شعر الانتفاضة في البعدين الفكري والفني - فائز العراقي

دراسة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:17 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية

الفصل الأول نماذج من شعر الانتفاضة: في البعدين الفكري والفني

إذا كان من المبكر الحديث عن تبلور متكامل لظاهرة أدبية حديثة سميناها بـ "أدب الانتفاضة" وذلك ارتباطاً بالانتفاضة الفلسطينية الباسلة التي فجرها أبناء الشعب العربي الفلسطيني داخل الأرض المحتلة في عام 1988، وقد غدا هذا الحدث التاريخي الثوري الهام واحداً من أهم الأحداث في تاريخ نضال أمتنا العربية المعاصر، إذا كان من المبكر الحديث عن ذلك، وخاصة فيما يتعلق ببعض الأجناس الأدبية- كالرواية مثلاً- التي تحتاج إلى فترة زمنية طويلة نسبياً، أو إلى فترة تاريخية كاملة أحياناً لظهورها وولادتها، فإنه ليس من المبكر الحديث عن ظاهرة: "شعر الانتفاضة"، لأن الشعر كجنس ولون أدبي له خصوصيات أخرى تجعله أكثر وأسرع في الاستجابة للحدث -والحديث هنا على وجه العموم، لأن بعض الأعمال الشعرية، كالروايات الشعرية، والقصائد الملحمية ذات الطابع الدرامي، مستثناة من حديثنا، فهي تحتاج أيضاً لكتابتها إلى فسحة زمنية طويلة نسبياً-، من هذا المنطلق يمكن الحديث عن تبلور ظاهرة شعرية جديدة في الشعر العربي الحديث، ألا وهي: "شعر الانتفاضة"، ونعني بها تلك الأعمال التي تم تكريسها لإبراز الانتفاضة الفلسطينية في الأرض المحتلة: واقع الحدث ودلالاته، جذره التاريخي، عوامل التفجير، قواه المحركة، ثم آفاقه الممكنة وتحولاته، وذلك من خلال قدرة الشاعر الرؤيوية لتَشوِّف الآتي وقراءة المستقبل القريب والبعيد.

وبدهي أننا حينما نتحدث عن هذا الحدث لا نطالب الشاعر بعكس الواقع فقط، أو حتى تغييره، بل إن ذلك يفترض قدرة الشاعر على الكشف والفتح والاستشراف من خلال تمكنه من أدواته الفنية، وامتلاكه لرؤية فلسفية عميقة، وقدرته على كتابة نص شعري إبداعي متميز يحفل بالقيم الجمالية والإبداعية التي هي في النهاية المقياس الأهم لمدى نجاح العمل الفني وسموه.

وهذا لا ينفي طبعاً دور العامل الفكري والسياسي التحريضي للتعبير عن مثل أحداث تاريخية كالانتفاضة، فكلا العاملين، يترابطان ترابطاً عضوياً جدلياً، ومن محصلة تفاعلهما وتلاحمهما ككلٍ واحد نقطف ثمرة العمل الإبداعي.

إضافة إلى هذا، فإن هذه الظاهرة الجديدة لا تشكل انقطاعاً عن شعر المقاومة الفلسطيني، بل هي امتداداً له، لكنها تمثل حالة نوعية أخرى لها خصائصها وسماتها الخاصة.

إن مايثبت ولادة هذه الظاهرة: "شعر الانتفاضة"، هو توفر نتاجات شعرية عربية كثيرة عكست هذا الموضوع وتفاعلت معه، وهذا لا يعني بأننا نمنح جواز مرور لكل هذه النتاجات، وذلك من حيث قيمتها الإبداعية، والفنية والفكرية، وكما يقال فإن -في كل كم نوع- وشعر الانتفاضة لم يخل من هذا "النوع" الشعري المتميز إبداعياً.

كما أن بعض الشعراء العرب الذين أثبتوا حضورهم الشعري على مدى العقود الأخيرة كانوا قد تفاعلوا مع هذا الحدث، وكتبوا عنه، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر: سعدي يوسف، محمود درويش، مظفر النّواب، نزار قباني، سميح القاسم، عز الدين المناصرة... الخ، علماً أننا لانضع هؤلاء الشعراء في خانة واحدة، فلكل منهم خصوصيته وتميزه، ومكانته الفنية في الشعر العربي الحديث.

السؤال المطروح هنا: هو إلى أي مدى استطاع هذا الشعر -حتى الآن- الارتقاء إلى مستوى هذا الحدث التاريخي الهام؟‍! وهل المستوى الإبداعي والفني لهذه الأعمال الشعرية استطاع أن يُوازيه في ضخامتهِ وحجمِ تأثيره؟ قبل الإجابة عن هذا السؤال، نحن لا ندعي الإحاطة الشاملة بكل ما كُتب شعرياً عن الانتفاضة، ولكن ماتوفر لنا من نصوص شعرية يمكن أن يُسهم إلى حد معقول في إعطاء إجابة أولية، وسنرجئ الجواب المذكور بعد إبداء الملاحظات النقدية حول بعض النماذج الشعرية، حيث يمكن بعدها الحديث عن استنتاجات نقدية عامة كشفت عنها هذه القصائد.

* نزار قباني- سورية:

 

الشاعر العربي السوري المعروف نزار قبّاني أحد الشعراء الذين كتبوا عن الانتفاضة عدة نصوص شعرية: "دكتوراه شرف في كيمياء الحجر، والغاضبون، وأطفال الحجارة". تتميز هذه القصائد الثلاث عموماً بطابعها التحريضي والتعبوي، وبقدرتها على كشف زيف غالبية الأنظمة العربية التي تاجرت بالقضية والثورة الفلسطينية من أجل ديمومتها واستمرارها، هذه الأنظمة التي اكتفت بالتطبيل والزعيق ورفع الشعارات البراقة، ولكنها مارست عملياً كل مامن شأنِه خنق الانتفاضة ووأدها خوفاً من انتقال جذوتها إلى عروشها المهترئة وحرقها.

-1-

في قصيدته العمودية، "الغاضبون" يقول نزار:

ياتلاميذُ غزة لا تبالوا

بإذاعاتنا ولا تسمعونا

اضربوا... اضربوا بكلِ قواكمِ

واحزموا أمركم ولا تسألونا

نحنُ أهل الحسابِ والجمعِ والطرحِ

فخوضوا حروبَكم واتركونا

إننا الهاربونَ من خدمةِ الجيشِ

فهاتوا حبالكم واشنقونا(1)

جرأة في الطرح، ورؤية صحيحة للأحداث، وكشفٌ حقيقي للواقع الذي تمر به أمتنا العربية.

ولكن هل الارتباط بالواقع، والتعبير عنه، ومحاولة تغييره، يكفي للتدليل على مدى إبداعية النص الشعري والأدبي عموماً؟!

إن واحدة من أهم وظائف الشعر هي إعادة صياغة الواقع جمالياً، ويتم ذلك بامتلاك الوسائط الفنية التي هي وحدها قادرة على الارتفاع بالنص إلى مصاف السامي والخالد، إلى عالم الابتكار والدهشة.

من هنا، هل استطاع شاعرنا العربي الكبير نزار قبّاني في قصائده الثلاث المذكورة نقلنا إلى عالم الفن السحري الزاخر بالقيم الجمالية لاسيما وهو الشاعر الذي شكّل في شعرنا العربي علامة بارزة لايمكن إغفالها؟! نقول ذلك بغض النظر عن نقاط الخلاف أو الاتفاق معه سواءً كان ذلك من الناحية السياسية أو الفنية أو مع طريقتهِ الخاصة في التعامل مع الأحداث، المهم أنه صاحب القصيدة "النزارّية" ذات النكهة الخاصة والمتميزة، حيث الغنائية العذبة وسلاسة اللفظ ورشاقتهِ، ووضوح المعاني... الخ.

من الصعب إصدار حكم قيمة نقدي نهائي على قصائد نزار الجديدة، ونحن نحاول مقاربة النص نقدياً من الناحية الجمالية، بعد أن تحدثنا عن دوره التثويري والتحريضي.

فقصيدته: "دكتوراه شرف في كيمياء الحجر(2) أدخلت من عنوانها الشعر في عالم الكيمياء، وإن كان ذلك "كيمياء الحجر"، حيث الحجر كأداة ورمز صراعي استخدمتْه الأجيال الفلسطينية الشابة الثائرة ضد عدو غاصب مدجج بآلة الدمار الجهنمية.

القصيدة عموماً لم تشكل إضافة جديدة لمجمل نتاج نزار الشعري، وقد تراوحت بين الهبوط والعلو "النسبي" من الناحية الفنية.

لغة الشعر هنا غالباً مكرورة ومُستهلكة، وهي لغة تجاوزتها الحداثة الشعرية العربية في بعض نصوصها:

"سنبلتين، ثديين، فنجانين"، ويبدو أن شاعرنا نزار لايريد الخروج من جلدهِ الشعري القديم، وفتح آفاق جديدة لقصيدتهِ.

