استعاد
الجريدة من أهله، ونزل إلى الحديقة، التي يقوم على
حافتها العلوية عدد من الأشجار الباسقة، وفي قسمها
الأسفل أشجار مثمرة، وجلس فوق كرسي كان قد أخذه معه
قرب شجرة برتقال، والطيور تغني حوله وتثب بين
الأغصان، وكأنها - فيما خيل إليه رغم كل شيء- تشاركه
في فرحته بأول قصة تنشر له. وأعاد قراءة القصة عدة
مرات، كان يتوقف من وقت لآخر ليتمعن في بعض المعاني
والأفكار والتشابيه والصور، ويحاول أن يطبق عليها
بعض ماسمعه من نقد لها في المقهى، وأعاد أيضاً
قراءة بعض المسودات، التي كان قد حملها في جيبه،
وإذا بحماسته لها تفتر، وإذا به يكتشف أن ماكتبه
ليس ذا قيمة كبيرة في مجال الخلق والإبداع، هذا ما
بدأ يتضح له فجأة بعد القراءة المتكررة. إن معظم ما
كتبه حتى الآن كان مجرد مقالات وقصص وخواطر ارتبطت
بالأرض، وبالواقع الاجتماعي حقاً، ولكن هذا الذي
نشر له منها هاهنا قد لا يعبر عن ذلك بصورة واضحة،
ولا بطريقة فنية ملائمة، فالنثر له حدود أخرى وأصول
أخرى. أكان ذلك الممازح الساخر على حق؟ وتساءل في
نفسه... أليس من الأفضل له أن يجرب شيئاً آخر؟
واقتنع
دون أن يطول به التفكير بأن للنثر قيمة تعبيرية أقل
من الشعر. فهو لا يستطيع تصوير الحقائق بصورة مؤثرة.
وتذكر أنه كانت له في أول أمره محاولات شعرية
أيضاً، كان قد أهملها قبل أن يفكر في نشرها، وكان
ذلك عندما كثر الحديث عن كتابة النص النثري والقصة
النثرية التي تقرب من الشعر على نحو ما. وفي الحال
فكر في الأسماء، التي قرأ لها، وكذلك الأسماء التي
لم يقرأ لها، لكنه سمع الأصدقاء وغير الأصدقاء
يتحدثون عنها بإعجاب كبير.. أسماء الشعراء، الذين
أصبحت لهم مكانة عالية في الأدبين العربي والأجنبي
من غير أن يكتبوا مثل هذا النثر السائب، الذي يكتبه
هو مقالاً أو قصة أو نصاً من هذا النوع.
وانتظر
مع ذلك أن تكتب الصحف عن القصة، التي نشرها، فقد يجد
فيها أحد القراء أو النقاد مايبشر بمستقبل أدبي له،
فيشيد بها بعد أن يجد لها ماتحتاج إليه من وضوح!
وهنا ضج في الأعماق سؤالان: لماذا يتوقف وجود النص
على الوضوح؟ ألا يكفي أن يكون النص نصاً دون صفة
الوضوح هذه؟ وما أسرع ماوجد الجواب الذي يرضي
طموحه. كتابة النص كتابة وكفى! وتوالت به الأيام،
ولكن الصحافة لم تكتب عن قصته، ولم يقرأها الكثير
ممن حدثهم عنها من معارفه ومعارف معارفه، كأن قصته
لم توجد. بل كأنه هو نفسه لم يوجد أديباً ومفكراً!
فقرر أن يعود إلى قراءة الشعر... وإلى ممارسة كتابته
من جديد. وقد قرأ في أحد الكتب النقدية أن الشعر هو
طريق الخلود في عالم الفكر الفنان! وليس هناك من
غيره، وما النثر سوى عملية ثانوية قد يخلد صاحبه في
نوع أدبي ما، قل أن يسمو إلى منزلة الشعر! ولأمر ما
كان للشعر شيطانه -أو عروسته- دون النثر! فليكن إذن
شاعراً مبدعاً. وهذا يقتضي منه أن يكون إبداعاً
حديثاً، أي أن يهمل كل من ماتوا وحنطوا تحنيطاً وكل
من لا يزالون يقلدونهم في التفكير والأسلوب
والطريقة والغرض، وليكون فقدهم شبيهاً بفقدان
الوضوح في كتابة النص لدى من لا يفهم أو يرفض أن
يفهم! يجب أن يكونوا عدماً بالنسبة إليه وإلى كل
شاعر يعيش عصره ويظهر له الوفاء والانتماء
والتبعية!.
