|
||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 03:37 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
المنفى الخمري يا ساقي! بقايا حلم، أو بقايا دن في هذه الزجاجة؟ اختلطت الأشياء في رأسي... رأس فرغ كهذه الزجاجة! في زجاجة الزجاجة.. أقسم ألا أشرب ثم اشرب! وأقسم، ثم ... لكن لماذ لا أشرب؟ المنفي لا يفكر، يتذكر.. منفاي زجاجة من قبو قديم، من العهد القديم! المسيحي في تعميد الصبي يسقي شراباً .. وفي الجنة تسيل به الأنهار للمسلم التقي! وفي الحياة جعل الله للناس، من ثمرات النخيل والأعناب سكراً ورزقاًحسناً.... فلماذا إذن الام على الشراب..؟ أرى الساقي، الحاناتي، الزبائن، فحماً حجرياً. أرى النبيذ في الزجاجة كوكباً، تجمع فيه ضوء آلاف السنين. الكوكب دري يوقد في رأسي من شجرة مباركه، فيزيده عطشاً وجفافاً وظلاماً، روح الخمر لا تخلد إلا ليلة واحدة، ثم تفنى، وتبقى ذكرى السكر، بل يبقى الصداع! رأسي نشف، ولساني جفّ نضبت من كليهما الكلمات.. بقايا حلم، أو بقايا دن..؟ حيث تنبع الهلوسة الحالمة، ينبع الشعر، ينبع الحب، ينبع الايمان! ويبرز الروح الأمين برسالة السماء! النور واحد والاضاءة متعددة! نبيذ، "بيرة" بيرة، نبيذ، زجاجة، ثنتان، ثلاث، أربع... أرى الوشاح ابن زهير الحفيد، أراه بأذنّي! ياللأذن تعشق الكلمات! كلماته عذبة كهذا النبيذ، لكنها تنبث الحسرة والألم... " وحبيب همت في غرته وسقاني الراح من راحته كلما استيقظ من سكرته وسقاني أربعاً في أربع" جذب الزق إليه واتكى خمريات ..... سيدا سياسية، غلمانيات ودنان، ذهبت بعرب الأندلس في خبر كان! مالي أرى الحانة خلت من الذباب؟ أين ذهب الشَّرب؟ لعل الجميع ذهب في خبر كان ! أنا أذهب في خبر يكون ! بقايا حلم، أو بقايا دن؟ لم أعد أرى مايراه الشاربون، لعلني أنتقلت إلى عالم سوف يكون! لعلني الآن أحيا في هذه " الجنة الخمرية السوداء" التي وعد بها المتقون! لكن مالي أرى الأنهار جافّة، لاخمر فيها ولا سكارى يتنعمون؟ جَفْناي صارا من رصاص! إنه النوم، أو الموت. ها أنذا أموت، أموت! هاهي ذي الجنة! يا ساقي! إني مت، أنا الآن في الجنة، لست في حاجة إلى خمرك، هاهي ذي الأنهار تسيل خمرا، ودما!، وهاهم العرب سكارى معربدون، يسقون في هذه الجنة الخمرية، الراح والروح، من أيد غربية شفافة، بلون الشفق، بأباريق درية الاشعاع! يا ساقي! دع خمرك عندك، أنا لست ابن زهير، لا أشرب دمك من فمك! بقايا حلم، أو بقايا دن قديم، من عهد قديم؟ ها أنذا أعود إلى الحياة من جديد! أراني أحلق في سدم عالية، أرى "العالية"، حيث دفنت، ولا أرى "حارس الحامة" ! يالحارس الحامة! آرى أكواخ القصدير من هذا العلو البعيد، ولا أرى مايرى من بعيد! يا ساقي! إن العلو ليس أحجاراً تبنى، وإنما بناة الأحجار! انظر إلى "العالية" المنخفضة كم هي عالية! سكنها شعب وقادة، كانوا... فمن يسكنك أنت أيها الطويل؟ مقام الشهيد لاتبنيه كندا، ولكن بناة الجزائر الحديقة التي يملؤها الشوق إلى علو سيكون والحنين إلى علو كان... سقطت من علو، ها أنذا عدت إلى الحياة وإلى هذه الحانة العطنة القذرة! لعن الله "البيرة" بين مزدوجين، والبيرة بلا مزدوجين، لعنها الله في لغتها وبكل اللغات! زجاج النبيذ مصباح أسود، يشع ظلاماً، فقد شمسه في المعصرة، زجاجة البيرة روحها عاهرة! الروحان امتزحا، روح النبيذ وروح البيرة، وروحي الشريرة عادت إلى الحياة! يا ساقي! زجاجة أخرى، أقسم بكلمات الألم تتحول إلى شعر ! زجاجة أخرى، أقسم بأكواخ القصدير تتحول إلى ثورة! ثالثة. أقسم بليالي الظلام الطويلة، التي خلقت الخوف، وبالخوف الذي خلق العبادة! زجاجة رابعة، أقسم بالحرمان يتفجر بركاناً، وبالبركان يتحول إلى حرية! زجاجة خامسة، أقسم بالكبت الذي خلق المجنون وليلى! أقسم بأبي نواس الذي ملأ الشعر خمرا ! أقسم بالزجاجة! في زجاجة الزجاجة... سبع زجاجات مختلفات والصحو متواصل! الخمر في حاجة إلى خمر.. الكلمات في حاجة إلى كلمات... أقسم بالأصنام العربية، وبكل من حولها من العباد والعباد. أقسم بـ "ايساف" و"نائلة" اللذين وصلا إلى درجة المعبودية بلقائهما المشهود تحت سقف الكعبة.. أقسم بحبهما الذي تحجّر، وبتحجرهما الذي عبد! أقسم بالراح والروح، بشفق العنب تحوّل إلى مصباح في الزجاجة، وبالمصباح الذي يضيء في راسي.. أقسم برأسي الذي تحوّل إلى فضاء قمري، وبالقمر أضاء ظلمة رأسي!... يا ساقي! اسق هذا القمر! اليوم خمر وغدا خمر، وبعد غد أيضاً خمر! يا ساقي! أريد خمراً تروي خلايا هذا المخيخ العطشى التي صارت كومة من ظلام، اسق هذا الجفاف القمري حتى تصير هذه الزجاجات الفارغة، وهذه المصابيح الباهتة، وهذه الحانة العطنة القذرة، وهؤلاء البشر، والحاناتي ،وأنت هوسا حالماً وهائماً! اطفئ هذه النار المتأججة في صدري بما استقر في قعور الزقاق والدنان من خمر حتى أصير كوناً من ظلام انطفأت نجومه منذ آلاف السنين! يا ساقي! "ألا فاسقني بيرا وقل لي هي البئر ولا تسقني سراً إذا طلع القمر"! الحاناتي يضحك على شعري، يضحك في مقبرة الزجاجات الفارغة، على الخراب الذي تركناه في حانته! يضحك على شاربي الخمر، وهو يبيع الخمر..! أقسمت أن لا أشرب ثم عدت إلى الشراب، أقسمت ثم عدت، أقسمت ثم عدت، حتى استوى انقطاعي عن السكر والسكر!، لو كنت غنياً لمنعني مالي من العودة إليه. لو كنت مؤمناً باليوم الموعود لمنيت نفسي بالشراب هناك، أما هكذا فأنا في حاجة إلى وضع آخر، حرموني من النطق فحرمت نفسي من الصحو، هكذا أحسن، لا أفكر. أنا الآن حيوان صامت! يا نادل! زجاجة أخرى من هذه اللعنة التي تسمونها " البيرة"! لو كنت في زمن أبي نواس لاعتبرتها من شراب العبيد، أما وأنا في زمن "الاشتراكية" التي تحرم النطق فأقول بيني وبين نفسي : إنها من شراب العباد! الحاناتي يضحك، نحن نشرب وهو يغسل الكؤوس ويضحك! أشعر أن مخي تفكك كعمارات بيروت، لم أعد قادراً على تكوين فكرة أو صورة.. لعن الله الخمر مهما كان شكلها أو اسمها والزجاجات التي تحملها! لعن الله من سعى في تخريب بيروت! بعت مخزون رأسي بمخزونات الدنان! باعوا جمال بيروت لكي لا يحلم رأس عربي بفكر حر! جعلو ا من انسجام مجتمعها وتسامح شعبها وتعايش أديانها وأبنائها مليشيات متناحرة لكي لا تعرف الأديان تسامحاً، والأفكار تصالحاً، لكي تكون مثلاً يقتدى في التشرذم، والتقزم!.. لكي تكون الديكتاتورية مشروع مستقبل لكل عربي، لكي يبحث الناس عن الأمن والخبز بدل الحرية! ثم ماذا؟ في شبابي كان الحب يجري في عروقي، وكان للمستقبل في عينيّ ألوان قزحية.. الآن صار كل شيء بالأبيض والأسود، للتوثيق! الآن شراييني أصبحت قنوات للكحول، وصار المستقبل غيباً من الغيب، الخوف منه والأمل فيه متساويان! في شبابي كانت أحلامي زرقاء كأحلام من يقبل لأول مرة على طاولة القمار في "لاسفيفس"، أو " مونتي كارلو"! كنت أبحث عن "ألوهية" ولو صغيرة في الأرض، كألوهية الأثرياء، أو الأقوياء، أو قادة البلدان العربية.... الآن صارت أيّ ألوهية لا تساوي زجاجة خمر! عجزت أن أكون حتى صنماً صغيراً كتلك الأصنام التي كان يحملها العرب في أسفارهم! الأصنام العربية! ياللأصنام العربية! أصنام الأمس واليوم.... أرى الطاولات، والزجاجات الفارغة، الشرب، الساقي، الحاناتي، وأنا كلوحة من الرسم الحديث لمدينة كابول أثناء حرب التسابق لتكوين دولة إسلامية - نموذج... لو كان بإمكاني الاخيتار أن أكون رساماً، أرسم الآلهة والعبيد، أصور كل طرف بشكله المرئي، أضع كل واحد في موضعه، كما يرى بعينين عاديتين، أو كما يراها رسام مثل " دولاكاروا".. سارتر، كان لا يحب إلا الرسم الحديث الشبحي الذي تتماثل فيه ملامح الوجوه.. كان يخاف أن يرى لوحة تمثل وجهاً بعينين عاديتين مستقيمتين، لاتلعن احداهما الأخرى.. عينين تختلفان عن عينيه! المسكين! لم يفكر، وهو الفيلسوف، أن الابصار الحقيقي، هو رؤية مالايرى. كم من عيون طبيعية، مستقيمة، تنظر إلىالوراء بلا انقطاع وهي تمشي إلى الأمام، ومع ذلك لا تخشى السقوط! وكم من عيون طبيعية، مستقيمة، تنظر إلى الأمام وصاحبها يمشي إلى الوراء! وكم من عيون طبيعية مستقيمة، تنظر إلى أعلى وأنوف أصحابها في التراب! سارتر المسكين يخاف من عينيه وقد كان نظرهما صافياً وجميلاً!... لو فكر لوجد في أقبية فرنسا الخمرية من المخزونات العتيقة ماينسيه حتى وجوده! زوجتي قالت: "الناس يتقدم بهم العمر إلى العبادة، وأنت إلى.." قلت : " يتقدم بهم العمر إلى الموت، وأنا إلى معبودة المنبوذين".. رفيق قال لي : " الناس يذهبون من الخمر إلى الشعر، وأنت...".. قلت :" ومايدريك أنني لا أبحث عن طريق يختلف عن الآخرين! أنالا أفكر برأس بودلير ولا برأس أبي نواس، ولا برؤوس غيرهما من السكارى، بل أفكر برأسي هذا الصغير. لا أريد أن أجر كالعربة، بأيّ رأس، ولا بأيّ لغة. أنا حفظت في صغري شعراً قديماً، مازال يمتعني، وإذا ضللت طريقي فهو يهديني: " لبيت تخفق الأرواح....! كل هذا قلته في نفسي : لم أجبه، لو كان عليّ أن أجيب كل الناس الذين يرون في كلامي أو في سلوكي مالا يرتضون، لاضطررت حينئذ أن أبرر حتى وجودي على هذا النمط.. وبهذا الشكل! لا .. لا يهمني أن أكون شاعراً أركب سيارة فخمة وأهيم في أوساخي وشعوري الطويلة، ليقال :" شاعر!".. يا ساقي! اشعر برأسي امتلأ بدخان كثيف كهذا الدخان الذي يملأ القاعة.. أدخنة الشراب صارت ضباباً صلباً لا تقطعه حتى أمواس الحلاقة! كنت أكره الكثير من الناس، البعض أغار منهم، والبعض أخاف، البعض أحسدهم والبعض لا يستحقون سوى الكراهية، لكن الخمر محت الحقد، من نفسي وليّنت الزوايا الحادة من أنانيتي. السكير كالزجاجة الفارغة، يفرغه السكر من كل شيء، حتى من الحقد! كلماشرب ابتعدت المسافة بينه وبين أناه، واقترب ما بينه وبين الناس، لكن الناس لايرحمون.. يا ساقي! لقد اختلط الراح بالروح، وأشياء أريد البوح بها... فلمن أبوح.؟ اشعر بالنوم، ينزل ثقيلاً على أجفاني، ماألذه! ماألذه لولا اليقظة الفظيعة التي تعقبه.. يا ساقي! زجاجة من " نبيذ الرئيس" من رؤساء الأقبية العريقة! رئيس عاش في ظلام الأقبية سنوات أو قروناً! كم أحب هذا الرئيس الذي تحيا الشمس في أحشائه! أحب "الرئيس" وأكره هذه الخادم الشمطاء التي يسمونها "البيرة".. ترى لو عاشت "مالطة" كيف كان يجدها عشاق هذه العجوز المصفرة المريضة؟ مسكينة "مالطة" ولدت ميتة! بل وئدت بفتوى شيخ لا يفرق بين زجاجة بيرة وجزيرة...! يا ساقي! الشيخ حرم "مالطة" بدون أن يزورها ولا مرة، مع أنها كانت في زمن ما من بلاد أجداده! أشعر أنني أتدحرج إلى دركات سفلى بلا قرار . اشعر بأوصالي تتفكك متلاعنة متنابذة كـ " الدول" العربية! الحكام يكسرون الكؤوس والشعوب تدفع الثمن! يا ساقي! لقد ثمل الليل بمدام الجريمة! إن عينيّ صارتا لا تريان سوى الظلام، أحس أن صوتي يخرج في فضاء قمري، بلا صوت.. لكن من يسمع صوت سكير مدمن على حب كل مالا يمكن تحقيقه..؟ من يجيب على أسئلتي؟ هل أنا أحلم؟ هل أنا ميت وأحلم بما تركته ورائي؟ من أنا سكران يتألم؟ إن شيئاً مايجذبني، يجذبني إلى أسفل! أكاد أسقط! النجدة! النجدة! لن أسقط! سأقاوم، سأقاوم، إن طردوني من الأرض فسأسكن الزمن! من يغلب الزمن؟ الجزائر في 28 / 20 / 1987 r توضيح بعد الكلمات: " حارس الحامة" مقام الشهيد، بني بقروض كندية لبناء معمل من طرف كنديين فحوّل إلى بناء نصب تذكاري يشرف علىحديقة الحامة، في العاصمة. r حلم بلون الليل " طلقات بندقية الصيد هي التي كادت تقضي عليك، لا الغارة الجوية، ساقك وحدها التي أصيبت أثناء الغارة..". لم أعِ بالضبط أين أنا، ولا ماذا وقع لي، فتحت عيني لكن لم أسمع إلا الصوت. ثم شيئاً فشيئاً تضخمت كلمة "طلقات بندقية الصيد" في رأسي حتى لكأنه أصبح مغارة، تضيئها شمس سوداء، وتردد جدرانها الصخرية الكلمات والطلقات! " اقتله أفضل من أن يعيقنا في انسحابنا..." " تموت هكذا خير لك من تعذيب الطاغوت.." أرى بندقية صيد توجه نحوي بمنخارين أسودين، تضخما حتى صارا مغارتين متسامتتين! أحسست أن الجبل اخترق رأسي لا الطلقات! أرى زوجة الأفغاني، الممرضة، الطبيب، اختلطت جثثهم وأصواتهم بجثتي وصوتي، وتدحرجنا إلى هاويه لا قرار لها، بها شمس سوداء تمتصنا امتصاصاً في تدحرجنا كثقْب أسود رهيب! وانتهى كل شيء.. " أنت الآن بالمستشفى العسكري منذ أسبوع، كنت في غيبوبة عندما حملت إلى هنا، لقد نجوت الآن..". الكلمات بلغة فرنسية خالية من كل لكنه، أنا في فرنسا إذن! لكن ماذا أعمل في فرنسا! شيئاً فشيئاً أخذت تتشكل أمامي صورة رجل ببلوزة بيضاء، أسمر اللون، أوهكذا بدا لي، إلى جانبه ممرضة، واقفين أمام السرير.. "لندعه الآن" قال ذلك للمرضة، والتفت إليّ :" ابق هادئاً، لا تجهد نفسك، ولا تتكلم، أصابتك خطيرة للغاية.. لكنك نجوت.." أنا الآن بالمستشفى العسكري... بندقية صيد... غارة جوية... جثث تتدحرج إلى هاوية... كراس المذكرات يعيد إلى ذهني صور الأيام التي أوصلتني إلى المستشفى العسكري... كنا نقيم في مغارة تتسع لأكثر من ثلاثمائة شخص، لكن عدد المجموعات التي كانت تنشط في تلك النواحي لا يتجاوز السبعين مسلحاً، بعض المجموعات لايعود إلى المعسكر- المغارة، الا يوماً أو يومين في الأسبوع، أما للراحة، أولاجتماع مجلس الشورى. " الأمير" المسؤول العام على تلك المجموعات لايقيم بالمعسكر، هو موظف كبير، فيماعلمت، بإحدى الوزرات الحساسة! الذين يقيمون بمعسكر - المغارة، أو يعودون إليها كل مساء هم : المهندس الكيميائي المتخصص في صنع المتفجرات، الميكانيكي، كان اصلاً يعمل في ورشة لتصليح السيارات، ثم انتقل نهائياً إلى الجبل بعد ما انكشف أمره بالمدينة، يتقن فن التسجيل على أشرطة الفيديو والراديو، راقن على الآلة الكاتبة، مزدوج اللغة، يقوم في نفس الوقت بالترجمة وبتشغيل جهاز الارسال والالتقاط، طبيب جراح، امام مفتي، يقوم أيضاً بتعليم القرآن ومبادئ الفقه للذين لا يقرؤون. أكثر المسلحين لا يعرفون القراءة والكتابة، هم أقسى رجال المجموعة المسلحة واشدهم جرأة وصبراً. يقيم أيضاً بالمغارة ثلاث نسوة، أعمارهن تتراوح بين الأربعين والستين، تطوعن " للجهاد" في سبيل الله! يدير المركز شاب في الثلاثين من العمر، متخرج من كلية الحقوق.. كل الأجهزة الموجودة بالمغارة، سواء الطبية منها أو الأخرى، حديثة، وصلت إلى المعسكر قبل مجيئي بأسابيع قليلة.. بالمغارة ايضاً مكتبة تشتمل على حوالي مائة وخمسين كتاباً في الإسلاميات السنية والشيعية ومجموعة من تسجيلات الفيديو والصوت. توجد بالمغارة كذلك صناديق للذخيرة، وخزانة ملابس جنود، ودرك وشرطة، من ملابس القوات الجزائرية. ولحى اصطناعية، وقبعات، وأغطية رؤوس سوداء للتنكر. باختصار، هذه المغارة عبارة عن ثكنة - مسجد- مركز للتدريب والتوعية! النساء يقمن بإعداد الأكل، الذي هو غالباً مايكون : "الكسرة"، " الكسكسى"، "الغرايف"، "الشخشوخة"، .... كما يعددن "الروينة" للمسلحين الذين يذهبون في عمليات نائية، الروينة هي دقيق مقلي مخلوط بالزيت والتمر المجفف المسحوق. لكل واحدة من هؤلاء " المجاهدات" قصة. المجاهدة ربيحة، حكت لي ذات يوم سبب التحاقها "بمجاهدي الاسلام"، (هي تفرق بين مجاهدي الاستقلال ومجاهدي الاسلام.) : " زدت في اليوم اللي راح فيه بابا للحرب، في سنة 40، كنا نسكن في دشرة قريبة من مدينة خراطة، لما عاد بابا من الحرب مالقى حتى واحد غيري، امي وجدة وعمي عيسى قتلتهم فرنسا، في مايو 45.الطيارت ضربت الدشرة، بيتنا تحرقت، كنت صغيرة، أخذتني خالة لعندها، ولما بدأت الثورة، بابا طلع للجبل، في سنة 57، قتلو العسكر، كنت مخطوبة لواحد مجاهد من دشرتنا كنا نتاج في العمر، كان يجي للدشرة ساعة على ساعة، في سنة 60 انجرح من ذراعو، ارجع للدشرة، تزوجنا، لما برا من ذراعو، عاود طلع للجبل، زادت عندي طفلة، في الاستقلال راح للدّزاير، وتزوج بوحدة أخرى، وسكن ثمة، وخلاني أنا وبنتي، هي الآن متزوجة، وعندها ثلث أولاد، زوجي صار ضابط كبير في الجيش. طلّقني، بدون ماتلاقينا وتحدثنا وفهّمني علاش طلّقني .جاتني ورقة الطلاقة للبيت، الاستقلال كان خير علىالناس ماهوش عليّ، يكثرّ خير أهل الخير. ما عاودت تزوجت لحتان تزوجت بنتي، وفي سنة 80، تزوجت بالجيلالي الله يرحمه، مات في أفغانستان سنة 85، ومن هذاك الوقت لا يموني الخاوة... وجابوني لهذا الجبل، عندي الآن أربع سنين وأنا هنا. الحمد لله، هنا ماخصنا والو. نخدمو في سبيل الله، نعاونو أخوانا المجاهدين، وانشا الله نبنو دولة اسلامية تحكم في الدنيا اكّل، هذا هو.." لم أقرأ قصة في حياتي أبلغ ولا أخصر مما حكته لي بعبارتها الشعبية البسيطة، بالأبيض والأسود، كوثيقة لحياة امرأة، يمكن أن تكون رمزاً لمعاناة النساء في هذه المجتمعات البائسة.كانت تتكلم وهي تعجن الخبز، والعرق يتصبب من جبينها ثم يتجمع في خطين عموديين، يسيلان على صدغيها، الفينة بعد الأخرى ترفع أحد كتفيها لمسح العرق. مابقي من جمالها لم يتكشف لي لأول رؤية. سنها، ملابسها، حياة الشظف التي تعيش فيها، وتضرسات الماضي الكادح الكالح الذي عاشته، أخفى ما يمكن أن يكون بقايا جمال. لهجتها البربرية تعطي مسحة من سحر فريد لعربيتها الشعبية، عندما تقول " بابا " أحياناً تستدرك قائلة :" أبي".كذلك عندما تقول "يما" تتعقبها بلفظة "أمي"، يبدو أن ذلك من جراء تأثير الامام الذي لا ينفك يصحح تعابير كل متكلم، كما لو أنه يحاول توحيد كل شيء وصبه في قالب واحد! أحياناً يضجر من ذلك بعض رجال الجماعة، لكنهم يعبرون عن ذلك بالامتعاض، أو بمغادرة المكان. إنه لا ينفك يردد أمام كل سامع: " إن الجهل ومخالفة النهج الاسلامي الصحيح هو الذي أدّى بالناس إلى ذلك الانحراف اللغوي، ولاسيما في عهد حكم الاشتراكية الكافر الظالم". يقول دائماً:" العربية هي لغة القرآن ولغة الرسول ولغة أهل الجنة." قال له مرة أحد المسلحين مازحاً : " ولغة أهل النار ماهي؟ " أجابه بآية قرآنية : " وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما" ( الآية 63- الفرقان). طبعاً، أفراد المجموعة المسلحة كانوا متفاوتين في اقتراب لهجاتهم من العربية الفصيحة، ومختلفين في النطق بها، تبعاً للمناطق التي ينتمون إليها. كان هذا الامام يردد دائماً في دروسه الوعظية :" حافظوا على الوحدات الثلاث: وحدة العقيدة ووحدة اللغة ووحدة القيادة.." لم يكن يقول ذلك عبثاً، لأن من بين أفراد المجموعات هناك من اعتنق ولو صورياً المذهب الشيعي، وهناك أيضاً من لا يريد التنازل عن لغته البربرية، رغم الذّب الشديد عن الاسلام. وهناك من يدعو إلى استقلالية القيادات العسكرية عن القيادة السياسية، لضرورات معينة، أو لغايات مبهمة. بعض أفراد المجموعات من الذين عاشوا فترى في باكستان أو إيران أو أفغانستان، كانوا ينادونه : " الوحدات الثلاث"، بل أحياناً يسخر الواحد منهم فيثلث بالصليب، لكنه كان أكبرهم ثقافة واطلاعاً بلا منازع.. في هذه الفترة التي قضيتها بالمغارة اكتشفت أن ماصار يربط بين مختلف أفراد المجموعات هو حياتهم الجبلية، أمام " العدو" المشترك، أكثر من قضيتهم. ان اختلافاتهم المذهبية، ولو كانت صورية، كقبض اليدين أو اطلاقهما في الصلاة، وكرفعهما مع كل تكبيرة، أو عدم فعل ذلك كان يؤدي بالبعض منهم إلى اتهام الآخرين بالخروج عن الإسلام، لكن الإمام كان رجلاً قوي الحجة.متدرب على الجدال والنقاش، ماعدا مع الشيعيين، وهم قلة، فلم يكن يحاورهم ولا يحاورونه في مسائل الدين. حظر ذلك على الجميع الأمير الكبير، مسؤول الناحية، بعد ماوصل إليه ماوقع بينهم وبين الإمام من نزاع في إحدى المرات، إلى درجة اتهام كل طرف للآخر بالكفر! بل أحد الشيعة أطلق فعلاً الرصاص على الامام، لكن مسلحاً كان إلى جانبه دفعه أثناء الطلقة فلم يصب الامام. في الحقيقة، لم أكن أميل كثيراً إلى الامام، كان سريع الاكفار، متعصباً للمذهب المالكي، ولعله كان شعوراً متبادلاً بيننا! لقد كان يحذر مني كمن يحذر من وباء، لكن مهمتي حتمت عليّ السيطرة على عواطفي، فليس من المصلحة معاداته ولا منازعاته، ماعدا الذي وقع بيننا في حوار طويل حول قضايا سياسية ودينية، سيأتي التعرض إليها في حينها، لأن ذلك كان من بين المهام التي تندرج ضمن مهمتي. اعتقد أنه كان يميل إلى السيدة ربيحة، زوجة " الأفغاني"، كما ينادونها في المعسكر، هي المرأة التي كنت منذ حين تعرضت إلى حكايتها، تقدم إليها فعلاً طالباً يدها فرفضت رفضاً قاطعاً، هو في الواقع متزوج، ترك زوجته وأولاده بالقرية، كبعض رجال المجموعات الآخرين، جميع سكان القرية يعرفونه، على ماسمعت، إذ كان بها اماما قبل أن يدخل الميدان السياسي.. لم يكن الامام وحده الذي خطب زوجة الأفغاني، أفراد المجموعة الشيعية أيضاً، عرضوا عليها زواج المتعة بواحد منهم، حاولوا افهامها أن في ذلك صوناً لها ولهم من نوازع الشيطان، لكنها رفضت، بل هددت بمغادرة المركز، إذا لم يتركوها وشأنها، لما بلغ ذلك الأمير الكبير جمع مجلس الشورى خصيصاً لمعالجة تلك القضية، وتم الاتفاق على أن لا يتعرض لها أحد منذ ذلك اليوم بأيّ مضايقة من ذلك القبيل. إن هذه المرأة ملأت ذكرياتي ومذكراتي الجبلية، هي نموذج كامل لامرأة أصيلة، متجذرة في الزمن، لكن للأسف، قتلت أثناء الغارة، خسارة! إنها هي التي عرفتني بكل من له صلة بالمغارة. المرأتان الأخريان كانتا أقل شخصية منها، احداهما تدعى الحاجة زوينة، والثانية اسمها مبروكة، لست أدري إن كان ذلك اسميهما الحقيقيين؟ مبروكة قتل لها الجيش ولدين شاركا في الهجوم على ثكنة "بوغزول" كثيراً ما تتطوع للقيام بمهمات استطلاعية أو تجسسية، أو تقوم بتمرير أسلحة، لكن إقامتها الرسمية كانت بالمغارة _ المركز، لا تتحدث كثيراً، يبدو أن حزنها على ولديها تحوّل إلى حقد لاحد له، أما الحاجة زوينة فهي أصلاً ممرضة، وهي نفس المهنة التي تمارسها بالمغارة، يقال إنها مطلقة، زوجها كان مديراً لإحدى الشركات، اكتشفت ذات يوم أنه على علاقة مع كاتبته فطلبت منه الطلاق، لم يكن لها أولاد معه، بعد ذلك ذهبت إلى الحج، ثم التحقت بصفوف الجبهة الاسلامية للإنقاذ، ولما تكثفت الأعمال المسلحة، احتيج إليها في الجبل، هي الوحيدة التي قبلت زواج المتعة، كما ذكرت لي زوجة الأفغاني، كانت أقل من الآخرين سناً، حياتها المدينية لم تفقدها نضارتها ونعومة بشرتها. الطبيب، الراقن - المترجم، مدير المعسكر، لا أعرف عنهم الكثير كانوا بالإضافة إلى مهامهم بالمركز والحراسة يشاركون حيناً بعد آخر في العمليات الكبيرة.لم أكن أعرف أن بالمغارة سجناً، ذات يوم جيء بضابط في الجيش برتبة نقيب مقيداً، قال أمير المجموعة الطبيب ضعه بالسجن، أزاح الطبيب حزمة من خشب إلى جانب مدخل المغارة ثم رفع غطاء خشبياً ضخماً، وأنزل السجين إلى مخبأ تحت الأرض، دخلت إليه ذات يوم فإذا هو خندق واسع، مستطيل، له كوات صغيرة حفرت في الصخر للتهوية.يقال إنه كان من مخابئ جيش التحرير الجزائري. من الخارج لا ترى تلك الكوات، تبدو كحفر صغيرة في الصخر غير نافذة، لما أحيط بها من تمويه. *** فكرت أن أعرف رأي مدير المركز - المغارة، في الظروف التي تمت فيها الانتخابات البلدية سنة 1990، وأقص عليه ماحكاه لي صحافي جزائري عنها، التقيت به ببرلين سنة 1991، قلت : قال لي صحافي جزائري عن الانتخابات البلدية التي جرت سنة 1990، والتي كان الفوز الساحق فيها للجبهة الاسلامية للإنقاذ: " ان " الفيس" استحوذ على البلديات بواسطة الانتخابات، أقول " استحوذ" ولا أقول نجح .لأن الظروف التي أحاطت بتلك الانتخابات كانت كلها في صالحه: البطالة، ارتفاع الاسعار الفاحش، انخفاض القدرة الشرائية بسبب التضخم، نقص المواد الغذائية والاستهلاكية الأخرى، أزمة السكن الحادة، بروز قصور وفيلات ضخمة بالتوازي مع ازدياد المدن القصديرية، النمو الديموغرافي، تفكك الحزب الحاكم وانتقاله في فترة الانتخابات من مقره بقصر الحكومة الحالي إلى قصر زيغزت يوسف، مع ما تبع ذلك من فوضى وضياع الملفات واختلاط المكاتب والمصالح التابعة له، تذمر مسؤولي تلك المصالح والمكاتب، الذين أخذوا يشعرون بأفول نجمهم أمام الحكم الذي ساندوه، أكثر من ربع قرن، وأمام الشعب الذي أصبح يرى فيهم تجسد الرشوة والفساد، دعايات الأحزاب التي كان زعماؤها في يوم من الأيام مسؤولين في نفس الحزب الواحد، وهجوماتهم عليه إلى درجة أن أصبح الناس يرون في مسؤوليه كل الكوارث التي حلت بهم، وأنهم جبابرة، ملكوا السلطة على الشعب بالحديد والتعسف، فخنقوا أنفاسه سياسياً وثقافياً واجتماعياً، وزيفوا كل ماكان ثميناً لدى الشعب، فجعلوا الدين ملكاً لهم، مسخوا كل مالا يخدمهم تاريخياً، سيطروا على المحاضر، احتكروا المستقبل لهم ولأولادهم، إلى آخره... بواسطة هذه النتائج من الحملات أخذ الشعب يتذكر المهازل التي كان يحيا فيها، وجد نفسه بعد عشرية واحدة من اليقظة الحالمة تحت شعار " من أجل حياة أفضل" وجد نفسه تحت كابوس رهيب. تذكر ماكان يقال له من أن الجزائر ستصل إلى مستوى إسبانيا، اقتصادياً واجتماعياً وصناعياً، في الثمانينات، وستفوقها بأشوط في التسعينات كان الحلم هو السيد وكان الغباء لسانه... وهكذا فقدت السلطة كلية ثقة الشعب، وفقدت ثورة التحرير التي كان لها ذلك الرواء العظيم في العالم، كل قيمة ومصداقية. أصبح لدى الناس كل بديل، مهما كان، محموداً. بلغ الشك في السلطة إلى درجة رهيبة، أصبح الناس لا يصدقون حتى مايرونه محققاً أمامهم، المكتسبات الاجتماعية، التعليم، البنيات التحتية التي شيدت، المؤسسات المختلفة التي أنشئت، المعامل ... كل شيء صار في أعين الناس سلبياً. في هذه الظروف لم يكن أيّ مشروع قادراً على استهواء الناس واستجلابهم وتجنيدهم. كل الكلمات فقدت مضامينها، اصبح الشك في كل شيء ماعدا في الدين. وكانت حملات رجال الدين، في فترة الحلم وفترة اليقظة الكابوسية، تعمل عملها الذريع بالمدرسة، بالجامعة، بالمسجد، بالادارة. اختلطت المفاهيم، أصبح الدين، الهوية، اللغة، الثقافة، خليطاً غريباً! كل حزب يصنع منه "برنامجاً" هذا يجعل الوطن هو الدين. ذاك يجعل اللغة هي الوطن، ذلك يجعل الأرض هي الوطن والهوية... في هذه الظروف الغريبة كان كل شيء مهيأ خصباً لغرس أحلام لم يعرفها حتى أبطال القصص المجنحة. حلت الجبهة الاسلامية للانقاذ مشاكل الهوية، مشاكل مستقبل شعب بكامله بكلمة: " الله أكبر"! أكبر من الوطن، من اللغة، من السلطة، من المستقبل، الله أكبر، أصبح هو الخبز، هو العمل، هو البناء، هو ماكان ومايكون! ليس هذا فحسب، أضيفت إلى الدين مميزات مادية تقولب مجتمعاً جديداً، نساؤه يلبسن السواد، رجاله يطلقون اللحى، يرتدون قمصاناً خليجية - باكستانية، بيضاء، ينتعلون نعالاً صحراوية، رؤوسهم مغطاة بقلانس بيضاء صيفية متشابهة! تغيّر الشارع الجزائري بين يوم وليلة، وفقد الناس الزمان والمكان! في هذا الجو المشحون بالغضب على الحكم، المبشر بالنعيم الأبدي في الدارين، كان الخيار ليس بين حزب وحزب، ولكن بين "الله" و"الشيطان"!.. قاطعني مدير المركز - المغارة : "يكذب، يكذب! لعنة الله عليه!" قلت له : من فضلك، دعني أتمم لك الحكاية، وبعدئذ، إذا شئت، وضّح لي الحقيقة كما هي أو كما تراها أنت، سكت، فاستأنفت قصة الصحافي: " أتريد أن تعرف نماذج مما قامت به هذه البلديات؟ بدأت بهدم الشعارت"، من الشعب وإلى الشعب، المكتوبة فوق مداخل البلديات، ووضعت مكانها "بلدية إسلامية"، بدون أيّ اعتبار للقوانين الجاري بها العمل، كما لو أنه يكفي أن يغيّر الشعار لتتغير الأوضاع! وهذا يعني أن البلديات التي ليس مكتوباً فوق مداخلها "بلدية إسلامية" هي لغير المسلمين! وأن الذين يلبسون البدلات والبرانس عوض القمصان والقلانس والنعال ليسوا مسلمين، بدأت إذن بتفريق الشعب وبذر الشقاق والفتنة بين صفوفه. والسلطة أمام كل ذلك لم تحرك ساكناً، كما لو أنها كانت متواطئة مع "الفيس"! عندها شرعت تلك البلديات " الإسلامية" في العمل كوّنت شرطة "إسلامية" وصادف أن كان فصل الصيف على الأبواب، فإذا برواد الشواطئ يصبحون عرضة للمضايقات، تمنع في البداية النساء من ارتدء ثياب الصيف، ثم تمنع نهائياً من ارتياد الشواطئ، في حين يمنع الرجال من لبس السراويل القصيرة التي لا تتجاوز الركبتين بخمس سنتمترت! ففي مدينة تيبازا مثلاً كانت الشرطة "الاسلامية" تكيل طول السراويل بالمتر في الشوارع! كما منعت النساء من ارتداء كل ملبس لا يغطي سائرالجسم باستثناء الوجه والكفين! وشرعت مليشيات الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الهجوم على المراكز الثقافية والفنية وتخريبها، وجمع الكتب غير "الإسلامية" من المكتبات لتدميرها، وعادت مشاهد بغداد عند دخول المغول إليها تمر أمام أعين المثقف الجزائري! والسلطة القائمة أمام كل ذلك تتفرج! والشعب أمام كل ذلك يتخدر أكثر ويتجند، مقتنعاً أو طامعاً أو منتقماً من السلطة، فتعددت ألسنة " الفيس"، إلى درجة أن " اللازيز" كتب كلمة " الله" فوق رأس عباسي مدني وعلى بلحاج ومن معهما بملعب خمسة جويلية أثناء عقد اجتماع لهذا الحزب هناك! لقد أصبح الناس يرون بعيونهم المجردة "الله" في "خمسة جويلية"! طبعاً لانجاح مشروع " الدولة الإسلامية" كل شيء يجوز، حتى العلوم والتكنولوجيا الغربية إذا ساعدت على ذلك فمرحبا بها، لايهم مصدر "المعجزة" إنما المعجزة نفسها كما يتلقاها الشعب البسيط! أتريد أن تعرف كيف كانت تحل مشاكل الناس في البلديات؟ أحكي لك قصة طريفة سمعتها من لدن شخص أعرفه ولا أشك في صدقه، وهو لا يهمه من يحكم البلاد، قال : " بعدما أصبحت بلديتنا تابعة " لفيس" ظننت أن مشكلتي السكنية ستحل عما قريب.طلبت مقابلة شيخ البلدية فاستقبلني في الحال، قلت في نفسي هذه علامة خير، لاموعد ولا مماطلة، فتحت الباب، حييتو، رد عليّ التحية، وقال لي " اجلس"، جلست، كان وجهه عليه النور، هكذا بان لي، قال لي في أدب: "سامحني لحظة نكمل هذا العمل ونشتغل بيك :" كان بين يديه ملف ضخم، راح يقلب في أوراقه، ومرة بعد مرة، يعلّم على سطر بقلم، ويهز رأسه ويقول : " سبحان الله العظيم! مايخافوش ربي هذا الناس، ماهومش مسلمين! " بعد قليل طوى الملف والتفت إليّ وهو يبتسّم: "أهلاً وسهلاً، واش حبيت؟" " ياسيدي جيتك على جال السكنى". " السكنى! الناس مساكن تعذّبو،كلهم يجرو على السكنى، عندك ملف هنا في البلدية والا لا؟ " " عندي ملفات! في كل مرة يتبدل رئيس البلدية نشكى لو حالي يطلب مني تقديم ملف" "وماجاوبوك حتى على شيء؟." " لا في كل مرة نسأل، يقولو لي: ما زالت وصلتش دالتك". " سبحان الله، لا حول ولا قوة إلا بالله! وين تسكن الآن؟" " في كوخ قزدير يا سيدي ..." " طيب، تحب شقة نتاع بيتين والا ثلاثة؟" " اللي جايا سيدي، اثنين والاثلاثة، الحاصل، اللي كان.." "كم عندك أولاد..؟" " ستة، وأنا وأمهم..". "يا حسراه! يلزم لك بالأقل شقة نتاع أربعة أو خمسة بيوت .." حسيت لماقال لي: " أربعة أو خمسة بيوت" القدر نشق علي! بديت نتصور في نفسي أنا وأولادي ساكنين في شقة واسعة في عمارة من هذه العمارات التي كل يوم تخرج من الأرض، وماصحّ لي منها والو، لحد الآن! طلب مني نقدم ملف كالعادة وعقد الزواج وورقة الحالة المدنية للأولاد وتوصيل الكهرباء ومبلغ عشرين ألف دينار. كنت عارف من قبل واش يطلبو، قدمتلو الملف كلو في الحال، أعطى لي توصيل على المبلغ المالي مكتوب فيه : "تسبيق على شقة بأربعة غرف " ... وانتظرت، وانتظرت، وتطورت الأحداث ...." قال محدثي بعد ما انتهى من حكاية الرجل الشعبي : " كذا كانت الوعود تقدم للشعب! لقد استعمل " الفيس" كل أساليب الترغيب والترهيب لجلب الشعب إليه، وكوّن الآلاف من الجمعيات الخيرية عبر التراب الوطني، لتقوم في الظاهربمساعدة المحتاج في الميادين المحددة لها، بينما هي في الحقيقة كانت مهمتها الأولى هي تأطير الشعب وتجنيده لليوم الموعود. الذي يظن أن "الفيس" كان حزباً مخطئ، لقد كان أربعين ألف جميعة "خيرية"! وكان اثني عشر ألف مسجد! وكان لسانه آلاف الصحف المتفرقة في البلاد العربية والاسلامية والغربية. نسج شبكة من العلاقات والروابط مع كل من له مصلحة في جعل الجزائر "مخبرا" لتجربة حكم جديد، تقوم على أنقاض الشيوعية، لمواجهة الديمقراطية في العالم النامي.". هذه هي شهادة الصحافي كما حكاها لي، لم أزد فيهاحرفاً، ماعدا الصياغة، ماذا تقول فيها؟ " ماذا تقول أنت ؟!" " أنا رأيي لم يكتمل بعد، أنقل ماأسمع" " إنها شهادة زور، تلك هي دعاية أعداء الإسلام، في سنة 1990، لم تجد بلديات " من الشعب وإلى الشعب" ووجدنا بلديات " من العائلة إلى العائلة "! ما يسمى بالمراكز الثقافية كان مراكز دعارة ومخدرات وانحرافات، المكتبات التي ذكرت، كانت مكتبات بوليس وجنس وبورنوغرافيا من النوع الساقط الرخيص، هذا الصحافي الذي حدّثك - كما قلت - هو وأمثاله، إذا كانوا مسلمين فلماذايخافون الدولة الإسلامية. نترك الشعب الجزائري يحكم: هل يريد أن يكون كما كان دائماً عربياً مسلماً بربرياً، أم يريد أن يكون شيئاً آخر؟ إنهم لم يقبلوا حكم الشعب واختياره، يقولون: " إن الشعب غير واع، وإن الحزب الذي حكمه منذ الاستقلال عزله عن كل قضية مصيرية.. ونحن أيضاً نقول : إن الحزب الواحد الذي حكم البلاد منذ الاستقلال حرم الشعب من التعبير عن إرادته، ونقول كذلك : ولما تمكن الشعب الجزائري من التعبير الحر عن إرادته اختار... ماذا تقول في أناس يتهمون دولة قبل أن توجدّ؟ دعونا نقم الدولة الإسلامية وانظروا من بعد ... لا، لا يريدون رأي الشعب إذا لم يكن في خدمة مصالحهم، يقارنون الجزائر بأفغانستان وإيران والسودان صحيح، كلنا مسلمون، لكن ظروف كل بلد تختلف عن الآخر، الجزائر لها خصوصيات ومقوّمات وتاريخ طويل ورجال... فلماذا يصبون الناس في قالب واحد؟ يمكن أن نكون قد ارتكبنا أخطاء، لسنا معصومين، لكن تجربتنا لم تبدأ بعد، قضوا عليها في المعهد، فكيف يحكمون في بلديات بالكذب والوعود الحالمة؟ أنت مثقف، باحث وصحافي قدير، تجولت في عدة أقطار، حاول أن تستخلص النتيجة، وحدك، قارن بين انسجام مسعانا وتناقض أقوالهم ومساراتهم، هم يريدون إقامة دولة مصالح ملائكية، بلا شعب. ونحن نريد إقامة دولة إسلامية في أرض إسلامية لشعب مسلم. هذا هو الفرق الجوهري بيننا وبينهم. نحن نستمد قوتنا من الله ثم من الشعب، وهم يستمدون قوتهم من الغرب، ليس كل الغرب، بل الغرب الاستعماري الذي استعبدهم... أما الغرب الواعي، العارف فيدرك أن الدولة لا تقام بلا شعب، وعلى غير هوية وتاريخ، إنهم يستعملون مفاهيم لايدركونها، أو يدلسون على الشعب، عندما نقول نحن، نريد بناء دولة إسلامية فذلك يعني أن برنامجنا السياسي والثقافي والاجتماعي والاقتصادي، يستمد روحه من القرآن والسنة النبوية الشريفة، فهو برنامج واضح متكامل، متجانس، يندرج ضمن مسار تاريخي وتطور حضاري طبيعي. أما هم فيقولون : نريد بناء دولة عصرية.... لقد أقاموا دولتهم العصرية منذ الاستقلال إلى اليوم، فما هي النتيجة؟ إنها أمامك... وإذا لم تكن دولتهم هذه عصرية، فماهي؟ إنهم يدلسون، ويجهلون مفهوم الدولة العصرية! في الغرب الذي أنت منه لم تقم الدولة العصرية هكذا طفرة من العدم، بل كانت نتيجة طبيعية لصراعات سياسية ودينية وفلسفية واقتصادية... فهل يمكن أن تجتث هذه الدولة العصرية من تربتها ومحيطها وجذورها وتغرس في أيّ مكان من العالم؟ نحن لا نقول ذلك. لأننا نرى كل تربة تنبت نباتها". هذا ما أجاب به مدير المركز - المغارة، يقال، إنه منذ أن كان طالباً بكلية الحقوق كان من الدعاة السياسيين المشهوريين " للجبهة الاسلامية للانقاذ " قبل بروزها السياسي الشرعي إلى الوجود. *** بالرغم من وصية الأمير الكبير بأني صديق متفهم للقضية التي يجاهدون من أجل تحقيقها، وبأني قدمت خدمات في تهريب الأسلحه لهم، وبأن حياتي لفترة معينة معهم ستخدم قضيتهم لأن التحقيق الذي أقوم به سينشر في أهم جريدة ألمانية، إلا أن الامام لم يكن يثق بي كثيراً. لم يهضم أن أكون ألمانياً وأحسن العربية، ودرست الاسلام وتاريخه، وأعرف مالا يعرفه ربما بعض علماء الدين، ومع ذلك لم أستسلم! كان يتعجب مني تعجباً شديداً. قال لي ذات مرة : " لماذا لا تدخل الاسلام وتزيح عن كاهلك عبء الكفر؟ كلمة واحدة تقولها : لا إله إلا الله محمد رسول الله، وتسعد دنيا وأخرى، أكثر سوف تكون الناس حظوة لدى المسلمين، لأنك ألماني! " أجبته مازحاً: "هل المسلمون في حاجة إلى من يؤكد لهم إسلامهم؟ " هز رأسه نافياً : "لا، ولكن دخولك في الإسلام لا يخلو من أهمية، أنا أنصحك بذلك، و" الدين النصيحة" كما قال صلى الله عليه وسلم. قلت له بابتسام : " من يدري؟ لعل إقامتي بينكم تساعدني على ذلك، لكن بالنسبة إلى الدين فأنا أعتبره قضية شخصية، هو علاقة بين الشخص والإله " قال : " هو قضية شخصية وجماعية أيضاً، سعادة الفرد لا تساوي شيئاً، إذا لم تكن السعادة تعم الجميع، لكن قل لي : كيف تعلمت العربية؟ وأين درست الإسلام؟ هل في ألمانيا مدارس لذلك؟" - " درست فترة طويلة في مصر وكذلك في النجف بالعراق، وأقمت فترات في السودان وليبيا وسوريا وباكستان وإيران.." - "إذن أنت ابن بطوطة جديد".. الامام متشبع بالثقافة الاسلامية مافي ذلك شك، لكن من وجهة نظر معينة، كان صارماً داهية، وكان صديقاً حميماً للأمير الكبير. ذات مرة في مجلس الشورى الذي عقده هذا الأخير، احتج عليه أحد الدعاة، متهماً إياه بالاستبداد بالرأي، لم يرد عليه، بل أشار إلى الأمام سائلاً: مارأيك؟ هل سلوكي فيه مايخالف قواعد الإسلام؟ " سرح الإمام حلقه كمن يستعد لالقاء درس : " كثير من الناس يخلطون. الشورى ليست الديمقراطية الغربية. هي الأخذ بالرأي الأصلح، من طرف الأمير أو ولي الأمر، قال تعالى:" وشاوروهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله، " (الآية 159 - آل عمران ) لم يقل : فإذا عزمتم، قال : فإذا عزمت.. كل التأويلات الأخرى لاقيمة لها، ينبغي أن تفهم الشورى على حقيقتها، لا تقارن بالفكر المستورد، كذلك الآيات المتعلقة بقتل الطاغوت والكفرة... إن آيات اليسر والتسامح واللااكراه، لا يصح الاستدلال بها قبل قيام الدولة الاسلامية، ينبغي أن يفهم هذا، والا دخلت صفوفنا الفتنة، والعياذ بالله!" كذلك مسألة زواج المتعة، إن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه هو الذي منعها، كانت موجودة في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي زمان أبي بكر رضي الله عنه. كتب الحديث والسيّر تحدثنا أن عمر قال : " كان زواج المتعة حلالاً فأنا أحرمه "، وهذا كلام واضح لايحتاج إلى تأويل، إن زواج المتعة يتيح للمضطر عدم الوقوع في الزنا واللواط، قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "لولا أن عمر نهى عن زواج المتعة مازنى إلا شقي "، وعلي لم يقل " حرم" قال : " نهى" والفرق بين المعنيين واضح: " ومع ذلك فأنا أتقيد بالمذهب المالكي في الظروف العادية، فيما يتعلق بهذا الموضوع..". كان هذا الإمام صارماً مع نفسه ومع الناس، لا يقدم نفسه إلا في مواطن الخطر، لو لم أسمع فتاويه بخصوص القتل والحرق والنهب، الذي يسميه غنيمة، لما صدقت أن تلك الفتاوى صدرت عنه! في أحد الأيام كنا وحدنا، ولم يكن لديه مايشغله، أحببت أن أغتنم الفرصة لأعرف رأيه في مجموعة من القضايا: - أتعتقد أن مجاهدي الأفغان وآيات إيران وجماعات خان الخليلي قادرة على بناء دولة إسلامية في عالم اليوم؟ - أولاً أنك تستعمل ألفاظاً لا أقبلها: مامعنى "آيات إيران"، و"جماعات خان الخليلي"؟ ... إن هذا مساس بحرمة رجال يؤدون واجبهم الديني، لا يقبله مسلم شريف، ثانياً ولماذا لايستطيعون في رأيك؟ .. - معذرة، لم أقصد المساس بأحد، إنما هوتعبير لا أقصد به أيّ تورية.. - لماذا في رأيك لا يستطيع هؤلاء بناء دولة إسلامية؟ - أجيبك لكن على شرطنا، (كنا اتفقنا على الصراحة الكاملة وعدم التحرج من الأسئلة الجارحة).. - قل .. - كيف يمكن بناء دولة معاصرة بأفكار القرن السابع الميلادي؟ مادام أنكم لا تقيمون وزناً حتى لما أنجزه الفكر الإسلامي عبر القرون . - (ضحك) : أولاً، من قال لك، إننا لا نقيم وزناً لما أنجزه الفكر الإسلامي؟ ثانياً: قلت " دولة معاصرة"، هل السعادة تختلف من قرن إلى آخر؟ هل العدل بين الناس يختلف باختلاف الأزمنة؟ نحن نبني دولة عادلة، لامعاصرة، دولة يسعد فيها الجميع. - بماذا؟ كيف .؟ - بما حدده القرآن والسنة النبوية من حدود وأحكام، أي بالعدل، والعدل، هومنبع كل ثووة، ثورة إنسانية حقيقية. -العدل المفروض! - ولماذا لا يفرض العدل؟ - أنا أتصور أن الإنسان ليس في حاجة إلى العدل وحده، حاجته إلى الحرية أشد من حاجته إلى الخبز.. - (قاطعني) : " عندما تكون الكرش شبعانة تقول للرأس غني!" الحرية في حدود الأحكام الشرعية، نعم، إن هذا الكلام عن الحرية والديمقراطية ... هو الذي يستعمله الأقوياء ضد الضعفاء.يوهمونهم بأولويات هم ليسوا في حاجة إليها، الحرية! من ماذا؟ من قيود الدين؟ أومن قيود الظلم والطاغوت؟ حريتنا نحن تتمثل في مسؤولية الإنسان أمام الله، هذه هي الحرية عندنا. أما ما سوى ذلك فلا أعتقد أن الشعوب الإسلامية في حاجة إليه. - التجارب البشرية علمتنا أن لا عدل ولا حرية بدون ديمقراطية . - التجارب الغربية لا الإسلامية ! - الدين إذا أصبح سياسة يصير كارثة، محاكم التفتيش في اوربا الكاثوليكية في القرون الماضية، خير دليل... لأن السياسة عندما تستعمل الدين تشوّه الدين والسياسة معاً. - هذا رأي الغربيين، أما نحن فنرى أن التجارب البشرية التي تتحدث عنها علمتنا أن " الديمقراطية " ماهي إلا زعامات لمجموعات تتناحر على الحكم، أقول لك : نصف قرن ونحن نسمع في هذه الخرافات! باسم الاشتراكية استعمر الروس البلاد الاسلامية الآسيوية وباسم الديمقراطية استعمر الغرب إفريقيا! لا، الأفكار المستوردة، بضاعة لا تروج عندنا، عندما تتبلور الفكرة الإسلامية لدى الناس تتلاشى المستوردات! من كلامه هذا أدركت أن معلوماته التاريخية مهلهلة، وكل نقاش معه حولها لا ينتهي إلى غاية، لكن لم أشأ أن أدع كلمة المستوردات " تمر بدون تعليق: - ماعدا المستوردات الغذائية والطبية والصناعية، والأسلحة!... - وهذه أيضاً سيعرف الشعب المسلم كيف يستغل موارده وإمكاناته، وكيف يستعيد أمجاده... - أتقبل مني سؤالاً محرجاً : متى حقق الإسلام العدل بين المسلمين؟ في أيّ خلافة، أو إمارة، أو مملكة، لا أقول دولة، أن هذا المفهوم لم يوجد في الإسلام. - منذ حين قلت لك : نحن لا نتكلم بلغة واحدة، أنت تنظر إلى الإسلام بمنظار استشراقي يصغّر الحقيقة ويكبر الباطل. سكت، علت وجهه مسحة من الحزن، فكرت أن لا أواصل الحديث معه. لقد أحسست أننا انتهينا إلى نقطة النهاية! *** شجرة قصّت أغصانها وبقي الجذع وحده واقفاً يشكو عريه للسماء.. كل شيء ساكن، النسيمات التي كانت تتحرك صباحاً غادرت المكان، الشمس واقفة في كبد السماء، ترسل أشوظة نارية يتراءى التهابها في نزولها العمودي على الأرض، كأن ارتفاع المكان زاد الشمس اقتراباً من الأرض! لو أشعل عود ثقاب لاشتعل حتى التراب من شدة الجفاف! أخرج الضابط السجين من السجن،عيناه مزرقتان، أنفه منتفخ، شفته السفلى متورمة، الدم يبس على منخريه. جرد من ثيابه العليا، رجلاه حافيتان متورمتان يسحبهما على الأرض سحبا، كأنه يمشي على الزجاج، علمت من بعد، أنه عذّب أثناء الاستنطاق، بياض جسده زاد آثار الضرب بروزاً. ربط إلى جذع الشجرة ربطاً وثيقاً، ناول الطبيب القائم بالتعذيب حبلاً متيناً مبللاً، بنهايتة عقدة يستعمل كالسوط، طوله حوالي متر أو أكثر بقليل، شرع "المجاهد القائم بالتعذيب" عمله: جلدة أولى، ثانية، ثالثة، رابعة... خطوط الضربات تحمرّ في زرقة على ظهر السجين: " لما تحب تعترف قل لي " ! واصل المعذب تعذيبه بنفس الريتم، كما لو أنه يقوم بعمل عادي، لم تفارق ملامحه تلك السكينة الرهيبة، في حين كان السجين يتلّوى ألماً! بعد ذلك، أخذ الطبيب إناء به ماء ناولته إياه الممرضة، وضع به مسحوقاً - علمت من بعد أنه ملح وفلفل وسكر - حرّك ذلك بعود ثم ناوله إلى "المجاهد" القائم بالتعذيب، أفرغ هذا مافي الإناء على ظهر السجين فصرخ صرخة مريعة، تبعها الاغماء، فتدلى رأسه إلى الأمام، رجع الطبيب والممرضة و"المجاهد" إلى داخل المغارة لتناول الغداء! هجم الذباب على ظهر السجين فشكل لحافاً أسود غطى ظهرهُ.. *** كل أنواع التعذيب التي تعرض لها الضابط لم تجعله يغيّر مقالته، من كونه ضابطاً في الهندسة العسكرية، لاصلة له بالفرق الخاصة التي تلاحق المجموعات المسلحة، لكن لا أحد ممن بالمركز اقتنع بذلك، الأمر الذي جعل الأمير يعطي أوامره بمراوحة التعذيب مع الراحة، واستعمال ما يعرف من ألوانه لدى "المجاهدين". وهكذا، كان الضابط في كل مرة يسترد قليلاً من الجهد يساق إلى التعذيب.. قال لي الإمام، وكنا وجدناه: " نصحت الضابط بالاعتراف بما يطلب منه، لكنه غبي، فضل التعذيب على الكذب! قلت له : الكذب في مثل هاته المواطن جائز، لكنه لم ينتصح، لا حول ولا قوة إلا بالله!" هممت أن أقول له : كيف تستعملون نفس الأساليب التي تتهمون النظام بها، لكن خشيت أن يوصلني قولي إلى التشكك في أمري، مما يجر لي أسوأ العواقب. لقد تعودوا على القساوة، ولم يعد التعذيب لديهم أمراً استثنائياً. كان الإمام كبقية من في المغارة، على علم بأساليب التعذيب المختلفة التي تمارس في المعسكر لأتفه الأسباب. مهمتي إذن تفرض عليّ أن اصبر وأمسك أعصابي، فكل عاطفة تعصف بي وبمشروعي. " كل ماعملناه لم ينفع، لايريد أن يغير من أقواله حرفاً مما قاله، منذ اليوم الأول: إنه ضابط في الهندسة العسكرية، ولا يعرف شيئاً عن العمليات " الأمنية". يأمر الأمير القائم بالاستنطاق أن يخرج السجين من الخندق، يتم ذلك كما في المرات السابقة، يتقدم الأمير إلى الضابط: " أعطيك فرصة أخيرة تكفّر فيها عن ذنوبك، إن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، تب إلى الله، خدّم ضميرك، نحن لا نريد الشر لأحد، نريد بناء دولة إسلامية لخير الجميع، دنيا وأخرى، لسنا جنود لينين ولا دوغول. نحن مجاهدون، نجاهد في سبيل الله حتى لايبقى على وجه الأرض طاغوت ولا كهنوت. تب إلى الله واستغفر من ذنوبك، قل لنا الحقيقة: ماهو برنامج عمليات الجيش الكافر؟ من هم المسؤولون المباشرون عنها؟ كيف يتم إعدادها؟ هل لكم مخبرون من بين أفراد الشعب ؟..." يرفع الضابط رأسه، ينظر إلى الأمير بكل مايمكن أن تحمل نظراته من حقد، يبصق على وجهه! يمسح الأمير التفلة بيده. لا ينزعج ولا يبدي غضباً. يرفع رأسه إلى السماء: " اللهم اشهد لقد بلغت!" يشير بعد ذلك إلى مجموعة التعذيب بمباشرة عملها. يتقدم الطبيب حاملاً كلاباً وصحناً. يناول الكلاب "للمجاهد القائم بالتعذيب". يأخذه منه ويقول : " باسم الله!" ينزع نترة بالكلاب من جسم الضابط فيصرخ صرخة رهيبة كأنها رغاء جمل هائج لاصراخ إنسان! يضع المجاهد نترة الحم في الصحن الذي تمسكه الآن الممرضة، شعرت بغثيان، لكنني سيطرت على أعصابي بقوة، وأرغمت نفسي على متابعة العملية. نترة ثانية، ثالثة، رابعة... الصرخات تتابع وفي كل مرة تضعف أكثر. صورة الألم تتشكل على ملامح الضابط كأبشع مايكون، يتقدم الأمير : " إن عذاب الآخرة أشد وأدوم، تب إلى الله " .. الضابط في محنته تلك لم يعد يقوى لا على النظر ولا على الحركة، أخذ وجه الدنيا يغادره ليعطيه التعذيب وجهاً آخر.. يشير الأمير للقائم بالتعذيب أن يواصل العملية.... أثناء ذلك كان الطبيب أحضر المحلول " الكيميائي " السابق ... ينتر المعذب نترات متتالية بكلابه من جسم الضابط. صراخ الضابط يتحول إلى أنين.. يفرغ الطبيب مافي الإناء على الجروح التي كانت حفراً في جسم الضابط.. يصرخ الضابط صراخاً قوياً رهيباً، لست أدري من اين استجمع تلك القوة!، ثم يغمى عليه، أو هكذا بدا لي..يأمر الأمير الممرضة بمغادرة المكان والدخول إلى المغارة.... بعد ذلك، ينزع "المجاهد القائم بالتعذيب"، سروال الضابط بمساعدة الطبيب، ثم يأخذ الكلاب ويقطع كمرة الضابط. يصرخ لكن الصرخة تموت على شفتيه، يتدلى راسه إلى الأمام، يذرر الطبيب غبرة على مابقي من العضو التناسلي ويلفه بضمادة، ثم مع " المجاهد"يلبسان الضابط سرواله من جديد.. لكن الضابط حينئذ كان في عالم آخر. *** منذ شاهدت مجريات تعذيب الضابط أخذت الحياة في المغارة، تبدو لي ككابوس لا يركّب صورّه الرهيبة أشد العقول خبالاً. أحياناً أشك حتى في نفسي: ماذا أعمل هنا؟ من هؤلاء الذين أحيا معهم هذه الحياة الكابوسية؟ ماالحياة؟ ماالدين؟ ماالإنسان أين أنا من جدار برلين! جدار برلين، يعتبر لعبة أطفال بالنسبة " لجدارت برلين القائمة في بلدان أخرى! لم أجد جواباً يقنعني غير الفرار من هذه المغارة، لكن لم يكن من السهل عليّ مغادرتها بالطريقة التي أريد.. بعد المرحلة الأخيرة، للتعذيب همست في أذني زوجة الأفغاني : " إذا سألوك، الأمير والا الآخرون عن رأيك في اللي شفت، قل لهم : أنا ما نعرفش خير منكم، رد بالك!" لقد لاحظت المسكينة ما كنت فيه من اضطراب! أمر الأمير بقطع رأس الضابط ووضع القبعة العسكرية عليه وحمله إلى أحد مفترقات الطرق الرئيسة ليوضع هناك على عمود! قطع رأس الضابط، دفنت الجثة، وبقي جذع الشجرة، وحده واقفاً شاهقاً إلى السماء ينتظر مأساة أخرى! *** مع بوادر الفجر بدأ أزيز الطائرات المروحية يقترب أكثر فأكثر من المغارة. صاح "الأمير" فيمن كان هناك : " انكشف أمرنا، إذا بقينا هنا نموتو مخنوقين بالغازات السامة. الطاغوت لا يرحم، الانسحاب من هنا والاستعداد للجهاد".. أعلن النفير في المغارة، وزعت البنادق والقنابل اليدوية، خاطبني "الأمير" : "نعطوك بندقية؟ " قلت : "لا"، قال: " حيادك ماينفعكش هنا"، وأضاف باتجاه رفاقه: "لاشك أن قوات محمولة جواً أنزلت وهي الآن بصدد تطويقنا، ماترحموا حتى واحد، اللي قدر على الانسحاب ينسحب واللي ماقدرش الجنة راهي تستنى فيه، الله أكبر!" " الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! ..." بدأ إطلاق الرصاص والقنابل من الجانبين، أطلقت طائرة هليكوبترية قنابل على مدخل المغارة أحسست أن كل شيء أخذ يتزلزل من كثافة الرصاص والقنابل ... أرى جذع الشجرة يندك! زوجة الأفغاني تسحبني بقوة من مكاني، تتفجر قنبلة، أحس شيئاً يخترق ساقي! أرى زوجة الأفغاني يمزّق جسمّها تمزيقاً! أسمع الإمام يقول : اقتله، أقتله.. أسمع "الأمير " يقول : اقتله أفضل من لا يعطّلنا في انسحابنا! أسمع "مجاهداً" يقول : تموت هكذا خير لك من تعذيب الطاغوت! أرى بندقية صيد تسدد إليّ، فوهتاها كمغارتين متسامتتين ... أحس رأسي يتفجر!... *** أنا الآن بالمستشفى العسكري !... النهاية الجزائر في 27 / 11 / 1994 rr الذاكرة المثقوبة - هل أنت نائم؟ أم لا تريد الحديث معي؟ ماذا قال لك الطبيب عن ذاكرتك؟ عندما لا تريد الحديث معي تبدأ في الشخير! أعرفك، ليست هذه هي المرة الأولى... لم أفتعل الشخير، صدري يصفر من التهاب أصابه منذ أيام، لكن زوجتي تصدق حدسها أكثر مما تصدق الآخرين. - حدثني ولو مرة كا مرأة كاملة الانسانية ! ماذا أقول لها؟ كم هي طيبة! تريد أن أطرح عرض الطريق أكثر من ألفي سنة ذكورة! .. - ليست ذاكرتك هي المريضة، أنانيتك، لا تتحدث إذا شئت، حديثك لم يعد يهمني كثيراً.. لا تنسى إطفاء الضوء قبل أن تنام. قالت ذلك وجذبت الغطاء على رأسها، بعد ما أدارت ظهرها كما تفعل دائماً عندما تكون في مزاجها القاتم. لم أجبها لأني أعرف أنها لاتصدق إني ذهبت فعلاً لاستشارة الطبيب عن ذاكرتي، كانت تريد أن نذهب معاً إلى بعض المغازات وأروقة البيع في وسط المدينة، وكنت على موعد مع الطبيب فلم تصدق. يزعجني كثيراً أمر ذاكرتي، صارت لا تبقي شيئاً مماأريد، أأتمنها على أشياء، ثم بعد فترة قصيرة أعود إليها فلا أجد شيئاً، أو أجد أعظم ما اتمنتها عليه قد ضاع! أتأفف، أتأسف، ثم شيئاً فشيئاً يزول تأففي وتأسفي، أنسى أنني أنسى! أعود إليها من جديد، أضع فيها ماأظنه ثميناً، قميناً بالحفظ، أوصيها بالحزم، أقول لها: أن المخزون ثمين، يجب أن أجده عند الحاجة، كما وضعته.. تمر الأيام، وتستوقفني حادثة، أو حديث، فأحاول التذكر.... لاشيء! صندوق أمي القديم الذي اشترته أيام زفافها أحفظ من ذاكرتي وآمن! ثم أفكر: لماذا أنا ضعيف الذاكرة؟ أعرف أشخاصاً يتكلمون الساعات الطوال عن ذكرياتهم بلاتوقف. يقول لك أحدهم: إن أول حبة برتقال أكلت، كانت تشتمل على تسعة أبراج، وأن أول خبر صدر عن ذلك الاجتماع كان بجريدة "المساء"، بحروف كبيرة تمتد على طول الصفحة الأولى... أنا لا أتذكر شيئاً. عندما تكون زوجتي في مزاجها العسلي تسألني عن اسمها، فيحمر وجهي خجلاً! تنتظر لحظات، ثم تأخذ في سرد الحروف الهجائية العربية التي علمتها إياها، تسردها حرفاً حرفاً، لكن ذاكرتي لا ترى من بين تلك الحروف مايمكن أن يكتب به اسم زوجتي، كأنه اسم من عالم آخر، سكانه من حضارة غريبة لاصلة لها بالبشر! فأبقى صامتاً، تغضب زوجتي غضباً شديداً،وتقول: "هل اسمي أطول من حروفك الهجائية؟ أو أقل منها قيمة؟" لا أجد جواباً يقنعها. أتساءل في نفسي : هل اسم زوجتي أطول من الحروف الهجائية؟ هل هو أصعب منها؟ لا، يقينا، هو يتركب من بعضها فقط، وآخذ من جديد في سرد الحروف الهجائية كما لقنتها في صغري مكتوبة بالصمغ على اللوحة الخشبية. إلى درجة أنني أراها الآن مشخصة أمامي حرفاً حرفاً، بما كانت توحي به إليّ أشكالها من صور، بينما اسم زوجتي هذه النائمة إلى جانبي لا أتذكره! أسرد كل الأسماء المتداولة في وطننا، الصحيح منها والمحرف، لاسيما ماكان منها على وزن "تفعليلت" مثل تسعديت، و"فعيلة" مثل "دهيلة" ولكن عبثاً، اسم زوجتي ليس هناك! إنه في غيابات جب الذاكرة حيث لايصل إليه ذكر ولا تداع، أليس هذا تحدياً من ذاكرتي! لماذا أتذكر اسم " ماسو" أنا لا أعرفه، لم أكن في الجزائر العاصمة عندما كان هو سيد الجلادين ... ومع ذلك يكفي أن أمر بشارع من شوارع العاصمة التي أعطيت لها أسماء جديدة لأتذكره، ولو لم أمر بشارع العربي بن المهيدي. ماسو ليس من ذاكرتي في شيء، أنا لست مؤرخاً، لكنه يخطر ببالي ضمن سلسلة طويلة من الأسماء السوداء والبيضاء، مثل " غي مولي" عبد الناصر"، هوشي مين"، "نيكسون"، "سالزار" "كابرال" وغيرهم وغيرهم... بل أتذكر حتى من أخذ جائزة نوبل للسلام سنة 1978 ! إن هذا الميكانيزم الغريب، الذي يرتب الأشياء في ذاكرتي ليحّيرني، يبقي مايشاء ويحذف مايريد!.. كثيرة هي الأسماء المضيئة التي يبهج النفس ذكرها، ومع ذلك لا أتذكرها بسهولة، بينما الأسماء المظلمة قلما أجهد نفسي في تذكرها! هل تلألؤ نور اسم زوجتي يبهر ذاكرتي إلى درجة أنها لا تراه من بين الأسماء؟ لماذا إذن أتذكر أيامنا العذبة، عندما كنا خطيبين، نبيت على الأحلام ونصبح على الأماني؟ إنني أراها رأي العين، ببسمتها المحتشمة، وإشاراتها الخجولة بسنواتها العشرين المنادية من وراء فستانها الأرجواني! أتذكر حتى لقاءاتنا الصامتة وصمتنا الناطق! أتذكر السيارة التي زفت فيها عروساً، كانت من نوع "404 - بيحو" يوم كانت السيارات أشياء مرادفة للخيال! يوم أن كان الشاب الشعبي يقول : لا من مات، في كات صان كات" أتذكر عندما دخلت بيتنا وكانت الجزائر لا تملك شيئاً ولكن فيها كل شيء... لم يكن جلب المواد الغذائية يبرمج في مقدمة المهام اليومية، كان أيّ طفل يمر، يمكن أن يرسل إلى دكان زاوية النهج، فيأتي بما تحتاج إليه ربة البيت، كانت إمكانياتنا المالية محدودة، لكن وفرة المواد كانت تيسر لناسبل التصرف، وكنا سعداء، كنت أنادي زوجتي باسمها، وكانت تناديني باسمي، كان اسمانا خفيفين على اللسان وعلى الذاكرة. لا أحد منا يجد مشقة في النطق باسم الآخر، لماذا تغير كل شيء، حتى أسماء الأشياء.؟ نحن الآن نملك كل شيء ونفتقر إلى كل شيء، تعلقت عيوننا بما لا نملك فنسينا مانملك، وخسرنا راحتنا وأرواحنا! تتهمني بعدم حبها لأني لا أتذكر اسمها، كيف لا أحبها وهي شبابي الذي لا أنساه، هي وطني فكيف لا أحب وطني؟ عندما أسألها عن اسمها يغضبها سؤالي ولها الحق، كيف يمكن أن تصدق أنني لا أسْخر منها؟ هل يعقل أن يسأل زوج زوجته عن اسمها؟ كثيراً ما أحاول القيام بعملية نقد ذاتي، لكنني أفشل في النهاية، كم من مرة طرحت على نفسي هذا السؤال: لو سألتني هي عن اسمي ماذا يكون موقفي؟ لا جواب، أو لقلت في أحسن الأحوال: " زوجتي مريضة، ولابد من عرضها على الطبيب !" أحياناً أقول : لماذا لم تتخذ هي موقفاً حاسماً معي، بأن تتحداني فتقول مثلاً: " لا أبقى مع زوج لا يتذكر اسمي" تقول ذلك بجد وحزم، بحيث أفهم أنها تعتزم فعلاً فراقي، وأتذكر: إنها لا تستطيع فعل شيء مطلقاً، أبواها ربياها تربية منزلية بحتة، إذا خرجت من المنزل ماتت، كالسمكة تخرج من الماء! لأنها لا تستطيع حتى كسب قوتها اليومي، ثم إن القانون لا يعطيها أيّ حق في المطالبة بالطلاق، لو طرحت قضيتها على أيّ قاض، وقالت له مثلاً: زوجي نسي اسمي، لا يتذكره بتاتاً، لذلك أريد الطلاق، لا يمكن أن أبقى من زوج يستخف بي إلى درجة نسيان اسمي"، ماذا ترى يكون رد القاضي؟ لأفرض أنه يحب زوجته مثلي، ويتذكر العواطف النبيلة، التي تربط بين زوجين، أتخيل أنه يقول لها في أحسن أحواله النفسية: " إن مشاكل الحياة معقدة، ياامرأة، لوكنت رجلاً لأدركت مانحيا فيه نحن الرجال.... احمدي الله أن رفع عنك " القلم" وكل تكليف مالي " . لكن القاضي لايقول هذا، القاضي ليس زوجاً، وظيفته تمنعه أن يتكلم بهذه اللغة الساذجة. ماذا يبقى من هيبته وسلطته، إذا تكلم لغة الأزواج الذين فقدوا ذاكرتهم؟ السلطة لها قوانينها وأصولها، إنها لا تبقى سلطة بدون إثارة الإحساس بالخوف، لذلك أعتقد أن القاضي يرد عليها بحسم: " لاحق لك في الطلاق، الطلاق لمن أخذ بالساق"! ما أجملها كنابة فقهية : الطلاق لمن أخذ بالساق! لاحياء في الدين! إنها لغة العربي القح! زوجتي مسكينة ،هاهي ذي نائمة إلى جانبي، لا تدري أني أفكر في كل هذا مكانها! وأعرف أنها لا تستطيع فعل أيّ شيء من هذا القبيل، ربما أدركت بحدسها النسوي واقعها، لذلك جعلتني أعيش في حرمان متواصل، حتى من المواد التي اشتريها من السوق " البيضاء"! أطلب أيّ شيء فتجيب في الحال : "ماكانش، خلاص"!، لها ذاكرة فيل بكلمات النفي والسلب، تحفظ من مترادفاتها مالا تضاهيه :" جواهر الألفاظ"، لقدامة بن جعفر البغدادي! ماذا أفعل؟ هل يعقل أن أتغرب من أجل أكلة أو شربة؟ هل يعقل أن أنهي حياتنا الزوجية لأنها لم تلب لي رغبة زهيدة؟.. قلت لها ذات مرة : " أنت وطني الذي وهبته روحي وحياتي"، ردت علي في الحال بما معناه : وطنك لم تنس اسمه، لأنك لست شيئاً في أوطان أخرى، ألم تقل، أنك تحمله معك في وجهك ولسانك؟ أما أنا المسكينة فمن يذكرك باسمي؟ شبابي؟ لقد شربته ولما تسل جداوله، مالي؟ أبي أوصى بمنع بناته من الميراث، قال : إنها عادة الأجداد، أرضنا تبقى تحت اسمنا الأبدي، لايمكن بحال من الأحوال أن تنتقل إلى غيرنا بسبب أنثى، لم يرد مجيئها إلى الوجود أحد! قال : الأرض كالاسم العائلي لا ينقل إلى أجنبي! من يذكرك أنت باسمي؟ أحزنني كلامها، فهمت منه أكثر مما في كلماته، ومع ذلك لم أتذكر اسمها! أشعر بأجفاني تزداد ثقلاً حتى لكأني نائم! لم لا أغادر الوطن، وكل ماأعرف ومن أعرف، لأبحث عن اسم زوجتي في أوطان أخرى، لعل البعد يزيح عن ذاكرتي الأشياء الغثة التي تتراكم عليها كل يوم أكثر.؟ لم لا أغادر كل هذه التفاهات والمنغصات العابرة التي أنستني أعز حلم؟ أجل! زوجتي أعز حلم! إنني أشعر بعينيّ تغوصان في أعْماقي حتى لكأني أدخل في عالم آخر! إنني أحلم، لاشك في ذلك، لقد نمت ولم أدر، أراني أحلق في فضاء رحب رحب! ما أراه ليس من محض الخيال، بل هو حلم! ها أنا أراني في سماء بنفسجية، ناسياً كل مايربطني بالأشياء الصغيرة . كلما أعلو تزداد السماء علواً وامتداداً! السماء ليست سقفاً كما كنا نتخيلها ونحن صغار، ونجومها ليست قناديل! كم هو جميل التحليق بلا أجنحة، وبلا اتجاه! لكن السفر صعب بلا رفيق! من هذه الأعالي الممتنعة في العلو أرى سحاباً كثيفاً يقترب بسرعة مذهلة في شكل جبال ضخمة متراصة، ارتطم به في ذعر، لكنه لا يصمد أمامي! أنفذ من السحاب إلى صحراء قاحلة تبرية الرمال، ما أشد الفرق بين التحليق والتعثر في الرمال! أين أنا؟ ولماذا جئت إلى هنا؟ بل من ألقى بي هنا؟ أشعر بالعطش يلتهب في حلقي، لا واحة ولا حياة على مدى الرؤية، يجب أن أمشي ولو في خط دائري، الاتجاهات متساوية، وحظي في العثور على الماء في هذا الاتجاه أو ذاك متساو أيضاً، الحركة في الرمال كالحركة في السلاسل تغل الرجلين..! في لحظة السقوط يتشكل أمامي أمل في صورة سراب! أحث السير، يتلاشى "ماء" السراب، وتبقى الرمال وحدها بجفافها ولهيبها وأتذكر : لو كان اسم زوجتي كهذه الرمال لما نسيته؟ لا أدري كم مشيت، ولا إلى أين وصلت، أسقط على الأرض، وفي سقوطي يقف أمامي شيخ يشبه رعاة العصور الأولى! العصا طويلة تصل إلى كتفه، الشعر أبيض أشعث وأغبر، الملابس رثة، النظرات واسعة تحتضن الأفق، يشير إليّ أن أتبعه أحاول القيام بكل مابقي في نفسي من أمل، أرى رجليه لا تلمسان الرمل، بل تتحركان في الهواء، إنه يمشي في الهواء مشياً عادياً! أو لعل رؤيتي كلت فلم أعد أفرق بين رجليه والرمال! كل خطوة أخطوها يتضاعف شعوري بالعطش والتعب، أحاول جاهداً أن أحرك رجليّ فلا تتحركان، كأنهما غرستا في الرمال غرساً، يلتفت الشيخ إليّ فيرى حالتي تلك، ينظر إليّ برهة ثم يفتح جناحيه، وإذا بواحة تنتصب أمامي! أشعر برطوبة تحت قدمي، أحس بنسمات تهب في وداعة ولطف على وجهي، يشير إليّ الشيخ بالجلوس، أجلس، أجد رجلي في بركة ماء لازوردية الزرقة! أنتعش، ويبرز رأس زوجتي من البركة! غريب ماأرى؟ إنها تضحك في براءة الطفل. في يدها طاس بلوري ممتلئ تناولني إياه، أشرب بلهفة ماء لا أعرف أعذب منه! ينطفئ مارج اللهب الذي كان يتلظى في صدري، بمجرد انتهائي من الشرب يختفي الطاس وتختفي زوجتي بصورة غريبة! يزول عطشي نهائياً، كأني لم أعرف عطشاً في حياتي مطلقاً: يضم الشيخ ذراعيه إليه، فينمحي كل شيء وتبقى الرمال وحدها، ممتدة امتداد الفضاء أمامي يساورني الخوف، وأنا أحيا في هذا الجو السوريالي الغريب! أخشى أن يلحقني عطش جديد، أقوم وأتوسل إلى الشيخ :" إنني تهت في الرمال، ولولاك لهلكت، أرجوك لقد تساوت الاتجاهات أمامي، وتساوت الآفاق، فلا أدري أين أتجه! أريد الرجوع إلى وطني، هل تعرف الطريق إليه؟ دلني عليه، أرجوك!" ينظر إليّ نظر المشفق الساخر معاً، ثم يفتح ذراعيه كمن يحتضن الفضاء، ويقول وهو ينظر إلى المدى البعيد: "هذا كله وطن للإنسان، ألست من الأرض " ماذا يقول هذا الشيخ؟ كأنه أممي لا يؤمن بوطن! أنا أبحث عن وطني أنا وهو يتكلم عن وطن الإنسان! لما رآني لم أجبه، ظن أنني لم أفهمه، فقال :" الأرض متشابهة، هي واحدة، والإنسان فيها واحد. الأوطان كلمات وهمية وضعها الأقوياء ليحكموا بها الأغبياء. الذي يبحث عن الوطن في الأرض كالذي يبحث عن الجنة في السماء!". لم أفهم جيداً مايرمي إليه، سكت، وراح ينظر إلى الفضاء البعيد، كأن الكلمات بدت له أكبر من رأسي! أود لو أعرف كيف يتصورني الآن، ترى من يكون هذا الشيخ؟ هل هو درويش سائح على وجهه، أو ملك من ملائكة السراب؟! لم أكد أشرع في التفكير فيه حتى قطع في ذهني أفكاري: " لست كما تتوهم، إن الحلم الذي دفع بك إلى السفر هو نفس الحلم الذي يدفع بك الآن إلى الرجوع، إنك لم تسافر ولم تبرح مكانك، فلماذا تفكر في الرجوع؟ إنك في مكانك من الأرض حيث كنت تبحث عن شيء في الفيافي وهو في نفسك!" - نعم، نعم، هو في نفسي، لكني نسيته، إنه اسم زوجتي، نسيت اسمها، إنني أتعذب، أرجوك... - زوجتك؟ - نعم، نسيت اسمها، دلني عليه، إن كنت تعلم مايضيع في الضمائر، أو دلني على طريقة أتذكره بها ولا أنساه أبداً، أنت الذي يبدع الواحات في الرمال القاحلة، دلني، أتوسل إليك بمن تحب. لقد نسيت اسم زوجتي. كلما حالت أن أتذكره، عرضت عليّ هذه الذاكرة اللعينة صوراً بلا ترتيب، تمثل مشاهد البؤس التي يعرضها برنامج منظمة الأمم المتحدة للتغذية في التلفزيون، أو مشاهد الحروب والمجاعات وقوافل الأيتام والمشردين واللاجئين، مع أني لا أبحث عن هذه الصور مطلقاً، لأني لست في حاجة إلى تذكرها، هي تتجدد في كل لحظة وأمام كل عين، حتى فقدت كل تأثير.. - صف لي زوجتك.. - هي، هي كالذهب رواء و.... قاطعني قبل أن أتم وصفها كما أتخيلها الآن وأنا هنا في هذه الرمال .. - لاشك أنك فقير، تصف زوجتك بالذهب! عفواً، أردت أن أقول : هي عرجون في نخلة من نخيل الواحات.... - إذن أنت جوعان! بنفس السخرية المازحة قال ذلك، حاولت أن أتدارك هفوتي، وأصف زوجتي بما لا يقتنى، أو يؤكل: - لا، لا، أردت أن أقول هي شمس ولكن أجمل، جدول ولكن أعذب، أغنية ولكن أطرب،هي حب ولكنها أرحب! - أرحب من الحب! كيف نسيت اسمها إذن؟ ليس هناك ماهو أرحب من الحب سوى الحرية! - هي، هي! اسمها " حرية" يالسعادتي تذكرت اسم زوجتي! - يبدو أنك لا تحبها كثيراً، ذهبت تبحث عنها في الفيافي وهي في نفسك! - في نفسي؟ كيف ذلك؟ حبها في نفسي، نعم، لكن الشيطان أنساني اسمها، وأنستني إياه الحياة وأشياء أخرى. لقد تشكل ضباب كثيف غطى اسم زوجتي في ذاكرتي.. - متى تزوجتما؟ - منذ مدة طويلة، منذ شبابي الأول! - زواجا واحداً فقط؟ - وكم تريد أن يكون؟ هل هناك من يتزوج بامرأة زواجات عديدة؟ - لابد أن تجدد زواجك بها كل يوم، إذا كنت، كما تقول، تحبها، وإلا ضاعت منك هي نفسها، لا اسمها فقط.. - ماذا يقول هذا الشيخ الغريب؟ أنا أتحدث عن زوجتي وهو يتحدث عن لست أدري ماذا؟ لاشك أنه لم يفهمني، أو أنه من عالم آخر، يتزوج فيه الرجال والنساء كل صباح ! - نعم، كل صباح! غريب، سمع مادار في نفسي! قال ذلك وارتفع في الفضاء كالبراق! وداعاً أيها الشيخ الجليل، ذكرتني باسم زوجتي، رويتني بعد أن كاد العطش يهلكني، وداعاً، أعاهدك، ولو لم تفهمني أو لم أفهمك، أنني لن أنسى أبداً اسم زوجتي منذ اليوم : حرية، حرية، حرية ! - قم يارجل، قم، مالك تهذي؟ على من تنادي : حورية، حورية؟! - ماذا، أنا في الفراش، كنت أحلم إذن! زوجتي تهزني بغضب: - أفق، من " حورية" هذه التي تحلم بها وتنادي عليها حتى في المنام؟ قل : من هي؟ - لاشيء، حلم فقط، كنت أبحث عن اسمك، في قفار عذراء، لو تعلمين! - ماهذا الكلام؟ اسمع، لا تشعر عليّ، لست غبية، من "حورية" هذه؟ أين عرفتها؟ ليس من الممكن إقناعها بحلمي، وبهذا الاسم الغريب الذي ظننته في المنام هو اسمها! فكرت أن أقول لها: " أنت سجن لست حرية" لكنني عدلت عن ذلك، الليل مازال أمامنا طويلاً، وكلانا كان في حاجة إلى النوم. - إذن، أنت على علاقة بـ "حورية" هذه؟ نظرت إليها بكل ماأستطيع من حنان، ومن شفقة أيضاً، وكنت أعرف أنه لابد من اقناعها بجواب مهما كان، والا بتنا في ظلام: - عرفتها في السجن! - ومازالت تتذكرها إلى الآن! كيف عرفتها؟ هل مازلتما على اتصال؟ - منذ زواجنا أنقطع الاتصال بيننا.. - تكذب، لو لم تكونا على اتصال لما تذكرتها بعد هذه السنين الطويلة، ولما نسيت اسمي! استوت جالسة في الفراش بغتة، كمن تذكر شيئاً وقالت بسخرية: - قل لي، إذا عرفتها قبل أن تتزوج، فهي الآن بدون شك عجوز، "حوريتك" هذه! لم أجبها، حاولت أن أستعيد حلمي وأحاول الوصول إلىهذا اللغز، الذي طرحه عليّ الحلم، أو طرحته عليّ ذاكرتي، لكن مالفائدة؟ اسم زوجتي الحقيقي لم أتذكره، الأفضل أن أنام، بدل اليقظة في الظلام! الجزائر في 24 / 10 / 1987 rr رمانة الساقية اقتطف صالح رمانة محمرة في اصفرار، تفتقت جوانبها من النضج، وجلس على حجر مستو قرب الساقية، وراح يتأمل شجرة الرمان التي عاد إليها شبابها كأجمل مايكون الشباب، أغصانها تدلت على الأرض من ثقل ماتحمله من ثمار مختلفة الأحجام والألوان والادراك، وتحول بصره من الشجرة إلى الساقية التي أعيد بناؤها في مجراها الأصلي من جديد، بفضل جهوده هو ورفاقه من الشبان. إن بين هذه الساقية وشجرة الرمان علاقة غرامية ممتدة في أعماق الزمن، وفي أعماق الأرض! تنهد صالح في اغتباط حزين : كم تمضي الحياة بسرعة، وكم تتغير! أين هو ذلك اليوم الذي جاء فيه إلى هذه القرية، لأول مرة وهو طفل، مع "والديه" الجديدين، الذين كفلاه بعد يتم وأوياه بعد ضياع، بلخير ذلك الرجل الطيب الذي استشهد له ولدان ولم يحدث بحزنه أحداً، وتسعديت، تلك المرأة الرؤوم الحنون التي رغم مصابها الجلل في ولديها، كتمت ألمها وحزنها وزغردت لاستشهادهم في سبيل الوطن، فضربت بذلك أروع أمثلة صبر وكرامة المرأة الجزائرية، ثم لما عرض عليها أمر كفالة الطفل اليتيم صالح، فتحت ذراعيها وقلبها واحتضنته بكل مافي نفسها من رحمة وحنان. ويصبح للطفل اليتيم "والدان" يحدبان عليه بعطفهما ورعايتهما وحبهما. يموت بلخير الرجل الطيب، وتتبعه زوجه الودود، ويبقى صالح وحيداً كما كان، لكنه في هذه المرة تجاوز سن اليتم والطفولة، واصبح فتى قوياً. مضى كل ذلك الآن، صالح صار رجلاً، ينظر إلى المستقبل الذي هو بصدد بنائه مع رفاقه من إخوانه البناة، فإذا ماتذكر الماضي فلكي يبني أكثر . الحياة كهذه الرمانة، قصتهما متماثلة، وتبدأ بالماء، بلا ماء، لاحياة ولا رمان! تقع هذه الرمانة على مدخل بستان بلخير، كحارس أمين، أو كمستقبل ضاحك يرحب بالداخلين! تجري من تحتها ساقية رقراقة، تغني لها أغنية الري الأبدية، التي يدندن بها كل ظمآن، وتنقل إليها من ينابيع الصخور ماء صافياً هو العذوبة تسيل. إن هذه الرمانة عرفت في حياتها الطويلة المتقبلة أجيالاً من السكان:"عرفتهم أطفالاً تحتها يلعبون، شباناً وفتيات في كنفها يتهامسون بكلمات الحب الأولى الندية التي تخّضرّ لها الصحارى القاحلة! عرفتهم رجالاً ونساءً يأتون لاقتطاف ثمارها عندما تدرك ووتصبح رماناً ممتلئاً مورّد القسمات. وتأتي حرب التحرير، وتفرغ القرى الجبلية من سكانها، فيسودها الإهمال ثم الخراب، ويعيث السيل فساداً في الأرض فيخددها ويجرف ما اعترض سبيله من أتربة وحجارة ،وتتهدم الساقية التي تشرب منها الرمانة، ويمتص الجفاف ماتختزنه أغصانها وجذعها من ماء، وتهرم ويعطيها الهرم من بشاعته أقبح صورة ! وتنتهي حرب التحرير بالنصر، لكن الناس يجدون أنفسهم مشتتين، معظمهم فقد سكناه وأملاكه، ويأخذ نداء الطفولة البعيد، ينادي في الناس بالعودة إلى مساقط رؤوسهم، ويعود سكان آخرون ممن لم تفتح لهم المدينة أحضانها، فأبقتهم على الهامش! ويشرع العائدون في ترميم بيوتهم، أو إعادة بنائها من جديد. تدب الحياة في القرية: تثغو الخراف والجديان في الحقول، تنبح الكلاب، تتصايح الديوك.. وتنطلق نايات الرعاة عازفة للعائدين ألحان القرية الشجية، تعود الحياة إلى البساتين المهجورة، فتكسو الخضرة أشجارها العارية. ترمم الجداول فتجري لماعة متلألئة هنا وهناك، لكن شجرة الرمان تبقى جذعاً بلا أغصان ولا أوراق! ذات ليلة، وقد حل موسم الحراثة، قال بلخير بنبرة حزينة: - هذه السنة نبدأ الحرث بلارمان ! - بلا رمان ؟! قالت تسعديت ذلك بدهشة. - من أين نأتي به؟ رمانة الساقية التي كانت في الماضي تعطينا الرمان فنأكل وندّخر يبست، لم يبق فيها مايصلح سوى للاحتطاب،سأحتطبها متى وجدت الوقت لذلك. - لماذا لا تشتري الرمان من السوق؟ بتعجب رد عليها بلخير : - مالك ياامرأة؟ أأنستك الحياة بضواحي المدينة سنوات، تقاليد القرية وعوائدها؟ إن الرمان الذي نكسره على المحراث قبل الشروع في الحرث، يجب أن يكون ملكاً لنا، من غرسنا، لا من السوق! صالح لايعرف عن شجرة الرمان، إلا ماسمعه من أحاديث بلخير وتسعديت عنها، عندما يتحدثان عن ذكرياتهما بالقرية، لكن كلمة " احتطاب" هذه الشجرة أحزنته. لم يدر لماذا؟ فقد تكون أحاديث حاضنته عن رمان هذه الشجرة، الذي لا يوجد مثله في الدنيا، كما تقول دائماً هو الذي مكن لهذه الشجرة أن تحيا في نفسه! على أية حال،أحس أن عليه أن يحول دون احتطابها، لكن كيف يعمل؟ هو لا يستطيع التدخل في الحديث بين الكبار، تقاليد القرية تأبى ذلك، عليه أن يستمع لما يقال فقط، لكن أمر هذه الشجرة يهمه، يجب أن يفعل شيئاً، أن يقترح اقتراحاً واحداً، أن يقول لكافله :" لماذا لا نسقى هذه الشجرة حتى تعود إليها حياتها الأولى. "وأفصح عن ذلك لمربيه . - من أين نسقيها؟ الساقية القديمة تهدمت، لماشرعنا في إعادة ربط البساتين بمجرى الوادي قرر السكان إقامة ساقية جديدة، لا تمر بالمجرى القديم، لأن السيل حفر الأرض فصيرها أخاديد.وإعادة بنائها في مكانها السابق تستلزم أموالاً ضخمة لاقبل للسكان بها. فكرصالح أن ماقاله بلخير يقطع كل أمل في إعادة بناء الساقية القديمة، لتمر بالرمانة كما كانت. وأحزنه أن تحتطب هذه الرمانة المسكينة التي رسمت صورتها في نفسه وخياله أحاديث تسعديت. بعد ما انتهى بلخير من قطع الشجرة، أخذ يحفر حول جذورها لاستئصالها، وإذا بصالح يعترضه، ويمسك بقبضة الفأس، وينظر إليه في توسل. - مالك؟ لماذا تعترضني هكذا؟ - أرجوك ياعمي، لا تقطع جذورها! دعها.. - أدعها لماذا .؟ مالفائدة في ذلك .؟ اقتلاعه أولى، نحن في جاجة إلى الحطب، والشتاء على الأبواب. - أرجوك، أرجوك! أنا أسقيها.. نظر بلخير إلى الطفل بعطف وربت على كتفه: - إنها ماتت ياولدي، ماتت لا فائدة في سقيها، الجذور الميتة لا تسقى! ترقرقت الدموع في عيني صالح، لكنه كرر رجاءه: - لا، ليس كل الجذور، ياعمي، جذور هذه الشجرة لم تمت، أنظر إليها، أنا أسقيها، تأمل بلخير ملياً في الجذور والطفل على التناوب، ثم رفع الفأس ووضعه على منكبه: - طيب، إذا كان بقاؤها يسرك فليكن ذلك. وعادا معاً إلى البيت، وعينا صالح تشعان سروراً وأملاً، وصاح وهو داخل إلى "أمه": - لم نقطع الجذور! آلى صالح على نفسه أن يسقي جذور الرمانة كل يوم مرتين، صباحاً ومساءً،ونفذ قسمه. لم ينتبه أحد لعمله ذاك، ذات يوم رآه بلخير يحمل سطلاً: - إلى أين بهذا السطل؟ - لأسقي الرمانة.. - الرمانة؟ أيّ رمانة؟! وكأنه قد نسي الرمانة... - رمانة الساقية.. ابتسم بلخير في شيء من الحزن، لقد أحيت في نفسه الكلمة صورة تلك الرمانة العظيمة ذات الظلال الوارفة والثمار الطيبة، التي أيبستها الحرب. كان يقول في نفسه: " لا ينفع فيها سقي ياولدي، لقد كانت تشرب من ساقية تمر بها معظم أيام السنة". انطلق صالح إلى العين، وبلخير يتابعه بنظرات امتزج فيها العطف باليأس، وفكر أن ينتظره عند مكان الشجرة ليرى كيف يسقي. عاد صالح بسطل ممتلئ، وأراقه على الجذور، فسال الماء خيوطاً ملتوية مع انحدار الأرض، هز بلخير رأسه كالمتأكد مما كان يتوقعه: - هكذا، لا ينفع سقي يابني، ألا ترى انحدار الأرض؟ إن الماء الذي تفرغه يضيع فيما لا يفيد، ينبغي بناء حوض حول هذه الجذور، وملؤوه بالتراب المسمد بأرواث الحيوانات، لتتغذى العروق، إن بقي فيها ما يتغذى! هيا معي نجمع الحجارة لبناء حوض. أحس صالح بالسرور يغمره وهو يرى " والده" يهتم مثله بهذه الشجرة، ويشاركه في عمله مشاركة الند للند! تم بناء الحوض. ملئ تراباً ممزوجاً بأرواث الحيونات التي هي لدى الريفيين أحسن سماد. واصل صالح سقيه اليومي للجذور، قبل الذهاب إلى المدرسة وبعد العودة منها. مرت شهور الخريف وتبعتها شهور الشتاء، وصالح لا ينقطع عن سقي الجذور. وجاء الربيع، وأخذت الأشجار تزهر، ثم تورق، لكن جذور الرمانة لم تنبت شيئاً، وكان بلخير كلما مر من هناك تفقد الحوض، لكن الجذور بقيت جذوراً! لم يثن ذلك عزم صالح، واصل السقي والعناية بالحوض، وقلع الحشائش التي تنبت فيه، خشية منافسة ماكان ينتظره! ذات يوم، لاحظ نبتة لاتشبه ماتعود أن يراه من نبات! إنها ذات ساق صغيرة، وريقاتها خضراء في اصفرار، لكنه لم يرد أن يخبر بذلك أحداً. خشي أن تكون النبتة ليست من جذور الرمانة، بل من فصيلة أخرى. لم تمض أيام حتى كبرت الساق بنحو عشر سنتميرات، ولكي يتأكد من هذه النبتة الغريبة، ذهب إلى بستان مجاور، به شجرة رمان، وراح يتأمل أغصانها وأوراقها، فلاحظ شبهاً كبيراً بينها وبين شجرته، فاقتطع غصينة منها وعاد إلىالحوض، غرس الغصينة بجانب شجيرته، فإذا هما شيء واحد! إنها شجرة رمان لاشك في ذلك! ملأ الفرح والخوف نفسه، فلم يدر أيصدق عينيه، أم يصدق ماسمعه من أن الجذور اليابسة لا تحيا؟ واحتار، أيقول لبلخير، أم يتريث؟ وعاد يتأمل الشجيرة من جديد. إنها تبتسم له! تقول له : " أنا هي. أنا رمانة الساقية!، لم أمت، الجذور الصالحة لا تموت! أنا رمانة الساقية، لقد حييت، حييت ياصالح! يا صديقي الحبيب!" ياللفرحة! ياللسعادة! ياللعمل يثمر! أحس صالح أن كل مافي الأرض يناديه ويغني له! انطلق جارياً إلى البيت، وكل ماحوله يرقص. أخبر بلخير، لم يصدق بلخير، قال في نفسه: " إنه واهم عشبة ظنها رمانة. من أين له أن يعرف شجر الرمان، ولاسيما الخلف الصغير : " لكنه لم يشأ تخييبه، قرر أن يرافقه إلى البستان، ليحاول التخفيف من الخيبة المحققة التي تنتظر الطفل. جلس القرفصاء أمام الحوض، رأى الشجيرة . راح يتأملها ويتلمس وريقاتها بأنامله، كأنه فعل ذلك ليتأكد مما ينقله إليه بصره،ثم صاح : - سبحان الله العظيم! إنها هي، شجرة الرمان! رمانة الساقية! لم تمت، لم تمت! احتضن الطفل ورفعه إلى السماء: - لم تمت، لم تمت رمانة الساقية ! قبله على جبينه وهولا يدري كيف يعبر عن هذا السرور الذي غمره في لحظة، ولا كيف يشكر هذا الطفل الصالح، الذي كفله فأسعده! إنه يتخيل الشجيرة تنمو أمامه، وتنمو، وتعود كما كانت، شجرة ضخمة، ظليلة، مثمرة، تلتهم الأشعة من السماء، وتكرع المياه العذبة من الأرض، من ينابيع الصخور! ياللجذور الطيبة تحيا! حمل الطفل بين ذراعيه، دون أن يشعر، وانطلق إلى البيت ليزف البشرى إلى تسعديت، ليقول لها: " إن الجذور الطيبة لا تموت!" وتمضي الأيام تلو الأيام، وشجيرة الرمان تنمو، وتنمو... والآن، هاهوصالح الطفل صار رجلاً! هاهي الجذور اليابسة أشجرت، مثقلة بالثمار! هاهو الماء العذب يجري رقراقاً ليغوص في أحشاء الأرض، بعد ما أعيد بناء الساقية من جديد! كم تمضي الأيام بسرعة! كم تتغير الأمور! الجزائر في 28 / 4/ 1987 rr حلم الصيف الزوجة عقدت العزم في هذه المرة على أن ترافقه أو تفارقه! كل النساء، نساء الحي من معارفها، سافرن إلى الخارج، منذ ألغيت رخصة السفر إلى الخارج، وهي، إلي متى تبقي هكذا قابعة بين أربعة جدران؟ الحياة تبدلت، مكوث المرأة في بيتها صار قصة تحكى للأطفال عن ماض بلا رجعة. جواز السفر جاهز، الأطفال الثلاثة توزّعهم على أخواتها الثلاث، لم يبق هناك مانع، لم تعد هناك حجة لدى الزوج، إلا ... - والدراهم ياامرأة؟ أتعتقدين أننا نستطيع أن نسافر إلى بلاد الناس بثلاثمائة دينار؟ - نستطيع، كما استطاع الآخرون ! - الآخرون ، الآخرون... - اعمل كما يعمل جارك .. الزوجة مصممة هذه المرة على السفر. على السفر إلى الخارج، لا إلى جهة من جهات الجزائر. |