شعر الانتفاضة في البعدين الفكري والفني - فائز العراقي

دراسة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:17 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

* ممدوح عدوان/ سورية/

وكما وقع الشاعر كاظم السماوّي في المطب "الحجري" فإن الشاعر ممدوح عدوان وقع في المطب ذاته، فحفلت قصيدته المعنونة "الحجر"(7) بهذهِ المفردة، إلاّ أن استخدامه لها كان بكثافة أقل، وبمهارة فنية أعلى "نسبياً" من محاولة السماوي، حيث تخللت قصيدة ممدوح عدوان العديد من الومضات الشعرية المتألقة، والصور الشعرية الأخّاذة، والمعاني العميقة المبتكرة: "حجر الفلاسفة الذي/ سيحول العتم المرسب في مفاصلنا / إلى ضوء".‏

لاحظوا كلمة "المرسب" كم شحنت القصيدة أو هذه الجملة الشعرية بطاقة إيحائية، وبمعنى مبتكر عميق الغور في دلالاته واستهدافاتهِ، فحالة العتمة لدينا ليست حالة مؤقتة وعابرة، بل مستديمة ومكينة، إنها جزء من بنية الذات العربية، والروح العربية، والواقع العربي الراهن.‏

- وحينما نتحدث عن "العتمة" أو التخلف الذي أصاب الذات العربية فنحن نقصد عصور الانحطاط وكذلك واقعنا المعاصر، بعد أن كانت أمتنا مصدر إشعاع أثر على الحضارة البشرية برمتها-.‏

هنا- مثلاً تتحقق المعادلة الشعرية الصعبة: العمق في الرؤية والتفكير، مع الأصالة والابتكار والإدهاش في الفن من خلال رسم وتشكيل الصورة الشعرية المتألقة، هذا بالإضافة إلى صور جميلة أخرى كقوله:‏

"يُرمي حجرٌ‏

وتجيئه الطلقاتُ تنبحُ‏

يستحيلُ إلى قمرٍ‏

ويعود مُنهمراً بأحجارٍ‏

تعلم رميها من هجمة الطير الأبابيلِ‏

التي من صوتها ترهبْ"‏

التركيز في الكثافة الشعرية الإيحائية جاءت في هذه الجملة الشعرية بالذات "وتجيئه الطلقات تنبحُ" حيث أعطى الشاعر فعل النباح للطلقة، والذي أسبغ على الطلقة وهي "جماد صفة من صفات الكائن الحي "الحيوان" هنا تتجلى أيضاً القدرة التحويلية في الشعر من خلال تشبيهات صورية مبتكرة والربط بين المجرد والمحسوس، كما حاول الشاعر في هذا المقطع بالذات استخدام وتوظيف الرمز التاريخي القديم الذي ورد في القرآن الكريم "طير أبابيل": "تعلم رميها من هجمة الطير الأبابيل"، وقد أكسب هذا الاستخدام الواقع معاني ودلالات جديدة تخدم عصرنا الراهن وتطوراته الثورية.‏

ومن الصور الجميلة والمبتكرة أيضاً:‏

"مطرٌ تيبس في شتاءٍ قاحلٍ‏

للغيم جلد صار ينغرُ كالإبر‏

ورق تحجر في الشجر‏

والريحُ تخجل حيث تأتي دونما مطر".‏

وبالرغم من هذه التألقات الفنية المتناثرة هنا وهناك في جسد القصيدة وبنائها، إلا أنها عموماً تراوحت بين الهبوط والعلو "النسبي" ولم تأخذ منحىً فنياً تطورياً متصاعداً، ولم تكن كل أجزائها بمستوى واحد، أو بمعنى أدق بمستوى متقارب من الناحية الفنية، فسقطت "أحياناً" في الشعار والتقريرية والمباشرة: " إن القلوب تجف رحمتها.. وتصبح من حجر/ لم يبق شيءٌ للخسارةِ... كن حجر/ لم يبق وجه لم يمرغ... كن حجر...".‏

كما أن اللجوء إلى التفسير والتعليل والشرح قد أضعف انسيابية القصيدة وأدى إلى أن يخبو بريقها ووهجها الفني، بالرغم من الجمال الفني في الجمل الشعرية السابقة: "حجر وينكسر الزجاج عن الدفيئات/ التي حضنت بيوضاً/ كي تفقس في هزائمنا/ ولاة نيئين/". وقوله: "ولد يشرشُ في الزواريب العتيقةِ/ كي يلقح بالعناد".‏

أنظروا كم ترتاح النفس وتسعد وتدهش لهذه الصور "ينكسر الزجاج عن الدفيئات.../ ولاةً نيئين"، وبشكل يدعو أكثر للغبطة قوله: "ولدٌ يشرشُ في الزواريب العتيقة"، لكن مجيء "كي" مرتين:"كي تفقس في هزائمنا، وكي يلقح بالعناد"، أضعف الطاقة الإيحائية في الشعر وذلك باللجوء إلى التفسير والتعليل والشرح، وكما يبدو لي، فإن الشاعرممدوح عدوان حينما يترك نفسه على سجيتها وانسيابيتها الشعرية فإنه يبدع ويتألق ولكنه مجرد أن يغمس ريشته بمحبرة الصنعة والتكلف يقع في فخاخ المباشرة والتقريرية حيث يصبح الشعر محاولة فكرية مقحمة من الخارج على الداخل، أي على نبض القصيدة الداخلي، وسياقها الشعري المنساب، المتطور، والمتنامي داخلياً.‏

القصيدة ككائن حي لها قانونية داخلية، ولها آلية تحكم تطورها، وتُحكم الترابط العضوي بين أجزائها، وهي تنمو من داخلها، وأية محاولة قسرية من الخارج عليها ستكون منبوذة، ولا تنسجم مع روحها الداخلي في تناسقه وتناميه وتطوره.‏

وقصيدة ممدوح عدوان تتميز من الناحية الفكرية "عموماً" كسابقاتها من قصائد الشعراء العرب الآخرين بطابعها وجوِّها التحريضي والتعبوي الداعي إلى تنظيف جسد هذه الأمة من الأوحال والقذارات العالقة به، ويلتحم في هذه القصيدة البعد الطبقي بالبعد الوطني:‏

هذا خسيسٌ كان يسرق قوتنا...... فاضرب حجر‏

هذا عدو قادم...... فاضرب حجر‏

هذا عدو حاكم ...... فاضرب حجر‏

لم يبق عندك من سلاحٍ نافعٍ: فاحمل حجر‏

لم يبقَ صمتٌ ساترٌ...... فاضرب حجر‏

إلاّ أن القصيدة وقعت في إشكال "فكري" ينبغي التوقف عنده قليلاً، والذي تجسد بقول الشاعر:"هذا زمان من حجر/ إن شئت أن تحيا عزيزاً/ كن حجر".‏

هنا جاء التركيز على الأداة "الحجر" وليس على الإنسان الذي يخلق أو يحمل الأداة، ويسخرها لأهدافه ومصالحه، أغلب الظن أن الشاعر ممدوح وقد ساقته انفعالاته الثورية التي نحترمها ونقف معها لم يفطن لهذا الانفلات الزائد في المشاعر، ولم يستطع أن يكبحه أو يوجههُ بالمعنى الأدق.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244