ومنذ
ذلك اليوم أصبح نوار يتردد إلى مقهى التمتمة، وهو
يفعل ذلك عادة في وقت مبكر، ويجلس فيه مع شلة من
المعارف وغير المعارف حسب مايتهيأ له عند وصوله
مرة، وبناء على اختياره مرة أخرى إيماناً بما له في
تصوره من فراسة، وكان يجلس في أغلب الأحيان في
الهواء الطلق بساحة المقهى، فالجو ربيعي مشرق،
وحتى سحب المساء ربيعية في كل مرة. وكان ذلك يتيح له
أن ينظر إلى الفضاء بشكل أفقي أو إلى مافوق رأسه
منه! هذا في حالات قلقه، أما في حالات هدوء صدره،
وسكينة نفسه، فيرسل نظره بعيداً يتأمل البحر من
خلال الضباب الصباحي، وقد يحدث له أن يغمض عينيه،
فهو يعتقد أنه يستطيع بصفته شاعراً، أن يرى البحر
من خلال الضباب بعينه المجردة ويقرب صورته منه على
أبدع مايكون! وحين ينقشع الضباب يستدنيه منه أكثر
من خلال ثغرات الأشجار وأوراقها في الحديقة
الصغيرة على الجانب الآخر من الطريق، الذي قد تسحبه
نظرته حتى البحر لشبه لونه الرمادي بلون أمواجه
القريبة من الشاطئ فيما يراه منه!
وأعجب
مارآه ذات يوم في أثناء نظره إلى السماء، وهو جالس
وحده في تلك الآونة، أنه رأى السحب فوقه تشكل
وجوهاً إنسانية إلى جانب صور أخرى، تتخذ أشكالاً
متنوعة، فعن له أن يرسم هذه الوجوه التي ترسمها
السحب لحظات قليلة. وعجب كيف أنه لم يرها قبل اليوم،
كيف كان يرى السحب في السابق مجرد كتل بيضاء قد تسود
جوانب منها في جهة معينة. ألذلك علاقة بعبقريته
الشعرية الجديدة، التي تفجرت في أعماقه؟ ربما يعود
ذلك إلى أن المبدع يكتشف مالا يكتشفه البسطاء، أو
مالا يستطيعون التعبير عنه، ثم يصنع منه مايشاء،
وخيل إليه أنها الوجوه، التي يريد أن يقرأ فيها
ماتنطوي عليه من أسرار وفقاً لطبيعتها، ويعبر عنها
في شعره. إنها وجوه الناس، التي تمر به يومياً،
ينقلها نظره لتنطبع فوق السحب مهما تفردت وانعزلت
ومهما صغرت في فضائها القريب منه والبعيد. وهكذا
هام بها، ولم يعد يجلس في مقهاه المفضل -وقد أصبح
يحب أن يجلس على انفراد- إلا لينظر من ساحته إلى
الوجوه التي ألفها فيها، وتصور أنها تألفها من وقت
لآخر من خلال صورها المتعددة، التي حفظ بعضها في
وعيه المتأزم ولاسيما الحزين منها من غير أن يهتم
بتطورها الموالي فيما يشبه النمو حيناً والتقلص
حيناً آخر، فهو يخطف منه الصورة ويغمض عليها عينيه
لينقلها إلى وعيه وفضائه فيختلط فيهما حزن الوجوه
الأرضية بحزن السحب الفضائية!
وجلس
ذات صباح ينظر إلى رفيقاته الجدد.. إلى السحب، وإذا
بصديق له يقبل عليه، ويجلس إلى مائدته ويصرفه عن
تأملها. ولم يكن هذا الصديق شخصاً آخر غير ذلك
المستشار، الذي كان قد أصبح صديقاً له لكثرة ما
التقى به منذ أن تناقش معه حول قصته في المرة الأولى
من جهة، ولاقتناعه نوعاً ما بما قاله له في ذلك
الحين من ناحية أخرى. فقد قال له في ذلك الصباح:
- لا
تنظر إلى السحب كثيراً، ياصديقي! الأفضل منها أن
تنظر حولك، وسترى سحباً أخرى تعوم في بحر الحياة
أشكالاً من اللون والألم والحزن.. والموت!..
