|
||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 03:33 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
"ســــــيزيف" جسدكَ يغوص في الأرض، وروحكَ تهزج مع عصافير الدوري كل شروق، لكنك تمتعتِ بجمال الموت حيث الحبيبة آخر مارأت عيناكِ... من مكان ماتتدحرج الصخور، تستقر كلها على ظهرك، ثم تنزلق بعدها إلى الهاوية، غلالة تغطي عينيكِ، زعيق السيارات يدفعكَ إلى الركضِ عبر الشارع المزدحم، تتابع الطريق... - عناوين الصحف تختلط مع روايات الجيب والكتب الأنيقة المظهر... -رعب، جنس، رخص، في واجهات مكاتب الفيديو.. - بائعو المواد المهربة يكتظ بهم تقاطع الشارعين الرئيسيين في المدينة. - كلاب أقتعدت سيارات ضخمة.. - يوسف المجنون يقتعد زاويته المعتادة في الطريق البحرية المؤدية إلى الحديقة العامة، راضياً عن مؤونة الكحول التي حصل عليها لهذا اليوم. - كل ذلك يختلط في رأسك، تفقد صفاءك، تقرر اجتياز الشارع والعودة إلى البيت، صخور أخرى تسقط من كل مكان، تندفع بجسدك الهزيل عبر ممر المشاة كي تصل إلى الجهة الأخرى من الشارع. * الزمان: بحر يبتلع قرص الشمس الشهي وكأنه رغيف طازج خارج من التنور. * المكان: معبر مشاة في شارع المدينة الرئيسي.. الشارة خضراء تعلن أن الطريق للمشاة. * الشهود: كثيرون أغلبهم من الشبان والشابات لكن أحداً منهم لم ير شيئاً. * الحدث: اصطدام قوي يرميكَ أرضاً، تفتح بعد جهدٍ عينيك، سيارة ضخمة مستطيلة، مستطيلة إلى آخر المدى. بضعة أشخاص تجمعوا ببرود. يسقط رأسك، خيوط خشنة تعيد حياكة الغلالة الرقيقة التي كانت تغطي عينيكِ، غيوم بيضاء تتجمع في رأسك. صاحب الكرش الكبيرة، والسيارة المستطيلة يغادر المكان دون التفاتة، ولا أحد يسأله إلى أين؟ لا أحد يستوقفه. تقرير أولي عن الحالة: "قاربتُ الثلاثين.. عندما أرى وجهي في المرآة تدهشني تلك الزرقة الخفيفة حول عيني.. عيناها تشبهانهما إلى درجة كبيرة، وشعرها الذي يسوّر وجهاً شفافاً، ثم ينسدل ليستريح هانئاً على كتفين غضين، هو اطلالتي الوحيدة على هذا العالم. أحاول أن أنهض، جسدي لا يطاوعني، أفتح ثغرة بسيطة بين رموشي فأرى البياض يغطي كل شيء. أطياف، هي الأخرى بيض، تحيط بسريري، قررت أن أحتج على هذا اللون، وأن أصرخ: صرخت عالياً، لكن أحداً من حولي لم ينتبه إلى صرختي. رفعت صوتي أكثر.. لم يسمعني أحد. توسلت إليهم بعيني، لم يفهم أحد هذه التوسلات. تكاثرت الغيوم في رأسي.. ضباب... ضباب..". يهدأ قليلاً.. مجموعة من الأطياف تحيط به، ديكة الفجر لم تستيقظ بعد، هو مايزال مقيداً إلى سرير أبيض منعاً من الحركة، وهم مجموعة خائفة: إما من موته، وأما على موته. *** ياصديقي، لقد تغيرتَ كثيراً، أنت في زمن غير زمنك القديم، صخرتك أوقعتك أرضاً، وداست فوقك، زمنك هذا زمن أناس من نوع آخر، لن تقدر عليهم، ربما كان من الأفضل لك أن تستجيب لأوامرهم، وتنسى كل شيء عن حبيبتك، فهم لن يسمحوا لك بالاقتراب منها. **** التقرير الثاني: "ربما طلعت" "سمر" من خلايا ذاكرتي. مدت يدها. أمسكت يدي. بدأ الأبيض بالتلون، رائحة الحب تخرج من مسام الجدران، تتخطى البياض.. - تعالي نهرب معاً... - بعد أن هربت "سمر" من جميع الموجودين في الغرفة المستطيلة البيضاء، حملتُها، وتجاوزنا معاً جميع الأبواب البيض. عندما خرجنا استقبلتنا عصافير الدوري التي كانت قد نظمت مسيرة احتفالية، واكبتنا قليلاً، بدأت تهزج فوق رأسينا، حملتنا، طرنا برفقتها، ابتعدنا عن المدينة، تابعنا صعوداً، سبحنا مع الغيوم، قاربنا منزل "زيوس"، تابعنا الطيران وأيدينا متشابكة مع أجنحة العصافير. ارتفعنا أكثر، بدأت عصافير الدوري تتسرب من بين أيدينا، وتسقط بسبب الشمس الحارقة والضوء الساطع. ضوء ساطع من الأعلى كان مسلطاً على جسده الممدود بلا حراك، الأطياف التي رآها منذ قليل تشده إلى السرير. **** زمنك هذا ياصديقي اغتيلت فيه ضحكات الأطفال، وطارت أماني الصبايا مع السحاب، الرجولة ضاعت على مفترق الطرق، والحياة صارت معبر مشاة ملون بالأحمر ملآن بالأخطار في كل لحظة، وأنت بحاجة إلى جواز مرور لعبوره... حذار ياصديقي.. اخفض صوتك.. لا تفكر بصوتٍ عالٍ... حاول أن تصمد إذا استطعت لكن بهدوء... **** تقرير آخر من العناية المشددة: "صورة يوسف" المجنون تختلط مع صورة "سمر" في ذاكرتي. هو بقذارة شعره الطويل، وهي بشلال شعرها الذهبي... ماذا حدث ليوسف؟ لماذا يشتم؟ إنه يضرب في الهواء محاولاً إبعاد خصوم لا وجود لهم. يتعب. يبتعد عنهم، يبعدهم بيديه، يأمرهم بالإنصراف، يتكئ على رصيف الشارع، يمد قدمين قذرتين، يلقي إلى جابنه معطفاً تلون بجميع الألوان. يخرج من جيبه نصف رغيف، حبة بندورة، حبات خوخ، يبدأ نهاره، لون أبيض، تهتز صورة "يوسف" لم أعد أرى إلا الأطياف". الأطياف تغلق ذاكرته، وتمنعه من الاستمرار، تشده من أطرافه، الغشاوة تزداد في انتشارها البطيء، لم يعد يميز شيئاً... **** تعاود الصخور تدحرجها، تقع على رأسكَ، وظهركَ، تفقدكَ اتزانكَ، تتراكم كلها على صدركَ، هزات بسيطة من صدركَ، وتهدأ حركتكَ تماماً. قبل أن تغلقهما "سمر" تسمرت عيناك نحوها، إنك تراها وهي تمد يديها لإغلاقهما، قُلتَ لها: - لا تفعلي، دعيني أبصرك على الأقل. لم تسمعكَ ، صحيح، لكن ألم تقرأ الرجاء في عينيكِ، ربما لم تستطع بسبب الدموع التي كانت تملأ عينيها... عندما سقطت إحدى حبيبات العرق من وجهها على وجهك، وهي تغلق عينيك، عرفت وقتها كم ركضتْ حتى وصلت إليك، وكم قاتلت من أجل نظرة أخيرة... هي الآن تسير خارج المشفى، أحدهم في السيارة المستطيلة يحاول إقناعها بضرورة العودة إلى البيت، تضرب السيارة بيديها ورجليها، تركض في الشارع الرئيسي المكتظ، تضيع في زحام المدينة، يغسلها العرق وهي تركض باتجاه البحر. يحاول "يوسف المجنون" اللحاق بها، لا يستطيع، تتابع طريقها نحو البحر الواسع. الغيوم تزداد قتامة فتعكر مزاج البحر الذي تخاصمه الشمس فجأة وتذهب بعيداً.. أي صديقي لا نهوض بعد اليوم، ليكن بطن الأرض سلاماً على جسدك الذي أنهكته السنون، ولترافق روحك أهازيج العصافير عند كل شروق، وانتظر ربيعاً ما، ينبت براعماً تقاوم، تسرق النار لتعيد إليك النور. 22/2/1987. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |