" مفترق الطرق "سجيع قرقماز

نصوص قصصية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 03:33 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

* ملحق خاص

بعض الصبية أحضروا صفائح فيها زيت من بيوتهم، ولحقوا بالكبار، وكأنهم خططوا لذلك بشكل مسبق، وعرفوا ماذا سيفعلون وماهو الدور المرسوم لهم.‏

في الجزيرة ترقب وخوف. ومن بعيد تظهر شعلة حمراء تنير السماء، وقد أضاءت القرية والتلال القريبة منها.. تتحرك الشعلة كما نراها من القصر، تقترب ببطء. عند طرف الجزيرة الغربي حركة غير عادية، محرك المركب غير آبه بكل الصراخ الذي يعلوه، رفض أن ينقاد للمرة الأولى منذ أن جلبوه إلى هذه الجزيرة.‏

وكلما كان الصراخ يعلو كان صمته يكبر، وهذا ماجعل أهل القصر والحراس يبتعدون عنه، ويوجهون الركلات ، والبصاق، والشتائم إلى لحيته ولحية والده، وهم بحيرة من صمته اللعين. تحرك الحراس، دخلوا القصر ورفعوا الجسر الخشبي المتحرك، بضعة حراس تمترسوا خلف الباب الرئيسي للقصر، آخرون خلف باب الخدمة، والباقي في غرفة السيد المطلة على الشاطئ لمواجهة أهل القرية إذا فكروا في اقتحام القصر، أوامر السيد كانت واضحة: - عدم السماح لأحد من المهاجمين بالاقتراب من القصر -صوّبوا على أرجلهم، إن لم ينفع ذلك اقتلوهم، ليست مشكلة، كان يردد ذلك بصوت مرتفع وحشي وهو يتفقد استعداداتهم.‏

* المد:‏

يرتفع زئير الأمواج وهي تقفز وتضرب القصر بعنف، في البدء، كان الصوت ضعيفاً ناعماً، صار عنيفاً، وخاصة عندما يضرب القصر ويتراجع وهو يرغي ويزبد، ويتوعد. موجة تضرب. وأخرى تتراجع.. تتنفس الموجة التالية بغضب، تنكمش، ترتقي، تشرئب، تندفع بتحدٍ، تضرب، ترغي، تزبد، وتعود لتنضم إلى أمواج أخرى.. تتكتل الأمواج، تكبر، تضرب بقوة تزداد تدريجياً.‏

الرعب يحيط بالقصر من كل الجهات، لم يبق إلاّ السماء، إنها صافية مضاءة، الرعب يتسلل إلى قلوب الحراس، فالأصوات التي كانت تهدر بين الموجة والموجة كانت أصوات تحذير حقيقية، وكأن أحداً يقول لهم: "اهربوا قبل أن يصل أهل القرية، لم يستطع أحد من أهل القرية تفسير هذه الأصوات الغريبة، حتى كلمات سيد القصر المشجعة لم تنفع فالزناد لم يعد يطاوع، ومع سقوط بعض الرصاصات على الجموع المتقدمة، استمرت الجموع بتقدمها، لم يرهبها الرصاص.‏

الأولاد الذين صاروا في المقدمة، وصلوا إلى الجزيرة ممتطين سيقان أشجار الحور التي مدت كجسور متقدمة مابين البر والجزيرة، صب الأولاد الزيت على جوانب القصر. وعادوا كي يفسحوا المجال للمشاعل كي تتقدم.‏

وكطقس شعبي يعود إلى آلاف السنين، شكل أهل القرية قوساً حول القصر من جهته الشرقية، ووصلوا جميعاً إلى الجزيرة بينما كانت أصوات الرصاص تتلاشى، شيخ الصيادين تقدم بشعلته، باسم معه جنباً إلى جنب، وصل الشيخ، قرّب شعلته من جدار القصر المغمور بالزيت، تعانقت النار مع الزيت في رقص أسطوري لف القصر كله، تراجع الشيخ بضع خطوات شامخ الرأس، ناول المشعل لباسم:‏

- لا تفرط به ياصغيري.. هذا كتابك...‏

دمعة صغيرة انحدرت على خد باسم وهو يقبض على المشعل كالرجال:‏

- حاضر ياجدي.‏

كانت النار تزداد اشتعالاً، وتلتهم القصر ومافيه، ليتطهر من ساكنيه:‏

تخفت الإضاءة تدريجياً... مشعل باسم مايزال متوهجاً، يتحرك باسم مع مجموعة الصبية يبتعدون باتجاه الشرق، يصل المشعل إلى الأفق الذي اشتعل وصار أحمر نارياً...‏

داخل القصر... صور متناثرة لا حياة فيها.. السيد... زوجته.. الحراس.. القطط. وجثتان عاريتان إلا من عيون ماتزال مفتوحة لم تتأثر بالنيران، وكأنها رغبت في رؤية المشهد إلى نهايته: - أم باسم- وابنة أبو مروان- ينتهي شريط الصور.. القصر هيكل أسود لا حياة فيه.‏

* المنارة:‏

مشعل باسم ثانية، انتقال إلى الشرق، المشعل قرص شمس شهي في الأفق، نقترب أكثر: إنه الفجر، قرص الشمس يملأ المكان، يخرج باسم من قلب المشهد الفجري، يرافقه أطفال آخرون، يتجهون إلى الجزيرة حيث أهل القرية يقومون بطلاء حيطان القصر بالأبيض، بعض المراكب كانت تتوافد إلى الجزيرة، وهي تطلق الأبواق ابتهاجاً... مع الفجر كانت الحركة من نوع آخر: يصعد باسم إلى سطح القصر الذي غدا أبيض، ومع ظهور المشعل الذي كان يحمله يضاء المكان بضوء الصباح.‏

28/12/1988‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244