شعر الانتفاضة في البعدين الفكري والفني - فائز العراقي

دراسة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:17 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

سعدي يوسف/ العراق

الشاعر العراقي المعروف سعدي يوسف كتب عن أبطال الحجارة قصيدة بعنوان: "إنه يحيى"(4). تميزت هذه القصيدة بشدة تكثيفها، ولغتها الإشراقية الفنية الموحية، بصورها الحسية المبتكرة، وتفاصيلها اليومية الحميمة.‏

"يحيى" هو رمز المناضل الفلسطيني المقاتل، المناضل- الشهيد، والفتى- الشهيد.‏

وهو الرمز الحي الذي لم يمت، لقد تحول إلى طاقة ثورية فعالة تعيش في أرواحنا وضمائرنا. وهو موجود في كل مكان:‏

في البراري، وفي الماء، في رايات الثوار التي تنتشر في الأرض، في الشوارع، وفي كل بيت فلسطيني وعربي.‏

لنقرأ للشاعر هذا المطلع الدال:‏

"رايات يحيى، ثوبك المنخوب بالطلقات‏

يحيى في البراري‏

في قطرة الماء التي انسكبت على قدمين‏

وانسربت بأفئدة الصغار‏

راياتُ يحيى تعبر الأنهارَ والطرقَ التي اكتظت‏

وتدخل في منازعنا، مضرجةَ السِرار‏

من بيت إبراهيم‏

من عبد الرحيم‏

وماء رام اللّه تأتينا:‏

أغزةُ هاشمٍ في البرقِ‏

أم هذي كتائبنا مدججةً تلوح مع الدراري؟!".‏

في المقطع الثاني يتنامى الفعل الدرامي عبر تأجج الحالة الثورية لدى المناضل - الشهيد يحيى، ابن المخيم الذي يتمازج غضبه مع غضب الأرض و"احتقانها". كلمة "الاحتقان" تدل هنا على تراكم القهر والقمع التاريخي الذي أصاب الشعب الفلسطيني عبر مراحل تاريخية كاملة، إلى أن يجيء "يحيى" ليدحو" الأرض و"يبرؤها" ثم يعدها للصراع والفعل الثوري، يعدها لكي تكون قذيفته المضادة لنار الغزاة وقمعهم.‏

وترتقي حالة يحيى، ويتحول إلى مصدر لتوالد الثورة وديمومتها "يُنبت الأحجار"، بل هو يجعل من "سواعد" المناضلين "مقاليع" ووسائل كفاحية، ومن أصابعهم دم الثورة وزيتها المستمر.‏

ما يُدهشنا هنا هو أن الشاعر استعار "النبوة" للمقلاع بدلاً من الحجر، بقوله: "يجعل من سواعدنا مقاليع النبوة"، بدلاً من أن يقول: "يجعل من سواعدنا مقاليع للحجارة". هنا أصبحت "النبوة" رديفاً "للحجر - الثورة" والجملة الشعرية هنا تفسح المجال لإمكانية التأويل، فيمكن القول مثلاً بأن الشاعر استخدم الحجر كرمز كفاحي، واستخدمه أيضاً كرمز "للنبوءة"، إنها نبوءة أبطال الحجارة الذين يكتبون لأنفسهم ولأمتهم عصراً جديداً آخر، وفجراً جديداً يبدد حالة القمع والمعاناة السابقة، ويؤرخ لعصر الحرية- الإنسان: "رايات يحيى، ثوبُكَ المنخوب بالطلقاتِ/ يحيى في المخيم/ يرفع الأرض التي احتقنت/ ويدحوها، ويَبْرُؤُها، ويقذفها بوجه النار/ يحيى ينبت الأحجار/ يجعل من سواعدنا مقاليع النبوّةِ/ من أصابعنا دم الثوار/".‏

ثم يصف الشاعر "يحيى"، "بالجمرة" التي لا تتوقد وتشتعل إلاّ بجمر الثورة والكفاح: "يالفحَ الفتوةِ/ أيها الجمرُ الذي لا يغتذي إلاّ بهذا الجمر/".‏

