شعر الانتفاضة في البعدين الفكري والفني - فائز العراقي

دراسة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:17 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

* عز الدين المناصرة/ فلسطين

يمكن اعتبار قصيدة الشاعر العربي الفلسطيني عز الدين المناصرة: "يتوهج كنعان"(5) واحدة من أهم القصائد العربية التي كتبت عن الانتفاضة الفلسطينية، ومن أكثرها تميزاً على الصعيدين الفني والفكري.‏

منذ عنوانها تطالعنا هذه القصيدة بتباشير النصر المؤزر مُستندةً إلى الرمز التاريخي الكبير "كنعان". الفلسطينيون من أصل كنعاني وينتمون إلى جدهم الأكبر: "كنعان"، وتشير التنقيبات الأثرية، وكذلك المصادر التاريخية المختلفة بأن الكنعانيين واليبوسيين قد سكنوا فلسطين منذ قرابة "5000" خمسة آلاف عام. واليبوسيون هم قبيلة من الكنعانيين جاؤوا من الجزيرة العربية واستقروا في مدينة "القدس" أرض كنعان في فلسطين، وكذلك في جنوب سورية ولبنان. تتكون بنية القصيدة العامة من ستة مقاطع شعرية. تترابط هذه المقاطع بشكل مدروس بعناية فائقة، وهذا يؤكد بأن شاعرنا المناصرة قد خطط وصمم الهيكلية العامة للقصيدة وقام ببنائها بعين "المهندس" الخبير المتمكن من أدواتِه الفنية والمستند إلى خبرة متراكمة تعود إلى حوالي ثلاثة عقود.‏

لم يستند الشاعر إلى عنصر "الصنعة" فقط في عملية البناء الشعري، بل زواجَه مع عنصر "الانسياب" والتدفق الشعوري، ولولا هذا التزاوج المدهش لفقدت القصيدة عفويتها وانسيابيتها وتدفّقها العاطفي. ويمكن القول بأن كلا العنصرين المذكورين:"الانسياب والصنعة"، قد تزاوجا وتلاقحا بشكل فني وكلي، وأنتجا لنا هذه القصيدة الدرامية الطويلة.‏

يفتتح الشاعر المقطع الأول من قصيدتهِ بالفعل المضارع "أحاول" وهو أحد لازمتين شعريتين يرتكز عليهما البناء الشعري- كما سنبين لاحقاً-.‏

ويمكن أن نطلق على هذه اللازمة "أحاول" وصف: اللازمة- الفتح، أي أن مهمتها كانت فتح الآفاق أمام القصيدة والمساعدة على نمو فعلها الدرامي من الداخل بالتآزر مع عناصر أخرى. والفعل "أحاول" يشير إلى أن حركة القصيدة تبدأ من الزمن الحاضر ثم تنتهي به أيضاً من خلال الفعل المضارع "يتوهج" الذي يربط بين "الآن" و"الآتي"..‏

وكما يبدو فإن الشاعر أراد من خلال الفعل "أحاول" الابتعاد عن اليقينيات الجاهزة والمطلقة، فهو يتحدث عن "الممكن" أو "الإمكان" في الفعل الانساني بشقيه: الثوري، والإبداعي. أي الممكن الثوري والممكن الشعري.‏

يحاول الشاعر في مطلع قصيدته الإمساك بخاصرة "البحر" الذي رآه وتخيله "قرمزياً" لذا فإن البحر يرمز دلالياً هنا إلى الثورة والخلاص. "رؤيا" الشاعر أرادت ذلك، بالرغم من أنها تؤكد بأن البحر "كذات" هو رمز للحلم والربيع والشفافية. لنقرأ له هذا المطلع البهي، بلغتهِ الفنية المُشرقة، وصورهِ اللّماحة والمبتكرة:‏

"أحاولُ أن أمسكَ البحرَ من خصرهِ القرمزّي‏

أراهُ كذلك، لكنه يشتهي أن يكونَ ربيعاً لكي يعجب الآخرين.‏

بطيءٌ بريدك ياوطني والرسائل لا تصلُ العاشقين.‏

وكانت تحومُ النوارسُ، تملؤني غبطةً والنجوم‏

مسافرةٌ قرب شمس الأصيلْ.‏

أحاولُ يافرساً حجرياً على التلةِ القرمزيةِ كالبحرِ‏

مريمُ أفريقيا في الفضاءِ تمد ذراعاً لوهرانَ.‏

يختبئون وراءكِ كي لا يروا مريمِ التلحميةِ‏

أو مريم الانتفاضة أو مريم المريمية‏

مريم أفريقيا لم تطابق بهاء الأصولْ‏

وكذلك قيل: انطروا الماء، قيل كذلك ندٌ لروما‏

أما زلتِ يامهرةً تركضين، يتابع جريكِ‏

هذا المدارْ".‏

يحاول الشاعر في المقطع الأول أن يرسم صورة ناطقة للطبيعة، صورة -مُتخيلة. يستدعي بحرارة البحر في فلسطين، يستدعي عكا المحاصرة، والقدس السليبة. المشهد الطبيعي يتكون من العديد من العناصر، وأهمها: البحر "القرمزي"، والنوارس، والأشجار، والتلة "القرمزية أيضاً!!"، والفرس الحجري، والنجوم المسافرة، وشمس الأصيل، والتينة المقدسية، والحمام.‏

