها من رائحة العفن التي تفوح من الأعشاب النابتة في قلب حوض المياه، حملقت طويلاً إلى ذلك الخضار العفن، فوجدت أنه يأخذ أشكالاً ورسوماً وحروفاً، أمكنها أن تميز كلمة واضحة لا يمكن أن يخطئ بها أحد... مكتوبة بالعشب العفن: بابا.‏

لأول مرة تشعر هيفاء بشعور التخلي والنبذ، باغتتها تلك المشاعر القاسية، الغريبة، تساءلت وهي تحكم ربط شعرها: أتراني صرت كبيرة؟ لماذا ارتبط بذهنها الألم بالكبر؟ أليس وعينا للألم دليل على أننا نكبر ونغادر الطفولة، كانت ابنة عشر السنوات وحيدة في الباحة تواجه بقسوة موضوع تعبير موضوعه الأب...‏

استندت إلى الحائط محاولة تهدئة نفسها، استنجدت بوجه أمها، أسرتها تعني الماما فقط، أما البابا فوهم، صورة بعيدة لا تعرف عنه شيئاً، تركها مذ كانت طفلة صغيرة لم تكمل عامها الأول- صفعتها ذاكرتها بصور عيد ميلادها الأول، تطفئ شمعة قالب الحلوى، أمها عن يمينها، وعن يسارها فراغ، تتابعت صور أعياد ميلادها، الصور كلها مع الماما والأصدقاء، والأقارب من طرف الأم، لبطت الصور من ذهنها، لكن ذاكرتها تحايلت عليها وهاجمتها من الجانب المقابل بصورها في مناسبات مختلفة، صورتها وقد سقط أول سن لبني في فمها، كيف طلبت إليها الماما أن تضحك والتقطت لها صوراً، تذكرت هيفاء أن أسنانها اللبنية سقطت كلها ونبتت بدلاً منها أسنانها الدائمة والبابا بعيد.‏

قبل أن تكمل عامها الثالث هاجر إلى أميركا، مات تماماً، وذابت ملامحه في ذاكرتها الطرية، لولا أنه أرسل ينجد مخزون ذاكرتها بصورته يقرأ جريدة، كان قسم كبير من وجهه غائباً وراء الجريدة، ضاعت الصورة بعد مدة، وظلت صورته في ذهنها كسرة من وجهه...‏

كان يرسل لها بطاقة معايدة وحيدة كل عام مؤلفة من كلمات، تعدّها على أصابع يديها، ولا ينسى أن يرسل سلامه إلى أمها، رجل حضاري لا ينسى أن يرسل سلاماً لمطلقته!‏

مشت هيفاء في الباحة بخطا بطيئة على غير عادتها، جلست على المصطبة الصغيرة، والخاصة بعمود كرة السلة مسندة كوعيها إلى ركبتيها، وموسدة خديها في يديها، ذكرتها تلك الوضعية يوم أصيبت بالنكاف، كانت في الخامسة من عمرها، فتحت عينيها ذات صباح على صورة أمها بجانبها. اقتربت الماما تقبلها بشوق كبير، لكأنها لم ترها منذ أيام، كم كانت تتململ من قبلات أمها الشرهة القوية، التي تسميها (كاسات الهواء)، لكنها صارت تقلدها فيما بعد في طريقتها في طبع القبلات، تذكرت نظرة الدهشة في عيني أمها ذلك الصباح، وهي تلاحظ انتفاخ حنكيها، وما أن ابتلعت هيفاء ريقها الصباحي حتى صرخت متألمة: آخ، هنا يؤلمني، وأشارت إلى خديها، حملتها أمها وطمأنتها أن هذا المرض يصاب به معظم الأطفال، وأنها ستشفى منه خلال أيام، اصطحبتها إلى عند طبيبها المعتاد، تذكرت هيفاء أنها كثيراً ما كانت تجد الأطفال مع آبائهم وأمهاتهم في عيادة الطبيب، غصّت وهي تعي حقيقة متجسدة بقسوة أمامها في باحة النفايات: انها دوماً بصحبة أمها، لم تكن يوماً واحداً بصحبته هو... البعيد، الميت.‏

فحصها الطبيب بدقة، ولم يصف لها سوى دواءً مسكناً، كانت هيفاء تكره الأدوية بشكل شراب، تفضل أن تبتلع حبوباً، ابتلعت هيفاء حبة وردية صغيرة قدمتها لها الماما مع قليل من الماء، لكن الوجع لم يهدأ، إلا بعد أن حكت لها أمها حكاية ساحرة لا تذكر منها الآن سوى تلك البحيرة الرائعة التي تسبح فيها البطات والإوزات...‏

غمرت قلبها الطفولي دفقة حب هائلة تجاه أمها، استنجدت بطيفها ينقذها من ورطة موضوع التعبير... ماذا عساها تكتب عن أب غائب، عاد صوت المدّرسة يخز أذنيها بإبر مؤلمة... رسم وجهها المورد علامة اكتشاف وهي تتذكر أن سعاد وسوسن صديقتيها يتيمتا الأب، أحست بفرح التعاطف وهي تشعر بنوع من المساواة معهما... لكن حالة وجوم حزين سرعان ما تلّبستها وهي تكتشف الفروق الكبيرة بينها وبينهما... فالموت ليس خياراً إنسانياً، أما السفر فقرار. في أعماقها حسدت سوسن وسعاد على نعمة موت الأب، وغضت نظرها وهي تحس بذنب تجاه والدها، الرجل الذي تحمل اسمه... تنهدت بعمق وهي ترمق أوراق النفايات التي تفرش أرض الباحة، فجأة تحولت الأوراق إلى صور تتمايل أمامها بغنج وإيلام، تذكرت حفل توزيع الجلاءات...؟ في آخر العام الدراسي، كيف حضرت هيفاء إلى المدرسة برفقة الماما، التي تحمل دوماً كاميرا لتصويرها في المناسبات، وحين ضج اسم هيفاء بأنها الأولى على ثلاث شعب، دمعت عينا الأم تأثراً، وصورت الطفلة تتسلم الجائزة من المدير، كانت الجائزة قصة حول العالم في ثمانين يوماً، لجول فيرن، قرأتها هيفاء برفقة الماما مستمتعة بشخصية الخادم، والمغامرات الطريفة للبطل... تذكرت هيفاء أن أغلب الطالبات حضرن برفقة الماما والبابا... تحسست يدها البضة رقبتها، إنها تشعر بعائق قاسٍ هنا، عند الحنجرة، عائق صريح ومؤلم... ابنة عشر سنوات تكتشف شكل الغصة... وتحدد نوعها، غصة قهر أو حزن أو حقد!!‏

استقر نظرها في الزاوية القصية من الباحة، تسمرّ هناك، وخزتها ذكرى موجعة، يوم تشاجرت مع إحدى صديقاتها، كانت هيفاء تحمل قلماً له شكل تمساح، أرسله لها والدها من أميركا كهدية في عيد ميلادها، قالت لصديقاتها متباهية: هذا القلم من البابا، حملقت اليها صديقتها قالت: أأنت لديك بابا؟! ردت هيفاء بحماسة مدافعة عن هويتها، عن اسم الرجل الذي تحمله، والذي وهبها الحياة بعد إحدى نزواته.. أجل، لدي بابا، لكنه مسافر، ضحكت صديقتها قائلة: لا أصدق، قالت صديقتها: لكننا لم نرك معه، ولا مرة في الباحة، حكت هيفاء بقهر لأمها ما دار بينها وبين صديقتها، الآن تفهم وهي وحيدة في الباحة، معنى تلك النظرة التي غمرتها بها الماما، ثم تلك الضمة القوية التي هصرت بها جذعها الصغير.‏

تلفتت هيفاء حولها في الباحة الواسعة المستطيلة، تنبهت إلى أن الجدران عالية أكثر مما تعرفها، كانت روحها محاصرة، تكتشف أبجدية المعاناة التي يمكن أن يحرضها في نفسها موضوع تعبير... كم هي بحاجة إلى أن تدفن وجهها الآن في حضن الماما، أو حضن العالم بالنسبة لها، الماما أسرتها الحقيقية، وحيدة القطب، انتفضت واقفة وقد أحست بنمل في رجلها اليمنى، حدثت نفسها: لن أكتب موضوع التعبير، لن أكتبه، في روحها تصميم وعناد، جديدان عليها، عصف بها غضب مكتوم تفجر في أعماق روحها، أشعلت عيناها بأول نظرة حقد، قادر بلهب نيرانه الخفية أن يخترق جدران الباحة مجتازاً مدناً وقارات وبحاراً، واصلاً إلى أميركا حيث الرجل الوهم الذي تحمل اسمه...‏

كزت على أسنانها وهي تقول: لن أكتب عنك، لن تكون البابا أبداً، لكن كيف ستواجه مدّرستها؟ ماذا ستقول لها؟ تخيلت أمها تطلب منها برقة أن تؤلف أي شيء، رن الصوت الحنون في أذنيها: سهل يا هيفاء أن نبتدع حادثة طريفة حصلت بينك وبين البابا، مجرد عشرين سطراً يا هيفاء... أنا أساعدك لو أحببت، أنا أكتبها..‏

صرخت هيفاء عالياً في الباحة: لا، لا أريد... رددت الجدران الرمادية العالية صدى احتجاجها الطفولي... لن تتراجع عن تصميمها... لن تبتدع قصصاً وهمية وطرفاً لم تحدث مع أب لم يوجد يوماً في حياتها...‏

مرّت الموجهة في الباحة، انخمصت هيفاء في صدارتها الكاكية، وهي تراقب تسارع خطوات الموجهة نحوها... سألتها: هيفاء، ماذا تفعلين في الباحة... لماذا لست في صفك؟‏

تلعثمت هيفاء، حولت نظرّها باتجاه المراحيض، ضحكت الموجهة قالت وهي تربت على خدها الذي طرّته الدموع: هيا إلى الصف.‏

ردت هيفاء بطاعة: حاضر يا آنسة.‏

تابعت الموجهة سيرها: وجدت هيفاء نفسها تلحق بها راكضة وهي تنادي بصوتٍ يختلج: آنسة، آنسة...‏

التفتت إليها الموجهة وقالت: نعم يا هيفا...‏

سألتها هيفاء لاهثة: آنسة، لو حدث أن تغيبت إحدى الطالبات عن درس التعبير مرتين متتاليتين، فهل تطالبها المدرسة بالموضوع؟!‏

نظرت المشرفة من عالمها العلوي الأصم إلى عالم طفلة غارقة في حنان موجع مرهف. ضحكت قائلة: لم أفهم قصدك يا هيفاء... انكمشت هيفاء وهي تعي أن الكبار لا يفهمون حزن الصغار، وعت بروحها الخام نظرة الاستخفاف اللطيفة التي ترمقها بها المشرفة، ردت وهي تهم بالانصراف: آسفة آنسة، لم أقصد شيئاً، عن إذنك.‏

صعدت هيفاء درجات السلم ببطء مبلبلة بمشاعر غامضة، كبراعم مغلقة، تعرف بحدسها الطفولي أنها ستتفتح مع الأيام وروداً منداة بالدموع، كانت تحث عقلها لينجدها، كيف يمكن أن تفر من مجرد موضوع تعبير، جوهره الحقيقي جرح عمره عشر سنوات، اسمه البابا.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244