مياه آسنة من أجل الأسفنج - زهير جبور

قصة طويلة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 03:31 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

هي والمدينة

ألا تستطيع أن ترى هذا الجرح الغائر الذي أحمله.‏

والذي يمتد من أحد أضلاعي إلى حلقي ومن ذقني إلى صدري.‏

لوركا.‏

غطت نظراتي مساحة المكان، فوق الطاولة أوراق مبعثرة أشرطه تسجيل، جهاز للهاتف برتقالي اللون، امتدت يدي، انطلق صوت الأغنية.‏

تناولت لفافة تبغ (الدخان يضر بصحتك. ننصحك...) ابتسمت توقفت. سرت باتجاه الشرفة. الشارع. الحركة. باصات النقل والصبية ذات الثوب الأحمر في الجهة المقابلة.‏

كل شيء على حاله، هي الوحيدة التي تبدلت.‏

تراجعت عن الشرفة، جلست وراء الطاولة وكانت الأغنية الطفولية التي أحببتها.‏

كيف حدث ذلك؟ رحت أسترجع التفاصيل.‏

رفعت سماعة الهاتف، صرخت:‏

-ماذا؟‏

أعدت السماعة إلى موضعها، ثمة كارثة في الحي الغربي. شاهدت عمليات نقل الضحايا إلى المستشفيات، وجوه الأموات الذين غادروا الحياة قبل قليل، وسمعت صرخات الأمهات الموجعة.‏

يقطن فقراء المدينة في الحي الغربي وهم يعملون ببيع بطاقات الحظ. تنظيف الأحذية، والتبوغ المهربة وخدمات للبيوت الفاخرة.‏

إنتقلت إلى الحي الشرقي، والاستعدادات جارية من أجل مباراة كرة القدم. وفي الصالة الرسمية ستلقى محاضرة هامة، فيما ضجيج الانتخابات يحاصر المدينة. أزقة حزينة، وشوارع تتقافز نشطة وأمهات (يولولن) وأخريات يستعرضن الأزياء و(مانشيتات) الصحف مطبوعة بخط أحمر عريض ورواد المقاهي يناقشون (الانتفاضة) (الجنوب)‏

وأصدقاء القدم يتراهنون على الفوز، وصديقي القديم كان يتفاخر بإيمانه. لكنه يبحث الآن عن آخر صرعة في تزيين الجدران والأسقف المستعارة وتوزيع الإنارة وحركة النهب ويشكو الجوع.‏

يفرض عليّ العمل التنقل من حدث إلى آخر لأرصد الأخبار. كنت أعيش تلك الزحمة من الأفكار حين قالت لي:‏

-لا أستطيع الخروج معك هذا المساء.‏

لفظت كلمة (ماذا) بحيرة.‏

لكن الموقف ازداد سواءاً حين صرحت برغبتها في إنهاء العلاقة دون مناقشة.‏

مساء أجريت اتصالاً هاتفياً معها، لم أقل (حبيبتي) كما جرت العادة.‏

قلت‏

-أريد معرفة الأسباب.‏

-لاشيء.‏

أعدت السماعة بقرف، وللوهلة الأولى ظننتها مجرد حالة نفسية، وكانت الأغنية القديمة التي أحببتها منذ طفولتي.‏

فيما بعد شعرت بحجم الخداع الذي أحطت به، وأثناء وجودي في الحي الغربي داهمني إحساس غريب وأنا أتلقى أنباء الموتى وبكاء الأحياء واطالع الجمل المكتوبة على الجدران وهي عكس ذلك.‏

تحت سماء المدينة طائرات ليست مألوفة، وحدها التي تغيرت. دوار خفيف آلام في معدتي.‏

زعيق الاسعاف الاندز. الإطفاء. الطائرات. أزيز المروحة، وأصوات امتزجت ببعضها.‏

سمعت حديث رجل المحاضرة يرتدي ثياباً أنيقة تفوح منه رائحة عطر باهظ الثمن. يتكلم بحماسة /الحياة/ /العدالة //المجتمع/‏

الهدف الأول. الأصوات تشارك الفضائيات في النقل. البث الملون. الكرة ملونة. أرض الملعب ملونة، الهدف ملون، الأصوات.‏

أدرت قرص الهاتف بكسل، قلت:‏

-الأخبار.‏

صورة الأم في الحي الغربي ترافق الحروف، وزعيق المأساة يضج برأسي.‏

هم يعيشون حزنهم منفردين.‏

قال الصوت من الطرف الآخر:‏

-إلغ خبر الحي الغربي الآن ومن غير المناسب التحدث عنه. صرخات بكاء. أموات. لم أستطع النوم.‏

-ماذا جرى؟‏

صمت.‏

-أنا أحببتك. تذكري..‏

صمت.‏

-معنى الحب أن نشرب ماء البحر معاً ونموت وأيدينا متشابكة.‏

لم تنطق بكلمة واحدة استعدت البداية.‏

كان الصيف وأشجار الزيتون وأضواء العربات البعيدة وصوت نباح الكلاب وأول لمسة حب أحياها بعد زمن طويل.‏

اختطفت قبلة سريعة واعتذرت، ضحكنا وكانت أشجار الزيتون وأضواء العربات البعيدة تضحك معنا. مرت أيامنا بسعادة.‏

أحيا من أجلها لأنها الأمل الذي وجد في جفاف حياتي. ابتعدت عنها في لقاء البحر وكان الأخير، وفي داخلي إحساس ما بأني سوف اكتشف سرها المبهم لإني أتقن من خلال المهنة فن اكتشاف الخفايا والتوقف عند الجزئيات والتوغل بعمقها.‏

وكنت أقول لها دائماً:‏

-ينبغي أن نشك ليس من أجل الشك، بل من اجل الوصول إلى الحقيقة.‏

لم تدرك هذا الأمر.‏

أكتب. أتصل. أعمل. وبداخلي رغبة مناجاة القمر، يدها بيدي والحب، لم أعش هذه الحالة من قبل. كانت رغباتي تجري آلية وبالتالي أحتسي القهوة ادخن لفافة مهربة ابتعتها من أصدقاء الحي الغربي. اكتشفت سرها وتلاشى الحلم ومرارة الخيبة عالقة في حنجرتي.‏

ببساطة دخل رجل آخر إلى حياتها.‏

-هل أستطيع إقامة علاقة معك؟‏

بعدها عاش الرجل الجديد فرحة اللقاء الأول. واغتالت أيامي معها.‏

لعبة الانتخابات مستمرة، تحدث الإعلام عن المحاضرة. إنجرفت هي إلى قلب خيانتها وأموات الكارثة يدفنون. إنطلقت ليلاً. الألوان النارية المختلفة احتفالاً بالانتصار الكروي.‏

وسكان الحي الغربي ينصتون إلى أيات من الكتاب المقدس على أرواح الذين دفنوا كيفما اتفق.‏

وصرخات مكبرات الصوت المنقولة على عربات (السوزوكي) تعدد مزايا المرشح الذي أعرفه جيداً وهو يعاني إلى الآن من جشع فقر قديم برغم كل ما نهبه. أصبحت ذكراها تعذبني كشوك يخز الجسد وانقلب وجهها الذي أحببته في يوم ما إلى قطعة لزجة لا حس فيها، وراحت أسنانها تنهش قلبي.‏

صار الحي الغربي وجه طفلة يبتسم ووردة بيضاء تتفتح.‏

اتسعت ابتسامة الطفلة ونشرت الوردة شذاها الرائع.‏

وكانت حناجر أبناء الحي الغربي تردد الأغنية معي.‏

1997‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244