موت البجعــة - د.هيفاء بيطار

مـجـمــوعــة قـصـصـيـة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 03:28 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

كل شيء بحكمة صنعتْ

لم يحظ حدث في تاريخ البشرية، بالاهتمام، والذهول والسعادة التي شارفت حدّ الجنون، كالاختراع الذي حققه فريق من العلماء بعد سنواتٍ من العمل في مخابرهم السرية، وهو التحكم في عمر الخلية البشرية، وطرد شبح الموت عنها حتى عمر الستين. امتلأت الصحف في جميع أنحاء العالم بعناوين عريضة مثل: لا موت قبل الستين. العلماء يضمنون لك الحياة مهما تعرضت لحوادث وأمراض حتى عمر الستين.‏

اطرد شبح الموت، ونم بأمان حتى الستين.‏

كان الاختراع المذهل، كما سمّاه العلماء مادة سموها أكسير الحياة، مادة قادرة على جعل الخلايا حية حتى العام الستين، بعدها تعود السيادة للموت الطبيعي كما يرسمه القدر، للمرة الأولى في تاريخ البشرية استطاع العلم أن يهزم القدر هزيمة ساحقة، ويطرده حتى الستين. دبّ الحماس في أقلام الكتاب والشعراء، وابدع خيالهم قصصاً وقصائد، تدور كلها حول هزيمة القدر، ذلك العدو الذي أذلّ البشرية قروناً طويلة.‏

حتى الفئة القليلة التي اعتبرت هذا الاختراع منافياً للأديان، بحجة أن عمر الإنسان مكتوب منذ الأزل في لوحة القدر وجدت نفسها عاجزة عن كبت سعادتها العارمة، فهل توجد سعادة تفوق أن تضمن حياتك حتى الستين؟! أو ليس الله عز وجل أعطى العقل للإنسان ليتوصل إلى هذا الاختراع، ومما ساعد في إجهاض اعتراضاتهم الشكلية، كون القدر يعود لسيادته بعد الستين.‏

المذهل في كل هذا الاختراع أن أكسير الحياة، مادة أطلقها العلماء بشكل بخار، غمرت كوكب الأرض، وكل من تنفسها كسب حياة، مؤكدة حتى الستين، ولم يبق إنسان على وجه البسيطة لم يتنفس أكسير الحياة، أصاب القلق الجماعي سكان الكوكب الهائج بالاختراع الجديد، فلم يغمض لهم جفن ليالي عديدة، وحدهم الأشخاص الذين تجاوزوا الستين، أحسوا بالغبن وخيبة الأمل، لأنهم لم يستفيدوا من الاختراع الجديد، كان لسان حالهم يقول: أما كان باستطاعة العلماء التحكم بموت الخلية البشرية حتى عمر السبعين أو الثمانين؟! لكن مشاعرهم سرعان ما وجدت طريق العزاء، وهم يعون أنهم عاشوا امتياز الاختراع الجديد، بشكل عفوي وطبيعي.‏

تبلبلت الدنيا بهذا الاختراع، ولم يبق قانون إلا وخضع لهزة، لم تبقَ حقيقة إلا وأعيد النظر فيها، امتلأت النفوس بمشاعر عنيفة متناقضة من فرح وقلق وشك وذعر، وأمان، أحس الناس كأنهم يتعرفون على الحياة للمرة الأولى. الآن لا خوف على جنين من الموت، ولا على مريض، ولا شخص تهشم بحادث سيارة، فإكسير الحياة يجدد الخلايا مهما كانت أذيتها حتى عمر الستين.‏

لم يمض شهر على الاكتشاف المذهل للعلماء، حتى انفجر خلاف عنيف بين الأشخاص تحت عمر الستين، وأولئك الذين تجاوزوا عمر هزيمة القدر، طالب الشبان بنقل كل المناصب والسلطات والقرارات الحيوية، لأيديهم، لأنهم يقفون في الجانب الآمن من الحياة، لم يرض الفريق المقابل الذي يهزمه قدره، ويسلط عليه شبح الموت كل لحظة بمنطق الشباب ردوا بقهر: بان عُمر الحكمة والخبرات هو عمرهم، لكن الفريق الذي هزم الموت رد بجسارة وقحة بأن الضمانات الآن في أيديهم، وبأن انتصار خلاياهم على الموت يعطيهم كامل الحق في رسم شكل الحياة التي يريدونها، وبأن الأشخاص بعد الستين ليسوا سوى ضيوف ثقيلي الوطأة عليهم ينتظرون سخرية قدرهم لينهي حياتهم.‏

لم يتوصل الفريقان المتنازعان حول رقم ستين لحل يرضي الطرفين، سرعان ما انقسمت المدن إلى قسمين، قسم يعيش فيه الأشخاص قاهرو الموت، وقد علق كل منهم لافتة على باب بيته وداعاً أيها الموت السخيف أو لا مكان لك عندنا أيها الموت، وقسم يعيش فيه الأشخاص الذين تجاوزوا الستين، الذين سموا أنفسهم ضحايا الاختراع الجديد، لأنه ضيع هويتهم واستقرارهم النفسي، ونفاهم تحت خيمة الموت، يذكرهم بها كل لحظة، وبلغ الخلاف حد الانفجار بين الفريقين، وخشي المتنورون من اندلاع الحرب، وتشكلت وفود للتفاوض توصلت بعد اجتماعات مكثفة إلى أن يستقل كل فريق بقوانيه، وأن توضع قوى لحفظ الأمن على الحدود.‏

ومع الزمن تحقق نوع من النظام والتواطؤ الضمني بين الفريقين، كان كل شخص يقترب من الستين ينتقل بشكل روتيني ليعيش في أحياء من يخيم على حياتهم شبح الموت.‏

سرعان ما فرضت العزلة نفسها بين العالمين، فصار لعالم قاهري الموت هواياتهم الخاصة ومسارحهم وقصصهم وبرامجهم التلفزيونية. كان يمكن للحياة أن تسير بشكلها الطبيعي، ولهيجان الفرح أن يستمر، لولا تنبه العلماء أنفسهم الذين اخترعوا أكسير الحياة، إلى أن ثمة أمراضاً نفسية جديدة، أخذت تتفشى في جيل قاهري الموت، شكا الأهل من كسل أولادهم، وتهربهم من واجباتهم المدرسية والجامعية، أما الحجة الدافعة للأولاد بأن أمامهم الكثير من السنوات للعمل والدراسة! فلم العجلة؟! كما تضاعفت الجرائم والسرقات مئات المرات عن معدلاتها قبل اكتشاف أكسير الحياة فما عاد سكان الدول التي تشكو المجاعات يموتون، رغم سحنة الموت في وجوههم، لكن خلاياهم ظلت تخفق بالحياة والحركة، أصيب الأغنياء بذعر من غزو الفقراء لثرواتهم... الناس كلهم أصيبوا بذهول، أدى لفقد العديد منهم قدرتهم على النطق، وهم يتفرجون على جرائم مثل إطلاق النار والطعن بالسكين، كيف لا تؤدي إلى الموت، لأن الخلايا المتجددة أبداً سرعان ما تلتئم وتدب فيها الحياة!‏

دفع الأغنياء مبالغ خيالية للعلماء ليساعدوهم في اكتشاف طرق جديدة لتحصين ثرواتهم من غزو الفقراء. لم يمض عام على الاكتشاف المذهل حتى تحول الكوكب الهائم في الفضاء بساكينه إلى كرة من حقدٍ ونار وغضب، وموت كل لحظة دون موت فعلي.‏

تجرأ بعض الكتاب، وكتبوا أن الموت القدري ألطف وأكثر رحمة بالبشرية من أكسير الحياة الذي هزم الموت ونفاه إلى ما بعد الستين.‏

انفجرت الأرض بالكثافة السكانية، وأخذ الفقراء قاهرو الموت يتسللون عبر الحدود إلى المناطق التي يسكن فيها الكهول ليرتكبوا جرائم لم يشهد التاريخ مثل بشاعتها، وامتلأت الشوارع بجثث الكهول المساكين الذين تجاوزوا الستين، تنشط الصحفيون والتقطوا صوراً لأطفال المجاعات يغزون عالم الأغنياء، الكاميرات الخفية صورت مشاهد عجيبة لأطفال، لا يتجاوزون العاشرة من عمرهم، يسرقون دكان صائغ، وكيف أطلق الصائغ النار في رأس أحد الأطفال، لكن المصاب ضحك وهو يعلق قائلاً: سيلفظ جسمي هذه الرصاصة بعد قليل، هل نسيت أنني محصن ضد الموت، جن الصائغ وتمنى لو يقتل نفسه ويرتاح من حياة الجنون والرعب هذه، لكنه كان يعلم أنه محروم من هذه النعمة أيضاً. صعق الناس بحوادث لم يتعرضوا لها من قبل اكتشاف أكسير الحياة، فذات صباح ضجت الصحف بصراخ صحفية شابة تعرضت لصدمة عاطفية زلزلتها، أرادت على أثرها أن تنهي حياتها فلم تتمكن، رغم أنها تناولت مئة قرص منوم، وحزت شرايين معصمها بمشرط حاد، لكن كل خلاياها عادت للترمم وواصلت الحياة، انفلت صراخها عبر صفحات المجلات: لا أريد أن أكون عبدة للحياة، أريد حريتي، أريد اختيار لحظة موتي، أريد قدري الذي لا أملك زمامه. كانت أول من تجرأت على نقد الاختراع الاسطوري، ولكن ما إن انفجرت صيحتها حتى تتالت الصرخات، وغزا ضحايا الاختراع شاشة التلفاز، وعرضوا مآسيهم الجديدة... إحدى الأمهات لم تتمالك من ضبط أعصابها أمام المذيع بكت وهي تقول بأن ابنتها في السابعة عشرة من العمر، قررت أن تعمل عاهرة عدة أعوام، ثم ستتابع دراستها وستتزوج عندما تقترب من الأربعين لتنجب طفلاً محققة إرواء نزعة الأمومة في نفسها، وبأنها قبل الاختراع كانت مخطوبة لشاب مكافح تحبه، وقد تعاهدا على الزواج، لكن الاختراع مكنها من الإمساك بسنوات طويلة من حياتها، وبالتالي غيرّ أخلاقها، رجل مسكين على أعتاب الستين، أصيب بكآبة حادة وهو يقول بأنه لا يطيق الابتعاد عن أحفاده والانتقال للعيش في القسم المخصص لمن تجاوزوا الستين من عمرهم، وبأنه سيتأذى -هو وأحفاده- من القطيعة المفروضة عليهم من قبل القيمين على تنظيم الحياة بعد الاختراع.‏

إحدى السيدات عبرّت بصراحة لا متناهية، عن أنها أصيبت بما تسميه جفافاً عاطفياً بعد الاختراع، وبأنها لم تعد تخشى على أولادها من الموت والمرض وحوادث السير، وتساءلت: ترى هل يؤكد أكسير الحياة على مستوى العاطفة وعمقها، فأنا أشعر أنني متجففة من العواطف ولم أعد أهتم بأطفالي وأقبلهم كالسابق، وليس أطفالي فقط، بل كل من حولي، أحس أنني لست أنا. مئات التساؤلات كانت تنبثق كل يوم، مئات الأوضاع الغريبة والشاذة... أحست البشرية أنها متورطة بالاختراع، وبمشاكل مخيفة ما كانت تحسب لها حساباً. هبت مظاهرات قادها الفقراء لغزو عالم الأغنياء، وقد حملوا لافتات كتبوا عليها: لم نعد نخشاكم، لأننا قهرنا الموت. ما عاد البشر، يشبهون ما كانوا عليه، كانوا مخلوقات تعرف بشكل غامض أنها كائنات بشرية... أصيب العلماء بذعر، عادوا إلى مخابرهم السرية يعملون ليل نهار، لإبطال مفعول أكسير الحياة الذي تجرأ وتحدى القدر!!.‏

كانون الأول 1996‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244