شعر الانتفاضة في البعدين الفكري والفني - فائز العراقي

دراسة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:17 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

فاضل السلطاني/ العراق

الشاعر العربي العراقي فاضل السلطاني يكتب قصيدة عن الانتفاضة الفلسطينية الباسلة بعنوان: "الولادة الثانية".‏

منذ عنوان القصيدة يبشرنا الشاعر بحالة الانبعاث من الموت، وانتصار الانتفاضة. يمكن القول بأن هذه القصيدة تتكئ في بنائها وفي تطورها منذ البدء وحتى الخاتمة على حالة التناص التي تجسدت بينها وبين النص القرآني الكريم. وهي تستند بشكل أساسي في تطور بنيتها على قصة سيدنا موسى في القرآن الكريم ورحلته من مصر إلى فلسطين، وينجح الشاعر بالاتكاء على هذه القصة بإكساب الواقع المعاصر دلالات جديدة.‏

فالشاعر يفتتح قصيدته بالنص القرآني: ((واسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعاً ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك"قرآن كريم")).‏

ثم يرمز إلى الانتفاضة بضمير المخاطب"أنتِ" مؤكداً في خطابهِ الشعري على أن الانتفاضة تنبعث مجدداً من رمادها بواسطة كفاح أبنائها المنتفضين الذين ينبعثون من موتهم ويقيمون مملكتهم على الأرض، ونلاحظ هنا الحالة الجماعية التي يجسدها نهوض الشعب الفلسطيني المنتفض، حيث يركز الشاعر على طابعها الشمولي العميق الذي يشمل"كل البيوت"، لنقرأ له هذا المقطع الشعري الذي يدل على ما ذهبنا إليه:‏

((بعد عشرين موتْ‏

ينهض الآنَ موتاكِ‏

من كلِّ بيتْ‏

يبدأونَ الحياةْ‏

لهم الملكُ في الأرضِ‏

حتى تقومَ القيامةُ‏

من ضفة النيلِ حتّى الفراتْ‏

فاعدّي العددْ‏

أنت لستِ أرمْ‏

ولا أنت ذات العمادْ‏

كي يهيلَ الإلهُ عليكِ الترابَ‏

ولستِ السفينةْ‏

تهربينَ من الماءِ، أنتِ المياه)).‏

حسب تأويلنا يمكن القول بأن الشاعر استخدم العدد: "عشرين" هنا على سبيل المجاز وليس الحقيقة، ومن خلالهِ أراد أن يؤكد على دلالة معنوية وهي تكرار وتعدد حالات الموت والألم التي أصابت الشعب الفلسطيني خلال نضاله التاريخي المتراكم والطويل. والشاعر هنا لم يتطرق إلى حالة نهوض الشعب الفلسطيني المنتفض، بل طالب المنتفضين بأن يعدوا العدة لمواصلة الكفاح والصمود حتى تحقيق النصر النهائي على المغتصبين الصهاينة مستنداً إلى حقائق التاريخ والجغرافية واللغة والاقتصاد والأرث والتقاليد المشتركة التي تؤكد على الوجود القومي لهذا الشعب على أرض فلسطين منذ فجر التاريخ الإنساني. فالوجود الفلسطيني الذي يمثله الجد الأول، الرمز؛"كنعان" لم يكن طارئاً، ولا يمكن أن يكون في المستقبل كذلك، إنه وجود ومعطى تاريخي ثابت راسخ في جذور الأرض، وقد أكد الشاعر السلطاني على هذه الحقيقة بقوله: ((أنت لستِ أرمْ/ ولا أنت ذات العماد)).‏

أي أنه استخدم الرمز التاريخي"أرم، ذات العماد" مُسقطاً إياه على واقعنا المعاصر: "واقع الانتفاضة الفلسطينية" للتأكيد على الوجود الثابت للشعب الفلسطيني من خلال نفيهِ أن يكون مصير فلسطين: "كأرض وشعب وتاريخ وبعد قومي أصيل" شبيهاً بالمصير التاريخي الذي آلت إليه الدول أو المدن البائدة والمنقرضة المعروفة في التاريخ وهي هنا: "أرم، وذات العمادْ".‏

وقد استند الشاعر على تشبيه حسي رائع لكي يؤكد على ذات الدلالة المعنوية، عن طريق حالة المقابلة بين ما تمثله"السفينة" كوجود طارئ ومتحول، وما يمثله "الماء" كوجود ثابت باعتباره رمزاً للحياة: ((ولستِ السفينةْ/ تهربينَ مِن الماء/ أنتِ المياه)).‏

ثم تتطور البنية الفكرية للقصيدة وتأخذ بالنمو التصاعد حينما يطالب الشاعر المنتفضين بضرورة سلوك الطريق النضالي المستقيم والواضح متجنبين كل ما يسيء إلى الانتفاضة باعتبارها رمزاً مضيئاً وساطعاً، ومؤكداً بأن المكر والخداع والجشع هي من صفات الصهاينة التي ينبغي عدم التلوث بها. ثم يطالب المنتفضين بالمزيد من الكفاح: "واضربي ..... فعصاك الحياهْ" مستفيداً من النص القرآني الكريم الذي تطرق إلى"وظائف" الحجارة.‏

الشاعر هنا يستعير المفهوم القرآني عن الحجارة ووظائفها، ومن بينها وظيفة"الهبوط" أي ضرب الغاصبين الصهاينة بالحجارة وهو ما يؤكده السياق ومنطق الخطاب الشعري في القصيدة، لنقرأ له هذا المقطع الذي يدل على ما ذهبنا إليه:‏

((علمّي الأرض علمَ السماواتِ‏

لا تلبسي الحقّ بالبُطلِ‏

لا تستعيني بمكرهمُ‏

واضربي .......‏

فعصاك الحياه‏

(وان من الحجارةِ لما يتفجرّ‏

منه الأنهرُ، وإن منها لما‏

يشقق منه الماء، وإن منها‏

لما يهبط .... قرآن كريم)‏

....)) .‏

ثم بعد ذلك، تتكئ القصيدة في تتطور بنيتها الفنية والفكرية على قصة النبي موسى الواردة في القرآن الكريم ورحلته من مصر إلى فلسطين:‏

((ها أنا أركبُ البحرَ وحدي وربي‏

وحيدين نبحرُ‏

من مصر نحو الفراتْ‏

وهم فوقنا مبحرونْ‏

طيرّونا وناموا‏

(إلاّ أن طيرهم عند الله.... قرآن كريم)‏

يصعدُ الآن طيرك .......‏

يصعد....‏

نصعد نحوك‏

نصعد .....))‏

وينجح الشاعر بالاتكاء على هذه القصة لإكساب الواقع المعاصر دلالات مشابهة لما جرى لسيدنا موسى حيث"يبحر وحيداً وربّه". وكذلك أبطال الانتفاضة فهم يخوضون الحرب مع الصهاينة أمام مرأى ومسمع غالبية الأنظمة العربية التي لا تحرك ساكناً!!.‏

إن تطور القصيدة وتنامي سياقها الفكري والشعوري يشير ويومئ إلى حالة الوحدة والعزلة التي يعانيها المقاتل الفلسطيني المنتفض، وقد تحقق ذلك ليس بشكل مباشر بل عن طريق الإسقاط الدلالي لقصة النبي موسى على واقعنا العربي الراهن ومن خلال عملية التناص التي لجأ إليها الشاعر:‏

((ها أنا أدخلُ الحربَ وحدي وربيّ‏

وحيدين مثل السماءْ‏

نركبُ البحرَ..... والليلُ يغشى النهارْ‏

والسماواتُ ترقبُ...... موجاً فموجاً‏

من البحر للبحر نبحرُ نحو البلاد البعيدةِ‏

لا أمم معنا.‏

فلكنا الماء والطيرُ ساريةٌ‏

يتناسلُ أجدادنا فوقنا‏

يتناسلُ أحفادنا فوقنا‏

نحمل الخبز فوق الرؤوس)).‏

ثم تقودنا"رؤيا" الشاعر في خاتمة القصيدة إلى حالة النصر النهائي التي يحققها أبطال الانتفاضة على أعدائنا الصهاينة.‏

ويلجأ الشاعر فاضل السلطاني إلى الرمز الشفاف الواضح لتعميق البنية الدلالية للنص، وصولاً إلى ذروة التنامي الدرامي حيث النصر النهائي، فالريح ترمز إلى الثورة: "خفقة الريح تنفخُ في الماءِ" و"الطير" يرمز إلى المقاتل العربي الفلسطيني، و"الصعود" يدل على تحقق النصر، وفي خاتمة هذه القصيدة تتوحد الأنا من خلال الفعل المضارع: "يصعد" بالكل من خلال الفعل المضارع: "نصعد" في عملية مستقبلية التحامية شاملة، لنقرأ خاتمة القصيدة:‏

((خفقةُ الريح تنفخُ في الماء‏

كي لا يشقّ. السماءُ بناءٌ له‏

ولهُ الربّ عرشُ‏

ولهُ الأرضُ فرشُ‏

فانظري!‏

يصعدُ الآنَ طيركِ‏

يصعدُ .........‏

نصعدُ الآن نحوكِ......‏

نصعدُ.......‏

مِن ضفّةِ النيل حتى الفرات)).‏

امتازت قصيدة فاضل السلطاني: "الولادة الثانية" بتماسكها الفني والرؤيوي، وبوحدتها الموضوعية، فلا ترهلٌ ولا كلام مجاّني، مما يدل على أن الشاعر متمكن من صنعتهِ ومن أدواته الفنية. وقد ابتعد الشاعر عن التقريرية والمباشرة والشعار في عملية بنائه الشعري. ولجأ إلى استخدام الرمز التاريخي، والرمز الواضح والشفاف، وإلى التناص، والاستعارة، والصورة ...... وغيرها من الأدوات الفنية التي منحت نصه قيمة جمالية وفنية أخاذّة ومدهشة.‏

أما لغته الشعرية فقد تميزت بجزالتها ومتانتها إضافة إلى وضوحها وانسيابيتها، ومحاكاتها للغة القرآن الكريم: ("المُلك، القيامة، علم السماوات، الحق، البُطل، قوم موسى، أهل الكتاب، الضلال، الهدى، البينات الصدوق، الكتب المنزلات، الفلك....") مما منح لغتَهُ طاقة إيحائية عالية.‏

وقد دلَّ ذلك أيضاً على حرص الشاعر في تأصيل نصه، وفي ربط التراث بالمعاصرة ربطاً جدلياً، خلاّقاً ومبدعاً.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244