|
||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 02:17 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
جلال قضيماتي/ سورية الشاعر العربي السوري جلال قضيماتي يكتب قصيدته عن الانتفاضة وهي بعنوان: "جحيم الحجارة". تبدأ القصيدة بداية فكرة وفنية جميلة حيث يُشبه الشاعر بطل الحجارة بالنسر الذي يتزود بالحجر الجهنمي"السقري" لمواجهة أعدائه الصهاينة. البطل هنا يتماهى مع الطائر باعتباره رمزاً للحرية والانطلاق وتحديداً: "النسر" الذي هو رمز القوة والشموخ. زوادة هذا النسر"المقاتل" الحجر الجهنمي، والعنفوان، والأحلام الثورية: "المشرئبة نحو الضياء". بهذه الزوادة يقتحم قلاع عدوه، ويجابهُ نارَهُ غير آبهٍ بالمخاطر والصعاب، وذلك من أجل الوصول إلى تحقيق أحلامهِ المتمثلة بتحرير تراب أرضه من دنس الصهاينة، ومعانقة شمس الحرية. فلنقرأ له مطلع هذه القصيدة التي تدل على ما ذهبنا إليه: ((تَزَوَّدَ بالحجرِ السَّقَريِّ وأفردَ جناحيهِ للعاصفاتِ وحَطَّ كنسرٍ على مَفْرِقِ القحط والسنبلةْ هتوناً تنفَّسهُ الصخرُ فانساب عبرَ اندحاره وارتدَّ .......... يقتحمُ النارَ بالعنفوانِ بإصرار أحلامِهِ المشرئّبةِ نحو الضياءِ تُضمِّدُ آلامَهُ الجلجلهْ)) ثم يؤكد الشاعر بأن بطل الحجارة يختزن في داخل ذاتهِ طاقة نضالية كبيرة مُشبِهاً إياها بالعيون التي يتطاير منها"اللهب القدسي" حارقاً أعداء الحياة، وكل الذين يغتالون الحلم الإنساني الشفيف، والنور الذي يجسده"الصباح": ((كأن انفجار المسافات من ساعديه/ عيون تقاتلُ باللهب القدسي/ رموز اغتيال الصباح/)). ثم يستفيد الشاعر هنا من النص القرآني الكريم: ((وأرسل عليهم طيراً أبابيل، ترميهم بحجارةٍ من سجِّيل))، عن طريق حالة التناص التي تمت بين نصهِ والنص القرآني، مؤكداً من خلال"نبوءة" العيون التي تقاتل باللهب القدسي بأن الطريق إلى الخلاص والحرية هو نفس الطريق الذي رسمته"الأبابيلُ" في القرآن الكريم، والشاعر يريد أن يؤكد هنا على أن الإيمان هو طريق الخلاص والنصر: ((وتنبئ أن الطريق إلى الفتح/ قد رسمتهُ الأبابيلُ)). ثم يؤكد على أن من يريد حياة حرة وكريمة عليه أن يبدأ"الآن حرب الحجر" ويرى الشاعر أن ثورة الحجارة تبدأ من آلام المقاتلين، لنقرأ له هذا المقطع الدال: ((ليبدأ من ها هنا من جحيم الحجارةِ من ساعدٍ كسَّرتْهُ (الهراوةُ) فامتد في التُّراب نبضاً وأقسمت الشمسُ بالواقعهْ: إذا الدمُ أورقَ غصناً رطيباً وفاءتْ بأندائِهِ القنبلهْ وأعلنت الأرضُ أن التراب تحوّلَ في لحظة مقصلهْ)) نستطيع أن نتلمس الطاقة التحولية في هذا المقطع الشعري في أكثر من جملة شعرية، كقوله: ((من ساعدٍ كسَّرتْهُ(الهراوةُ)/ فامتد في الترب نبضاً)). الساعد هنا رمز القوة والمقاومة، إنه ساعد المقاتل، أما (الهراوة) فهي رمز القمع والعنف. والعلاقة الحسية بين الطرفين تدل على تمكن"الهراوة" من كسر"الساعد". إلا أن الهراوة وما ترمز إليه من قمع وبطش لم تستطع رغم ضراوتها أن تلغي مقاومة الساعد نهائياً، أو أن تعدمه كلياً، فقد تحول هذا"الساعد" إلى نبض حي يمتد ويتغلغل عميقاً في التراب باعتباره رمزاً للخصب والحياة. كما نتلمس أيضاً هذه الطاقة التحولية بقوله: ((إذا الدمُ أورق غصناً رطيباً)). الدم هنا رمز الثورة، وإن المناضل الذي يسفحه من أجل الحرية يؤمن بأن هذا الدم المسفوح لن يذهب عبثاً، بل إنه سيتحول إلى وقود دائم للثورة والعطاء، "الدم" هنا باعتباره طاقة متجددة، وباعتباره مثالاُ ملهماً يمنح الديمومة والاستمرار في عروق النضال والمقاومة، أما في النص، فيتحول هذا"الدم" إلى "غصن رطيب مورق"، وفي هذه الجملة يضفي الشاعر على الثورة والنضال صفة التجدد والاستمرار من خلال جدلية الشهادة والانبعاث. ثم يفتح لنا الشاعر في ختام قصيدته كوةً للأمل والخلاص مُبشراً إياناً بالنصر المؤكد بعد طول المعاناة وبعد النضال الشاق والمرير. ونلاحظ هنا أن الشاعر ينتقل بذكاء وعمق من الخاص إلى العام، أي من ضمير المفرد الغائب"هو" الذي افتتح به قصيدته: ((تَزَوَّدَ بالحجرِ السَّقَريِّ))، إلى ضمير الجماعة"نحن" الذي برز في خاتمة القصيدة، . لقد أراد الشاعر أن يؤكد لنا- وهو مُصيب في رأيه هذا- أن فاعلية الجماعة ودورهم تتجاوز فاعلية الفرد مهما بلغ من قوة ومن قدرة على العطاء، لذا فإن الذي حقق فعل الخلاص والنصر وإنهاء"المهزلة" عن طريق ثورة الحجارة هم الجماعة، لنقرأ له هذه الخاتمة الدالة: ((إذن فلتقل للطغاةِ البغاث وقد جاوزت حربُها المرحلهْ أتيناكم بعد عَسْفٍ وقمْعٍ لتنهي حجارتُنا المهزلَهْ)) تمتاز هذه القصيدة: "جحيم الحجارة" للشاعر جلال قضيماتي بوضوحها، وبساطتها الفنية -من حيث البناء والتركيب- بإيقاعها الضخم والمُجلجِل الذي يتحول إلى عنصر فاعل ومؤثر في البنية العامة للقصيدة، عنصر يعمق التوتر الدرامي والفكري في القصيدة منذ بدايتها وحتى نهايتها. إضافة إلى أن هذا الإيقاع بَثَّ في ثنايا النص شحنة تحريضية وحماسية واضحة ساهمت في تعميق بنيتهِ الدلالية. كما تميزت بالعديد من التألقات الفنية على مستوى التخييل والرؤية وبناء الصورة، كقوله: ((كأن انفجار المسافات من ساعديه/ عيون تقاتلٌ باللهب القدسي/)): تشبيه حسي رائع، حيث شبهَ"انفجار المسافة" بـ"العيون المقاتلة"إلاّ أن ما يمنح لهذه الصورة عنصر الدهشة والفرادة هي هذه المباغتة الجميلة الخارجة عن المألوف، هي اختزانها لهذهِ"الطاقة الفكرية الخلاّقة": حيث انفجار المسافة من"الساعد"، هنا انزياح دلالي مدهش، حيث ربط الشاعر"المسافة" وهي رمز الحلم والوصول للهدف وكذلك التحمل والصبر في القوة الداخلية للإنسان، وليس في القوى الخارجية الموضوعية، كالطبيعة، والزمن، والشروط الموضوعية عموماً، وكأنه أراد أن يقول لنا بأن ساعد المناضل، ساعد الطفل المنتفض، هو مصدر وينبوع الثورة، هو الأمل في الخلاص، وفي الوصول إلى الحلم الإنساني وتحقيق الأهداف الإنسانية النبيلة، أي أن هذا الساعد هو الذي يختزن الطاقة المُحررَة للإنسان، وهو الذي يحتضن القوى الموضوعية ويسخرها من أجل غاياتهِ العادلة. كما نقرأ له هذه الصورة الحسية والمركبة التي جمعت ظاهرتين حسيتين: "التراب" و"المقصلة": "أن التراب تحوَّلَ في لحظة مقصلهْ))، والتي اختزنت طاقة فكرية ودلالية فريدة حيث يتحول التراب وهو رمز الخصب إلى معنى نقيض تماماً، إلى الموت الذي تجسدُهُ: "المقصلة"، لقد تحول التراب في داخل الخطاب الشعري إلى مقصلة تُزهق أرواح الصهاينة المعتدين. أما لغة الشاعر، فهي على وجه العموم، لغة فنية موحية، ولعل ما يُميز الشاعر جلال قضيماتي في عموم تجربتهِ الشعرية الطويلة، وفي قصيدته هذه أيضاً، هو وَلَعه بانتقاء المفردات التي تدل على فرادته وتميزه: "السقري، هتوناً، المُيمِّم، البغاث ...... الخ"، وكذلك محاولته لتطويع اللغة واستخدامها استخداماً فنياً موحياً، ونلاحظ في هذه القصيدة استفادته من لغة القرآن الكريم ومحاولة محاكاتها: "الزلزلة، آياتها المُنزلة، الواقعهْ، جحيم، القدر". إلاّ أن الثغرة الفنية في هذه القصيدة هو لجوء الشاعر"أحياناً" إلى الشرح والتفسير، وكذلك التقريرية مما يؤدي إلى خبو الألق الشعري، وإضعاف الطاقة الإيحائية في النص، كقوله: ((وإن شاءَ/ فليبدأ الآن حرب الحجر))، وقوله في خاتمة القصيدة: ((إذنْ فلْتقلْ للطغاة البغاث/ وقد جاوزت حربُها المرحلهْ: أتيناكم بعد عَسْفٍ وقمعٍ/ لتنهي حجارتُنا المهزلَهْ/)). واضح هنا أن قولَهُ: "بعد عَسْفٍ وقمْعٍ" قد نقل بنية الخطاب الشعري التي ينبغي أن تستند في تجليها على الإيحاء والإيماء والترميز إلى بنية أخرى هي أقرب إلى لغة الخطاب السياسي- الفكري العام المتسم بالتقريرية والمباشرة: "العسف، القمع، المهزلهْ". إن تخلص الشاعر من هذه النقطة-السلبية- تحديداً سيمنحه قدرة في الارتقاء والتطور الفني لا سيما وإنه يملك كافة الأدوات الفنية، بالإضافة إلى حساسيتهِ البالغة الرهافة، وعمق تجربتهِ الحياتية، التي تؤهله لكي يمنحنا شعراً مُبدعاً ومدهشاً. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |