مياه آسنة من أجل الأسفنج - زهير جبور

قصة طويلة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 03:30 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية

الأسفنج

ولدت بعد شهر من حادث الموت.‏

عرفت ذلك فيما بعد ، قيل لي: إن والدي الذي لاأعرف ملامح وجهه، ولم أسمع صوته، قد مات تحت عجلات عربة شاحنة كان يبيع خضار الشتاء، والصيف.‏

رجل لم أحس أنفاسه، ولم تداعب أصابعي أخاديد وجهه. ماذا تعني كلمة ياأبي؟ لم أعثر على جواب، وكل ما جمعته حولها فيما بعد، بعثرته غير نادم.‏

هكذا بدأت أحس بما يحيطني من بؤس مبكر.‏

ولدت في البيت الطيني من ذلك الحي الغربي في مدينة تنمو حديثاً، كان كل شيء ينهض في اسواقها التجارية. وفي الأحياء الثرية. أما في حينا فروائح العفن والمراحيض المكشوفة، والذباب، والجرذان، والصراصير، والدودة الوحيدة، والحمراء الطويلة. وكائنات آخرى، تقاسمنا السكن، والطعام، وجلسات الليل وبرد الشتاء، وحر الصيف والمغص.‏

هاً آنذا وحيد وسط تلك الترانيم الكونية التي نسجت خيوط حياتي.‏

تضربني أمي باستمرار. تصر على أني وأختي مريم التي تكبرني بسنة واحدة فقط، عثرة أمام مستقبلها الذي تتطلع إليه بعد رحيل صاحب العربة الخشبية.‏

لم تكن تحبه ، وهاهي تصرخ لاعنة من فرضه عليها ذات يوم بل هي تلعن اليوم الذي حلت به مصيبتها بي وبشقيقتي.‏

وبالمناسبة: لم تكن أمي زوجة مخلصة كما يقولون.‏

أعتذر عن هذه الوقاحة في الاعتراف، لكنني بطبيعة الحال أميل إلى الوقاحة.‏

دخل الرجل إلى البيت في غير موعده، شعر ببعض الألم، في الظهر أو الرأس، أو الركبة، إرتفعت حرارته، فشاهدها مع الشرطي.‏

وقف أبي مندهشاً.‏

- لماذا يا حُسن؟‏

لم ترد حسُن، وكانت ترتدي ثيابها بهدوء، تكلم الشرطي، ولغة الشرطي مختلفة" ( حبس) (مسدس).‏

سكت أبي، ثم صار وجود الشرطي في فراش أمي مألوفاً لديه. لعله خاف من الشرطة. فاستسلم وترك محرماته لهم، وقفز فوق الشرف، فما يدور يدور، وليس باليد حيله.‏

تزوجت حُسن. أعلنت عن زواجها الشرعي الثاني، ودخل عمي لعبة الضعف، والصمت، وتغير الشرطي، وبقيت أمي.‏

كنت أصل صفائح علب السردين الفارغة بخيط أجرها خلفي ناقلاً التراب من مكان إلى آخر.. وعلى جسدي نتف ممزقة وعلى وجهي مخطة. وحين صرت ألعب مع أطفال الحي، كانت لعبتنا تنتهي دائماً بسيل من الشتائم.‏

( ياأبو نقطه) ( ياإبن....)‏

وحين كبرت قليلاً لم تغب النقطه، وكانت حُسن تردد:‏

(مَّسح نقطتك )‏

كنت أشعر ببعدي عن ما يحيط بي، كنت اشعر بوجود مريم فقط، كانت الوحيدة التي تربطني بالحركة، ثم نمت بيني وبين المقبرة القريبة من الحي صحبة. هنا قبر والدي كومة من التراب، وها هو ظل الشرطي الذي جعله ينهار ككومة حطب . رماد بعثرته ريح ، ثم رمته في الزوايا المنسية أخذتني أمي ذات صباح، سَّموه صباح العيد.‏

- هذا قبر أبوك ياولد.‏

فأصبح المكان مألوفاً لدي، بل أحببته، صرت ألعب هنا وأبكي أمرغ وجهي بالتراب، وكنت أصرخ أحياناً.‏

ياأبي .. ياأبي..‏

كانت المقبرة مكاني المفضل، وكنت أتحدث مع نفسي بصوت عال، وأخاطب قبر أبي، كنت أحلم بحديث فيه نبض وعروق أدركت أن لافائدة من ذلك.‏

كان بائع الخضار ينتظر قدومي بلهفة، فلقد كنت أعني له شيئاً ما يقدره هو، أعني أنني وحيده،. أما وجودي الآن فهو عثرة في طريق أمي.‏

كنت أسمعها تتأوه ليلاً لعمي أو لغيره في الغرفة الصغيرة المجاورة للقن الذي أرقد به، أنا ومريم والدجاجات آه ياأيها الشرطي الذي يحمل آلة للقتل، وتحقيق القانون ويضاجع أمي! وفي ذلك الزمن كان المسدس يرمز للحكومة وكانوا يطلقون على حامله إبن حكومه. فلماذا يطلقون علي الآن إبن العاهرة.‏

رجال الحي يترحمون على بائع الخضار، ويقدمون لي قطع ( النموره) ( اقلام الرصاص) ( فرنكين).‏

- الله يرحمه.‏

ثم يبصقون عليها.‏

- لعنة الله عليها.‏

ثم يشيرون إلى البيت.‏

أحببت القراءة ، والكتابة، وكانت حُسن تريد أن تعلمني مهنة الخبازة:‏

- هذه المهنة أفضل لأنها تطعمك الخبز، روح لعند أبو عدنان الفران، واشتغل عنده، فهو رجل طيب.‏

صرخ أبو عدنان:‏

- اهلاً بالأميرة، نحنا تحت الطلب ياست. أنتم على الراس والعين وفتل شاربيه.‏

كانت أمي تحدق في شنب أبي عدنان بشيء من الإثارة، وإذا ترتبح كانت دقات قلب أبي عدنان تعصف، حتى إذا ابتعدت بصق وهمس .‏

- عاهرة. بس شوبدنا نساوي.‏

أغلقت المدرسة أبوابها، من أجل الصيف، وترفعت إلى الصف الرابع بتفوق، وعملت في اليوم التالي بالفرن.‏

كنت أذهب إلى المقبرة كل يوم. حتى مللت نداء : قمْ ياأبي فصرت أصرخ.‏

- قوموا جميعكم.‏

وفيما بعد أصرخ:‏

- مابدي فران. بدي إتعلم. بدي المدرسة.‏

وأمشي بين القبور، أو أحول أحدها إلى لعبة لامعنى لها، كنت ألعب فقط، وصرت فيما بعد أردد أغنية لايفتأ ابو عدنان يصدح بها:‏

( إسمع ندا قلبي‏

وحن إليك.. ينادي عليك)‏

أعجبتني هذه النداءات، وكنت أتابعها. وكان أبو عدنان يردد:‏

- ياسلام.. آلله.. مشي الخبزات ياولد. خفف النار ياأبو حميد اسمع ندا قلبي، وحن إليك، ثم يشتم الشغيله‏

قال. عمر:‏

- ستشتري لي أمي ثياباً من أجل العيد.‏

وأمي تعمل مع أم عمر في تحويل أكياس الاسمنت، إلى أكياس صغيرة، تباع لحوانيت السمانة، صناعة بسيطة تعتمد على مادة ( الغراء) وقص أكياس الاسمنت، وكثيراً ما كنا نجوب أزقة الحي، بحثاً عنها في مواقع الأبنية التي تقام حديثاً.‏

لم أكن أعرف شيئاً عن ثياب العيد. كان العيد بالنسبة لي نقوداً زهيدة، أشتري بها ( نمورة) وأعود إلى المقبرة لأتابع لعب اليوم السابق، كنت حين أنتهي من الفرن أحمل رغيف الخبز، وأمضي به إلى جانب كومة التراب آكله هناك ثم أصرخ.‏

حلمت بثياب العيد، كل الاطفال سوف يرتدونها غداً ويذهبون إلى الساحة حيث ( الأراجيح) و( النيشان) أعطتني أمي فرنكين من شغلي، اشتريت نموره، ووقفت بعيداً عن ألعاب الأطفال الذين كانوا يلغطون ويضحكون، ثم عدت إلى كومة التراب، ولم تزل النقطة على وجهي، ولعل أبا عدنان كان يصرخ:‏

- اسمع ندا قلبي، وحن إليك. ياسلام. مسح النقطه يا ولد يا ابن ....‏

ثم يقطع الكلمة الأخيرة.‏

علمني أبو حميد الشغيل على بيت النار كيف يمسحون النقطه كنت أخجل منها، وافكر بالسيطرة عليها دون جدوى.‏

قال عمر:‏

- سنذهب إلى السوق، والسينما.‏

ما هي السينما؟ ما هو السوق؟ داهمتني الاسئلة، وعصفت بي الدهشة، وأنا أرى الشوارع، والمدينة لأول مرة، أقبلت أراقب الوجوه، والمحلات، والألعاب، دخنت أول لفافة تبغ، سعلت كثيراً، إنهمرت دموعي بغزارة، دخلت ( السينما) ودارت حكاية الفيلم حول طفل قتلت العصابة أمه فلما كبر تدرب على الرمي بالمسدس، وقرر أن ينتقم ، وراح يبحث عن أفراد العصابة، في كل مكان.‏

كنا نصفق لكل طلقة إنتقام، وأحببت البطل. كنت مشدوداً طوال العرض إليه، أراقب حركاته، ورغبت لو أحضر الفيلم مرة ثانية.‏

فكرت حينذاك بالعمل في ( السينما) لأنجو من حرارة الفرن التي لاتطاق، من صفعات أبي عدنان وصراخه:‏

- أمسح النقطة يا غبي‏

لماذا أنتقم البطل لأمه؟ إذن هناك أمهات يدفعن أولادهن للوقوف إلى جانبهن.‏

ياأمي. يأمي..‏

كان يصرخ ، وهي تموت، عانقته وداعبت شعره، وماتت وهي تقبله.‏

فكرت بالشرطي الذي سمعت عنه الكثير.‏

قال عمر..‏

- نام الشرطي مع أمك. أمي تعرف ذلك ، وأبوك.‏

بسبب الضرب القاسي، الذي تناوبته أمي وزوجها، لم أستطع النوم، واستيقظت مبكراً، وذهبت إلى الفرن، ثمة نيران في جسدي ، أصبت بدوار،وغبت عن الدنيا.‏

صحوت على صوت أبي عدنان:‏

- إطلع إلى السقيفة ونام فوق. شبك ياجحش؟‏

لم استطع الصعود إلى السقيفة فوقعت على الأرض. وصرت أنتفض من الحرارة.‏

صرخ أبو عدنان:‏

- أبو حميد خود الولد لعند أمه، لأنه يموت. ما بدنا مشاكل بالفرن، خلي يموت عندها.‏

رأيت كومة التراب، ثم إنشقت بعد قليل، ليخرج منها بائع الخضار، قبلني، وسطع منه نور، ربت على كتفي ثم بكى.‏

كلمني ياأبي..‏

بعدين.. بعدين..‏

حاولت النهوض فلم أستطع، أبقاني بيده على وضعي مستلقياً‏

- أنت أبي.. خذني معك. أرجوك..‏

اختفى، ثم ظهر، ثم اختفى، ثم ظهر،‏

وأنا أصرخ:‏

- أين أنت ياأبي؟ أبي.. أبي..‏

فتحت عينىَّ شيئاً، فشيئاً، بدأت تتوضح الأشياء من حولي أنا في وسط كتلة ما من البياض، وغبت مرة أخرى، ثم صحوت من جديد، وطفا البياض، ثم توضحت معالم المكان.‏

قالت : الفتاة وهي تبتسم‏

- أنت في المستشفى. حين تشفى سوف نخرجك من هنا.‏

كنت أجيل نظراتي في الغرفة، والشيء المعلق بساعدي، ووجه الفتاة التي ترتدي ثوباً أبيض ناصعاً.‏

دخل رجل يرتدي البياض أيضاً، وسألها على عجل؟‏

- تكلم؟‏

- منذ دقائق صحا.‏

قال:‏

- سبحان من يحي العظام وهي رميم ! صدق الله العظيم.‏

كنت قد قرأت الآية الكريمة في المدرسة فتمتمت:‏

- صدق الله العظيم.‏

قفز الرجل صوبي بفرح:‏

- شاطر.. شاطر.. أحسنت.. قدمي له الطعام ياسلوى.‏

سألتني سلوى‏

- ما اسمك؟‏

أجبت.‏

- أمين‏

وتابعت بخجل.‏

- من الذي خرج الآن؟‏

قالت:‏

- الطبيب. هو الذي أنقذ حياتك، لقد أحبك وأنت في الغيبوبة، أنت عندنا من أسبوع.‏

زارتني أمي مساء، وكانت سلوى قد قدمت لي طعاماً لذيذاً أكلت بنهم، وقالت ، سلوى:‏

- أنت جائع ؟‏

خجلت، وأكلت مع الخبز لحماً بلون أبيض.‏

قالت: سلوى‏

- سفن الدجاج لايضرك.‏

كنت أسمع كلمة ( سفن) لأول مرة في حياتي ، كل شئ جديد هنا ، وأنا أحاول أن أكتشف طبيعة الأشياء وسرها، واسباب وجودها: ثمة فواكه تؤكل بعد الطعام والبرتقال منها يخفف من الحمى المرض الذي أصابني.‏

دخلت أمي مساء:‏

- يا كلب! هذا المرض بسبب سيجارة السينما.‏

ردت عليها سلوى:‏

- رجاء نحن في مستشفى. وهو لايدخن.‏

شكرت سلوى في صمتي، ثم دخلت أم عمر وعمر، الذي حدث أمي عن سيجارة السينما.‏

ظلت النقطة على الرغم من كل محاولات سلوى..‏

قالت:‏

- لها أسبابها المزمنة، لكنها ستزول، لاتهتم سنعالجها.‏

ثم أعطتني علبة صغيرة فيها أوراق بيضاء.‏

- هذه محارم إستعملها.‏

ياإلهي هل كتب عليَّ الشقاء‏

***‏

عملت بمعمل الخفان بعد أن رفض أبو عدنان إعادتي إلى الفرن.‏

- جسمه لايحتمل حرارة ياأميرة.‏

كنت أنقل أكياس الاسمنت على ظهري من المستودع إلى موقع آلة الخفان ، ثم أضع الخفان بعضه فوق بعض وكنت أحصل كل يوم على فرنكين لقاء حمل الأكياس، وفرنكين لقاء تنظيم الخفان فوق بعضه.‏

متعب هذا العمل ياأبي، متعب جداً، وأنا مابقدر أتحمل يا أبي أنظر إلى السماء، واصرخ، واحلم بالثياب، والطعام، وابكي، والعب.‏

صرخت أمي:‏

- ضع يوميتك وانصرف.‏

حاولت لأول مرة رفض أوامرها، والتمرد عليها:‏

- سأشتري ثياباً، لايوجد عندي ما ألبسه.‏

هاجت، وماجت. هجمت بكل ما الديها من قسوة.‏

- مافقست من البيضة، صرت تتحداني يا كلب..‏

توجهت إلى كومة التراب، وأنا أحس بطعم لعابي المر.‏

لم أدرك يومذاك ماذا يعني هذا الشعور؟‏

عاودتني صورة رجل حلم الحمى، والطبيب، وسلوى..‏

- أنا أحب الأطفال، عندي أخوة صغار بعمرك.‏

سألتني عن دراستي. وأحضرت لي في اليوم التالي مجموعة من الكتب.‏

- روايات جميلة، سوف تعجبك‏

وحين خرجت من المستشفى قالت: بحضور أمي:‏

- خذ هذا المبلغ، اعتمد على نفسك، يبدو أن رحلة الشقاء سترافقك.‏

ركزت أمي نظراتها في وجه سلوى، تلك النظرات التي أعرفها جيداً، وراحت تتمتم كلماتها المعهوده، كلمات مشهورة ترددها لأختي مريم باستمرار.‏

