مياه آسنة من أجل الأسفنج - زهير جبور

قصة طويلة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 03:31 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

حين بكت نوال.

1- مدخل للبكاء‏

لنوال نكهة خاصة، تنسجم وطبيعة اعلانات الشاشة الصغيرة، ولشعر نوال الفحمي جاذبية تشع لتبهر ببساطة، هذه هي نوال التي بكت ذات يوم.‏

كانت ترغب بالعمل كمذيعة للتلفاز لكونها تمتلك المقومات الفعلية لمثل هذا العمل.‏

تقرأ، تضحك، تتقن فن اثارة الدهشة، وكانت تتابع نشرات الأنباء، وتفرح حين تشاهد الأوسمة وهي تزين صدور القادة الذين حققوا للبلاد تفوقها .‏

تقول نوال بغبطة.‏

-هذه الأوسمة سياج النرجس، ما أحلى بريقها وكانت تعتز بصورة تزين غرفتها، صورة لجنود التفوا حول دبابة وهم بثياب القتال.‏

كانت نوال تحدق في الصورة فتراهم يتطلعون صوب الأفق بابتسامات واثقة ورؤوس شامخة ونظرات متوثبة وطن. وخضرة وأوسمة براقة.‏

تفتح نوال ذراعيها لتعانق الشمس، فتبدوا كفراشة ربيع أخذت من الألوان وراحت تتقافز بين وردة وأخرى.‏

تقول:- ما أروع الحياة في نبض الوطن، أنت تحياه، وهو يحيا فيك وأنتما تنشدان أغنية الأمل وسياج النرجس البراق يبعث الطمأنينة.‏

يا لصدورهم المزينة بأوسمة المجد.‏

2- البداية‏

-نعم سيدي أنا نوال‏

رفعت شعرها الفحمي، جعلته يتدلى على ظهرها، فبدا قصيدة شعر مسكوبة بأنامل شاعر، أكثر من الصور الرائعة. ونشرت تلك الجاذبية التي تعبق لتجذب الكائنات من خلال سحرها العجيب.‏

إرتبك الرجل الضخم، واستيقظ بداخله حس الإنسان الذي فقده منذ زمن بعيد.‏

-تعالي معنا‏

سارت معهم، دخلت أقبية وهي تضحك، ثم ممرات ضيقة وهي تضحك‏

-ما أروع الحياة في وطن تحياه ويحيا فيك، وسياج النرجس البراق يزين صدور المجد.‏

3- المكان‏

سألت نوال المراة التي تشاركها ضيق المكان ورائحة العفونة:‏

لماذا حزنك؟.‏

ردت الأخرى بصوت واهن في طريقه إلى الموت.‏

-فيما بعد تعرفين!‏

ضحكت نوال، ولم تكترث برد المرأة التي تجهل معنى وجودها في مكان جليل وقوركهذا، ستوضح لها الأمر، وتابعت ضحكتها.‏

قدرت المرأة أن الفتاة مجنونة، فهزت رأسها عدة هزات متتالية كتعبير عن الأسف، وكانت نوال ما تزال تضحك.‏

4- الاختراق‏

وصلها الصوت الغليظ من عمق السواد، مخترقاً حواجز العفونة والرائحة .‏

-مين نوال؟‏

ردت:‏

-أنا.‏

أجاب:‏

-لا تضحكي بقرف.‏

لم تسمع هذا الرأي من قبل، لكنه الليل الذي حجب عنه الجاذبية وحوله إلى مجرد صوت غليظ ينفذ. مشت بمحاذاته، انتقلت من ليل إلى آخر عبر ممرات ضيقة، وصلت إلى ضوء الطاقة.‏

-انتظري هنا.‏

تذكرت نوال بطلات الروايات اللواتي انتظرن مثلها وكانت قد شاهدت ما يشبه ذلك في (السينما)‏

-ادخلي يا...‏

دخلت، فشاهدته وسيماً يدخن سيجاراً، ويتمايل على كرسيه بهدوء، ومن حوله وزعت التحف الثمينة، ولمحت باقة زهور طبيعية.‏

خاطبت نفسها:‏

-لا بد أنه شاعر.‏

قذفته بابتسامة مشعة، حرصت على شحنها بمزيد من الجاذبية، وتركت لشعرها الفحمي حرية الحركة.فمج من سيجاره طويلاً وفرغ الدخان بهدوء وهو أمام موقف أثار بداخله الدهشة الممزوجة بالاتزان المصطنع حدق اليها من الأسفل إلى الأعلى.‏

قال:‏

-اعترفي يا نوال، فالتكتم لا يفيد..‏

ضحكت نوال:‏

-توقفي عن الضحك يا نوال.‏

اقترب منها أكثر، فلامست أنفاسه الساخنة وجهها ثم التصق بها وهو يردد:‏

تعترفين فيما بعد، لا بأس، تعترفين فيما بعد.كثيرات هن الفتيات اللواتي تعرضن لمثل موقفها، فاستسلمت وهي تعلم أن لاجدوى من الرفض. تألمت من وحشيته حين اقتحمها دفعة واحدة فسال الدم على ساقيها، وابتعد وهو يلهث ويردد:‏

-عاهرة وعذراء.‏

ضحكت نوال وهي تتألم.‏

صرخ:‏

-لماذا الضحك يا فاجرة؟ لماذا الضحك؟‏

-5-‏

سألتها المرأة التي تشاركها المكان:‏

-ماذا جرى؟‏

كانت نوال تتلمس جرحها وسط الظلام، وتزيل بقايا الدم عن ساقيها.‏

ضحكت.‏

-لا شيء.. لا شيء أبداً، هم رجال ظرفاء.. ظرفاء جداً واستمرت في ضحكتها.‏

هزت المرأة رأسها عدة هزات متتالية... فالفتاة مجنونة ونوال لم تزل تضحك.‏

6- التهمة‏

ركلها بقوة، تمتمت نوال وهي تضحك:‏

-أنسيت من بداخل بطني؟‏

سال الدم من انفها، تضحك ويزداد شراسة، حاولت النهوض لم تستطع، وكانت لم تزل تضحك ثم وقفت بصعوبة عليه وقالت:‏

-متهمة بالصورة، ما أروعني وأنا أحيا عشقها الأبدي. افعلوا ما تريدون، لكن الصورة ستبقى.‏

تلقت ركلة أوقعتها أرضاً وضحكت.‏

7- الفصل‏

لم يرد العم حمدان على تحيتها الصباحية‏

سألته:‏

-ماذا جرى يا عم حمدان؟‏

رد العجوز:‏

_أنت خطرة يا آنسة نوال، ابتعدي أرجوك، أريد أن أعيش..‏

دخلت نوال غرفة عملها، واجهت نظرات الزملاء.‏

-ماذا بكم؟‏

لم تتلق جواباً، قدمت لها إحداهن ورقة رسمية، قرأت نوال قرار فصلها من العمل، ورفعت شعرها الفحمي جعلته يسترخي على كتفها... ضحكت... خرجت.‏

8- الخطيب‏

نزع خاتم الخطوبة .‏

قال:‏

-لا أستطيع أن أستمر معك يا نوال.‏

ضحكت..‏

صرخ:‏

-لماذا الضحك؟‏

غادرت المكان وصوت ضحكها يرتفع..‏

9- لماذا بكت نوال‏

لماذا بكت نوال؟‏

صرخت نوال وهي تبكي بمرارة‏

-لا.. هذا مستحيل.‏

كانت الصورة ممزقة بحقد. وقد تحولت إلى نتف صغيرة فبكت نوال..‏

1994‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244