يسعى الشاعر من خلال تركيب هذه العناصر إلى بناء طقس شعري، إلى إضفاء روح الشعر على هذه العناصر من خلال تآلفها وتمازجها. بعبارة أخرى يسعى إلى شعرنة الواقع وتفاصيله الحية:"وكانت تحوم النوارسُ، تملؤني غبطة والنجوم/ مسافرةٌ قرب شمس الأصيل".‏

وهو يحاول تذكر "الفرس" رمز العنفوان والجموح والثورة، ويسبغ عليها صفة الحجر إشارة إلى الانتفاضة: "يافرساً حجرياً على التلةِ القرمزيةِ كالبحر". ويتخيل "التلة" التي تكون مرتعاً للفرس الجامح. التلة المتخيلة ذات لون قرمزي كالبحر، وهو رمز الثورة أيضاً.‏

وترد الانتفاضة مرة ثانية في هذا المقطع، وبشكل مباشر من خلال قوله: "مريم الانتفاضة".‏

عملية الاستذكار لم تكن سهلة، والشاعر في عودتِه إلى الذاكرة الأولى يعاني من هروب وفلتان العناصر الطبيعية - وخاصة البحر- بين يديه، ويشبه هروب البحر الفلسطيني كهروب النساء بين يديه، أو مثل هروب حقول القطار.‏

يتذكر "صخور البحر الذي يأوي الحمام إليه"، أما أروع تصوير يبلغهُ فهو تذّكُرُهُ "للتينة المقدسية": تشبيه حسي بارع يدل على امتلاك الشاعر لمخيلة خصبة ومُحلقة.‏

سيقان التينة ناصعة كالبللور، أما شروشها فتشبه أعصاب جده.‏

هكذا يؤكد المناصرة عمق ارتباطهِ، وارتباط شعبه بالأرض من خلال "أعصاب" الجد التي تتغلغل في مسامات التراب، في أعمق أعماق التربة، لتتفتح شروشاً وأغصاناً وثمراً طيباً.‏

وتكون الرحلة من "التينة المقدسية" إلى "تينة قلب الشاعر" التي حينما يتذكرها يجفل ويصيبه الذهول و"يهرب منه الكلام"، وثمة تواشج بين التينة المقدسية وتينة القلب، إنه تواشج العام بالخاص، جدل التلاحم بين رمز الكينونة الأول: "الطبيعة الأم" وبين ناتجها وابنها. ومن ثم يوجه الشاعر السلام إلى "التينة المقدسية"، أي السلام من المُكوَّن إلى المُكوِّن.‏

لنقرأ له هذا المقطع الشعري الذي يدل على ماذهبنا إليه: " أحاول أن أرسم البحر لكنه كنساء الينابيع يبدو صديقاً ويهرب من بين كفيّ مثل حقول القطار./ وأركضُ: أنظر حجاجاً من الصخر يأوي الحمام إليه من البحر والتينة المقدسية: بلّور سيقانها يصل المتوسط./ أما الشروشُ فأعصاب جدّي ويهربُ مني الكلام إذا ما اصطدمتُ بتينةِ قلبي/ عليها السلام".‏

ولأن استعادة البحر- الحقيقة، البحر- الوطن، غير ممكن في اللحظة الراهنة، أي لحظة التفجر الشعري، فإن الشاعر يستنجد بالخيال، وبالذاكرة الأولى لكي يحقق هذه الاستعادة. لذلك وكنوع من التعويض عن فقدان البحر- الوطن، أو نوع من أنواع تحايل الخيال -إذا جاز هذا التعبير- تلجأ مخيلتهُ إلى اختراعِ "البحر". إنه بحر مركب بشكل ذهني تنتجه مخيلة مبدعة تتمتع بقدرة تركيبية وتجريدية عالية. فالشاعر يخترع البحر ثم يشكله كما يريد مُدخِلاً عليه العديد من العناصر.‏

