شعر الانتفاضة في البعدين الفكري والفني - فائز العراقي

دراسة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:17 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

*محمود علي السعيد/ فلسطين

بنكهتهِ الفنية المتميزة، ونقدهِ اللاذع الساخر والمميز، يطل علينا الشاعر العربي الفلسطيني محمود علي السعيد بقصيدتِه: ((مواقد الحجارة)) التي كرسّها لتمجيد الانتفاضة وتمجيد مُفَجّريها، والتي نأى بها عموماً-ولا أقول في كل مقاطعها- عن التقريرية والمباشرة، فلنقرأ له مطلع هذه القصيدة الذي تَمّيز بتألقه الفني وَحديتهِ الجارحة:‏

((صفقّي يا جراحَ اليدينْ‏

حجرٌ تبدى‏

مثل قرص الشمس في ألقِ الضحى‏

طفلٌ تشظّى‏

قطعاً من راجماتِ العرشِ‏

في صحن الوطن‏

طائر شقّ صدرَ الحصارِ‏

انتشت مِن شقوقِ الأرضِ زنبقةٌ‏

وَحطّت فوق غصنِ الشجن)).‏

استخدم الشاعر هنا: "الحجر" كرمز للثورة والإشعاع، وشَبَّه ظهوره وتبدّيه كبزوغ قرص الشمس، وهو تشبيهٌ حسيٌ بارع، ومنذ عنوان قصيدتهِ: ((مواقد الحجارة)) نلمسُ ذات الدلالة: أي الحجارة هي رديفة للنار التي هي رمز الإضاءة والثورة، بل هي حاضنة لها: "الموقد". وفي جملتهِ الشعرية: ((صفقّي يا جراح اليدين" استعار الجراح بدلاًمن أصابع اليدين وَشَبّه الجراح بـ"الأصابع" بعد أن حذف المُشَبه به: "الأصابع"، وأعطى فعل التصفيق"للجراح"، وهي صورة حسية تختزن داخلها حالة إيحائية وفكرية مدهشة تربط الألم"الجراح" بالفرح الذي يعبر عنه"فعل التصفيق".‏

- وهذا المعنى المبتكر يدل على حالة التجاوز التي يمتاز بها الإنسان الثوري الذي يغني للفرح والثورة على أنقاض ألمهِ وجراحهِ!!.‏

أما البطل هنا، فهو الطفل- الفادي، الطفل- الشهيد الذي((يتشظى قطعاً)) من أجل تحرير الوطن وإنقاذهِ. لنلاحظ هنا في هذه الجملة الشعرية:((طفل تشظى/ قطعاً من راجماتِ العرشِ/ في صحن الوطن)) الطاقة التحولية التي يختزنها النص، فالطفل المتشظي تتحول شظاياه إلى"راجمات" تدك وترجم"عرش" الصهاينة، وتعمل على تفكيك وتصديع بنيانهم القائم على الظلم والاحتلال ومحاولة إجلاء الآخر"العربي الفلسطيني" واستباحته. إلاّ أن هذه"القطع المتشظية" والمتحولة إلى"راجمات" لا تتشتت في مهاوي العدم، ولا تصبح هباءً منثوراً في فضاء الفوضى، بل إن صحن"الوطن" هو الذي يحتويها ويحتضنها ويحافظ عليها من التبدد والتشتت.‏

الوطن"فلسطين" هنا هو الملاذ والملجأ الآمن الذي يحافظ ليس على ديمومة الأحياء، بل وحتى على ديمومة ذرات جسد الشهيد المبارك، وهي ذرات انبعثت من تراب الوطن وعادت إليه لتبثَ الحياة في نسغه وخلاياه. ثم ينوّع الشاعر في دلالة الرمز، حيث يتحول الطفل- الفادي إلى "طائر" يشق"صدر الحصار" من أجل حرية الوطن، ونلمس هنا ذات الدلالة المعنوية التي قرأناها في مطلع القصدة في هذه الجملة الشعرية: "طائرٌ شقّ صدر الحصار/ انتشت من شقوق الأرض زنبقة/ وحطت فوق غصن الشجن" أي مرافقة الفرح للحزن، والشاعر هنا يستخدم هذه الثنائية: الفرح والحزن، لتعميق وتطوير البنية الدرامية في قصيدتهِ.‏

ثم تتعدد الدلالة، ويستخدم الشاعر رموزاً عديدة ترمز إلى النضال والكفاح من أجل فلسطين ومن أجل الحرية، ففي هذا المقطع الشعري يستخدم بدلاً من"الطفل" و"الطائر" الرموز التالية: "الجثة"، "الساعد"، "الصوت"، و"الشهيد":‏

((جثةٌ تشعلُ القميصَ احتجاجاً‏

ساعدٌ شبَّ على طوق الحديد‏

من حشرجاتِ السابلة‏

مِن مِكسر الجسد المعطّل في تضاريس الجبل‏

مِن رقصة الموتِ المسجّى‏

في تقاطيع الوجوه‏

من بسملاتِ القافلة‏

صوتٌ تحدّى‏

طلقةَ الجلادِ في حربِ الإقامة‏

ماجت المنعطفات بالجرحى‏

وأغلقت النوافذ‏

سقط السّهيدُ على الشهيدِ‏

إنه عرس القيامة)).‏

ونلاحظ في هذا المقطع أيضاً أن الشاعر ربط النضال من أجل الحرية بالبعد الاجتماعي والطبقي. فالمناضلون هم الناس البسطاء، الكادحون والمنتجون. هؤلاء هم الذين يدفعون ضريبة الحرية وهم الذين يشيدون الوطن على كواهلهم: "السابلة" و"العامل": "مِن مِكسر الجسد المعطّل...."، وهم الذين نقرأ في تقاطيع وجوههم علامات الذبول والاصفرار والموت، إلاّ أن ما يُدهش هنا هو أن الشاعر أعطى للموت حركية هائلة، إنها الحركة على أنقاض الهمود، الفعل على أنقاض التلاشي والتحلل،: "من رقصة الموت المسجّى/ في تقاطيع الوجوه/".‏

صحيح إن الموت كامن في تقاطيع هذه الوجوه الكادحة والمناضلة، إلا أن هؤلاء البشر قادرون على التجاوز والعطاء رغم مرارات الموت وعذابات الحياة فهم يرقصون على أشلاء موتهم من أجل الحرية ومن أجل انبعاث الحياة، وهم يتحدون"طلقة الجلاد" ويقيمون: "عرس القيامة". ثم يستطرد الشاعر محمود علي السعيد مُشيداً بشعبه العربي الفلسطيني المكافح، داعياً إلى تحرير المسجد الأقصى من رجس الصهاينة، مؤكداً على التآخي والتآزر الإسلامي- المسيحي ضد العدو الصهيوني الغاصب:‏

(( شعبٌ سرى‏

ياليلةَ التحريرِ جئتُ أدقّ أروقة المساجدِ‏

ليطلَّ مِن قضبانها الأقصى‏

أدقُ ناقوسَ الكنائسِ‏

كي أصافحَ في الأناجيلِ القداسةَ‏

وجه الفدائي المسيحِ)).‏

ثم ينتقد الشاعر بلغتهِ الحادة، وسخريته المعروفة الأنظمة العربية التي تعاني غالبيتها مِن التشتت والضياع وانعدام الفعل، مؤكداً على أنها لا تجيد سوى تدبيج الكلام في إعلامها المزيف، والركض وراء إشباع الرغبات والنزوات الذاتية، والتفاخر بالنياشين والأوسمة: ((ومِن الجدار إلى الجدار/ يروق طقسُ الأنظمة/ كأس معتقةٌ/ صبيّةٌ فيها من السحر الحلال/ وضجيج أعلام تُرى/ بالعين-لا بالمجهر العصريِّ- عورتُه/ وعلى جناحِ الصدرِ- معتداً برخص الموقف الرسميِّ تبرق أوسمة)).‏

بعد هذا المقطع الشعري يتجسد لنا البعد السياسي- الفكري للقصيدة في أسطع تجلياته، حيث ينتقد الشاعر محمود علي السعيد التيارات السياسية التي تبرقعت بالمبادئ والشعارات ولم تكن جادة في طروحاتها وبرامجها الفكرية والسياسية ، مُعرّياً دعاة اليسار واليمين والوسط، ومؤكداً على أن حصيلة أفعال هؤلاء: الثرثرة وخداع المواطن العربي والركض وراء المصالح، كاشفاً أن جوهر ما قام به هؤلاء هو تحويل القضية: "قضية تحرير فلسطين" إلى عملية تجارية بحتة.‏

ونلاحظ أن الشاعر هنا يستند على المناضل المجرّب: "ضمير الغائب: هو" الذي خَبَر زيف هذه التيارات السياسية والفكرية التي لم تطبق ما دعت إليه من مُثل ومبادئ، ولم يشاهد في النهاية سوى: "صيارفة الكلام" و"تجّار الورق"!!.‏

بدهي هنا أن الشاعر السعيد يقصد من وراء هجومه الحاد ونقده اللاذع، المنافقين الذين ادعوا النضال زيفاً وبهتاناً، وهو لا يقصد جوهر المبادئ العامة أو المناضلين الحقيقيين الذين تشبثوا بمبادئهم، بل قدموا أرواحهم فداءً من أجل انتصار القضية الفلسطينية، باعتبارها جوهر النضال القومي العربي التحرري. فلنقرأ له هذا المقطع الذي يدل على ما ذهبنا إليه:‏

((جرّب من المدن اليسارَ‏

أخصّها: مدنَ العربْ‏

ومن العواصم من يبيع ويشتري‏

ويعدّ أرقاماً فقط‏

تلق على صدرِ الشواطئِ‏

قاطرات النفط تعبق من معاطفها الجديدةْ‏

جرّب من المدنِ اليمينَ‏

ومن الرجالات العقيدةْ‏

جرّب أباريقَ الوسطْ‏

تلق صيارفة الكلامِ‏

وتلق تجار الورقْ‏

ومن الدماءِ بقيةً فوق القميص))‏

إلاّ أن هذا المناضل المحنك والخبير لم تطحنه قيود النفاق والدجل السياسي، بل تعلمّ من الحياة ومن خبرته المتراكمة، ومن خلال بؤسه وفقره فجّر ثورته منطلقاً صوب ضياء الحرية، ناشداً الخلاص لشعبه وأمته: "فجّر صناديق القمامة وانطلق/ صوب الألق/". ثم يلجأ الشاعر في المقطع الأخير من القصيدة إلى وصف الانتفاضة بـ"الوردة الجورية" التي"تشب على صدر الحقول" مطالباً الفدائي بأن يشد أزرها وينظف وجهها من الظلام: "أشدُدْ بها أزر الشذى/ نظّف من الوجه الظلام/ ومِن التضاريس الشفق/" وإذا كنا نتفق مع محاولة المناضل في تنظيف الوجه من"الظلام"، وهذا ما يكشفه المنطق الفكري لخطابه الشعري: "نظّف من الوجه الظلام"، إلا أننا نُباغت في هذه الجملة الشعرية المعطوفة على ما قبلها وهي: "ومن التضاريس الشفقْ"، فالشفق هو رمز الانبلاج والنور وبداية الإشعاع، وإذا كان طبيعياً أن ننظف الوجه من الظلام فلماذا ننظف"التضاريس: مِن الشفق؟. أقول إن هذه الفكرة خاطئة، وربما جاءت مُستعجَلة من قِبل الشاعر وفرضَتْها حالة اللاوعي، وهي فكرة لا تنسجم مع سياق القصيدة العام، ولا مع كامل خطابها ومستواها الفكري. وربما كان الشاعر يهدف إلى فكرة أخرى، إلا أننا لم نستطع قراءتها إلاّ بهذه الكيفية، ونرى بأنها تدلُ على ما ذهبنا إليه.‏

بعد ذلك يستند الشاعر على الرمز التاريخي العظيم: "صلاح الدين الأيوبي" داعياً إلى انبعاث أمثولته من جديد لكي يحررنا من الوهن والتقاعس الذي أصاب"فرساننا"، ومؤكداً على أن العدو لا يفقه سوى لغة العنف والرصاص التي ينبغي تعميمها: "قم يا صلاح ولا فتى إلاّك عَممِّ/ نهجَ البلاغةِ في الرصاص/".‏

ثم تكشف لنا"رؤيا" الشاعر في خاتمة القصيدة بأن الجماهير عرفت طريق الخلاص، وهو طريق العنف الثوري الذي سيفضي إلى النصر على الصهاينة الغاصبين، ومؤكداً على أن عين"القلب" هي وحدها التي تبصر بحدسها الروحي والجواني حتمية انتصار"شمس الأبجدية"، أما"العيون المستعارة" فإنها قاصرة عن ذلك: ((النصر شمس الأبجدية/ نعم لعين القلب تبصرها/ ولا....... لا/ للعيون المستعارة)).‏

أما على المستوى الفني فهي قصيدة رؤيوية متعددة الأصوات: فنقرأ صوت الطفل- المقاتل: "طفل تشظى/ قطعاً من راجمات العرش"، وصوت الشاعر المناضل: ((ياليلية التحرير جئتُ أدقّ أروقة المساجدِ))، وصوت الشعب: "شعبٌ سرى". وصوت المناضل المجرَّب والمحنك الذي يشير إليه الضمير المغرد الغائب"هو": ((جَرَّبَ من المدنِ اليسارَ/ أخصها: مدنَ العرب/)).‏

واستخدم الشاعر محمود علي السعيد في قصيدته هذه العديد من الأساليب الفنية: المونولوج: "ماذا أقول: الانتفاضة وردة جورية/ شبّت على صدر الحقول"، والاستذكار: ((جرّب أباريق الوسط/ تلقَ صيارفةَ الكلامِ/ وتلق تجار الورق/)). والنداء: "آه يا وطني الحبيب"، والوصف: "حجرٌ تبدّى/ مثل قرص الشمس في ألق الضحى"، والسرد: "جثةٌ تشعل القميص احتجاجا/ ساعدٌ شبّ على طوق الحديدْ/ مِن حشرجات السابلة"، والتلوين"بيِّض بريشتكَ الحضارهْ/ في كل منعطف وحاره"، واستخدم الرمز التاريخي"صلاح الدين الأيوبي" : "قُم يا صلاح ولا فتى إلاّكَ عمِّم/ نهج البلاغةِ في الرصاصِ".‏

قصيدة محمود علي السعيد: "مواقد الحجارة" متماسكة البناء من الناحية الفنية والفكرية، وهناك رابطة منطقية ووحدة موضوعية تربط بين أجزاء القصيدة من بدايتها وحتى نهايتها، فالسابق سبب لِلاحق، واللاحق نتيجة منطقية لما سبقه، مثال على ذلك، قوله: ((طائر شقّ صدر الحصارِ/ انتشت مِن شقوق الأرض زنبقة/ وحطت فوق غصن الشَجنْ/)) إن فعل الانتشاء هنا وهو"اللاحق" جاء نتيجة منطقية لأن الطائر وهو"السابق" "شق صدر الحصار"، تتجسد هنا الرابطة المنطقية والوحدة الموضوعية بأبهى تجلياتها، فليس هناك ثمةِ كلام مجاني، ولا ترهلات في جسد القصيدة، إنما عمل مُحكَم ومتماسك البناء وهذا دليل على تمكن الشاعر من صنعتهِ وسيطرتهِ على أدواتهِ الفنية.‏

وقد تمكّن الشاعر في هاتين الجملتين الشعريتين: "انتشت مِن شقوق الأرض زنبقة/ وحطّت فوق غصن الشجن"مِن بناء صورة مركبة تزاوج فيها الحسي بالمجرد"فالأرض" و"الزنبقة" و"الغصن" ثلاث ظواهر حسية، أما"الشجن" فظاهرة مجردة، وكما تبين لنا فإن الطابع الحسي هو الغالب في بناء هذه الصورة المركبة.‏

كما نقرأ في هذه القصيدة العديد من الصور المركبة الأخرى التي تدل على فرادة الشاعر في بناء صور فنية مدهشة تتسم بالجدة والابتكار، وتتخللها العديد من الانزياحات الدلالية، بالإضافة إلى المفارقات المدهشة التي تقربنا من عالم الشعر السحري حيث المباغتة والخروج على المألوف: وكمثال على الانزياح الدلالي قوله في هذه الصورة: "جثة تشعل القميص احتجاجاً"، فالشاعر هنا أعطى فعل"الحياة" و"الاحتجاج" للجثة التي أشعلت القميص احتجاجاً، وهو عكس الطبيعي والمتوقع والمألوف، لأن هذه الأفعال: "الإشعال"، و"الاحتجاج" لا يقوم بها إلاّ الكائن الحي-والعاقل تحديداً- فكيف استطاعت"الجثة" أن تقوم بها؟.‏

لقد منح الشاعر بمخيلتهِ الرحبة طاقة حركية للصورة، ومنح"الجثة" قدرة على الحياة والحركة والفعل على سبيل الانزياح الدلالي، ولعل هذه الصورة، وهذا الانزياح تحديداً، يختزن في داخله طاقة فكرية خلاّقة، وشحنة تحريضية هائلة، فالشاعر حينما أعطى فعل الاحتجاج والتمرد"للجثة"، فكأنه أراد أن يقول لنا نحن الأحياء: لقد كان قمع الصهاينة وعسفهم وظلمهم مؤلماً وقاسياً إلى درجة أن"الجثة" تحركت وتمردت واحتجت، فما بالنا نحن الأحياء لا نحرك ساكناً!!؟. والشاعر لو لم يرد هذا المعنى لقال مثلاً: طفلٌ يُشعل القميص احتجاجاً- إلا أنه أعطى هذا الفعل"الاحتجاج" للجثة لكي يخز الأرواح الهامدة والنفوس المتقاعسة.‏

وهناك مثال آخر على الانزياح الدلالي، وهو قوله: ((جفّف من القلب الجراحَ/ بما تيسرّ من عصير الحمضِ))، فالمعنى الطبيعي والمألوف هو أن الضماد والأدوية الطبية هي التي تجفف جراح القلب، وليس"عصير الحمض" الذي يُشعل الألم في هذه الجراح!!، وكأن الشاعر أراد أن يقول، ومن خلال هذا الانزياح الدلالي، إن الألم هو وقود الثورة، وينبغي أن تظل جراحنا مشتعلة ومستَفَزة دائماً لكي نستمر في مقاومة العدو الصهيوني الغاصب، وقد بنى الشاعر بعض صوره مُستفيداً من أسلوب المفارقة والجمع بين المتناقضات مما يمنح الشعر إمكانية الإدهاش وتجاوز المألوف والمتوقع، كقوله: "والناس خلف جنازة الأفراح". وبالرغم من هذه التألقات الفنية الواضحة، إلاّ أن الشاعر لم يحالفه الحظ من الناحية الفنية في المقطع الشعري الأخير للقصيدة، حيث وقعَ في نفس المطب الذي وقع فيه غيره من الشعراء العرب، لنقرأ له هذا المقطع الأخير من القصيدة:‏

((النصرُ يومئُ للجماهير التي امتشقت‏

زجاجاتِ الحريقِ‏

وأشعلت حطب المسالك‏

في فلسطين القضية‏

النصرُ شمسُ الأبجدية‏

نعم لعين القلب تبصرها‏

ولا...... لا‏

للعيونِ المستعارة))‏

واضحٌ في هذا الكلام التقريرية والمباشرة والخطابية مما أدى إلى خبو الوهج الفني في هذا المقطع بالذات، ومن الملاحظ هنا غلبة الفكري على العاطفي، والسياسي على الفني، كقوله: "فلسطين القضية" وهي عبارة أقرب إلى السياسة منها إلى الفن، ثم هذه الشعاراتية الطاغية والنافرة: ((نعم، ولا..... لا...)) وكأننا أمام حملة انتخابية لتحقيق أهداف سياسية مباشرة!!.‏

إن الجوانب السلبية، والثغرات الفنية التي برزت في المقطع الأخير من قصيدته لا يُقلل من أهمية هذه القصيدة على المستوى الفني، وهي قصيدة ناحجة"عموماً" من الناحيتين الفنية والفكرية كما بَيّنا سابقاً، ومما لا شكَ فيه أن شاعرنا السعيد هو صوت فني متميز، ويتجسد لنا تَميزه بطريقة تعاملهِ مع اللغة، وفي تراكيبه اللغوية المدهشة تحديداً، وفي بناء صورهِ الفنية المدهشة والمبتكرة، وفي طريقة رؤيتهِ وتعاملهِ مع الحياة والأشياء.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244