بالرغم
من وصية الأمير الكبير بأني صديق متفهم للقضية التي
يجاهدون من أجل تحقيقها، وبأني قدمت خدمات في تهريب
الأسلحه لهم، وبأن حياتي لفترة معينة معهم ستخدم
قضيتهم لأن التحقيق الذي أقوم به سينشر في أهم
جريدة ألمانية، إلا أن الامام لم يكن يثق بي كثيراً.
لم
يهضم أن أكون ألمانياً وأحسن العربية، ودرست
الاسلام وتاريخه، وأعرف مالا يعرفه ربما بعض علماء
الدين، ومع ذلك لم أستسلم! كان يتعجب مني تعجباً
شديداً. قال لي ذات مرة : " لماذا لا تدخل الاسلام
وتزيح عن كاهلك عبء الكفر؟ كلمة واحدة تقولها : لا
إله إلا الله محمد رسول الله، وتسعد دنيا وأخرى،
أكثر سوف تكون الناس حظوة لدى المسلمين، لأنك
ألماني! " أجبته مازحاً:
"هل
المسلمون في حاجة إلى من يؤكد لهم إسلامهم؟ "هز
رأسه نافياً : "لا، ولكن دخولك في الإسلام لا يخلو
من أهمية، أنا أنصحك بذلك، و" الدين النصيحة"
كما قال صلى الله عليه وسلم. قلت له بابتسام : " من
يدري؟ لعل إقامتي بينكم تساعدني على ذلك، لكن
بالنسبة إلى الدين فأنا أعتبره قضية شخصية، هو
علاقة بين الشخص والإله " قال : " هو قضية شخصية
وجماعية أيضاً، سعادة الفرد لا تساوي شيئاً، إذا لم
تكن السعادة تعم الجميع، لكن قل لي : كيف تعلمت
العربية؟ وأين درست الإسلام؟ هل في ألمانيا مدارس
لذلك؟"
- "
درست فترة طويلة في مصر وكذلك في النجف بالعراق،
وأقمت فترات في السودان وليبيا وسوريا وباكستان
وإيران.."
-
"إذن أنت ابن بطوطة جديد"..
الامام
متشبع بالثقافة الاسلامية مافي ذلك شك، لكن من وجهة
نظر معينة، كان صارماً داهية، وكان صديقاً حميماً
للأمير الكبير.
ذات
مرة في مجلس الشورى الذي عقده هذا الأخير، احتج
عليه أحد الدعاة، متهماً إياه بالاستبداد بالرأي،
لم يرد عليه، بل أشار إلى الأمام سائلاً: مارأيك؟ هل
سلوكي فيه مايخالف قواعد الإسلام؟ "
سرح
الإمام حلقه كمن يستعد لالقاء درس :
"
كثير من الناس يخلطون. الشورى ليست الديمقراطية
الغربية. هي الأخذ بالرأي الأصلح، من طرف الأمير أو
ولي الأمر، قال تعالى:" وشاوروهم في الأمر فإذا
عزمت فتوكل على الله، " (الآية 159 - آل عمران ) لم
يقل : فإذا عزمتم، قال : فإذا عزمت.. كل التأويلات
الأخرى لاقيمة لها، ينبغي أن تفهم الشورى على
حقيقتها، لا تقارن بالفكر المستورد، كذلك الآيات
المتعلقة بقتل الطاغوت والكفرة... إن آيات اليسر
والتسامح واللااكراه، لا يصح الاستدلال بها قبل
قيام الدولة الاسلامية، ينبغي أن يفهم هذا، والا
دخلت صفوفنا الفتنة، والعياذ بالله!" كذلك مسألة
زواج المتعة، إن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه هو
الذي منعها، كانت موجودة في زمن الرسول صلى الله
عليه وسلم، وفي زمان أبي بكر رضي الله عنه. كتب
الحديث والسيّر تحدثنا أن عمر قال : " كان زواج
المتعة حلالاً فأنا أحرمه "، وهذا كلام واضح
لايحتاج إلى تأويل، إن زواج المتعة يتيح للمضطر عدم
الوقوع في الزنا واللواط، قال علي بن أبي طالب رضي
الله عنه: "لولا أن عمر نهى عن زواج المتعة مازنى
إلا شقي "، وعلي لم يقل " حرم" قال : "
نهى" والفرق بين المعنيين واضح: " ومع ذلك فأنا
أتقيد بالمذهب المالكي في الظروف العادية، فيما
يتعلق بهذا الموضوع..".
كان
هذا الإمام صارماً مع نفسه ومع الناس، لا يقدم نفسه
إلا في مواطن الخطر، لو لم أسمع فتاويه بخصوص القتل
والحرق والنهب، الذي يسميه غنيمة، لما صدقت أن تلك
الفتاوى صدرت عنه!
في
أحد الأيام كنا وحدنا، ولم يكن لديه مايشغله، أحببت
أن أغتنم الفرصة لأعرف رأيه في مجموعة من القضايا:
-
أتعتقد أن مجاهدي الأفغان وآيات إيران وجماعات خان
الخليلي قادرة على بناء دولة إسلامية في عالم
اليوم؟
-
أولاً أنك تستعمل ألفاظاً لا أقبلها: مامعنى
"آيات إيران"، و"جماعات خان الخليلي"؟ ...
إن هذا مساس بحرمة رجال يؤدون واجبهم الديني، لا
يقبله مسلم شريف، ثانياً ولماذا لايستطيعون في
رأيك؟ ..
-
معذرة، لم أقصد المساس بأحد، إنما هوتعبير لا أقصد
به أيّ تورية..
-
لماذا في رأيك لا يستطيع هؤلاء بناء دولة
إسلامية؟
-
أجيبك لكن على شرطنا، (كنا اتفقنا على الصراحة
الكاملة وعدم التحرج من الأسئلة الجارحة)..
- قل
..
- كيف
يمكن بناء دولة معاصرة بأفكار القرن السابع
الميلادي؟ مادام أنكم لا تقيمون وزناً حتى لما
أنجزه الفكر الإسلامي عبر القرون .
- (ضحك)
: أولاً، من قال لك، إننا لا نقيم وزناً لما أنجزه
الفكر الإسلامي؟ ثانياً: قلت " دولة معاصرة"،
هل السعادة تختلف من قرن إلى آخر؟ هل العدل بين
الناس يختلف باختلاف الأزمنة؟ نحن نبني دولة
عادلة، لامعاصرة، دولة يسعد فيها الجميع.
-
بماذا؟ كيف .؟
- بما
حدده القرآن والسنة النبوية من حدود وأحكام، أي
بالعدل، والعدل، هومنبع كل ثووة، ثورة إنسانية
حقيقية.
-العدل
المفروض!
-
ولماذا لا يفرض العدل؟
- أنا
أتصور أن الإنسان ليس في حاجة إلى العدل وحده،
حاجته إلى الحرية أشد من حاجته إلى الخبز..
-
(قاطعني) : " عندما تكون الكرش شبعانة تقول للرأس
غني!" الحرية في حدود الأحكام الشرعية، نعم، إن
هذا الكلام عن الحرية والديمقراطية ... هو الذي
يستعمله الأقوياء ضد الضعفاء.يوهمونهم بأولويات هم
ليسوا في حاجة إليها، الحرية! من ماذا؟ من قيود
الدين؟ أومن قيود الظلم والطاغوت؟ حريتنا نحن
تتمثل في مسؤولية الإنسان أمام الله، هذه هي الحرية
عندنا. أما ما سوى ذلك فلا أعتقد أن الشعوب
الإسلامية في حاجة إليه.
-
التجارب البشرية علمتنا أن لا عدل ولا حرية بدون
ديمقراطية .
-
التجارب الغربية لا الإسلامية !
-
الدين إذا أصبح سياسة يصير كارثة، محاكم التفتيش في
اوربا الكاثوليكية في القرون الماضية، خير دليل...
لأن السياسة عندما تستعمل الدين تشوّه الدين
والسياسة معاً.
- هذا
رأي الغربيين، أما نحن فنرى أن التجارب البشرية
التي تتحدث عنها علمتنا أن " الديمقراطية "
ماهي إلا زعامات لمجموعات تتناحر على الحكم، أقول
لك : نصف قرن ونحن نسمع في هذه الخرافات! باسم
الاشتراكية استعمر الروس البلاد الاسلامية
الآسيوية وباسم الديمقراطية استعمر الغرب إفريقيا!
لا، الأفكار المستوردة، بضاعة لا تروج عندنا،
عندما تتبلور الفكرة الإسلامية لدى الناس تتلاشى
المستوردات!
من
كلامه هذا أدركت أن معلوماته التاريخية مهلهلة،
وكل نقاش معه حولها لا ينتهي إلى غاية، لكن لم أشأ
أن أدع كلمة المستوردات " تمر بدون تعليق:
-
ماعدا المستوردات الغذائية والطبية والصناعية،
والأسلحة!...
- وهذه
أيضاً سيعرف الشعب المسلم كيف يستغل موارده
وإمكاناته، وكيف يستعيد أمجاده...
-
أتقبل مني سؤالاً محرجاً : متى حقق الإسلام العدل
بين المسلمين؟ في أيّ خلافة، أو إمارة، أو مملكة،
لا أقول دولة، أن هذا المفهوم لم يوجد في الإسلام.
- منذ
حين قلت لك : نحن لا نتكلم بلغة واحدة، أنت تنظر إلى
الإسلام بمنظار استشراقي يصغّر الحقيقة ويكبر
الباطل.
سكت،
علت وجهه مسحة من الحزن، فكرت أن لا أواصل الحديث
معه. لقد أحسست أننا انتهينا إلى نقطة النهاية!
***
شجرة
قصّت أغصانها وبقي الجذع وحده واقفاً يشكو عريه
للسماء..
كل
شيء ساكن، النسيمات التي كانت تتحرك صباحاً غادرت
المكان، الشمس واقفة في كبد السماء، ترسل أشوظة
نارية يتراءى التهابها في نزولها العمودي على
الأرض، كأن ارتفاع المكان زاد الشمس اقتراباً من
الأرض! لو أشعل عود ثقاب لاشتعل حتى التراب من شدة
الجفاف!
أخرج
الضابط السجين من السجن،عيناه مزرقتان، أنفه
منتفخ، شفته السفلى متورمة، الدم يبس على منخريه.
جرد
من ثيابه العليا، رجلاه حافيتان متورمتان يسحبهما
على الأرض سحبا، كأنه يمشي على الزجاج، علمت من
بعد، أنه عذّب أثناء الاستنطاق، بياض جسده زاد آثار
الضرب بروزاً.
ربط
إلى جذع الشجرة ربطاً وثيقاً، ناول الطبيب القائم
بالتعذيب حبلاً متيناً مبللاً، بنهايتة عقدة
يستعمل كالسوط، طوله حوالي متر أو أكثر بقليل، شرع
"المجاهد القائم بالتعذيب" عمله: جلدة أولى،
ثانية، ثالثة، رابعة... خطوط الضربات تحمرّ في زرقة
على ظهر السجين:
"
لما تحب تعترف قل لي " !
واصل
المعذب تعذيبه بنفس الريتم، كما لو أنه يقوم بعمل
عادي، لم تفارق ملامحه تلك السكينة الرهيبة، في حين
كان السجين يتلّوى ألماً!
بعد
ذلك، أخذ الطبيب إناء به ماء ناولته إياه الممرضة،
وضع به مسحوقاً - علمت من بعد أنه ملح وفلفل وسكر -
حرّك ذلك بعود ثم ناوله إلى "المجاهد" القائم
بالتعذيب، أفرغ هذا مافي الإناء على ظهر السجين
فصرخ صرخة مريعة، تبعها الاغماء، فتدلى رأسه إلى
الأمام، رجع الطبيب والممرضة و"المجاهد" إلى
داخل المغارة لتناول الغداء!
هجم
الذباب على ظهر السجين فشكل لحافاً أسود غطى
ظهرهُ..
***
كل
أنواع التعذيب التي تعرض لها الضابط لم تجعله يغيّر
مقالته، من كونه ضابطاً في الهندسة العسكرية،
لاصلة له بالفرق الخاصة التي تلاحق المجموعات
المسلحة، لكن لا أحد ممن بالمركز اقتنع بذلك، الأمر
الذي جعل الأمير يعطي أوامره بمراوحة التعذيب مع
الراحة، واستعمال ما يعرف من ألوانه لدى
"المجاهدين". وهكذا، كان الضابط في كل مرة
يسترد قليلاً من الجهد يساق إلى التعذيب..
قال
لي الإمام، وكنا وجدناه: " نصحت الضابط بالاعتراف
بما يطلب منه، لكنه غبي، فضل التعذيب على الكذب! قلت
له : الكذب في مثل هاته المواطن جائز، لكنه لم
ينتصح، لا حول ولا قوة إلا بالله!"
هممت
أن أقول له : كيف تستعملون نفس الأساليب التي تتهمون
النظام بها، لكن خشيت أن يوصلني قولي إلى التشكك في
أمري، مما يجر لي أسوأ العواقب. لقد تعودوا على
القساوة، ولم يعد التعذيب لديهم أمراً
استثنائياً.
كان
الإمام كبقية من في المغارة، على علم بأساليب
التعذيب المختلفة التي تمارس في المعسكر لأتفه
الأسباب. مهمتي إذن تفرض عليّ أن اصبر وأمسك
أعصابي، فكل عاطفة تعصف بي وبمشروعي.
"
كل ماعملناه لم ينفع، لايريد أن يغير من أقواله
حرفاً مما قاله، منذ اليوم الأول: إنه ضابط في
الهندسة العسكرية، ولا يعرف شيئاً عن العمليات "
الأمنية".
يأمر
الأمير القائم بالاستنطاق أن يخرج السجين من
الخندق، يتم ذلك كما في المرات السابقة، يتقدم
الأمير إلى الضابط: " أعطيك فرصة أخيرة تكفّر
فيها عن ذنوبك، إن عذاب الدنيا أهون من عذاب
الآخرة، تب إلى الله، خدّم ضميرك، نحن لا نريد الشر
لأحد، نريد بناء دولة إسلامية لخير الجميع، دنيا
وأخرى، لسنا جنود لينين ولا دوغول. نحن مجاهدون،
نجاهد في سبيل الله حتى لايبقى على وجه الأرض طاغوت
ولا كهنوت. تب إلى الله واستغفر من ذنوبك، قل لنا
الحقيقة: ماهو برنامج عمليات الجيش الكافر؟ من هم
المسؤولون المباشرون عنها؟ كيف يتم إعدادها؟ هل
لكم مخبرون من بين أفراد الشعب ؟..."
يرفع
الضابط رأسه، ينظر إلى الأمير بكل مايمكن أن تحمل
نظراته من حقد، يبصق على وجهه! يمسح الأمير التفلة
بيده. لا ينزعج ولا يبدي غضباً. يرفع رأسه إلى
السماء: " اللهم اشهد لقد بلغت!" يشير بعد ذلك
إلى مجموعة التعذيب بمباشرة عملها. يتقدم الطبيب
حاملاً كلاباً وصحناً. يناول الكلاب "للمجاهد
القائم بالتعذيب". يأخذه منه ويقول : " باسم
الله!" ينزع نترة بالكلاب من جسم الضابط فيصرخ
صرخة رهيبة كأنها رغاء جمل هائج لاصراخ إنسان!
يضع
المجاهد نترة الحم في الصحن الذي تمسكه الآن
الممرضة، شعرت بغثيان، لكنني سيطرت على أعصابي
بقوة، وأرغمت نفسي على متابعة العملية.
نترة
ثانية، ثالثة، رابعة... الصرخات تتابع وفي كل مرة
تضعف أكثر. صورة الألم تتشكل على ملامح الضابط
كأبشع مايكون، يتقدم الأمير : " إن عذاب الآخرة
أشد وأدوم، تب إلى الله " ..
الضابط
في محنته تلك لم يعد يقوى لا على النظر ولا على
الحركة، أخذ وجه الدنيا يغادره ليعطيه التعذيب
وجهاً آخر..
يشير
الأمير للقائم بالتعذيب أن يواصل العملية....
أثناء
ذلك كان الطبيب أحضر المحلول " الكيميائي "
السابق ...
ينتر
المعذب نترات متتالية بكلابه من جسم الضابط. صراخ
الضابط يتحول إلى أنين..
يفرغ
الطبيب مافي الإناء على الجروح التي كانت حفراً في
جسم الضابط..
يصرخ
الضابط صراخاً قوياً رهيباً، لست أدري من اين
استجمع تلك القوة!، ثم يغمى عليه، أو هكذا بدا
لي..يأمر الأمير الممرضة بمغادرة المكان والدخول
إلى المغارة....
بعد
ذلك، ينزع "المجاهد القائم بالتعذيب"، سروال
الضابط بمساعدة الطبيب، ثم يأخذ الكلاب ويقطع كمرة
الضابط. يصرخ لكن الصرخة تموت على شفتيه، يتدلى
راسه إلى الأمام، يذرر الطبيب غبرة على مابقي من
العضو التناسلي ويلفه بضمادة، ثم مع "
المجاهد"يلبسان الضابط سرواله من جديد..
لكن
الضابط حينئذ كان في عالم آخر.
***
منذ
شاهدت مجريات تعذيب الضابط أخذت الحياة في
المغارة، تبدو لي ككابوس لا يركّب صورّه الرهيبة
أشد العقول خبالاً. أحياناً أشك حتى في نفسي: ماذا
أعمل هنا؟ من هؤلاء الذين أحيا معهم هذه الحياة
الكابوسية؟ ماالحياة؟ ماالدين؟ ماالإنسان أين أنا
من جدار برلين! جدار برلين، يعتبر لعبة أطفال
بالنسبة " لجدارت برلين القائمة في بلدان أخرى!
لم أجد جواباً يقنعني غير الفرار من هذه المغارة،
لكن لم يكن من السهل عليّ مغادرتها بالطريقة التي
أريد..
بعد
المرحلة الأخيرة، للتعذيب همست في أذني زوجة
الأفغاني : " إذا سألوك، الأمير والا الآخرون عن
رأيك في اللي شفت، قل لهم : أنا ما نعرفش خير منكم،
رد بالك!"
لقد
لاحظت المسكينة ما كنت فيه من اضطراب!
أمر
الأمير بقطع رأس الضابط ووضع القبعة العسكرية عليه
وحمله إلى أحد مفترقات الطرق الرئيسة ليوضع هناك
على عمود!
قطع
رأس الضابط، دفنت الجثة، وبقي جذع الشجرة، وحده
واقفاً شاهقاً إلى السماء ينتظر مأساة أخرى!
***
مع
بوادر الفجر بدأ أزيز الطائرات المروحية يقترب
أكثر فأكثر من المغارة.
صاح
"الأمير" فيمن كان هناك : " انكشف أمرنا، إذا
بقينا هنا نموتو مخنوقين بالغازات السامة.
الطاغوت
لا يرحم، الانسحاب من هنا والاستعداد
للجهاد"..
أعلن
النفير في المغارة، وزعت البنادق والقنابل
اليدوية، خاطبني "الأمير" : "نعطوك بندقية؟
" قلت : "لا"، قال: " حيادك ماينفعكش
هنا"، وأضاف باتجاه رفاقه: "لاشك أن قوات
محمولة جواً أنزلت وهي الآن بصدد تطويقنا،
ماترحموا حتى واحد، اللي قدر على الانسحاب ينسحب
واللي ماقدرش الجنة راهي تستنى فيه، الله
أكبر!"
"
الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! ..."
بدأ
إطلاق الرصاص والقنابل من الجانبين، أطلقت طائرة
هليكوبترية قنابل على مدخل المغارة أحسست أن كل شيء
أخذ يتزلزل من كثافة الرصاص والقنابل ...
أرى
جذع الشجرة يندك! زوجة الأفغاني تسحبني بقوة من
مكاني، تتفجر قنبلة، أحس شيئاً يخترق ساقي! أرى
زوجة الأفغاني يمزّق جسمّها تمزيقاً!
أسمع
الإمام يقول : اقتله، أقتله..
أسمع
"الأمير " يقول : اقتله أفضل من لا يعطّلنا في
انسحابنا!
أسمع
"مجاهداً" يقول : تموت هكذا خير لك من تعذيب
الطاغوت!
أرى
بندقية صيد تسدد إليّ، فوهتاها كمغارتين متسامتتين
...
أحس
رأسي يتفجر!...
***
أنا
الآن بالمستشفى العسكري !...
النهاية
الجزائر
في 27 / 11 / 1994 |