البحر الجديد المتخيلَ هو "البحر العربي" المتشكل من القدس والشام وبيروت، لنقرأ هذا المقطع الدال: "سنخترع البحرَ ثم نرشُ عليه البهارَ ونجلب من جبل الشام أقمار غوطتها ومن القدس صخرتها، من ضلوعك بيروت روشتك القرمزية ثم نشوي على الفحم فوق التلال المطلة -قلبك يابحرُ-/، أحجارك المرمرية، ننشرها فوق حبل الغسيل".‏

ينتهي المقطع الأول، بحالة وداعية حزينة، حالة المنفيين الذين يغادرون أرض وطنهم، يغادرون مدينة عكا وقلعتها البحرية التي صارت: "مأوى قراصنة البحر" ولم يبقَ فيها "غير السجون"، يؤشر الشاعر بوضوح إلى استعمار الصهاينة وسيطرتهم على مدينة عكا. ثم تكون خاتمة المقطع الأول باللازمة الشعرية الثانية: "بطيءٌ بريدكَ ياوطني والرسائل لا تصل العاشقين". ومن الملاحظ أن هذه اللازمة تكون خاتمة المقاطع الشعرية الخمسة- عدا المقطع السادس-، وهي لازمة ترمز لزمن الانتظار المر، زمن الخيبة الذي عانى منه الشعب الفلسطيني طويلاً. إن عدم تكرار هذه اللازمة في المقطع الأخير من القصيدة "السادس"، له مغزاه الفكري والفني وهذا ما سنُبينه.‏

يفتتح الشاعر مقطعه الثاني بكلمة "أحاول".... وهي اللازمة الأولى التي أطلقنا عليها تسمية اللازمة- الفتح. هنا مارست‏

هذه اللازمة كسر حالة الانغلاق التي مثّلَتها اللازمة الثانية: "بطيءٌ بريدك ياوطني...الخ". فتكون وظيفة الأولى "الفتح" والثانية "الإغلاق" أو اختتام الكلام.‏

يحاول الشاعر العودة إلى الذاكرة الأولى القريبة"، إلى أيام صباه، متذكراً وجه أبيه، وقريته، والتفاصيل اليومية التي كان يعيشها في يفاعتهِ.‏

يستند المناصرة في بناء خاتمة هذا المقطع إلى الحكاية الشعبية، والتفصيل اليومي العابق بالطرافة والألفة، وهو يؤكد على إنسيابية الشاعر وتدفقه العاطفي، كما يدل على تشبثه بعالم الطفولة حينما يتذكر تلك "المراهنة" التي تقوم بينه وبين أبناء قريته حول اسم المطرب العراقي الراحل "حضيري بو عزيز"، لنقرأ له هذا المقطع الدال: "أحاولُ: راهنتُ أربعةً: كان وجه أبي في مقالع مرمر قريتنا تعباً حين غنى مواويل ذاك المغني العراقي قيل اسمه "بوعزيز"، وقال لنا أحد الأصدقاء: / إذا لم يكن بادئاً اسمه هكذا رسم الحاء فوق التراب سأجدع أنفي وأرمي به للنوارس، أقسم آخر أن لا وجود لهذا المغني- وحين استشرنا مناديل عرّافة البحر، جادلتُها وربحتُ الرهانَ وحتى أغيظَ الأحبةَ صحتُ بأعلى حنيني - حنانيك ياحجراً في الخليل/".‏

ثم ينتقل الشاعر إلى ذكر حجر الخليل الذي "سرق الصهاينة قلبه". إلا أن هذا الحجر لم يذهب هباءً، بل استخدمه أطفال الانتفاضة ضد الغزاة الصهاينة. هنا يستخدم الشاعر الرمز التاريخي "جالوت" إشارة إلى المعركة الحاسمة التي انتصر فيها القائد المسلم الكبير صلاح الدين الأيوبي على الصليبيين في موقعة:"عين جالوت" في فلسطين: "واسألوا عنه أحفاد جالوت يرتفعون به في هواء الشوارع، يسقط طيراً أبابيل فوق رؤوس الجنود".‏

ثم يحرض الشاعر المنتفضين على مواصلة/ رشق الصهاينة بالحجارة التي أرعبتهم: "أرشقوهم يخافون هذا صباح الصهيل".‏

ويتجدد الرمز التاريخي "كنعان" في هذه القصيدة باعتباره رمزاً لكفاح الشعب الفلسطيني المنتفض وكأنه شبيه "النرجسة التي تنبثق من شقوق الحجر".‏

ثم يعود لاستخدام الذاكرة الأولى القريبة: "أحاول: دارٌ وحاكورةٌ"، والذاكرة الأولى البعيدة والموغلة في القِدم: "أحاول أن أتتبع موال أجدادنا الطيبين".‏

ثم يتذكر الشاعر أيام فتوته الأولى، ويحدد التاريخ الزمني لبدء صهيل المنافي ومغادرة الوطن: " منذ ثلاثين كان فتىً ويغني على مهل في الشعاب. وعاد إلينا سليلَ الجراحِ، كسيرَ الجناح يغازل ورد الصباح ويغرف من ماء هذي البطاحِ ويغرسُ أشعارهُ في سهولِ براحٍ...... وشربتُ وهيأتُ روحي لهوجِ المنافي/ وعسف الرياح/".‏

ثم تلح عليه الدار التي أصبحت حلماً من الأحلام: "منذ ثلاثين عاماً يحاصرني الحلمُ: دار وحاكورة وضجيج".‏

ويختتم المقطع باللازمة الثانية: "بطيءٌ بريدك ياوطني والرسائل لا تصل العاشقين".‏

في المقطع الثالث يستخدم الشاعر عز الدين المناصرة كلمة: "سلام" ليفتتح بها أفقاً جديداً للقصيدة وبداية لمواصلة نموها وتطورها الدرامي "سلامٌ، سلامٌ، سليمْ/ أرق من الشعراء بدير الأسد/ أرقّ من القمح قبل هبوب رياح السموم/.../ أرقٌ من النسوة الحاملات جرار الغيوم".‏

ثم يستطرد ذاكراً الحبيبة والبحر، ويوجه سلامه إلى "الراء" التي كانت رمزاً للمطر، وبعدها تحولت وأصبحت رمزاً للحجر، ينتقل الشاعر هنا من رمز الخصوبة إلى رمز الحجر - الثورة: (سلامٌ إلى الراء كانت مطر/ سلامٌ إلى الراء صارت حجرْ/". ويرد مرّة أخرى ذِكْر الرمز التاريخي "كنعان" مرتبطاً برمز الثورة "الحجر" الذي يبشر الشاعر به: "وكنعانُ في حجر نافرٍ سيطل قريباً/ ويكثر عنه الكلام".‏

وعودة أخرى: "للذاكرة الأولى القريبة"، العودة بالزمن إلى ثلاثين سنة للوراء، إلاّ أن الذاكرة سترتبط هذه المرّة بذكريات الحبيبة- الغائبة: (كان ذلك قبل ثلاثين في ليلة البرتقال، تضاهي الفراشات، كانت جدائلها تتشعلق في جذع زعرورةٍ".‏

واضح هنا أن الحبيبة تتماهى مع الأرض- الوطن، تندمج بها فيشكلان وحدة كلية لا تنفصم عراها: اندماجِ وترابط الجدائل "رمز الحبيبة" بجذع الزعرورة "رمز الأرض"، ثم ينتقل من الماضي إلى الزمن الحاضر، زمن كتابة القصيدة: "وبعد ثلاثين شفتكِ في التلفزة".‏

ويختتم هذا المقطع كالعادة باللازمة الثانية: "بطيء بريدك ياوطني والرسائل لا تصل العاشقين".‏

في المقطع الشعري الرابع تنويع آخر، "الحجر" هذه المرّة هي الكلمة - الأداة التي يستند إليها الشاعر في مواصلة عملية الصيرورة الشعرية داخل القصيدة: "حجرٌ من مقالع مرمرنا وعليه القيام". تتطور لغة الشاعر هنا تصبح أكثر صدامية، وهو هنا يشحن قصيدته بطاقة تحريضية عالية تستهدف إيقاظ أبناء الأمة، ويوكل "للحجر" هذه المهمة النبيلة: "الإيقاظ": "سوف يخطب فيكم ويوقظ بعض النيام".‏

ويرى الشاعر أن "الحجر" صار وسيلة نضالية حداثية، وأن الرمز التاريخي: "جالوت" هو "مدماك في قلب هذه الحداثة"، ونلمسُ هنا محاولة ذكية من قبل الشاعر لربط التراث النضالي لأمتنا بالفعل النضالي المعاصر:"الحداثة من حجرٍ صار رغم النوى مضرب الأمثلة./ لا تقل- كلما أثخنتْه الجراح انتهى- إن جالوت مدماك هذي الحداثة في السلسلة".‏

واضحٌ هنا أن "جالوت" تتحول إلى عنصر في بنية الحداثة الثورية الجديدة، ثم يختتم هذا المقطع أيضاً باللازمة الثانية: "بطيءٌ بريدك ياوطني.. الخ".‏

في المقطع الخامس تتشظى الذاكرة الشعرية من خلال الفعل المضارع: "أُعدّدُ" لتعانق عشرات الأسماء والأمكنة والرموز.‏

ذاكرة محمومة تعانق جذرها الأول ورمز كينونتها، تعانق الأرض ويجرفها الحنين الصاعق لمعانقة كل تفاصيلها وأسمائها وأمكنتها. وتكون البداية المقدسة: السلام "للقدس" ثم: "الخليل، نابلس، جباليا، جنين، قلقيليا، طول كرم، بيت لحم، بلاطة، الدهيشة، صفد، سلفيت....الخ"، حتى يمكن القول بأن الشاعر لم يترك مدينة معروفة أو مهمة في فلسطين إلا وذكرها في قصيدته هذه، ثم بعد ذلك السلام للشعراء والأدباء: "محمود درويش، سميح القاسم، توفيق زياد، سعدي يوسف، بدر شاكر السيّاب...الخ".‏

ومن فلسطين إلى كامل الأرض العربية يجول الشاعر ويوزع سلامه "الفاو والبصرة الصابرة، وناصر القاهرة، ونيل بيرم، وبيروت، والأردن، وكويت اللآلئ والفقراء، ثم إلى سوريا ومدنها المعروفة: الشام، اللاذقية، حلب، حماة، حمص، جبلة، ثم السلام للمخيمات الفلسطينية فيها: "اليرموك والنيرب، وفلسطين...الخ".‏

ثم يختتم المقطع الخامس باللازمة الشعرية الثانية: "بطيء بريدك ياوطني والرسائل لا تصل العاشقين"، هذه اللازمة سوف لن تتكرر في المقطع السادس كما أسلفنا لأن زمنها قد انتهى وبدأ عهد جديد.‏

يفتتح الشاعر المقطع السادس بجملة: "توهج كنعان بين القرى"، لتكون الفاصلة بين زمنين في القصيدة: "زمن الخيبة والانتظار القديم، وزمن الثورة والانتصار الجديد. فالرمز التاريخي "كنعان" الذي يتوهج في القرى الفلسطينية ليضيء الزمن ويجدد الحياة من خلال انتفاضة أبطال الحجارة، وليبدد زمن الخيبة والألم والانتظار الممل والطويل الذي دلت عليهِ اللازمة الثانية:‏

"بطيءٌ بريدك ياوطني والرسائل لا تصل العاشقين"، لذلك فإن "توهج كنعان" جاء نفياً للازمة المتكررة وتبديداً لحالة الخيبة التي أشارت إليها. وهكذا تختفي هذه اللازمة لتحل محلها حالة ثورية مشرقة تتمثل بانتصار الشعب الفلسطيني المكافح من خلال رمزه التاريخي "كنعان" الذي يتجدد في الزمن الحاضر، ويتجسد ويتجلى بشكل جديد من خلال أبطال الحجارة، لنقرأ للشاعر هذه الخاتمة الدالة والمشرقة: "يجيئكِ كنعان ملتحياً بالثلوج، يطير اليمامُ على كتفيه/ على فرسٍ أشهبٍ،/ ليلة الاجتياح وسبحته صدفٌ تلحمي، وجبّتُه من حرير/ يجيئكِ كنعان، كشرتُهُ من زجاجٍ وعيناهُ غاضبتان وسروالهُ عتبٌ وابتسامته من قتام/ يجيئكَ كنعان فابتهجي يابلادَ الندى وقلاع الغمام /عليكِ السلامُ/ عليكِ السلامُ/ عليكِ السلامْ".‏

أما على الصعيد الفني فإن قصيدة عز الدين المناصرة: "يتوهج كنعان" هي قصيدة : رؤيوية مركبة متعددة الأصوات، وذات مناخ درامي. يمتزج فيها التفصيلي اليومي بالتاريخي، الواقعي بالحلمي، المجرد بالمحسوس، العاطفي بالفكري، والوعي باللاوعي.‏

كما أنها ذات مستويات متعددة لذا يمكن قراءتها على المستوى الفكري والسياسي، والرمزي، والتاريخي، واللغوي، والنفسي، والاجتماعي، والفني الجمالي العام.‏

ومن خلال دراستنا لها، رصدنا الأصوات التالية: صوت ضمير المتكلم "أنا"، ومايدل عليه قوله: "أحاولُ". وصوت ضمير الغائب "هو" العائد للشاعر الفتى، ومايدل عليه قوله: "منذًُ ثلاثين كان فتى ويغني على مهلٍ في الشعاب..... ويغرس أشعاره في سهول براحٍ". وصوت الراوي: "وقال لنا أحد الأصدقاء". وصوت الحجر- الانتفاضة: "حجرٌ من مقالع مرمرنا وعليه القيام/ سوف يخطب فيكم ويوقظ بعض النيام".‏

وصوت الرمز التاريخي "كنعان": "وكنعان في حجرٍ نافرٍ سيطلُ قريباً/ ويكثر عنه الكلام". وصوت الطبيعة، ومن مفرداتها "النجمة": النجمة الجبلية قالت: أمامكَ نهرٌ وخلفكَ بحر ومجزرة".‏

لكل قصيدة قانونية وآلية تنظمُ حركتها الداخلية وصيرورتها ونموها وتطورها الحر والخلاّق، وقصيدة "يتوهج كنعان" للمناصرة تنمو وتتطور من خلال جدلية العلاقة بين عناصرها الداخلية، وبين أصواتها المتعددة التي ذكرناها، كما تتطور من خلال اللازمة الشعرية الثانية: "أحاولُ" إضافة إلى كلمتي "حجر" و"سلام"، ومن خلال اتكائها على الذاكرة الأولى القريبة: "كان وجه أبي في مقالع مرمر قريتنا تعباً"، والذاكرة الأولى البعيدة: "سلاماً لأجداثِ أجدادنا الطاهرة"، وأخيراً تشظي الذاكرة في الزمن الحاضر حيث يقوم الشاعر من خلال ذاكرته بمعانقة التفاصيل الواقعية الراهنة: "أسماء وأمكنة وتواريخ"، وتكون هذه التفاصيل عنصراً هاماً في عملية تطور وتنامي مناخ القصيدة الدرامي.‏

ويمكن القول إن الشاعر عز الدين المناصرة استخدم في بناء قصيدته المركبة ذات المناخ الدرامي غالبية الأساليب الفنية التي عرفتها الحداثة الشعرية العربية، وأهمها: الحوار: "كذلك قيل: انطروا الماء، قيل كذلك، ندٌ لروما"، والاستذكار: "كان المدى شجراً وشجيرات عوسج هذا المدى عِشرق البحر"، والاتكاء على الصورة الفنية: "هَيءْ جوادك للرعي في مرج ذاكرة الغيم حيث يقيمون أندلساً في الكلام"، والمونولوج: "أمازلتِ يامهرةً تركضين، يتابع جريكِ هذا المدار"، والأسلوب الشعبي ذي النكهة المحلية الفلسطينية: "عتابا تعاتبني الدارُ والميجنا سأصيحُ: أيا من جنى ثم جفرا الينابيع والنار ثم ظريف تمرُ بقامتها السرمدية كانسكاب الشعاع على الماء".‏

والسرد الحكائي: "قيل اسمهُ "بوعزيز" وقال لنا أحد الأصدقاء: إذا لم يكن بادئاً اسمه هكذا رسم الحاء فوق التراب سأجدع أنفي وأرمي به للنوارس".‏

الرمز هو أحد أهم العناصر التي ساهمت في تشكيل البنية الفنية والجمالية العامة لهذه القصيدة، وكما بدا فإن شاعرنا المناصرة مغرم باستخدام الرمز كأداة فنية هامة تساهم في عملية التطور الداخلي للقصيدة.‏

تتكون البنية الرمزية في قصيدة :"يتوهج كنعان"، من رموز متنوعة ومتعددة الدلالة، وأهمها: "الرمز التاريخي: "كنعان وجالوت"، والرمز الواقعي: أماكن مثل: الخليل، نابلس، الشام، البصرة، وهران، روما، المغرب العربي، الأردن، النيل.....الخ، وأسماء مثل : جمال عبد الناصر، محمود درويش، سميح القاسم، بدر شاكر السيّاب، سعدي يوسف.‏

والرمز الديني: مريم، الخضر. والرموز الطبيعية الواضحة والشفافة: كالبحر، والشجر، والغيم، والنوارس، والنرجس...الخ.‏

ومادمنا بصدد الحديث عن الرمز هنا يمكن القول بأن الثغرة الفنية البارزة التي لمسناها في هذه القصيدة هي في كيفية استخدام الشاعر للرمز وتوظيفهِ توظيفاً فنياً وجمالياً وخاصة في المقطع الخامس حين قام الشاعر بعملية تعداد الأسماء والأمكنة: "أعدد أسماءَها ثم أشجارها ثم أحجارها ثم أبدأُ بالقدس مريام".‏

لسنا ضد إيراد العشرات والمئات من الأسماء والأمكنة في القصيدة كما فعل الشاعر المناصرة، وكما حدث لذاكرته الشعرية المتشظية، لكن المهم هنا أن إيراد الرمز لا يكون على حساب القيمة الفنية والجمالية في النص، وهو ماحدث غالباً في المقطع الخامس حيث أغرق الشاعر جسد القصيدة بالرموز دون أن يحولها من مصاف العادي والمألوف إلى مصاف الفني والمدهش، ودون أن يمنحها دلالات جديدة قادرة على إضاءة النص داخلياً، ومنحه بعداً فنياً مدهشاً. إن رأينا هذا ينصب على المقطع الشعري الخامس تحديداً، أما في باقي المقاطع الأخرى فإن الشاعر كان ناجحاً ومتألقاً فنياً - في أغلب الأحيان- في عملية توظيفه واستخدامِهِ للرمزِ، كقولهِ في المقطع الثاني: "كنعان يخرج فجراً كنرجسةٍ من شقوق الحجر"، وقوله في المقطع السادس والأخير:‏

"يجيئك كنعان ملتحياً بالثلوج، يطير اليمام على كتفيه،..... وسبحتُه صدفٌ تلحمي، وجبتّهُ من حرير. يجيئك كنعان كشرتُه من زجاج وعيناه غاضبتان وسرواله عتبٌ وابتسامتهُ من قتام".‏

لذلك فإن الضعف الفني والجمالي في المقطع الخامس سيكون محدود التأثير إذا ما أخذنا الحصيلة الفنية الإجمالية العامة لكافة مقاطع القصيدة ولبنيتها الفنية العامة التي تؤكد على أنها كانت زاخرة بالقيم الفنية الجمالية المدهشة على صعيد الرؤية والرؤيا والتخييل وبناء الصورة واستخدام اللغة.‏

وحسناً يفعل شاعرنا المناصرة لو راجعَ بعين موضوعية فاحصة المقطع الخامس، وفي كل الأحوال هذا رأينا وتذوقنا النقدي، ونحن كما أسلفنا لا ندعي الصواب واحتكار الحقيقة، وقد يرى الشاعر والنقاد الآخرون رأياً لا يتفق مع رأينا هذا. وفي كل الأحوال فإن المسألة قابلة للحوار وتعدد وجهات النظر.‏

أما لغة الشاعر فهي "عموماً" لغة فنية موحية ومشرقة، تتخللّها العديد من الانزياحات المدهشة كقوله: "صحتُ بأعلى حنيني"، وتدل هذه القصيدة الطويلة على ثراء وتنوع قاموسه الشعري.‏

غالبية مفردات هذه القصيدة تمتاز بالوضوح والسلاسة والبساطة، إضافة إلى نكهتها الشعبية الأخّاذة واقترابها من لغة الحياة اليومية: "شِفْتُكِ، انطروا، مزعّتها"، إلاّ أنها في أحيان قليلة تصبح ناتئة ووحشية ونافرة كقوله: "عِشْرق، شعلقيني، تتشعلقُ، ترغلتِ......الخ".‏

وتتجلى لنا مهارة الشاعر اللغوية بقدرتهِ على تطويع مفرداتهِ، وبطريقتهِ في الاشتقاق اللغوي، وقدرته على إقامة العلاقات اللغوية المدهشة بين المفردات، ولعل هذه السمة من السمات الفنية الهامة التي تساهم في تشكيل فرادته وخصوصيته الفنية المتميزة.‏

ولعل إبداع الشاعر عز الدين المناصرة في هذه القصيدة يتجلى أكثر مايتجلى في كيفية رسم وبناء الصورة الفنية، فهو يتمتع بطاقة تخييلية عالية ومخيلة مبدعة أنتجت لنا العديد من الصور الشعرية المشرقة والموحية واللماحة، ويمكن إيجاز أهم سماتها الفنية: فهي صور مبتكرة تمتاز بجدتها، وبتماسكها الفني، كما أنها "غالباً" صور مركبة تتكون من عدة ظواهر، ويتزاوج فيها المجرد بالمحسوس، والواقعي بالحلمي، والعاطفي بالفكري. إلا أننا نلاحظ غلبة الطابع الحسي عليها. يقول في أحد صوره الرائعة في المقطع الأول مستهدفاً تصوير الطبيعة: "وكانت تحومُ النوارسُ، تملؤني غبطةً والنجوم مسافرةٌ قرب شمس الأصيلْ".‏

الصورة تستمد حركيتها وفاعليتها من خلال الفعل "تحوم" ومن خلال كلمة "مسافرة" مما أضفى على المشهد الطبيعي نكهة جمالية خاصة قائمة على الحركة النشيطة التي أضفت الحبور والبهجة على الأشياء، وقد انعكست العلاقة المتفاعلة بين مفردات الطبيعة ذاتها: "النوارس، النجوم، وشمس الأصيل"، بشكل إيجابي على "ذات" الشاعر التي امتلأت بالسعادة و"الغبطة". وهي صورة مركبة من ثلاث ظواهر حسية: "النوارس" و"النجوم" و"شمس الأصيل"، أما "الغبطة" فهي ظاهرة مجردة.‏

وفي المقطع الأول أيضاً نقرأ صورة أخرى يغلب عليها الطابع الحسي أيضاً وتمتاز بشفافيتها، وجدتها، وتماسكها الفني، وبطاقتها الإيحائية التي تفسح المجال للتأويل والتعدد الدلالي: وهي: "هِّيءْ جوادكَ للرعي في مرج ذاكرة الغيم". الصورة هنا مركبة أيضاً وتتكون من ثلاث ظواهر حسية: "الجواد" و"المرج" و "الغيم" وظاهرة مجردة واحدة هي "الذاكرة".‏

خيال جامح، وصورة تركيبية مدهشة ذات طاقة إيحائية عالية. إنها صورة تتجاوز العادي والمألوف لتحقق انزياحها الدلالي ومن هنا يمكن القول بأنها مبتكرة وجديدة.‏

أين يكمن الانزياح الدلالي والخروج على المألوف؟!...‏

حينما يستخدم الشاعر ضمير المخاطب:"أنت" بقوله: "هَيءْ جوادك للرعي"، فإن ذهن المتلقي يتجه بشكل طبيعي إلى المعنى والدلالة المألوفة والمتداولة والمتعارف عليها، وهي أن رعي الجواد سيتم في الحقول والمروج، أي على الأرض، أما أن يقودنا خيال الشاعر إلى ماهو غير متوقع، أي الرعي في مرج ذاكرة الغيم فهنا بالضبط يتم الانزياح الدلالي الذي يبعث على الدهشة والغرابة، وهنا يكمن أيضاً سحر الفن وطاقته التخييلية المبدعة والفريدة.‏

ومما زاد في تألق هذه الصورة هو أن الشاعر لم يقل بأن رعي الجواد سيتم في مرج الغيم بل في "ذاكرة" الغيم تحديداً، أي أنه شبه الغيم بإنسان له ذاكرة فعالة ونشطة وحذف المشبه به وهو الإنسان؟!‏

وهو بذلك أيضاً أضفى نكهة المعنى، وخواص العقل والفكر على مفردات الطبيعة غير العاقلة:" كالغيم" وذلك حينما تخيل بأن للغيم ذاكرة مفكرة، وهي ذاكرة مُخصِبة، وكما أسلفنا فإن هذه الصورة تحتمل التأويل، وتوحي بأفكار عديدة ومتنوعة، فنحن مثلاً يمكن أن نقرأها على النحو التالي: الجواد يرمز للثورة والجموح، والغيم يرمز للخصب والعطاء. إذن الصورة يمكن أن توحي بحالة فكرية قائمة على تزاوج الثورة بالخصب، وبالتالي فإنها انتفاضة وثورة معطاء وتحمل في داخلها عوامل خصوبتها وديمومتها وانتصارها.‏

وبوسعنا هنا أن نذكر العديد من الصور الفنية المتألقة التي تدل على مهارة الشاعر الفنية، وقدرته التخييلية العالية كإيراده لهذا التشبيه الحسي الرائع في المقطع الشعري الأول: "النوارسُ تزعق مثل رضيع سيعلن رغبته في حليب الصباح"، وتشبيهه الحسي الرائع أيضاً في المقطع الثاني: "تمر بقامتها السرمدية حيث ضفائرها كانسكاب الشعاع على الماء"، تصوروا هذه الطاقة الحركية المذهلة والمدهشة التي يكشف عنها الفعل: "انسكب" وتصوروا هذه الضفائر وكأنها شلال من الضوء والشعاع ينسكب فوق الماء!!...‏

ونقرأ أيضاً هذه الصورة الحسية المركبة والمبتكرة في المقطع الأول: "أحاول أن أرسم البحر لكنه كنساء الينابيع يبدو صديقاً ويهرب من بين كفيَّ مثل حقول القطار".‏

كما نقرأ هذه الصورة في المقطع الأول التي تدل على مخيلة، وذهن مرّكبَ قادر على التركيب، والتوليف، والمزج بين عدة عناصر وإشاعة روح الانسجام الشعري فيما بينها: "سنخترّع البحر ثم نرشُ عليه البهارَ ونجلب من جبل الشام أقمار غوطتها، ومن القدس صخرتها، ومن ضلوعك بيروت روشتك القرمزية ثم نشوي على الفحم فوق التلال المطلة -قلبكَ يابحرَ- أحجارك المرمرية، ننشرها فوق حبل الغسيلْ".‏

إن هذه القصيدة " يتوهج كنعان" تكشف عن موهبة شعرية خلاقة، وطاقة فنية مبدعة، وتؤكد على أنها من القصائد النادرة فعلاً، التي عبرت عن هذا الحدث الثوري الكبير بشكل فني خلاق.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244