ويختتم قصيدته بحالة رائعة ينصهر فيها الـ "هو- الشهيد" بالـ "نحن- الشهداء"، أو الـ "هو- المناضل" بالـ "نحن- المناضلون"، ثم يضفي الشاعر على حركة يحيى "وتقدمه" الثوري صفة "القدسية". ويؤكد على أنه "الملك" الحقيقي الذي ينبغي أن يقود "بلاد الله" التي تأتي هنا رديفة "لفلسطين"، وتنتهي القصيدة بالفعل "خذنا"، وهي نهاية مفتوحة، إلاّ أن كامل السياق الشعري يقودنا للقول بأن الشاعر يقصد "خذنا للكفاح، خذنا للشهادة".‏

فلنقرأ له خاتمة القصيدة: "ياولدي/ سلاماً أيها المتقدمُ القدّوس/ ياملكاً يسيرُ مخضب الرايات/ يايحيى/ سلاماً.../ خذ، كما تهوى، الشوارعَ/ خذ بلادَ الله مملكةً/ فلسطيناً/ وخذنا....".‏

الشاعر سعدي يوسف مولع بذكر الأمكنة والأسماء والتفاصيل العادية أو الأسطورية: "إبراهيم، عبد الرحيم، رام الله، غزة، هاشم......الخ"، إلاّ أن مايميزه من الناحية الفنية هو قدرته على نقل العادي والمألوف إلى مصاف الفني -المدهش، وقد تجسد ذلك بنقل المشهد العادي الذي شكلته هذه الأسماء والأمكنة:‏

"إبراهيم، عبد الرحيم، رام الله...." إلى الفني المتألق بقوله: "أغزّةُ هاشمٍ في البرق"، إن التصعيد الفني جاء هنا في اندغام غزة وبني هاشم في البرق أي في حالة السطوع الثوري، حالة الإخصاب الذي يشير إليه رمز "البرق" باعتبارهِ بشارة المطر والإخصاب والخير.‏

وفي جملته الشعرية: "يحيى في البراري/ في قطرة الماءِ التي انسكبت على قدمين/ وانسربت بأفئدة الصغار". تتجسد لنا الطاقة التحولية والحركية في النص. فالطاقة التحولية تتجلى في تحول الرمز المناضل "يحيى" وحلوله في قطرة الماء، الماء رمز الحياة والخصب، ثم في انسرابهِ بأفئدةِ الصغار، يلعب الماء هنا دور الشافي الذي يشفي غليل الأطفال. أما الطاقة الحركية فتتجلى في الفعلين: "انسكب" و"انسرب"، حيث مثلا حالة الانسياب والليونة وأضفيا حالة حركية على كامل المقطع الشعري.‏

ثم يتألق سعدي فنياً في صورتهِ الشعرية المبُتكرة: "يرفع الأرض التي احتقنت/ ويدحوها/ ويبرؤها، ويقذفها بوجه النار/".‏

وهي صورة حسية مركبة تتمازج وتتلاقح فيها عدة ظواهر حسية هي: "الأرض المحتقنة" و"يدحوها" و"يبرؤها" و"النار".‏

يستخدم الشاعر في هذه القصيدة العديد من الأساليب الفنية الشعرية: الوصف: "رايات يحيى، ثوبك المنخوب بالطلقات"، و"المونولوج": "أغزُة هاشم في البرق"، و"النداء": "ياملكاً يسير مخضب الرايات"، و"التصوير الحسي: "يجعل من سواعدنا مقاليع النبوة"، وأخيراً: "التلوين": الذي يتجسد بأبهى تجلياته في قوله: "درعُهُ كوفيّةٌ /رقطاء/ وثبتُه براقٌ أزرقٌ/ وسماؤه صفراءُ....". تتداخل هنا وتتمازج ثلاثة ألوان في مشهد شعري واحد: المرّقط، والأزرق، والأصفر، لتشكل لنا مشهدا حسياً- لونياً- بصرياً رائعاً وكأننا إزاء لوحة تشكيلية تضج بالحياة والإبهار والدهشة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244