أين مريم؟‏

منذ بداية حياتي لاوجود لمريم، مسكينة رضخت لقرار أمي وتركت المدرسة، كي تتقن شغل البيت من أجل العريس القادم، ونقطتها بدأت تزول رويداً رويداً. كانت سلوى قد حملت أمي مسؤولية ماجرى، وطردتها من الغرفة وأنا في الغيبوبة، كنت أصرخ، أو أهذي..‏

- ياأبي.. ياأبي..‏

قال: الطبيب:‏

- وضع الطفل خطير، وهو بحاجة لمراقبة شديدة.‏

تدخلت أمي بجهل، طلبت إليها سلوى الخروج من الغر فة لم تفعل.‏

- شوبدكن تموتوا الولد.‏

غضب الطبيب.‏

- اخرجي .. أخرجي من الغرفة، دون أي كلمة..‏

سألتني ونحن في طريقنا إلى البيت‏

-( أديش عطتك ها لـ)..‏

أخذت المبلغ، دسته في صدرها دون كلمة.‏

أعرف أنك لن تقوم أبداً، وأن لاجدوى من صراخي هنا وأن رحلة العذاب سوف ترافقني، كم رائعة هذه السلوى..‏

- سلوى.. سلوى.. سلوى.. إرجعي أيتها الحمى رجاء..‏

يطلب المعلم المزيد من نقل الأكياس، والخفان، ولايترك لحظة للراحة، وحين أرجع إلى البيت لاأجد ما آكله وتطالبني بترك المدرسة، وأنا لن أتركها، واتذكر قول : سلوى‏

- اعتمد على نفسك.‏

كيف سأعتمد على نفسي؟‏

دارت في ذهني أسئلة كثيرة، وكانت الشمس تميل إلى الغروب وأنا بين القبور أجول وحيداً، والنقطة التي عادت تتحدى صوت سلوى:‏

- اعتمد على نفسك‏

همست:‏

- أنا ضعيف:‏

قالت:‏

أنت تفكر أكبر من سنك‏

أكبر من عمري! صحيح ماذا يفعل هؤلاء الذين هم في عمري؟‏

أنا الآن في الصف الخامس:‏

***‏

بين بيتنا وساحة الحي عدة أزقة، منها الضيق، ومنها الفسيح ويفصلها عنها مجرى، ونهر، هم بدأوا باقامة جسر اسمنتي كي يسهل العبور شتاء، ويتحول النهر في الصيف إلى مستنقع، بيوت تتسرب إليها خيوط الشمس، ضعيفة واهنة، ولاتلبث أن تبعد عنها، وبفضل الرطوبة تنمو الاعشاب والطحالب فوق الجدران.‏

قريباً من حينا المهمل، وعلى قمة الهضبة المطلة على المدينة أقيمت البيوت الأنيقة، وبدأت تمتد حتى حاذت حينا حيث بوشر بهدم بعض البيوت القديمة، وفي ساحة الحي أدخل سليمان الحلاق لأول مرة لمبة طويلة، تعطي إنارة حمراء، وضعها في صدر الصالون، وعلق حولها مجموعة من الصور عرفت فيما بعد محمد عبد الوهاب، وأم كلثوم، وزبيدة ثروت . فجأة بدأت نقود خالد ترد من الكويت إلى أسرته. أثارت هذه النقود فضول سكان الحي، وكانت حديثهم اليومي.‏

في السهرات، أثناء تواجدهم في الحوانيت أو البيوت أو المقهى الوحيد.‏

كانت أمي تردد.‏

- الله يطعمنا مثل ما طعم أم خالد، بس من مين؟ منك يا وجه النحس؟‏

سمعت أن معظم شبان الحي سيغادرون إلى الكويت. حيث الأموال، والعمل، وخدمة العلم هي العائق الوحيد دونهم، ودون هذا السفر الخيالي..‏

قال سليمان:‏

- قل لأمك تسعيرة الحلاقة قد أرتفع ثمنها بأمر الحكومة.‏

قلت:‏

- معي نص ليرة.‏

قال:‏

- تدفع في الحلاقة الجاي ليرة.‏

قلت لأمي:‏

- أخذ سليمان نصف ليره.‏

ردت بجملة من الشتائم‏

كنت في العاشرة، حين شاهدت الكوخ الخشبي الصغير الذي أقيم في زاوية الساحة الترابية ، وهو يحاذي صالون سليمان الحلاق:‏

أصطفت أمام الكوخ عدة دراجات عادية ، وأدوات إصلاح الاطارات، وعرفت أن الدراجات للأجرة، وتسعيرة الساعة الواحدة بفرنكين، وأن صاحب الكوخ يعلم الأطفال قيادة الدراجة.‏

صرت أختلس من عملي في الخفان، الذي أكل ما يستطيع من جسدي وعلمني عبد العزيز صاحب الكوخ قيادة الدراجة.‏

كان يصرخ حين أقع‏

- التوازن يابني.. التوازن يابني.. التوازن ياحبيبي.. التوازن ياأمين.‏

أحببت عبد العزيز وسلوى معاً سلوى ذات الوجه الذي ضاع في زحمة قهري وبحثي اليومي عن الأمل والحياة.‏

تجاوزت علاقتي بعبد العزيز حدود الدراجه فطلب مني ذات مرة أن أضع الشاي، أعتبرتها فرصة طيبة. حدثت عبد العزيز عن سلوى، وكومة التراب، وحلم الحمى وأختي مريم التي تغسل الصحون عند صنبور الماء قرب الساحة.‏

وكانت أم خالد تردد في جلساتها بعد أن تزعمت نساء الحي.‏

- توصيل المي كلفنا ألف ليرة.‏

تبلغ أمي غيظها وتتمتم.‏

- هلق أم خالد ها لـ.. و... صارت تعرف الألف ليرة! تفوه. دخل عبد العزيز مشاكل حينا بسرعة، عرف الأسر والوجوه والفتيان والرجال، وتصدى لسليمان الحلاق عدة مرات.‏

كان سليمان قد عارض إقامة الكوخ، وهاجم عبد العزيز وأطلق عليه إسم ( الأعرج) لأن عبد العزيز كان يعرج من قدمه اليمنى.‏

هاهو سليمان يسعل ثم يمشي باتجاه الكوخ يقذف بصاقه وعبد العزيز يضحك..‏

- تصرفات أولاد، لاتصدر من رجل يحترم نفسه.‏

يشتم سليمان ، ويهدد، ويلعن، ويحدث الزبائن.‏

- شوهت الدراجات عقول أطفال الحي، منين أجانا هالبلا هالزلمي خرب الحارة والناس؟ وين الحكومه؟‏

كنا نجلس في الكوخ مساء نشرب الشاي، وكان يدخن بغزارة ويحدثنا بلهجته القاسية عن الحياة، والعدالة، وكان قد علق في الكوخ مجموعة من الصور.‏

- هذا جمال عبد الناصر. ياأخي بطل قومي! وهذا لينين ياأخي بطل الاشتراكية، وهذه جميلة بوحيرد ياأخي بطلة الجزائر! وهذا عبد الحليم حافظ ياسلام!‏

كان يعرف بهم كل الأطفال، ويتحدث عنهم بحرارة.‏

- تأميم قناة السويس شغله عظيمة. دع قنالي فمياهي مغرقه.‏

في الطرف المقابل للصور. وضع عبد العزيز صورة لفتاة شبه عارية، وصورة لإحدى ممثلات هوليود.‏

- ياأخي جسد الأنثى. شايف كل شيء فيها عم يحكي ! يالطيف! بدأت أشعر في شيء ما يتغير بداخلي، وحين تأملت فتاة الصورة، شدني جسدها.‏

حدث ذلك بعد ما شربت أول كأس كحول في حياتي.‏

[يتبـــــع]

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244