|
||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 03:31 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
لكن نورا لم تقع "نورا" صبية عصرها، وعصفورة الماء البارد، وردة تتفتح في ربيع صعب المسالك، تتداخل فيه الطقوس. كانت شهّية كقطعة نور، تشعّ لتبهر، ويصدح صوتها عبر الطريق الترابية الممتدة من قرية (المغر) المنحوتة في صخر سفح الجبل حتى عين البارد. (ردي منديلك ردي بيضا والشمس حدي) بين نورا وحمارها ناقل الماء،ألفة أوجدتها تلك العلاقة اليومية، حيث المسافة بين القرية والنبع تراها وحيدة تحت الشمس، وهي ترتدي طاقيتها القش وأمامها الحمار، تتركه أحياناً لتلاحق فراشة، أو تراقب ما يثير انتباهها. يحبون نورا، وهي تحبهم. -شربة (مي) باردة يا نورا تقدم الماء ضاحكة، متفتحة كوردة جورية في بلاد لا ورد فيها، كتب عليها أن تحيا شقاء زمن لايرحم أنامل نورا الطرية. عشقتها في وقت مبكر من حياتي،حين كنت أتجاوز سن الطفولة متجهاً حيث بداية نمو زغب الإبط. كنت أتبع "نورا" سراً، أختبئ خلف الصخور أو أشجارالبلوط، وأنتظر لحظتها الحارة، حين تطلب من الحمار التوقف فينصاع لها لتبتعد عن الطريق بحثاً عن مكان مناسب لتفريغ مثانتها. ألهث وأستمتع، وحين تنهي عملها، تقف لتعيد ترتيب ثيابها، فأغيب عن الدنيا مسترسلاً مع ثوان ساحرة، أحيا وهجها بحرارة. يومذاك صحوت على صوت هز الفضاء، تتالت صرخات نورا المستغيثة، شاهدتها تجري صوب الحمار صارخة: -يا أبي... يا..بي يا إمي... جريت خائفاً، وأنا أتطلع صوب نورا التي تصرخ وحين ابتعدت عنها وقعت على صخرة، فسال الدم من قدمي. لم تقع نورا، وأنا أقطع المسافة كي أصل إلى قرية (النخيله) حيث تقيم أسرتي بحكم عمل والدي في القوات المسلحة. اختفى الصوت، ثم عاد، ثم اختفى. رأيت أمي خائفة، تجلس إلى جانبها جاكلين ابنة الجيران، وهي تخفف عنها. صرخت: -وين كنت يا شيطان؟ لم أرد، وكان لحضور والدي المباغت وهو يرتدي خوذة القتال الفضل في حسم الموقف. قال: -لا تخافوا. هذا طيران العدو يخترق جدار الصوت. قالت أمي: جدار من؟ ضحكت جاكلين بخبث، وكعادة أمي لم تفهم ماذا قال أبي. فأسكتها مردداً -لا تخرجوا من البيت، أو اذهبوا إلى الملجأ غادر أبي راكضاً، فشاهدت أمي الدم على ركبتي . -ما هذا؟ -وقعت. -يا ريت انكسر راسك. كانت جاكلين تحدق فيّ، قالت: -قم لأنظف لك الجرح يا مدلل أبوك ردت أمي: -بل حمّميه يا جوجو. عاد الاختراق، ولم أكترث، لأن فكرة الحمام التي طرحتها أمي قد أعجبتني، ولقيت الرضى من قبل جاكلين الأكبر مني بعشرين سنة. سمعنا طلقات المدفعية. -اشتبك أبوك، الله يستر استرجعت صراخ نورا، وهي ترفع سروالها الداخلي دون وعي. قالت جاكلين: -إتبعني إلى الحمام يا ولد. دخلت أمي إلى المطبخ، وهي تتمتم داعية حماية والدي من شر الأعداء. صارت جاكلين تخلع ثيابها، قدرت أن فيها ما يشبه نورا، ركبة، ساق، بياض، وكنت أنتظر القطعة الأخيرة كي أكتشف لون الشعر الذي يعلوه، ولم تفعل وقفت شبه عارية. -قوم يا شاطر صرخت أمي: -أجرديه منيح يا جوجو اهتزت وضحكت. -حاضر يا خالتي . ثم سلطت صوبي نظرات مفترسة. -قوم ولاّ... استسلمت لها، وكان الجدار يخترق، ووالدي يشتبك وجاكلين غير مهتمة . لا فرق بينها وبين نورا، سوى بلون الشعر، فهو أسود عندها. جلست جوجو على الخشبة الصغيرة، وأبعدت بين ساقيها ووضعت رأسي في الوسط، وبدأت تجردني تنفيذاً للوصية. كنت أسترجع نورا، والفضاء المحيط بي وبها دون أن تدري وأدركت أن حالة نورا مختلفة، وهي أكثر متعة. ولم أستطع في جو الحمام أن أصل إلى ذلك الإحساس الذي أتذوق طعمه مع نورا. طلبت جوجو أن أقف، ففعلت، أصبح كل شيء مواجهتها. قالت: -يجب تنظيف هذه المنطقة جيداً. راحت تفرك بيدها والصابون ثم التصقت بي أكثر وهي تلهث بشكل منقطع وتردد: -افعل كما أفعل، ماذا تنتظر؟ غبت مع جوجو، ونورا في مخيلتي. صرخت أمي: -عجلوا ياولاد. عاد الصوت، وخوف نورا -يا بي... يا إمي... ركضت صوب الحمار، وحين عاد الصوت مرة ثانية اختفى صوتها، ولكنها لم تقع، أنا الذي وقع، إذن اين اختفت نورا؟ تراها قابعة بين الصخور حتى الآن. قالت جوجو وصوتها يميل إلى النعاس: -خوفك الخرق يا عيب الشوم؟ وسمعنا طلقات والدي الثقيلة،وبدأت الانفجارات من جديد صرخت أمي: -لازم نروح إلى الملجأ. تركت جوجو في الحمام شبه نائمة، وخرجت. قالت: انتظرني يابغل، ثم ارتفع صوتها تخاطب أمي: -سألحق بكما حين أنتهي من الحمام. كنت أتنقل بين نورا وجوجو، وأمي تصلي من أجل أبي المشتبك، وبعض النسوة يشاركنها ذلك، وأطفال يبكون أو يصيحون، ونورا في رأسي، ورائحة جوجو عالقة بي. كانت جوجو مستلقية على السرير تشرب الشاي وهي تستمع بنشوة إلى أغنية من الراديو: (ياموج البحر أنغامك شكت للشط عن حالي) قالت: -أنت جبان، تركتني وهربت إلى الملجأ، ووضعت يدها على كفها يعني (طق) خرجت من البيت باتجاه موقع أبي، رأيته في خوذته وغبار المعركة على وجهه وثيابه، ضحك حين رآني اقترب منه،قال: -هل خفت يا ولد؟ كن بطلاً. قلت: -ماذا يعني اختراق الصوت؟ -يعني صوت لترهيب الناس. ولم يكمل كلامه لأنه تنبه لصوت أحدهم يصرخ عن بعد: -ماتت نورا يا سيدي.. ماتت نورا يا سيدي. رد أبي: -أين؟ -على الطريق الصخرية بين المغر والنبع. رحت أجري صوب الطريق، ودموعي تغسل وجهي. -كيف ماتت؟ رأيت نورا في المكان الذي غادرته قبل ساعتين وعلى جبينها بقايا دم، ومن حولها اجتمع رجال ونساء قرية المغر والنخيلة والعباسية، وأمها تولول: -ليش متي يا زينة الصبايا، من بعدك ما في قمر يا نورا، لكن نورا لم تقع، ركضت خائفة تصرخ، شاهدتها وسمعتها. حملوها على ظهر الحمار فوق (قربة) الماء، ساروا بصمت وأمها تئن بألم. رأيت أبي وجاكلين والحزن يعلو وجوههم، صرخت وأنا أبكي بمرارة قتلت نورا... أنا قتلت نورا.. أنا قتلتها يا أبي... قال أبي موجهاً كلامه لجوجو: -الولد خائف يا جوجو، إذهبي معه إلى البيت، ودعيه يرتاح بعض الشيء. اهتزت جاكلين. -حاضر ياعمي... حاضر ياعمي. ثم شدتني من يدي، وسرنا معاً. 1995 هوامش : المغر، النخيلة، العباسية، قرى في جنوب الجولان وهي خليط من أسر سورية ولبنانية بحكم قربها من قرى الجنوب مرجعيون -شبعا-الخيام- وكانت العادات متشابهة، والزيارات متبادلة وعلاقات الخطوبة والزواج وغيرها. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |