|
||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 02:17 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
* محمود درويش- فلسطين إزاء هذا الكم الكبير من القصائد، أو المحاولات الشعرية بشكل أدق، والتي تناولنا البعض منها بالنقد والتحليل، والبعض الآخر قرأناه في الصحف والمجلات العربية- وقد تجاوز المئات من القصائد- إزاء هذا، برزت بعض النتاجات الشعرية التي نجت من شرك التقريرية والهتاف والتعكز على "الانتفاضة"، واستطاعت -عموماً- أن تجمع بين القيمة الفكرية والقيمة الجمالية في النص الشعري، ومنها: قصيدة الشاعر العراقي سعدي يوسف: "إنه يحيى"، وقصيدة الشاعر الفلسطيني عز الدين المناصرة: "يتوهج كنعان"، وقصيدة الشاعر الفلسطيني صالح هواري:"أناديك من جمرة الذاكرة". وقصيدة الشاعر العراقي فاضل السلطاني: "الولادة الثانية"، وقصيدة الشاعر العراقي هاشم شفيق: "مزامير لبحر مريام"، وقصيدة الشاعر السوري ميخائيل عيد: "نجمة الصبح"، وقصيدة الشاعر السوري جلال قضيماتي: " جحيم الحجارة"، وقصيدة الشاعر الفلسطيني محمود علي السعيد: "مواقد الحجارة"، وقصيدة الشاعر السوري محمد خالد رمضان: "زمنٌ من دماء". والقصائد التي ذكرناها متباينة من حيث مستواها الفني والفكري إلاّ أنها -وعلى وجه العموم- من النماذج التي لم تتكئ على الصراخ والزعيق والمباشرة، واستخدمت لغة شعرية فنية موحية ومتميزة مما وفر لها عوامل النجاح الفني، بالإضافة إلى رؤيتها الفكرية المتقدمة. أما قصيدة الشاعر الفلسطيني محمود درويش: "مأساة النرجس وملهاة الفضة"(9)، فتعتبر من أهم القصائد العربية التي حاولت أن تشكل المعادل الموضوعي الفني للحدث التاريخي -الانتفاضة- والارتقاء إلى مستواه، وهي من بين القصائد المتفردة والمتميزة من الناحية الإبداعية، وقد اعتبرها بعض النقاد والكتّاب: "قصيدة الانتفاضة"، ومنهم الأستاذ عبده وازن الذي قال عنها: "قد تكون قصيدة: مأساة النرجس وملهاة الفضة، قصيدة الانتفاضة بحق، فهي تغني الانتفاضة من دون أن تسميها، وتتغنى بالحجر من دون أن تدل عليه، بل هي تتحاشى المنزلق الخطر الذي يهدد الكلام عن ثورة أهل الأرض، وتبتعد كثيراً عن النبرة الخطابية التي وسمت غالب القصائد التي استوحت الانتفاضة. فالشاعر يعبر عن الواقع العميق الذي رسخته ثورة الحجارة، لا عن الواقع العابر والزائل الذي جذب عدداً من الشعراء وأوقعهم في شرك السهولة والمنبرية والانفعال السطحي. كما أنه يتجاوز الظاهر العارض للانتفاضة متوجهاً نحو الجوهر الخفي ويتخطى ما يُسمى عادة ردة الفعل نحو فعل آخر هو المعادل الشعري واللغوي والرمزي للحدث التاريخي والواقعي العظيم...."