كما أننا نشعر بأن التزام الشاعر بالقافية -عموماً- قد حدَّ من انطلاقة الشاعر وقيد توهجَه الشعري "نصفين/ يدين/ عينين/ شفتين/"، حتى أننا لانعرف هل استخدام الشاعر لاسم "الاسكندر ذي القرنين" جاء بشكل انسيابي، وضمن السياق الشعري، أم جاء لضرورة القافية؟!

ونزار في هذه القصيدة شاعر صنعة، أكثر منه شاعر انسياب، ويبدو أن الفكرة تملكتْهُ وأراد التعبير عنها دونما إيلاء اهتمام كبير للجانب الفني في قصيدته، بعبارة أخرى إن الإحالة تتم هنا من الواقع -إلى الفكرة، وليس من الواقع- إلى الصورة، أو من الفكرة- إلى الصورة، فلنقرأ له هذا المقطع:

 

" وينهي عصرَ الحشاشين

ويقفل سوقَ القوادين

ويقطع أيدي المرتزقين".

وكذلك قوله: "ويسقط ولدٌ/ في لحظاتٍ/ يولدُ آلافُ الصبيان/".

لسنا هنا بصدد مناقشة صحة هذه الآراء، وكذلك ضرورة كشف الزيف في واقعنا العربي، نحن في هذا مع الشاعر في منطلقاتهِ الفكرية، ولكن مايضعف فنية القصيدة هنا هو وقوعها في فخ الكلام العادي الذي يخلو من ألق الشعر وومضه، وفي لغة التقرير والخطاب السياسي.

وأستاذنا نزار يستند في صنعتهِ الشعرية إلى تاريخ شعري قديم يتجاوز الأربعين عاماً، مع طول الدِربة والمران الشعري، ولكن كل هذا لا يكفي إذا لم يتجاوز الشاعر ذاته الفنية، ويحاول ارتياد مساحات فنية إشراقية جديدة باستمرار.

ومع كل ماتقدم فالقصيدة لا تخلو من توهجات فنية هنا وهناك، من صور شعرية مبتكرة وجميلة تشدنا إلى الخالد في الشعر:

"تأتي غزّةُ في أمواجِ البحرِ

تضيء القدسَ كمئذنةٍ بين الشفتين

يركب فرساً من ياقوتِ الفجرِ".

وبعض الصور المدهشة الأخرى:"تظهر أرض فوق الغيم/ ويولد وطن في العينين/ وقوله: ينفض عن نعليهِ الرمل/ ويدخلها في مملكة الماء.. وقوله: تطفو عكا فوق الماء/ زجاجة عطر/ وقوله: من هو هذا الولد الطالع مثل الخوخ الأحمر من شجر النسيان....الخ".

ثمة ملاحظة أخرى تتعلق بالتكرار غير المُستَساغ والذي يدل على عدم استنفار ملكة الخيال وإطلاق طاقاتها الخلاقة، يقول نزار في قصيدته ذاتها: "تظهر أرض فوق الغيم/ ويولد وطنٌ في العينين/، وفي موضع آخر من القصيدة يقول: يدخل وطنٌ للزنزانةِ/ ويولدُ وطن في العينين/.".

الصورة الأولى جميلة وفيها يناعة الشعر وطراوته وألقه، ولكن ما الذي يدفع الشاعر إلى تكرار الصورة نفسها مرتين: "يولد وطن في العينين"؟!.

نحن نعزو ذلك إلى الخيال -كما أسلفنا- وللتأكيد على أهمية الخيال ودوره في الشعر باعتباره مصدر وينبوع الصورة الشعرية، نورد هذه الفقرة لكولريدج الذي يعرّف الشاعر بقوله:

" فهو الذي يطلق روح الإنسان جميعها إلى النشاط الحي، وهو يُشيعُ نغماً وروحاً يمزج ويصهر الملكات إحداها بالأخرى بتلك القوة السحرية التي لا أسميها إلاّ الخيال وحده.

إن هذه القوة تكشف نفسها في توازن الصفات المتنافرة، وإشاعة الانسجام بينها... حالة عاطفية غير عادية، وتنسيق فائق للعادة"(3).

ومع كل ذلك فإن ملاحظاتنا النقدية لا تدعي احتكارها للصواب، بل هي وجهة نظر نقدية، ربما تأتي أخرى لتنفيها، خصوصاً ونحن نتناول قصائد أحد أعمدة الشعر العربي الحديث، هذا الشاعر الذي ترك بصمات واضحة على مسيرة الحداثة الشعرية العربية، ولكن صرامة النقد الموضوعي تُوجه غالباً إلى الذين ساهموا في تأسيس الشعرية العربية الحديثة، وامتلكوا خبرة فنية متراكمة على مدى العقود السابقة، لا إلى الشباب الذين مازالوا في بداية الطريق.

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244