-
أتعني وجوه الناس؟
-
ربما!
- إنك
لتعني ذلك، فهمتني؟ لقد أصبحت أفهمك!
- ولكن
لا تتاجر بأفكاري!
- لا
تخف، سيكون لي متجري الخاص! وقد فكرت بنفسي في وجوه
الناس، وأنا أحاول في تأملاتي نقلها إلى السحب.. إلى
المدارات العليا!
- لا
تنسَ في مداراتك أن هناك متجراً و.. متجراً!
-
اطمئن! لن يكون لي سوى متجري، فهمتني؟!
وضحك
المستشار وهو يقول:
- متجر
السحب؟ ياله من متجر!
وهنا
غاب نوار عن جليسه وراح ينظر إلى وجوه بعض رواد
المقهى، ثم إلى السائرين في الشارع، فرأى وجوهاً
منها، بدت له حزينة، كحزن الوجوه التي يراها أو
يتصورها في السحب، تتغير ملامحها كلما تحركت إلى
الأمام وازدادت اقتراباً منه أو ركز هو نظره عليها،
يأكلها الهم وعياء الحياة، فهل هي من بنات خياله؟
هل نقل وجوه السحب ليلصقها بوجوه الناس؟ كلا. إن هذه
الوجوه، التي يراها في المقهى، وفي الشارع، لهي
وجوه من لحم ودم.. يزودها بالدم حتى ولو بدت له في
السحب. عليه أن يهتم بها، ويصرف عنايته إليها. فإلى
الشعر إذن.. إلى الشعر.. فهو الذي سيتيح له أن يقدمها
في ثوب مؤثر شفاف مركز، فالشعر مرآة مركزة لا تعكس
سوى صفحة الوجه بما لها من أعماق في فضاء الوعي
الشعري!
وأصبح
يعيش حمى الشعر من جديد، والشعر لم يرتبط عنده في
المحاولات السابقة بالقافية ولا بالوزن، فالوزن
يشكل وتيرة جامدة مهما تنوع من قصيدة إلى أخرى،
وكذلك القافية مهما تنوعت وطالت بين مقطع ومقطع أو
بين قصيدة وقصيدة، كلاهما يقيد الفكر، ويثقل
الموهبة، ويميت الوجدان، ومايريده هو يجب أن يقوم
على الحركة! ما الشعر سوى لغة منسجمة، ومضمون
متراكم على النهج الحديث! ولكن من أين له أن يأتي
بمضمون الشعر، الذي يريده؟ عندما بدأ يحاول نظم
الشعر قبل فترة من الزمن، لم يكن يهتم بشيطان
الشعر، لأنه كان يستقبح أن يكون للشعر شيطان!
الشيطان شديد القبح في تصور الإنسان، فكيف يتأتى
منه شعر جميل؟ إن هو صلح للوجوه الأرضية، فإنه لا
يصلح للوجوه العلوية كما يتجلى له في خياله وفي
سحبه حين يراها.
وعلى
هذا فإن عروسة الشعر أنسب له من شيطان الشعر،
فصورتها لا تلوح للإنسان إلا في صورة جميلة، ترفل
في الدمقس وفي الحرير! الجميل لا يوحي إلا بالجميل!
فلتكن العروسة إذن مصدراً لإلهامه، ومنذ ذلك الحين
أصبحت صورتها ملازمة له، لكنها لم تكن تستقر على
حال، إذ كانت دائماً تتشكل في ذهنه كما كان يريدها
هو على ذوقه الخاص!
ولما
خيل إليه في إحدى الليالي أن صورتها قد اكتملت في
ذهنه وأخذت الشكل الأمثل، شرع ينظم الشعر من وحيها،
فلم تستجب له في البداية كما كان يحب، وتعذر عليه في
تلك الليلة أن ينام. وسهر حتى الفجر يحاول دون جدوى
أن يعرف بوضوح المضمون الذي يريد أن يعبر عنه
وينقله إلى غيره من الناس حتى يبني مجده الشعري
عليه! وفكر أن التأمل المجرد قد لا يفيده، لذلك قام
من فراشه، وأشعل الضوء، وبحث عن دفتر من الدفاتر،
التي سجل فيها محاولاته الأولى، وإذا به يكتشف،
عندما فتحه، أنه دفتر مختاراته الشعرية. فعثر على
أبيات من قصيدة للمتنبي، من محفوظة قديمة لم يعد
يذكر منها شيئاً منذ أن هجر قراءة الشعر القديم،
استوقفه بيت فيها، سقطت نقطة كلمة، تكررت فيه، دون
أن يرتاب في صحتها إطلاقاً، فقرأ البيت على هذا
الوجه:
حسن
الحضارة محلوب بتطرية
وفي
البداوة حسن غير محلوب وإذا بهذا البيت يفتح أمام
عينيه آفاقاً جديدة، وأمام عدسة خياله عوالم أخرى،
أغرقته في التفكير، كان يحاول أن يستشف أعماق مانجح
الشاعر في التعبير عنه في بيته هذا. وبعد تفكير طويل
اهتدى إلى صورة الطبيعة العذراء، إلى الجمال
الطبيعي، وخاصة حين تذكر أنه سمع في مقهى التمتمة
أحد رواده يتغنى ببيت لشاعر من شعراء بلاده، يتحدث
فيه عن حنان وأشواق هزته إلى الريف، إلى هناك حيث
الريح تعزف والروض يصفق، والحقل يحتفل من طرب،
والعناقيد كالأطواق تتدلى في نحور الغيد، والمزارع
تزهو بقطعان منوعة من ضأن ومعز وأبقار، فذهب هذا
الشاعر -فيما فهم- إلى الريف ليرى كل ذلك ويستلهم
منه الشعر برهافة حسه، ورقة وجدانه، إذن في الريف
مصادر أخرى له، تمنح شعره- حين تلهمه إياه عروسته-
الجدة والحداثة، وتجعله هو نفسه يحلق في سماوات
أخرى، نجومها وأقمارها من صنع خياله الوثاب!
وما
إن اقتنع بذلك، حتى خرج في الصباح المبكر إلى إحدى
ضواحي المدينة، وتوغل في أطرافها بين الأشجار وعبر
المروج، وجلس في النهاية فوق الأرض، وتناول
أوراقاً وقلماً، وسرح بنظره في الأبعاد، ثم أخذ
يسجل مايرد على ذهنه من أبيات ومقطوعات شعرية. وعاد
منها وهو يحس بشحنات شعرية أخرى تريد أن تستقر في
قالب ما، فجلس في حديقة صغيرة قريبة من منزله، يفكر
ويكتب، ثم يشطب هذه الكلمة أو تلك، غير أنه لم يشعر
بالراحة في جلسته هناك، فذهب إلى البيت وقضى ساعات
في الكتابة وإعادة الكتابة والتنقيح، وتعمد الجلوس
قرب النافذة ليتمكن من ملاحقة وجوه السحب.. ومن
بينها وجه عروسته! ولم يرَ في هذه المرة مانعاً من
استعمال القافية هنا وهناك قصد التنويع في
الموسيقى الخارجية، وعدم الاكتفاء بالموسيقى
الداخلية! وحين رضيت نفسه، بل فتنت ببعض ماكتب، قام
على الفور ومضى به إلى البريد ليرسله إلى الجريدة
نفسها.
وانتظر
أن تنشر الجريدة مقطوعاته الشعرية أو إحداها على
أقل تقدير، ولكن الجريدة لم تنشر أي مقطع أو مقطوعة
منها، واكتفى المحرر بذكر اسمه في الصفحة الثقافية
في عمود الرد على رسائل القراء، دون أن يشير إلى
ماكان قد نشره له قبل، وتحدث عن ضعف محاولته
الشعرية ونصحه باحترام الوزن، وتجنب الغموض،
والاتزان في العبارة، فهاله أن يعرف في توقيع محرر
الصفحة مبتدئاً مثله، لم يكن في الفترة التي قضاها
معه في الثانوية يحسن تركيب جملة سليمة، ولم يجد
فيما كان قد قرأه له من محاولاته قبل أسابيع ماينم
عن مستقبل له في الكتابة على الإطلاق، فكيف أصبح
محرراً ثقافياً؟ وهل يقبل من مثله النصح والتوجيه؟
أيكون هو الذي رفض نشر كل ماكان قد أرسله إلى
الجريدة، ثم لم ينشر له إلا قصة واحدة دون تعليق؟
كلا، لن يقبل منه شيئاً من ذلك. وجوده في الجريدة
فراق بينه وبينها، فلن يراسلها بعد اليوم، إن ما
أوحت به إليه عروسة شعره، وما زرعته في قلبه من حب
لها ولفنه، فوق مستوى محرر من طرازه!..
شعر
بخيبة أمل كبيرة، وأحس أن لا مستقبل له مع هذا
المرشد، ومع ماقد يكون هناك من أمثاله في جرائد
أخرى، يقومون بالدور نفسه، ويفرضون معايير لا صلة
لها بالذوق والفن والخلق. وبعد ألم ممض قرر أن يعيد
صياغة ماكتب، ولكن بالفرنسية في هذه المرة، ولم
يتوجه إلى عروسته، فقد كان أول مافكر فيه أن يغير
اسمها، أن يسميها ابتداءً من الآن "الموزة!"،
ولم تمضِ أيام على ذلك حتى كان قد انتهى من صياغة
ماكان قد كتبه، وأسرع في إرساله إلى جريدة
"الوفاء" الصادرة بالفرنسية، ولم تدعه
الجريدة ينتظر طويلاً، فقد نشرت ما أرسله إليها بعد
أيام قليلة، بعد أربعة أيام على التحديد، وكتبت
مقدمة قصيرة تنوه فيها بميلاد شاعر جديد، يكتب بشكل
جميل وبفرنسية صافية، تنعكس فيها صور ريفية رائعة،
تثير في النفس عوالم من السمو الروحي والغبطة
الوجدانية!
لقد
أرضاه محرر الجريدة بالكلمة، التي قدّم بها
قصيدته، لكنه لم يرضَ كل الرضا، فقد كان ينتظر أن
يقول عنه أكثر من هذا، ثم إنه كان من واجبه -في رأيه-
أن يقول هذا الذي قاله. على أن هذه الشهادة تكفيه،
ولم يعد في حاجة إلى شهادة أخرى أو نقد يسمعه في
مقهى. فقد شعر هو أنه أحدث فعلاً ثورة في الشكل
وثورة في التعبير في الشكل وثورة في التعبير عن
المشاعر الإنسانية... الريفية منها بشكل خاص. فقد ظل
الريف مهملاً فترة طويلة. ولم تعد المدينة قادرة
على أن تقدم شيئاً يستحق عناء كتابة الشعر دون
أعصاب متوترة! ومن ثم فإن الحياة في الريف، والجمال
في الريف، والشعر في الريف، وما الشعر إلا جمال!
هناك جمال شعري في الريف ولا من يعبر عنه لفقدان
الحس الفني لدى شاعر المدينة! صحيح أنه لم يولد في
الريف، ولكن قضاءه للعطلة فيه منذ طفولته، قد أتاح
له أن يخلو إلى نفسه في ظل الطبيعة وينعم بمناظرها
الرائعة، فانطبعت في أعماقه صورها، وهاهي ذي الآن
تتجلى من جديد في كلماته. لقد أوحت إليه ضاحية
المدينة، إضافة إلى ما أثارته فيه من مخزون صوره
الريفية القديمة، بما أوحت إليه من جديد الشعر
والشكل، فماذا لو خرج إلى الريف وقضى فيه أياماً
يبحث عن صور أخرى لهذه الفورة الشعرية... ويتأمل
الأبقار والمعرّ والمروج والكروم وغير ذلك مما لم
يره في ضاحية المدينة؟
في
الريف إذن حسن غير محلوب كما قال الشاعر مايشعر به
الآن ماهو إلا تلك الحنات والأشواق، وللتعبير عنه
لابد من ملهمة. وتصور "موزته"، التي أوحت إليه
بما تشرته له الجريدة من شعر بالفرنسية، تقول له:
- تعال
إلي في الفضاء الفسيح، هناك حيث البساطة،
والعفوية، والتنوع الثري، فيه ستجد نفسك، ستجد فنك
وأسلوبك، وتجدني أنا قبل أي شيء آخر. سأكون لك فيه
الزاد والوحي، تعال، تعال، ياشاعري! لابد من مجيئك
إذا أنت أردت أن تعرف البؤس، والعذاب والألم،
والموت البطيء في عيون الناس! إذا أنت أردت أن تكون
شاعراً من الطراز الأول، تكون شاعر المعذبين
والمضطهدين... والدهر أكبر مضطهد! وستعرف أنت نفسك
الاضطهاد... فلجمال الطبيعة الريفية اضطهاده
أيضاً!
ووجد
نفسه على حين غرة يهتف بها، مع أنه لم يعرف لماذا
طرأ على فكره كل هذا:
-
لبيك، لبيك، يا "موزتي" أنا آت على أجنحة
الشعر!
واستأذن
والده ذات صباح، فأخذ السيارة وانطلق إلى قريته
الجبلية، وكان بعض أفراد أسرته قد سبقوه إليها
لقضاء أيام بها. وحين وجد نفسه بين أحضانها، قضى أول
ليلة فيها، كادت أن تكون حلماً متواصلاً بالشعر
والشكل واللون ورياض الفن والكرم وقطعان الماشية.
وخرج في وقت مبكر إلى الطبيعة، وإذا الحلم المتواصل
حقيقة ينبسط هنا وهناك، فقد أخذ يوجه نظره من وقت
لوقت إلى السحب المتناثرة في أماكن متباعدة في
الفضاء، وقد ازدادت في أشعة الشمس بياضاً، فاختلطت
صور شتى بذهنه، لكن "موزته" سرعان ما اتضحت له
صورتها، وسيطرت على فكره.. فقال في نفسه:
- آه
ياملهمتي.. أريد أن ترفي فوقي كما يرف الحلم فوق
العين الشاعرة.. ولي عين شاعرة! وأحب أن تبتلعني
مشاعرك كما تبتلع سحابة هائمة قمة جبل شاهق. وأنا
الجبل الشاهق! ها أنا أعانقك من بعيد كما يعانق
النسيم الظل، وأحملك أقحوانة منداة الأعطاف!
وخيل
إليه أنه يراها أمامه، وهو واقف فوق مرتفع من
الأرض، فقارب مابين عينيه ليعبر عن حزنه، فقد طاف
برأسه أن الحزن من علامات الشاعر! وشعر أن الأفكار
ترف في ذهنه كالخطاطيف، وتخيلها، هي عروسته، تقول
له من جديد:
- إن
كلماتك الجميلة قد ارتادت خيالي، رسمت الورد على
وجنتي، ولكن انتظاري لك يجعلني وكأني مصابة
بالحمى.. حتى تبدأ الكتابة!
وتراءت
له ضاحكة، وتصوّر أن ضحكتها تتكسر تكسر بياض أوراق
الزيتون تحت هبات الريح، وحين تصورها تملي عليه،
نطقت بكلمات عذبة، رآها بعين خياله تخرج من ثغرها
المتألق كلمة بعد كلمة، فأغمض عينيه ليتشربها جسده
كما يتشرب العشب ندى الصباح. ثم يراها تقول له:
- إذا
أردت أن تكون شاعراً فلا بد أن يصفع الألم قلبك
صفعاً دائماً، فلا شعر من غير ألم ومعاناة.
فيرد
عليها:
- كلي
ألم، كلي ألم، ياملهمتي، وهاهي ذي نظرتي تنبسط إليك
ناشرة ألم الدنيا كما تنبسط أشعة الشمس بين السحب
وتنشر الدفء والضياء، وتلف عينيك اللتين تحملان
الضياء لموهبتي!
وعلق
نظره بالأفق، وقال بصوت كاد يكون مسموعاً، وهو ينظر
إلى ارتسامات الجبال في أشعة الشمس الراقصة:
- لكل
إنسان أن يشرق في لحظة من لحظات حياته، وهذه لحظة
إشراقي أنا! وملهمتي تغمر كياني بالفرح والتسامي!
وشعر
بها تنحني فوقه كعنقود غض يداعبه نسيم الصبا المثقل
بالعبير. وأحس بصوتها ينساب نحوه كساقية وديعة، وهي
تقول له:
- لقد
نوّر الربيع بصدري، فتعال لتقطف أزهاره، أنا في
انتظارك!
صاح
نوار دون أن يشعر، وقد خيل إليه أن نفسه قد امتلأت
دفئاً:
- أسرع
يا نوار! أسرع إلى الكتابة!
ترى
ماهذه السكينة، التي تملأ نفسه؟ ماهذه المناظر
الطبيعية، التي تراها عيناه، وهذه الأصوات
الهامسة، التي تلتقطها أذناه؟ إنها لتنحدر أصداء
ساجية إلى قلبه، فتسعده وتنشر أمامه بساطاً من
الأحلام، يمتد نحو الجبال المقابلة لقريته، وفتنة
الوادي حين رأى مياهه من بعيد تنساب في هدوء نحو
البحر وهي تكاد تلتمع في أشعة الشمس الصباحية،
فانحدر نحوه عبر الغابة الصغيرة الواقعة على جانب
من القرية. خيل إليه فيها أنه يسمع هسهسات وهمهمات،
لا يلبث أن يعقبها هدوء حتى ليخيل إليه أن مصدرها
قلبه.
ووصل
إلى المرجة، التي طالما لعب فيها في الماضي، وقد
انتشرت فوقها في ضحى ذلك الصباح قطعان الماشية،
فتنهد ارتياحاً عندما تذكر قول الشاعر مرة أخرى،
جميل أن يكون من حسن البداوة حلب قطعانها أيضاً!
عليه أن يجرب الحلب بيديه قبل أن يجربه بعينيه،
لابد من التجربة، على الشاعر أن يجرب كل مايمكن
تجربته، واقترب من معزة وأمسك بها، ووجه ضرعها نحو
فمه، وهي تثغو في خوف، وتحاول أن تفتكّ رجلها من
قبضة يده، لكن خيط الحليب لا مس وجهه، ولم يصل إلى
فمه، فعاود الكرة، ونجح في هذه المرة، لكنها ركلته
حين رمت برجلها إلى الخلف للتخلص منه، وفرت بعيداً
عنه، وأسرعت مبتعدة عنه، فكاد يقع، وأخذ ينظر إليها
ضاحكاً، وقد أدارت رأسها نحوه وضبحت كأنها تلومه
على عدوانه! وصاح في نفسه.. يالها من معزة! وخطر
بذهنه أنها مدرة، مثل "موزته"، ملهمته، ولكنها
عنيدة تضن بحليبها على فمه! لو أنني كنت ابنها
فلربما كانت ترضى به وترضعه، هو الجدي الرضيع! وضحك
مرة أخرى، لقد خامره حينئذ إحساس غريب، فقد عاش
تجربة فريدة، تجربة حلب الضرع ودفء حليبه في فمه.
واتجه
إلى نعجة ليعاود التجربة في ضرع صغير، وكل تجربة
تعتبر رصيداً إضافياً، لكن النعجة لم تمكنه من
نفسها، فهم باللحاق بها، ولكنه رأى الراعي من بعيد
متكئاً على مرفقه وكان يبدو عليه أنه غاف، وكان إلى
جانبه كلب أرقط، كان -فيما بدا له- يحاول من حين لآخر
أن يطبق أسنانه على الذباب، فتخلى عن أية تجربة
أخرى مخافة أن ينبحه هذا الكلب وهو يخاف الكلاب!
ابتعد
عن القطيع، واقترب من شجرة بلوط كبيرة، واتكأ بظهره
إلى جذعها، وأخرج مفكرته وقلمه ليسجل خواطره ويجعل
مايراه كلاماً يسبي عقول القراء... حين ينقل إليهم
صورة وافية عن البادية، عن الحياة فيها، وعما تمتاز
به من بساطة وروعة وجمال. ينقل إليهم تجربة الحلب،
وغفوة الراعي، وكسل الكلب الأرقط، وهدوء القطيع،
كل ذلك في صورة من الجمال الغامض الحزين! ماسميت
البادية بادية إلا لأنها كانت غريبة في جمالها
وصمتها وحياتها ومنظر قطعانها وغموضها... في إطار من
الطبيعة الخلابة. فيها يحلو تتبع مرور الزمن بالأذن
والشعور والبصيرة والأحلام!
وأجهد
نفسه، وخط كلمات، لم يلبث أن اكتشف تفاهتها، فمزق
الورقة، وعاود المحاولة، وأخفق كما أخفق في المرات
التي تلتها، وتكاثرت الأوراق أمامه، وكان في بعض
الأحيان يمزقها من المفكرة في عنف. وتصور أن
انبهاره بالجمال الطبيعي قد يكون هو الذي حال بينه
وبين الكتابة الحقة. الزخم العاطفي قد يكون عائقاً
عن الكتابة. وقد اختفت السحب بعد سطوع الشمس الباهر.
ولكن أين هي ملهمته؟ ألم تخاطب خياله قبل حين؟ ألم
تدعه إلى الكتابة؟ ترى ما الذي أخرها؟ هو لا ينتظر
ظهورها له طبعاً، فما هي ممن يتجسد في جسم محدد،
ولكنه ينتظر أن ترسل إليه تلك الحمى، التي عودته
إياها حين يشرع في الكتابة الشاعرة! وفكر أنه في
الحقيقة ليس في حاجة إلى السحب ليراها، فهو الذي
كان يلصق صورتها بها كما انطبعت في ذهنه مع نبض
الكلمة!.
وحاول
معاودة الكتابة بعد الظهر، ولما لم يستطع ذلك، قرر
أن يترك الكتابة إلى المساء، حين يهدأ الليل، علَّ
عروسته تزوره عندئذ، وخرج ليقوم بنزهة فوق
المرتفعات القريبة. وبعد ساعة من الزمن أخذ طريقه
عائداً إلى البيت، وكانت ملهمته لا تفارق ذهنه في
أثناء الطريق، وتصورها هناك في الأعالي تنظر إليه
وتَعده في سرها وترقب خطاه المتأنية مع أشعة غروب
الشمس، وإن اختلطت السحب فوق رأسه، ولم تعد تبدو له
منها حركة. فهي تشرف من مكان ما على هذا الغروب
البديع، لتوحي إليه فيما بعد بكل ما تراه من صور
بديعة، ومناظر رائعة، وأخيلة يعجز هو عن الوصول
إليها بخياله المحدود، فرؤى الملهمة لا تعرف
المحدود!
وفي
أثناء مروره بغابة صغيرة، أشبه بحديقة منها بغابة،
لا تبعد كثيراً عن القرية، التقى فتاة، ترتدي ثوباً
ربيعياً، وتحمل فوق رأسها سلة مملوءة بفاكهة ما،
فاهتزت مشاعره بعنف، كما لم تهتز لأي ممن رآهم من
سكان القرية، ممن يعرف وممن لا يعرف، وارتجت نظراته
هي الأخرى. كانت ملامحها في بياض السحب الصيفية،
فلم يشك في أنها عروسته، هي بذاتها كما تصورها
تماماً، واقترب منها وهو يرتعد مثل طفل يكتشف لعبة
جميلة، واضطربت رؤاه، واختلطت أفكاره، وراح يقول:
- أنت،
يا ملهمتي، يا حلمي! أيتها الملهمة الطاهرة
الوديعة، من أنزلك من سحبي.. قولي من رمى بك ها هنا؟
كيف نزلت؟ كيف؟ ولماذا هبطت إلى عالمي. هذا عالم تعس
كئيب لا أريدك فيه. أريد أن تكوني مصدراً لإلهامي،
أهرع إليك كلما عاشتني تجربة فريدة من نوع ما، كلما
ملأ الحزن قلبي بأحزان غيري! كوني لي جمالاً محضاً...
محطته العين! الجمال إذا امتدت إليه اليد صار قبحاً!
عودي إلى حيث كنت هناك.. في قصرك العابق بالضياء على
مشارف السحب. أراك تهمين بالعودة، يافرحتي! سأكتب،
سأكتب، فهمتني؟ ياجنة الخلد افتحي أبوابك فقد
أقبلت عبقريتي ومعها أعراس الحياة، ومباهج النعيم.
لا، لا تقولي شيئاً! شاعريتي تغرق في فمك الشبيه
بالقبلة!
ولما
توقف عن الحديث ليسترد أنفاسه، وقد برزت عيناه،
تخطته الفتاة هاربة، وهي تصيح بصوت مرتعش:
-
الجني... الجني!
وفرت
من أمامه كما يفر ظل الطائر، واختفت عنه، فتنفس
الصعداء، وضحك ضحكة قصيرة، كان امتدادها فرحة
طويلة في أعماقه، وخطرت بذهنه في تلك اللحظة أبيات
لشاعر إيطالي، أخذ ينشدها بحماسة:
عروستي
ليست ابنة للشمس،
ليس
لها قيثارة ذهبية ولا آبنوس مرصع،
فهي
ريفية خشنة، تتلهَّى
متغنية
في الهواء...
واتجه
بعدئذ إلى جانب الطريق، ووثب فرحاً كجدي أبطرته
أشعة ربيعية، وتعلق بفرع شجرة، وهو يهتف:
- لقد
عادت ملهمتي إلى سماها.. لتملي علي قصيدة قصائدي!
فهمتني، يانوار؟ |