(10). ولولا بعض الثغرات الفنية التي ظهرت فيها لشاركْنا عبده وازن رأيه، وقلنا: بأنها قصيدة الانتفاضة. بحق. ومع كل هذا سنركز على هذا النموذج الفني بالتحليل والنقد، وهذا لا يعني بأي حالٍ من الأحوال التقليل من أهمية بعض النماذج الجيدة المذكورة الأخرى. يُمكن أن نعتبر قصيدة درويش :"مأساة النرجس وملهاة الفضة"، امتداداً للقفزة النوعية التي حققها في مسيرته الشعرية في مطلع السبعينات، حينما أطل علينا بقصيدتهِ، الشهيرة: "سرحان يشرب القهوة في الكافتيريا". في ذلك الوقت انتقل درويش من كتابة القصيدة الغنائية القصيرة ذات الصوت الواحد، وذات المسحة الثورية الرومانسية إلى القصيدة الطويلة المركبة التي تزاوج بين الغنائي والملحمي. بعدها تتالت إنجازاته الشعرية، ومنها: أحمد الزعتر، ومديح الظل العالي، وأخيراً: "مأساة النرجس وملهاة الفضة". يمكن قرءاة القصيدة بمستوياتها المتعددة: الفكري- السياسي، التاريخي- الأسطوري، الرمزي، واللغوي- الجمالي. وهي تعبر في جوهرها عن تحقيق حلم الفلسطيني بالعودة إلى أرضه بعد طول عناء وتشرد في المنافي العديدة، إنها باختصار رؤيا ترتكز على فكرة العودة- النصر، وإن هذا النصر المتوقع سيجيء نتيجة للانتفاضة التي فجرها أبطال الحجارة داخل الأرض المحتلة- فلسطين، وبدهي القول هنا بأن هذا الفعل الثوري لم يكن معزولاً عما سبقه من أفعال ثورية ونضالات متراكمة، بل شكل حلقة في سلسلتِها المترابطة، وجاء تتويجاً لها. ومحمود درويش هنا يستبق الأحداث، يستشرفها، إنها الرؤيا- النبوءة، فمنطق خطابه الشعري يتحدث عن تحقق فعل العودة، لا عن إمكانية تحققه، والفعل "عادوا" هو الذي يجسد ذلك، وهو اللازمة الشعرية المتكررة في القصيدة. تبدأ القصيدة بداية فنية متواضعة: تفاصيل يومية يتحدث عنها الشاعر بلغة الماضي البعيد، لغة واقعية شفافة أقرب إلى لغة الكلام العادي، إلاّ أنها سرعان ماترتقي فنياً وتسمو إلى مصاف لغة الشعر الموحية، هذه التفاصيل تتحدث عن حياة. البيت الفلسطيني اليومية بكل بساطتها وإنسيابيتها وعذوبتها: "بصل، ثوم، ماعز....الخ، كما أنها تتحدث عن تحقيق فعل العودة: "عادوا.... من آخر النفق الطويل إلى مراياهم... وعادوا حين استعادو ملح أخوتهم، فرادى أو جماعات وعادوا من أساطير الدفاع عن القلاع إلى البسيط من الكلام لن يرفعوا من بعد، أيديهم ولا راياتهم للمعجزات إذا أرادوا عادوا ليحتفلوا بماء وجودهم، ويرتبوا هذا الهواء ويزوجوا أبناءهم لبناتهم، ويرقصوا جسداً توارى في الرخام ويعلقوا بسقوفهم بصلاً... وبامية.. وثوماً للشتاء. وليحلبوا أثداء ماعزهم... وغيماً سالَ من ريشِ الحمام عادوا على أطراف هاجسهم إلى جغرافيا السحر الإلهي. ثم يستطرد الشاعر مؤكداً على أن البلاد -فلسطين- هي هي "لم تصب بأي سوء"، بالرغم من تعاقب العديد من الغزاة عليها، وفي مراحل تاريخية متباينة، كلهم رحلوا وظلت الأرض في تجددها وعنفوانها وخصبها وعطائها:"هبت رياح الخيل، والهكسوس هبُّوا/ وخلدوا أسماءهم بالرمح أوبالمنجنيق.... وسافروا/ لم يحرموا إبريل من عاداته: يلدُ الزهور من الصخور/ ولزهرة الليمون أجراسٌ، ولم يُصب الترابُ بأي سوءٍ -أي سوء/ أيِّ سوءٍ بعدهم/ والأرضُ تُورَثُ كاللغة". في استطراداته الواقعية، والأسطورية، والتاريخية، يأخذ المنفى حيزاً كبيراً من ذاكرته الشعرية المشتتة والمتشعبة والمتفجرة. لقد كان الوصول المُتخيل إلى الهدف- العودة، إلى الأرض مُكلفاً وباهظاً: منافٍ شاسعة، دماء وشهداء، بدايات متكررة وكل نهاية ليست إلى بداية جديدة لرحلة نضالية جديدة صوب الوطن، لم يكن الطريق سالكاً، بل متعرجاً وشائكاً، ولم يتحقق فعل العودة -حسب المنطق الحُلمي للقصيدة- إلا بعد حركة صراعية هائلة، صراع مرير يتناهبه القلق، والألم، والأمل، ولوعة المنافي، فلنقرأ للشاعر هذا الفيض من الحنين المدمر الذي يجول في أرواح المنفيين: "..... وكلما مروا بنهرٍ... مزقوه وأحرقوه من الحنين/ وكلما مرّوا بسوسنةٍ بكوا وتساءلوا: هل نحن شعب أم نبيذ للقرابين الجديدة؟". وأيضاً فلنقرأ مايعبر عن الشك في الوصول، وعن تجديد البدايات، وعن ذوبان زمن البطل الفردي في زمن البطل الجماعي "الشعب" الذي سيواصل المسيرة إلى نهايتها الظافرة: "لم يذهبوا أبداً ولم يصلوا/... كلما قالوا: وصلنا.. خَرَّ أولهُم على قوس البداية: أيها البطل ابتعد عنا لنمشي فيك نحو نهاية أخرى فتباً للبداية/ أيها البطل المضرج بالبدايات الطويلة قل لنا: كم مرةً ستكون رحلتنا البداية؟!". وفي إطار هذه الحركة الصراعية لتحطيم الهوة الفاصلة بين الواقع المعيش "المنفى" والواقع الحلم: "الوطن" بين مرارة النفي والتوق لاحتضان الوطن، لا يخلو المشهد من عنصر عبثي سيزيفي، لكنه يتجلى بشكل آخر-حركة الأحصنة وفعلها-....:"في التيه متسعٌ لأحصنةٍ تشبُ من السفوح إلى الأعالي/ ومن السفوح تخرُ صوب القاع". في القصيدة يعبر درويش عن مفهومهِ للمنفى، ولكن بتلوينات شعرية فنية موحية ومتعددة، غاية في الجمال والإدهاش، وهي لا تخلو هنا من إشارة عابثة، لكن العبث ليس عبث النضال، عبث الوصول، بل عبث المنافي، كماهية ووجود طارئ، ومعنى منافٍ لمعنى الاستقرار والطمأنينة: "الوطن"، هذا المعنى:"المنفى" يقودنا إلى اللامعنى ولا يطل بنا على شيء: ".... أما المنافي، فهي أمكنة وأزمنة تغير أهلها/ وهي المساء إذا تدلى من نوافذ لا تطلُ على أحد/ وهي الوصول إلى السواحل فوق مركبة أضاعت خيلها/ وهي الطيور إذا تمادت في مديح غنائها، وهي البلد/ وقد انتهى للعرش.... واختصر الطبيعة في جسد/"، ومرة أخرى ترد الإشارة إلى عبث المنافي، لكن هذه المرة من خلال النشيد، نشيد الخلاص الجماعي الذي يستنفر الشاعر فيه كل عناصر الحياة، وقوى التغيير الثورية من أجل الوصول وتجاوز اللامعنى، ويكاد يتحول هذا النشيد الذي يتكرر في القصيدة ثلاث مرات إلى لازمة شعرية توازي اللازمة الأولى: الفعل "عادوا"، إلاّ أن تكراره يأتي بتلوينات فنية متعددة،/ ومعانٍ متجددة ومختلفة، وهنا تبرز أيضاً مقدرة الشاعر الفنية، وتمكنّهِ من أدواتهِ، ويتجلى بوضوح عامل الخبرة المتراكمة وطول الدربة، والتمكن من الصنعة الفنية: "...... يانشيدُ! خذ العناصرَ كلَها واصعد بنا دهراً فدهراً كي نرى من سيرةِ الإنسان ماسيعيدنا من رحلةِ العبث الطويل إلى المكان- مكاننا واصعد بنا قمم الحرابِ لكي نطل على المدينة أنت أدرى بالمكان، وقوة الأشياء فينا أنت أدرى بالزمان....". مفردة الحجر كرمز صراعي، وأداة قتالية استخدمها المنتفضون داخل الأرض المحتلة لا ترد في القصيدة إلاّ لماماً، فدرويش يطل علينا من داخل الحالة الثورية نفسها، ومن ثم من داخل العملية الشعرية ذاتها، أي أن الفكرة الثورية تذوب في داخل النسيج الفني العضوي للقصيدة وتتغلغل في مساماتها فتصبح أحد عناصرها الداخلية المكونة، فينأى الشاعر هنا بقصيدتهِ عن الصراخِ والخطابية الفجة التي أوقعت بحبائلها غالبية القصائد التي كرست للانتفاضة: "بالحجرِ المدمى ص 89، ونشيدهم حجر يحك الشمس ص 90....، وخذني إلى حجر ص 93". قصيدة درويش لا تنطلق من بؤرة مركزية واحدة تستقطب أفكار الشاعر ورؤاه وأخيلته وصوره، أي ليس هناك ثمة انتظام وسياق واحد مُحدَد لها، إنه السياق الشعوري الكلي لذاكرة كلية مزدحمة بالألوان والصور والأفكار والأزمان المتداخلة، المتناقضة، والمتناثرة على سطح الزمن في أبعاده الثلاثة: الماضي، والحاضر، والمستقبل، لذا فهي تتطور بشكل انفجاري، وباتجاهات عديدة، وعبر مستويات وتقنيات متنوعة. وبالرغم من هذا التشظي فإن دورة القصيدة وحركيتها الداخلية تمر عبر عناصر أساسية تتمثل في هذه الحركة: (المنفى.... الفعل الثوري... الانتصار والعودة إلى الوطن). لقد قلنا إن الانتصار لم يتحقق -نعني على مستوى الحلم- إلاّ عبر حركية صراعية، إلاّ أن التنامي الدرامي للقصيدة لم يكن متسقاً ومتناسقاً من خلال فعل درامي واضح وعبر حركة وتناقض المتضادات، وقد لاحظنا مراراً أن الشاعر يتدخل في مرات عديدة لإقحام رؤاهُ من الخارج لتجاوز مأزق القصيدة الداخلي، وقد تجسد ذلك باستخدامه لحرف العطف (الواو) من أجل تمطيط القصيدة وإيهامنا بأنها تتنامى ضمن قانونية وآلية داخلية محددة، وهذه برأيي إحدى أبرز الثغرات الفنية فيها، ومن ذلك قوله: "وأنت أدرى بالزمان......، وفي الممرات استعدوا للحصار، وتذكروا في فضة الزيتون". والحركة الصراعية التي تحدثنا عنها تتمحور حول فكرة الثقة بالوصول إلى الهدف -الذي هو العودة للوطن المستلب-، والخوف والقلق من عدم الوصول، وقد تجسد هذا الصراع في العديد من المواضع الشعرية في القصيدة: "هانحن نحن، فمن يغيرنا؟! نعود ولا نعودْ"، وقوله: مازال فيهم نرجس رخو يخاف من الجفاف/ مازال فيهم مايغيرهم إذا عادوا ولم يجدوا: الشقائق ذاتها/ وبر السفرجلة العنيدة ذاتها، والأقحوانة ذاتها، والأكيدنيا ذاتها/"، وقوله: "ويحلمون بربيع هاجسهم يجيءُ ولا يجيءُ". إلاّ أن هذا الصراع يتكلل أخيراً بالعودة والنصر، وذلك من خلال حركة الأفعال الثلاثة: "يعرفون، ويحلمون، ويرجعون"، التي تتبادل المواقع فيما بينها، وتتداخل أيضاً، إلاّ أن الضربة النهائية في القصيدة تكون الفعل: "ويرجعون" وهذا لم يأتِ اعتباطاً بل جاء مدروساً بالرغم من تداخل الأفعال المضارعة المذكورة، وتبادل المواقع فيما بينها، وهذا يؤكد على تحقيق العودة والنصر النهائي للشعب الفلسطيني وثورته: "يعرفون، ويحلمون، ويرجعون، ويحلمون،ويعرفون، ويرجعون، ويرجعون، ويحلمون، ويحلمون، ويرجعون". أما من الناحية الفنية فقصيدة درويش هي قصيدة رؤيوية مركبة متعددة الأصوات يتزاوج فيها الملحمي بالغنائي، المجرد بالمحسوس، الأسطوري بالواقعي، والجزئي بالكلي. وإن كان الطابع الشمولي والكلي هو السائد في بنيتها وذلك على حساب التفاصيل اليومية والوقائع الحياتية الجزئية. تعدد أصوات القصيدة تجسد باستخدام الشاعر لضمائر عديدة ومتنوعة فثمة: ضمير الجماعة الغائب: "هم" "كانوا معاً/ كانوا معاً يتحاربون ويغلبون، ويُغلبون"، وضمير الجماعة: "نحن" "أين نحن الآن"، وثمة صوت البطل الفردي: "الشهيد" وهو ضمير المفرد المخاطب "أنت": "الآن سدّدْ آخر الخطوات نحو الباب..... واختتمْ المسيرة"، وثمة صوت الشاعر: "يانشيد! خذ العناصرَ كلَّها". إن تعدد وتنوع الأصوات في القصيدة، بالإضافة إلى الحركة الصراعية داخلها أضفى عليها طابعاً درامياً ملحمياً مُمتزجاً بالغنائية العذبة التي عرف بها درويش في كامل تجربته الشعرية، ونحن هنا نخالف الزميلة الناقدة فاطمة المُحسن التي حاولت أن تنزع عنها الطابع الملحمي، وأن تنسبها إلى الشعر الغنائي، بقولها: "ومع أن القصيدة تتوخى في منحاها العام خلق جو ملحمي، بطولي، إلاّ أنها تفيض بعاطفة ورهافة وجدانية تنسبها إلى الشعر الغنائي، وتجعلها على مسافة من دراما الملاحم الكبيرة"(11). والشاعر محمود درويش أكد الرأي الذي ذهبنا إليه حينما تحدث عن هذه القصيدة وغيرها من قصائده الأخيرة، بقوله: "أتمسك بغنائية تطل على تخوم الغنائية الملحمية"(12). وفي قصيدته هذه حاول درويش إظهار براعته الفنية عن طريق تنويعه في استخدام الأساليب الشعرية الحديثة: فقد استخدم المونولوج: "ماذا صنعنا بالقرنفل كي نكون بعيده؟!/ ماذا صنعنا بالنوارس؟!". و"هل للروح أرداف وخاصرة وظل؟!"، و"من عاد من سفرٍ إلى حبقِ الطفولة؟!"، و"يابحر إيجه عّد بنا يابحر.....". كما استخدم أسلوب الاستذكار "الفلاش باك": "كانت الساحاتُ أوسع من سماء لا تغطيهم، وكان البحر ينساهم، وكانوا يعرفون شمالهم وجنوبهم، ويطيرون حمائم الذكرى إلى أبراجها الأولى". بالإضافة إلى استخدامه للرمز والأسطورة التاريخية بشكل ملفت للنظر وربما لأول مرة بهذه الكثافة في أشعاره. واستخدام درويش للرمز جاء بأشكال متباينة، فهناك الرمز الشفاف الواضح: "الزهور، القرنفل، الرخام، اللوز، غزالة، البخور...الخ". وهناك الرمز الواقعي التاريخي:"صلاح الدين، الهكسوس، التتار، روما، صور، جلجامش"، والرمز الديني:"آدم، المسيح، قابيل، هابيل، اسحق، واسماعيل....الخ". والسؤال المطروح هنا: هو إلى أي حد نجح درويش في توظيف الرمز والأسطورة في قصيدته هذه؟! كما يبدو لي فإن درويش أثقل جسد قصيدته "مأساة النرجس وملهاة الفضة"، بحشد هائل من الرموز الأسطورية والدينية دون أن يتحول الرمز في أحيان عديدة إلى عنصر فاعل داخل بنية القصيدة، وإلى عنصر متفاعل مع بقية العناصر الأخرى يساهم في نمو القصيدة، وتصاعدها الدرامي وفي تطوير حركتها الداخلية المتأتية من تفاعل وتمازج كافة عناصرها المكونة لها، وبالتالي فنحن نشعر أن أغلب الرموز التي استخدمها درويش في هذه القصيدة جاءت مُقحَمة من الخارج ولم تتحول إلى جزء من النسيج العضوي للقصيدة، ولهذا فإنه لم يتمكن "غالباً"، من إكساب الواقع معاني ودلالات جديدة عن طريق استخدام الرمز، أي أنه جاء بالرمز وانتزعه من سياق تاريخي- اجتماعي محدد وحشرهُ في سياق آخر دون أن يساهم ذلك في تعميق البنية الدلالية للرمز، أو أن يمنحه -للرمز- وهجاً دلالياً جديداً، وهذا واحد من أهم أسباب توظيف واستخدام الرمز. إن استخدام درويش للرمز والأسطورة بهذه الكيفية والمبالغة في ذلك يقودنا إلى القول بأننا إزاء محاولة "درويشية" لعرض العضلات الثقافية والمعرفية وهذه هي واحدة من أهم الثغرات الفنية في القصيدة، إلاّ أن ذلك لا يعني أبداً التقليل من أهمية الجوانب الجمالية والفنية الأخرى التي كشف عنها النص المذكور. وكمثال حي على ماذهبنا إليه سنورد لكم هذا المقطع من القصيدة، وهو نفسه الذي أشارت إليه بصواب الزميلة الناقدة فاطمة المُحسن والتي قالت عن هذا الإغراق في استخدام الرمز:"ولو قيض لنا أن نجمع كل رموزه الأسطورية والدينية، لما أبقينا لكتاب عن تاريخ الحضارات والمعتقدات في المنطقة شيئاً"(13). ..... "عادوا إلى ماكان فيهم من منازل واستعادوا/ قدم الحرير على البحيرات المضيئة، واستعادوا/ ماضاع من قاموسهم: زيتون، روما في مخيلة الجنوب/ توراة كنعان الدفينة تحت أنقاض الهياكل بين صور وأورشليم/ وطريق رائحة البخور إلى قريش تهب من شام الورود/ وغزالة الأبد التي زُفت إلى النيل الشمالي الصعود/ وإلى فحولة دجلة الوحشي وهو يزف سومر للخلود...". لغة القصيدة هي استمرار للغة درويش الشعرية ذاتها، حيث البساطة والوضوح والشفافية، لغة منسابة ورقيقة، فيها انسيابية الماء ورقة الهواء. إن براعة درويش الفنية وتميزه عن الغالبية العظمى من الشعراء العرب تكمن في طريقة استخدامه للغة، طريقة تعامله معها، كيفية تكوين العلاقة بين المفردات مما يكسبها ألقها، وينقلها من مصاف العادي إلى مصاف السحري والمدهش في الفن، إن هذه الطريقة في التعامل الحي مع اللغة، وبالاقتران مع مخيلة رحبة، مُحلقة، وخصبة، هو السر في إبداع درويش الشعري. وفي القصيدة التي نتحدث عنها:" مأساة النرجس وملهاة الفضة"، نقرأ العديد من التألقات الفنية الناتجة عن هذا التزاوج. حيث نلمس بوضوح قدرة فنية هائلة على المزاوجة بين المجرد والمحسوس، وقدرة كبيرة على رسم الصورة المركبة القادرة على توليد المعاني المبتكرة والجديدة، فلنقرأ له: "وليحلبوا أثداء ماعزهم... وغيماً سالَ من ريشِ الحمام/ عادوا على أطراف هاجسهم إلى جغرافيا السحر الإلهي". هنا تزاوج مدهش بين المجرد والمحسوس، "فالأثداء" و"الغيم" و"الريش" هي مفردات حسية، وبراعة الشاعر تكمن في تكوين العلاقة بين هذه المفردات، وبخاصة العلاقة الحركية بين "الغيم" و"ريش الحمام"، والفعل سال هو الذي ربط بين ظاهرتين حسيتين: "الغيم" و"ريش الحمام"، كما أنه هو الذي أعطى للصورة حركيتها، أما عنصر الإدهاش والابتكار فقد أتى من هذا الاستخدام المجازي لسيلان الغيم، هذه المباغتة الجميلة للتوقع، تجاوز العادي والمألوف، هي السر السحري في الشعر، فالوعي يتجه بشكل تقليدي إلى صورة سيلان الغيم أو سيلان ماء الغيم من السماء، أما أن يسيل الغيم من ريش الحمام فهذا هو ماليس متوقعاً، وهذا هو من فِعل المُخيلة المُحلِقَة والخالقة لكل ماهو مبتكر ومدهش. أما المجرد هنا فهي كلمة "هاجسهم"، إلاّ أن مُخيلة الشاعر خلقت لنا من هذا المجرد محسوساً تابعاً له وهو "الأطراف" فبدلاً من أن يقول الشاعر: "عادوا على أطراف أصابعهم مثلاً"، وهو كلام عادي، قال: "عادوا على أطراف هاجسهم"، ليُنتجَ لنا صورة مركبة جمعت في جملتين شعريتين ثلاث ظواهر حسية، وظاهرة مجردة. القصيدة تزخر بالعديد من هذه الصور المركبة التي يتزاوج فيها المجرد بالمحسوس، والتي تدل على علو الكعب الفني لهذا الشاعر المبدع والكبير، وسنشير إشارة سريعة فقط إلى بعض هذه التألقات الفنية المدهشة: "ويغافل الصوفي امرأةً ليغزل صوف عتمتها بلحيته، ويعلو جسداً من البلّلور / هل للروح أرداف وخاصرة وظلُّ"، وقوله: "خذني إلى قمر/ لأعرفَ ماتبقى من شرودي"، وقوله: "هل كان في الزيتون مايكفي من المعنى... لنملأ راحتيه/ سكينةً، وجروحه حبقاً، وندلق روحنا ألقاً عليه؟/". وقوله: "حلبوا السراب ليشربوا لبن النبوءة من مخيلة الجنوب"، وقوله: "سوف نعلم الأعداء تربية الحمام إذا استطعنا أن نعلمهم. وسوف ننام بعد الظهر تحت عريشة العنب الظليلة، حولنا قطط تنام على رذاذ الضوء/ أحصنة تنام على انحناء شرودها". إن ذكرنا لهذه التألقات الفنية ليس من أجل تبضيع القصيدة، فالقصيدة كما هو معروف يتم تناولها ككل شامل، وبنية متكاملة، وهذا ماحاولناه أثناء تعرضنا لمستوييها: الفكري والفني، إلاّ أننا الآن نحاول المرور على أهم تألقاتها المتميزة ضمن إطار البنية الفنية العامة للقصيدة. وبعض صور درويش تستمد قدرتها على الإدهاش من المفارقة والتناقض كقوله: "ويصطادون من شهدائهم نجماً يسيرهم إلى وحش الطفولة". المفارقة في هذه الصورة المركبة تأتي من الجمع بين النقيضين، وهما: الوحش والطفولة. فالطفولة كما هومعروف رمز للبراءة والوداعة، أما أن نَصِفُها بالوحشية والخشونة، فهنا تكمن المفارقة، وهنا تتم أيضاً المزاوجة بين الضدين في صورة واحدة، ومن هنا أيضاً تستمد الصورة قدرتها على الإدهاش وصدم مخيلة المتلقي. من جهة أخرى، سقطت القصيدة في بعض مواضعها وأمكنتها بعادية الكلام، والرتابة المُمِلة، كقوله: "ولأنهم لا يعرفون من الحياة سوى الحياة كما تقدمها الحياة"، إلاّ أن الضعف الفني تجسد في المقطع التالي بشكل صارخ:"يا أيها البطل الذي فينا... تمّهل!/ عِش ليلةً أخرى لنبلغ آخر العمر المكلل/ ببداية لم تكتمل/ عِش ليلةً أخرى لنكمل رحلة الحلم المضرج/ ياتاج شوكتنا، وياشفق الأساطير المتوج/ ببداية لا تنتهي/ يا أيها البطل الذي فينا.... تمهل/ عِش ساعة أخرى لنبدأ رقصة النصر المُنزَّل/ لم ننتصر بعد، انتظر.... يا أيها البطل انتظر/... فعلامَ ترحل/.. قبل الوصول بساعة؟! يا أيها البطل.". باطمئنان نقول إن هذا الكلام ليس فيه من روح الشعر شيء، إنه كلام عادي مُمل جرى صَفّهُ على هيئة الشعر، وتوهم شاعرنا درويش أنه بالتزامه القافية، أو بالنبرة الإيقاعية المتجسدة فيه، قادر على التعويض عن الشاعرية المفقودة هنا. نحن هنا إزاء فكرة معدة مسبقاً، فكرت تقحم من الخارج على سياق القصيدة وتطورها الداخلي، فكرة تكبح انسيابيتها وتدفقها وعفويتها، وكذلك إزاء قافية تحد من توهج المخيلة ولا تقودنا إلاّ إلى رتابة الكلام وهندسيته الفجة. ومن ثغرات القصيدة أيضاً انفلات اللا وعي في بعض جملها الشعرية إلى درجة تصل إلى حد الهذيان اللا شعري، كقوله:"النصر موت كالهزيمة، والجريمة قد تقود إلى الفضيلة"!! صحيح أن الشعر فيه مسحة من الجنون، لكنه كما يقول أدونيس:"إذا كان الشعر جنون العالم، فهو أيضاً بصيرته"، تُرى أية جريمة قادرة على أن تقودنا إلى الفضيلة!!؟ سؤال للشاعر الكبير محمود درويش. صحيح أننا لا نستطيع أن نحاكم الشاعر بمنطق عقلي صارم، لأن الشعر عملية إبداعية مركبة ومعقدة تتداخل فيها عدة عناصر، أهمها: الوعي، واللاوعي، الواقع، الموسيقى، الصورة، العاطفة، الخيال، واللغة....الخ. إلا أن هناك خيطاً فاصلاً ودقيقاً وحاداً أيضاً يفصل في النهاية بين مانسميه شعراً، وبين الهذيان المطلق!! يقيناً أن شاعرنا درويش لو دقق في قصيدته هذه جيداً لنقحها، وأبعد منها بعض شطحات اللاوعي التي لم تكن ضرورية للقصيدة، ولأبعد الحشو والاستطالات الزائدة التي أرهقت جسد النص. ومع كل ماتقدم، وبالرغم من بعض الثغرات الفنية والفكرية التي احتوتها هذه القصيدة، تبقى في المعيار الكلي والشمولي واحدة من أهم القصائد التي كتبها محمود درويش وهي من أهم القصائد العربية التي حاولت أن تعبر عن هذا الحدث النضالي الكبير "الانتفاضة"، وأن تشكل المعادل الموضوعي الفني له. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |