شعر الانتفاضة في البعدين الفكري والفني - فائز العراقي

دراسة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:17 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

* كاظم السماوّي- العراق

الشاعر العراقي كاظم السماوّي هو أحد الشعراء العرب الذين تفاعلوا مع هذا الحدث التاريخي الهام وكتبوا عنه.‏

وشاعرنا السماوي من الشعراء العراقيين المعروفين، وله خبرة متراكمة في كتابة الشعر تمتد إلى أكثر من ثلاثين عاماً، بين أيدينا نص شعري بعنوان: (حجر... حجر)(6). كتبه الشاعر في 15/1/1988 عن الانتفاضة.‏

تتميز هذه القصيدة بكون بعض مقاطعها وجملها الشعرية تتضمن شحنات تحريضية وتوعوية قادرة على صدم المتلقي وتوجيه وعيه صوب مكامن الخلل في واقعنا العربي، حيث لا نعاني فقط من شراسة العدو الصهيوني والإمبريالي، بل من خيانة بعض العرب، أنظمة وأحزاباً وأفراداً، حتى ليمكن القول إن الخطر الثاني هو أشد تأثيراً وإيلاماً، لاسيما وأن الكثير من هؤلاء يزايدون برفع الشعارات الوطنية والقومية ويتسترون بها، وهم من ذلك براء، شاعرنا السماوي يحرض الجمهور على توجيه الفعل الثوري ضد هؤلاء، وضد العدو الصهيوني بآن واحد:‏

" حجرٌ لهم‏

حجرٌ لنا‏

حجرٌ يشجُ رؤوسهَم.‏

حجرٌ يشجُ رؤوسَنا‏

أحرى بنا أن ترجمونا‏

تدفنوا تحت الحجارةِ عارَنا".‏

والشاعر يفتح نار غضبه باتجاه كافة أشكال الخيانة، الظاهرة والمستترة، وكافة أشكال الاستغلال والاستبداد، داعياً إلى تحطيمها بروح انفعالية غاضبة، وبعاطفة ثورية متأججة: "حجرٌ لمن ألقى السلاح ومن غدر/ ولمن تعرى وائتزر/ ولمن تبدّى واستترْ/ ولمن تعفن واتجر/ حجر لعصرٍ من حجر/ حجرٌ لمن لَصَ الدماءَ وما اعتصر/..... حجر لأحكام وحكام حجر/ حجر لمؤتمر.... وما ائتمروا حجر.... حجر "لأنظمة الحجر"/ حجر "لجامعة الحجر" /ذممٌ حجر/ شرفٌ حجر/".‏

وبالرغم من الروح الثورية التي تتخلل أغلب مقاطع هذه القصيدة، إلاّ أن الشاعر تسوقه عواطفه وانفعالاته إلى إصدار أحكام إطلاقية نشم من خلالها رائحة العدمية "أحياناً": "حجرٌ لأحزاب حجر/.... فكر حجر/".‏

ولو قال الشاعر هنا: حجر لأحزاب من حجر، بدلاً من قوله: حجر لأحزابٍ حجر، لاستقام الكلام وأدى وظيفته الفكرية.‏

الملاحظة الهامة التي يمكن أن تؤخذ على هذه القصيدة من الناحية الفنية، هي كثرة استخدام الشاعر لمفردة "الحجر" فيها -حيث استخدمها أكثر من ثمانين مرّة- حتى أننا لو أحصينا عدد كلمات هذه القصيدة لوجدنا أن مفردة "الحجر" تكاد تساوي نصف عدد هذه الكلمات!! ونحن لا نخطئ هنا إذا أطلقنا على هذه القصيدة اسم: "القصيدة الحجرية".‏

بدهي نحن لا نعترض على استخدام وتكرار هذه الكلمة - الرمز حيث تحولت هذه الأداة الصراعية إلى رمز أسطوري للكفاح الذي يخوضه الشعب الفلسطيني المناضل ضد أعدائه المغتصبين الصهاينة، ولكن تكرار هذه الكلمة ينبغي أن يأتي ضمن السياق الشعري بشكل طبيعي وانسيابي، لا بشكل متكلف ومثقل لجسد القصيدة كما جاء في قصيدة السماوي، كما أن هذا التكرار يُفضل أن يأتي - عموماً- ضمن استخدامات شعرية متنوعة تعطي نكهة فنية متميزة للجمل الشعرية بما تستطيع توليده من صور شعرية مبتكرة تعطي لهذه المفردة "الحجر" مسوغاً فنياً لاستخدامها وتكرارها، حيث كل استخدام لها ينقلنا إلى معنى مبتكر وصورة شعرية ذات قيمة جمالية أخاذّة. إلاّ أن ماجرى هو عكس ماذهبنا إليه تماماً، فتكرار كلمة "الحجر" جاء مُمِلاً وثقيلاً، ولم يستطع الشاعر التنويع عليها وإكسابها دلالات فنية ومعنوية متميزة.‏

تُرى ماذا يعني تكرار الشاعر لها هنا؟!: "حجرٌ على حجرِ.... حجرْ"، هل ثمة معنى مبتكر، صورة شعرية جميلة؟! اللّهم! إلاّ إذا جاء ورودها هنا من باب "اللازمة الشعرية"، وهي على كل حال لازمة ضعيفة من الناحية الفنية والفكرية معاً.‏

وكما يبدو لي، فإن شاعرنا كاظم السّماوي الذي سبق له وأن أتحفنا ببعض الأعمال الفنية الشعرية الجيدة، كان متعجلاً كثيراً في كتابتهِ لهذه القصيدة، وأن الحدث لم يكن ناضجاً في فرن روحهِ الشاعرة لذا جاءت ولادة القصيدة ولادة قيصرية، وجاء الوليد "القصيدة" مصاباً بعاهات عديدة أضخمها طُراً هذه العاهة:"الحجرية" التي التهمت جسد القصيدة بيباسها ونتوءاتها الحادة.‏

إن كل ذلك يدعونا للتحفظ على هذه الأعمال الضعيفة فنياً، مؤكدين على أن الانحياز للثورة والانتفاضة الفلسطينية الباسلة لا يعني إضعاف الروح الفني، وإفساد الذائقة الفنية، وعدم الاكتراث بالقيمة الجمالية في النص الشعري وذلك بحجة التمسك بالموقف الثوري، وعن طريق الزعيق والصراخ المتهافت فنياً، إن أعظم خدمة نقدمها للثورة هي أن نكتب أعمالاً فنية زاخرة بقيم جمالية وفكرية تكون بموازاة الحدث الثوري وترتقي إلى مصافه، وتكون بمثابة المعادل الموضوعي الفني له، وكما يقول الروائي الكولومبي الشهير ماركيز: "واجب الكاتب الجيد أن يكتب جيداً، ذلك هو التزامه".‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244