|
||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 03:28 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
هذا من فضل ربي أذكر عاصفة الضحك التي انتابتني أول مرة رأيته، كان رجلاً يتجاوز الأربعين، يركب دراجة، وقد لبس معطفاً مطرياً من النايلون الأخضر الرخيص، وسجن رأسه في كيس نايلون أبيض، كان يبدو مرتبكاً ليس من المطر فقط، بل من طبقة بخار الماء التي شكلتها أنفاسه على سطح الكيس من الداخل، لكني خجلت من عاصفة ضحكي وتحول شعوري نحوه إلى شفقة عميقة. بعد أيام التقيته عند باب المصعد، لا أدري لماذا انتابني فضول شديد لأتفحصه متجاهلة انزعاجي من الناس الذين يتفحصون مظهر غيرهم، ووصفهم بقلة الذوق، هذه المرة لم أبال. شيء أجهله شدني لتفحصه بدقة، واستوقفني إطار نظارته الذي ثبته من جهة بسلك معدني رفيع، كان الإطار مائلاً، وبدت عيناه داكنتين مطفأتين من وراء الزجاج السميك، كانت سمرته داكنة، سميته بسرى "العتم". كان يرتدي كنزة رمادية قدرت أن عمرها أكثر من عشر سنوات، لارتخاء أكمامها، ولبعض القطب المنفتقة عند البطن والياقة، وأحسست بارتباكه فخفضت نظري ليصطدم بحذائه البني المتخشب، وأنتزع دهشتي، لم أر في حياتي رِجْلاً بعرض رجله أبداً. بدا مرتبكاً، سألته أي طابق يقصد قال: الخامس، ابتسمت، كنا نقصد الطابق نفسه. دخلت مكتبي ورأيته يخرج مفاتيح من جيب بنطاله ويفتح باب مكتب ظل مغلقاً سنوات. دخل وأغلق الباب وراءه، عرفت أنه ينظف المكتب لأن قرقعة أصوات التنظيف كانت تصلني، بعد ساعتين خرج صافقاً الباب وراءه بقوة انتزعت مني شتيمته عنوة. كان المكتب المهجور سنوات لمخلص جمركي تقاعد عن العمل منذ سنوات لإصابته بنوبات احتشاء قلب متكررة، وكنت أسمع من جيراني في المكاتب المجاورة أن الزمن جار عليه حتى أفلس، بعد أن كان يلعب بالمال بلا حساب. بعد أيام عاد العتم -كما سميته- يفتح المكتب، وعرفت من الجيران أنه رجل فقير رجا المخلص الجمركي كي يعمل باسمه، واستطاع أن يقنعه أن يجربه عاماً واحداً، ويبدو أن الأخير قبل، لأن الزمن اضطره أن يحتاج للمبلغ البسيط الذي سيدفعه له الرجل العتم. كان العتم أبا لسبعة أطفال يعيش مع أسرته ووالديه العجوزين في قبو مؤلف من ثلاث غرف. كان قد حصل على الشهادة الابتدائية وتنقل في أعمال كثيرة، كان آخرها أنه عمل حاجباً عند مخلص جمركي معروف أربع سنوات، تركه بعدها، بعد أن تعلم فن المهنة ومن أين تؤكل الكتف، وأقنع المخلص الجمركي القديم بأن يعمل باسمه ويفتح مكتبه في التخليص والشحن والترانزيت العربي والدولي. ابتدأت رغماً عني أراقب حلقات المسلسل اليومي، فمكتب العتم مقابل مكتبي مباشرة، كان يستحيل أن أتجاهل ما يجري أمامي كل يوم، وإذا قصدت في البداية التجاهل، فإن تطور الأحداث جعلني منشدة بشكل عجيب لمتابعة ما يجري. خلال أشهر صار المكتب يعج بالمراجعين من جميع المستويات، رجال أعمال، أطباء، مهندسون، رجال سوقيون يلبسون جلاليب، يصرخون مطالبين بأجورهم، عرفت أنهم سائقي الشاحنات التي تنقل البضائع، كانوا دوماً على خلاف مع العتم حول أجورهم، وكانت تنشب معارك حادة بينهم وبين العتم يتبادلون فيها أقذر الشتائم وفي كثير من الأحيان تشتبك الأيدي ويبدأ الضرب، حتى يتدخل موظفو المكاتب المجاورة. مصيبة كان هذا العتم في طابقنا، لكنه بعد أن انطلق في عمله، حاول تحسين علاقاته مع الجيران، قصدني ذات صباح، بدا مضحكاً في ثيابه الجديدة المتنافرة الألوان، جاكيت بمربعات عريضة من اللونين الخمري والأخضر، وبنطال عفني، وحذاء جديد بني اللون، كنت أدهش كلما نظرت إلى قدميه. كانتا أشبه بقطعتي خشب عريضتين. استأذنني في الدخول بأدب مفتعل ومبالغ به، قلت له تفضل، فهو جاري في كل الأحوال. كنت أرشف قهوتي وسألته إن كان يرغب بفنجان قهوة، قال: لا مانع عندي، لكن لو سمحت بدون سكر لأني اشكو من الداء السكري. كان يدخن بشراهة غريبة، دخاناً خنقتني رائحته فهو من أردأ الأنواع وأرخصها، جلس يرشف قهوته ويفرز كلامه العشوائي، لم يسألني أي سؤال شخصي، من فوضى كلامه فهمت أنه يتحرق قهراً لأنه لم يكمل تعليمه، وان حلمه الوحيد أن يحصل أولاده على الشهادات الجامعية، وأن الله أخذ يفتح عليه بالدخل الممتاز بعد سنوات طويلة من القهر والحرمان، وفي آخر كلامه أفهمني قصده الحقيقي من زيارته، كان يريد أن أتوسط له في مكان عملي الصباحي في المستشفى كي يصلح أسنانه مجاناً، ووعدته وخرج يمطرني بكلمات الشكر والدعاءات بتحقيق كل أمنياتي، ولوهلة أردت أن أطلب منه بصدق، أن أهم أمنياتي أن يوقف شجاراته العنيفة والمقرفة مع سائقي الشاحنات، لكني آثرت الصمت. في نهاية العام الأول، انتهت حلقات المسلسل اليومي لجاري العتم بأن اشترى المكتب من صاحبه، واستبدل بدراجته سيارة جولف مستعملة، وسمعت أنه انتقل من القبو إلى بيت كبير، وصار عدد موظفيه أربعة. آه نسيت أن أقول أنه جدد أثاث المكتب بكامله. في نهاية العام الأول كنت أتأرجح بين المعقول واللامعقول، هل يعقل دخل العتم وفي عام واحد؟ كنت أميل إلى اعتبار أن كل ما حدث من تطورات مع جاري هو ضمن المعقول. كنت أبرر له، ماذا فعل، استبدل الدرجة بسيارة، لكنها مستعملة، اشترى المكتب بالتقسيط ربما، لعله أخذ قروضاً كثيرة، انتقل من القبو إلى بيت كبير، لكنه استأجره. لماذا كنت أبرر؟! ليس لأن العتم يعنيني -بل لأني ما كنت أريد لعقلي وأحاسيسي أن تصطدم ببشاعة الحقيقة، الحقيقة التي أخذت تتكشف لي شيئاً فشيئاً فيما بعد. في عامه الثاني أذهلني فعلاً، كان ينتزع دهشتي كل يوم، تراكمت الأحداث بسرعة ما عدت قادرة على ملاحقتها، فما أن انتصف العام الثاني حتى صار عدد موظفيه ثمانية. أربعة يداومون صباحاً، وأربعة بعد الظهر حتى ساعة متأخرة من الليل، يعملون كالنحل، إضافة لموظفين اثنين نادراً ما كانوا يأتون إلى المكتب لأن عملهما الرئيسي في الجمارك. ما كاد العام الثاني ينتصف حتى كان العتم قد اشترى منزلاً كبيراً وفي أرقى شوارع المدينة، وباع سيارته المستعملة واشترى سيارة رينو جديدة، وأنه ساوم جاره ليشتري مكتبة ويوسع نشاطه، وأمام اغواء المبلغ الكبير الذي دفعه العتم قبل الجار أن يبيعه مكتبه، وجعل مكتباً للموظفين ومكتباً خاصاً به، لضيوفه الخاصين، وللشخصيات الاعتبارية، ولعشيقاته من النساء اللاتي أخذن يتوافدن إليه، شيء وحيد لم يتغير هو شجاراته السوقية مع سائقي الشاحنات، التي كانت تدفعنا للهروب وإغلاق مكاتبنا في كثير من الأحيان. في نهاية عامه الثاني كان قد تزوج إحدى موظفاته، وهي فتاة جامعية جميلة من أسرة متواضعة تصغر كبرى بناته بسنتين، قبلت بالعتم بكل فخر واعتزاز، دافنة حرمانها إلى الأبد، مطلقة أحلامها تسابق ملايين العتم، وماذا يعنيها من زوجته وأولاده أو من الفرق الثقافي بينهما. فالملايين تخلق المعجزات! اشترطت أن يشتري لها فيلا لا تقل فخامة عن منزل زوجته الأولى، وسافر مع زوجته الثانية شهراً إلى باريس، عاد محملاً بالهدايا الثمينة للموظفين كلهم، وفي نهاية عامه الثاني كان يدخن الروثمان، ويتباهى بإطار نظارته الريبان من الذهب الخالص. في بداية عامه الثالث كان قد اشترى سيارة مرسيدس أحدث موديل، كما اشترى مكتباً في دمشق بالملايين، وآخر في بيروت. كان يفاخر أنه استورد أجهزة طبية لثلاثة مشاف، وأن الأطباء يقصدونه لاستيراد الأجهزة الطبية، وما عاد من حديث يسكره ويعوضه عن نقصه سوى ما نفع الشهادات؟! وما نفع العلم، كنت أتابع بصمت وبدون تعليق تطورات المسلسل اليومي، وفي عامه الثالث سافر إلى مكة للحج، وعاد باسم جديد الحجي، وبعد أيام أخذت وفود من رجال الأعمال السعوديين تتوافد إلى مكتب الحجي وتعقد معه الصفقات التجارية، لقد ضرب عصفورين بحجر واحد في حجته، فقد منن الله، أنه أدى واجبه، ووسع نشاطاته التجارية مع السعوديين. كان يبالغ بتبرعاته للجمعيات الخيرية خاصة للمواساة الإسلامية، ويسأل الجيران عن العائلات الفقيرة ليساعدها. كان يعتقد بسره أن دعاء الفقراء الذين يغدق عليهم أمواله يرد عنه نار جهنم للطريقة التي جمع بها هذه الملايين، ذلك أنه كان يؤمن بمادية جهنم بالنار المحرقة، وكان يحلم بحوريات الجنة، ويحلم بهن كل يوم، كن وحدهن يدفعنه للتبرعات للجميعات الخيرية، معتقداً أن ذلك هو الأسلوب الوحيد الذي سيعبر به إلى الجنة. ذات صباح سمعت صوت تكسير حاد في مكتبه، وصراخ موظفة، وظننت أن المسكينة جرحت، وهممت لنجدتها، لكني ذهلت من منظر العتم وقد كسر أحدث آلة كاتبة كهربائية لأنه لم يعرف كيف يدير أزرارها، فلطمها، وصرخت الموظفة مذعورة. كان سعر الآلة يعادل دخل موظف محترم لمدة عامين لكنه بعد أن هدأ كطفل يحمل لعبته قال بسيطة الآن أشتري غيرها... وأسرع إلى مكتبه ليفحص سكر الدم بجهاز متطور لعيار سكر الدم. كان منظره وهو يستخدم أحدث المبتكرات العلمية مثيراً للضحك والألم معاً... كنت أحسه لقطة سينمائية ناجحة جداً، ولكن أين المخرج الذي سيكتشفه؟! حكت لي إحدى موظفاته ذات يوم أنه شره للحلويات وأنه أوقف علاج السكري لامبالياً بنصائح الأطباء، لأنه يؤمن بمزار في الدريكيش يشفي المرضى من عللهم. في نهاية عامه الثالث، التقينا عند باب المصعد، أنا وهو، فتح لي الباب وقال بتبجح: تفضلي جارتنا العزيزة، كان يحمل يافطة كبيرة تدير لي ظهرها، ضغط الزر الخامس للمصعد، كانت رائحة عطره تخنقني، يبدو أنه صب زجاجة الكولونيا بكاملها على جسمه، كان عبارة عن ماركات عديدة مجتمعة، النظارات الريبان، حمالة المفاتيح المرسيدس من الذهب، حذاؤه الذي تفوح رائحة جلده الطري... كانت البرهة التي استغرقها المصعد ليصل إلى الطابق الخامس تكثف لي زمنه خلال ثلاث سنوات، يوم رأيته يركب الدراجة غارقاً بالنايلون، والعتم، نصف المتعلم، والأمي، الذي يوقف علاج السكري لإيمانه بالمزار الذي يشفيه، شجاراته مع سائقي الشاحنات، زيارته لمكة بحجة الحج، السعوديون، الأطباء، التجار، علاقاته المتشعبة، والملايين التي جمعها في فترة وجيزة. بدا لي زمن ثرائه بسرعة صعود المصعد، غريب، كنت أتساءل غير مصدقة: غير معقول كيف ذلك؟ أيعقل ذلك؟ فتح لي باب المصعد وأنا في قمة احتراق تساؤلاتي، تعلم أن يتصرف كرجل حديث النعمة. قال تفضلي، اتجهت لمكتبي واتجه هو إلى مكتبه، وفجأة حانت مني التفاتة باتجاهه. كانت اليافطة تدير لي وجهها المذهب، وقد كتب عليها بخط كوفي كبير، (هذا من فضل ربي)، انتزع مني ضحكة لها طعم دواء مر كنت أهرب منه وأنا صغيرة معتقدة أنه يسمم ولا يشفي... |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |