موت البجعــة - د.هيفاء بيطار

مـجـمــوعــة قـصـصـيـة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 03:28 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

إشــــــراق

لم يسبقْ أن اختلّت ميزانية فريد بهذا الشكل، كان الكومبيوتر الخفي في دماغه مبرمجاً بشكل دقيق لينظم له حياته، تحديداً أموره المالية، واضعاً نصب عينيه اللتين تشعان دوماً نظرة حب للعالم قاعدة برمجته الأساسية: "خبزنا كفافنا أعطنا اليوم" بلغت دقة الكومبيوتر الخفي حدّ القلق إذا أخطأ بالحساب بمجرد خمس ليرات. كان فريد يسّجل كل مساء مصروفه، نادراً ما ينسى شيئاً، من الخبز، الجبن، التفاح، المناديل الورقية، المواصلات... إلخ، وكان يتوازن حول دخله المحدود كما تتوازن ملعقة معلقة في مركز ثقلها على طرف كأس. كان يعمل موظف محاسبة في شركة المرفأ صباحاً، ومدقق حسابات لتاجرين مرموقين في البلد، بعد الظهر، وسمح له دخله الإضافي أن يعيش بكرامة. كرامة تبدو له متقشفة أحياناً لأنه عاجز عن السفر خارج البلد في رحلة، وعاجز عن اقتناء سيارة، أو أن تكون له أحلام يتطلب تحقيقها الكثير من المال، أحياناً كان يشعر أن كرامته مرفهة لأنه يستطيع أن يأكل لحماً ثلاث أو أربع مرات في الأسبوع، وأن يشتري نوعين من الفاكهة، وأن يكون لباسه أنيقاً. لكن السنوات الأخيرة ألغت تماماً أحلامه المستحيلة التحقيق، آمن إيماناً مطلقاً أنه يستحيل أن يتمكن من إقتناء سيارة، أو السفر في رحلة خارج الحدود!‏

أساس برمجة الكومبيرتر الخفي في مخه هو "خبزنا كفافنا أعطنا اليوم" لكنه لم يكن متذمراً أبداً. دوماً قلبه يطفح بالشكر والإمتنان للعالم كله. الزهرة التي يبهجه منظرها، ويشم أريجها، للماء الذي يروي ظمأه ويغسل قلبه من متاعب العمل، لعصير البرتقال الذي يقول عنه أنه يلامس قلبه حين يشربه طازجاً، كان ممتناً للخبز الساخن الطري المعجون بيد أخيه الفران، ذلك الإنسان المكافح الذي يباشر عمله قبل الفجر ليعجن الطحين، ويخبزه، ويقدمه للناس الذين ينتظرون طوابير على باب الفرن، فريد كان ممتناً للشمس التي تغمر الدنيا بالدفء. ويعتب عليها حين تتمنّع وتبخل على المخلوقات بدفء عواطفها وقلبه يطفح بالشكر للمطر لأنه يفجر الحياة في البذور المطمورة في الأرض، ويغسل غبار الأشجار وأحزانها، في أحيان كثيرة كان يجهل سبب الدموع التي تباغته فجأة وهو يسير في الشارع أو وهو يستقل سيارة أجرة. حيّرته تلك الدموع حاول أن يستنجد بالكومبيوتر المزروع في دماغه ليفسرها له، لكن الآلة العبقرية والغبية أجابته بأن الدموع. عبارة عن ماء وأملاح، لكن قلبه أنجده وكشف له سرّ تلك الدموع، إنها دموع العرفان والإمتنان لكل الأشياء الجميلة واللطيفة في هذه الحياة...‏

كل يوم كان يشعر ربه على نعمة الصحة. ما اسعده وهو يعي كل صباح صحة جسده، ويشعر أن قلبه كحيوان صغير يتنطط سعيداً، وحده الصداع كان يذله من حين لآخر، وقد أجمع كل الأطباء الذين استشارهم أن سببه الإرهاق الشديد، وطبيعة عمله الحسابية التي تقتضي التركيز على الأرقام والحسابات.‏

للمرّة الأولى وهو في خريف عمره تختلّ ميزانيته هكذا، ويقف الكومبيوتر في مخه عاجزاً عن حلّ المعضلة، فقد ورث، أو بشكل أدق، تلقى مكافأة من أحد التجار الذين يدقق حساباتهم الشهرية، قدرها عشرين ألفاً، كان قد خصصها له التاجر بعد وفاته، وحين قدّم التعازي لأولاد التاجر الفقيد، سلّمه المحامي ظرفاً قائلاً : هذه أمانة من التاجر.قلب الأوراق المالية من فئة الخمسمئة ليرة في يده تنهد بسعادة: يا سلام، أربعون خمسمئة. بدا له المبلغ من الضخامة لدرجة أربكته، حاصرته عشرات الصور تغريه بالصرف، تجسدت أمام ناظريه عشرات الوجوه التي يحبها وتجمعه معها ألفة عميقة ومديدة، ويتمنى أن يُفرحها. لم يحتمل أن يذهب إلى البيت متأبطاً المبلغ، آه كم يستطيع أن يصنع بواسطته أشياء جميلة..‏

قصد سوق التجار حيث تترامى المحلات التجارية تتنافس في عرض بضائعها، أغواه حذاء من الجلد اللماع يطلّ من الواجة ، حدّث نفسه بود: اشتره يا فريد، أنتَ تستحقه، صحيح أنك لا تحتاجه، لكن لِمَ لا تكون مسرفاً يوماً واحداً في عمرك، صحيح أنه حذاء باهظ الثمن، ولم تعتد أن تلبس أجود الأنواع، لكن لا بأس، بدد بضعة آلاف ثمن حذاء لمرة واحدة في حياتك... لم ينسَ أن يحدّث نفسه حين دفع ثمن الحذاء للبائع، قائلاً: ألف مبروك يا فريد.‏

حين أخرج رزمة المال من جيبه ليدفع للبائع، أحس بغطرسة الأمراء، رفض أن يتسلم من البائع الليرات القليلة المتبقية من سعر الحذاء، غاص في أعماقه متلذذاً بالمتعة الخاصة والعارمة للشراء، حدّث نفسه! لا يمكن إذلال المال إلا بصرفه. وإلا فهو يصير السيد، ويذل صاحبه، يجبرك أن تعامله كابن وحيد تخشى عليه من القبلة خوفاً من انتقال الجراثيم اليه.‏

حمل الكيس الأنيق الذي يحوي أفخم حذاء ستلبسه قدماه خلال نصف قرن من الزمن، أطلّت ثلاثة وجوه يعبدها - أولاد أخيه- في واجهة مخزن ألبسة للأطفال، ناداهم بحنان ريم، حمادة، رَهف، دمعت عيناه وهو يتخيل سعادتهم الطفولية التي يشعر أن لها رائحة الورد الجوري، وهم يفتحون هداياه، مازح نفسه قائلاً: اسخ يا رجل، اسخ على الأطفال المساكين، اشتر لهم الثياب التي لا يحلمون بلبسها، فجيبك مليء بالمال، مال لا تحتاجه بل يربكك، حوّله إلى بهجة، راقت له الجملة الأخيرة كثيراً، تمنى لو يتقن حرفة الكتابة ليؤلف قصة يسميها "حول المال إلى بهجة"، اختار ثياباً رائعة لأولاد أخيه، وحين دفع نصف المكافأة ثمناً لها، أحس بغصة ملتبسة في قلبه، إنه ثمل بالسعادة، لكن ثمة شعور يهمس بأذنه بأن ما دفعه يعادل شقاء أربعين يوماً يرهق خلالها عينيه من الصباح حتى المساء، هزأ من الشعور المتسلل إلى روحه المبتهجة قائلاً: أية سعادة تعادل أن يفرح أحبائي. سلمته صاحبة الدكان الثياب قائلة: أنت سخي مع أولادك.‏

غصّ وهو يرد على ابتسامتها بابتسامة مجاملة: أجل، هاجمته صورة نجوى، زوجته التي هجرته بعد عامين من الزواج لأنه عاقر، عذرها وطلقها رغم حبه الشديد لها، تذكر نظرة الطبيب التي تعود لأكثر من ربع قرن، نظرة طافحة بالشفقة وهو يقول له: للأسف يبدو أن النكاف كان له تأثير سييء للغاية.. قاطع الطبيب: فهمت، فهمت يا دكتور. لم يحقد ولم يستسلم للقهر، ولم يسمح لأية عقدة أن تتشكل في روحه المنسوجة من النور، استوقفته شحاذة لم تتجاوز الخامسة من عمرها كما قدّر،أحس بخجل وهو يواجهها محملاً بالأغراض تأملها بكل الحنان المختزن في روحه كيف تمد له كفاً صغيرة قذرة وتلبس أسمالاً غريبة لا يعرف حقيقة لونها وشكلها، وتقول بصوت جعل قلبه يرتجف: من مال الله، ترجع صدى صوت الصغيرة في أذنيه: من مال الله، ليت المال يكون لله، ويوزعه بالتساوي على البشر، أحس بما يشبه اليقين أن لهذه الصغيرة حصة في مكافأته، أنقدها دون تردد خمسمئة ليرة. حملقت فيه بذهول، انفتح فمها لتقول شيئاً، لكن يبدو أن الكلمات فرّت... عصرت ورقة النقود بكفها وفرّت هاربة من أمامه، راكضة بسرعة إعصار، ابتسم لطيفها وهو يدرك حقيقة سلوكها، بالتأكيد اعتقدت أنه يمزح، وسيستعيد نقوده، أو لعلها تعتبره مجنوناً إنما لن يخطر ببالها أبداً أنها إلتقت رجلاً قلبه مفعم بالحب.‏

ذكرّته واجهة مخزن للحلويات بجاره المقعد الذي لم تعد له متعة في الحياة سوى تذوق الشوكولا والسكاكر، اشترى كيسين من أفخم أنواع السكاكر، وتخيل المقعد في الثمانين يفرح بالمفاجأة وتزداد تغصنات وجهه بابتسامته العريضة، ماذا لو أدخل البهجة إلى قلب هذا المسكين، الذي يتذمر أولاده وأحفاده ليل نهار من خدمته، ماذا لو أشعر هذا الكهل المهترئ، الذي يعرف بأعماقه أن الكل ينتظر موته، يحلم بموته، ليستولوا على غرفته، وفراشه وآلة حلاقته! ماذا لو عرف هذا الرجل المسكين قبل أن يستقر في كفنه أن ثمة قلباً يحبه ويتمنى له السعادة...‏

دارى ابتسامة نصر وهو يتأمل نفسه بعين خياله محملاً بالأغراض، أحس أنه أثرى رجل في العالم، تأمل عمق المتعة التي حققها له ذلّ المال بالصرف، بتحويله إلى بهجة، وابتسامة نهديهما للآخر، كان يفتش عن كلمات يصف بها متعة الصرف، خاصة، أنه لم يتعرض طوال حياته لهبوط ثروة مفاجئة عليه!‏

كان قد اقترب من منزله حين غزت خياله صورة البواب، الرجل البائس المتذمر أبداً من ثمن أبر الانسولين، تذكر البواب يوم قال له غاضباً: والله يرتفع سكر الدم معي كل مرة أشتري أبر الأنسولين، والله أدفع ثلاثة أرباع راتبي كل شهر ثمناً للدواء... أليس الموت أشرف من هذه الحياة؟! لماذا لا يفاجئ البواب بعشرة أبر أنسولين على الأقل؟ يا للحظ السعيد ها هي صيدلية على بعد خطوات منه، سيشرح للصيدلي الأمر، وسيقنعه أن يبيعه الإبر دون وصفة طبية، هاله المبلغ الكبير الذي دفعه للصيدلي، لكن العزاء سرعان ما طغى على روحه، وهو يتخيل سعادة البواب التي تقارب الذهول.‏

أخذ جسده ينضح العرق، من المشي ربما، أو من ثقل الأغراض التي يحملها، حدث نفسه: تبخرت المكافأة يا فريد خلال ساعة... ضحك: ليكن، ما أسعدني وأنا أجمّل الحياة بالمال.غمرته سعادة عارمة وهو يتخيل السرور المرتسم على الوجوه التي يحبها حين سيغمرهم بهداياه لكن شعوراً قاسياً انقضّ عليه، كلصٍ متربص به، وهو يهم بالإنعطاف إلى حارة منزله، شعور جعله يتوقف، مسقطاً الأغراض من يديه، ليسائل الحياة بدهشة طفل في الخمسين: ترى ماذا يفعل الأغنياء بالمال!!!!‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244