|
||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 02:17 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
هاشم شفيق/ العراق الشاعر العربي العراقي، هاشم شفيق، كتب قصيدته الرؤيوية عن الانتفاضة الفلسطينية بعنوان: "مزامير لبحر مريام" في نيقوسيا - آذار- عام1988. القصيدة مكتوبة بعناية ودقة بالغة، ويمكن القول بأن عامل الصنعة والتخطيط يلعب دوراً رئيسياً في بناء القصيدة منذ ولادتها وتناميها وتطورها حتى بلوغ خاتمتها النهائية، وهذا العامل يوازي من حيث الأهمية عملية الانسياب والتدفق الشعوري فيها، فالعاملان: "الصنعة والانسياب"، يتكاملان ويتظافران في عملية جدلية متلاحمة لتحقيق جوهر العملية الشعرية باعتبارها فعلاً إبداعياً خالقاً مستوفياً لكافة العوامل والعناصر التي تساهم في البناء الشعري: التخييل، الصورة، اللغة، العاطفة، الموسيقى، الفكر، الرمز، الأسطورة، الرؤيا، والرؤية. تتألف بنية القصيدة من ستة مقاطع شعرية، وكل مقطع شعري يتضمن "مزموراً" له وظيفة وأبعاد دلالية وفكرية ورؤيوية. القصيدة ترتكز في بنيتها الشاملة على موضوع "البحر" باعتبارها المحور الرئيسي الرابط بين كافة مقاطعها ومزاميرها، أي أنه المادة الرئيسية المتغلغلة في كافة مسامات وخلايا النسيج العضوي الفني للقصيدة، وتتجسد هذه الفاعلية -المرتكز على المستويات الفكرية والفنية والرؤيوية. ويؤكد ذلك أيضاً عنوان القصيدة:"مزامير لبحر مريام"، و"مريام" هي بلاد فلسطين كما ترد في الأسطورة الكنعانية، والمقصود هنا البحر في فلسطين تحديداً. ومما يؤكد على ماذهبنا إليه، أي أن "البحر" هو مرتكز القصيدة ومحورها الرئيسي، أي لحمها وسداتها، والذي استثمره الشاعر كرمز كلي، وشامل للتعبير عن الانتفاضة، وعن القضية الفلسطينية بأبعادها الشاملة التاريخية والواقعية المعاصرة، والحلمية أيضاً، هو أن الشاعر افتتح مقاطعه الستة بكلمة "البحر" أو بما يدل عليهِ، ففي المقطع الأول، نقرأ "يلد البحرُ أبناءه"، وفي المقطع الثاني نقرأ:"إنه البحر"، وفي الثالث نقرأ مايدل عليه: "السفائن في الريح تبرقُ"، وفي الرابع نقرأ: "بحرنا هادئٌ"، وفي الخامس نقرأ مايدل عليه: "السفينةُ تكتظُ بالآلهاتِ"، وفي السادس نقرأ: "ينشق البحر". هنا بالذات يتجسد بوضوح عامل الصنعة والتخطيط المدروس بذكاء، وسعة أفق، ولا يمكن القول -حسب وجهة نظرنا- بإن هذا البناء جاء اعتباطياً أو صدفة. إلاّ أن إبداع الشاعر، وذهنه الحيوي الشمولي والديناميكي يتجلى في التنويع الدلالي لمفردة "البحر"، مما أبعد هذه المفردة "البحر" عن الاستخدام الروتيني الجامد، ففي المقطع الأول يرد "البحر" باعتباره رمزاً للحياة:"يلد البحرُ أبناءه في صدف ملكيٍّ على ساحل المتوسط، وفي المقطع الثاني يرد بمعنى: "الحاضنة والملجأ والمستقبل"، وكذلك رمز الكينونة الأولى: "إنه البحر، يستقبل الآن في ولهٍ سفن المجد، أبناء هذي المياه على الرمل يندلقون"، وفي المقطع الثالث يرد بمعنى: "الثورة"، "السفائن في الريح تبرق، محمولة فوق ريش الطيور، ثياب المحارب تعلو على الموج ساريةً من هديل ومناقير"، وفي المقطع الرابع نقرأ: "البحر-الحلم": "القباطنة الساحرون لهم قسمات المرايا". وفي المقطع الخامس نقرأ:"البحر-الأسطورة، والبحر- الخصب": "السفينةُ تكتظُ بالآلهات، عناة تزوج نافورة من حشائشها للصحارى"، وفي المقطع السادس والأخير نقرأ: "البحر-الضوء- البحر- الممالك": "ينشق البحر...../ في التوِّ تنبثق ممالكٌ من ضوءٍ". والتخطيط المدروس يتجسد أيضاً في كامل البنية الفكرية للنص، ويتجلى ذلك بشكل دقيق في حركية القصيدة، في تركيبها وبنائها الجزئي والعام، فكل مقطع من المقاطع الستة له استقلالية "نسبية" إلاّ أن هناك وحدة موضوعية- فكرية وفنية تنتظم فيها هذه المقاطع كلها، بتعبير آخر هناك خيط دقيق وفولاذي مرسوم بعناية فائقة-يربط بين كل هذه المقاطع ربطاً محكماً ومتيناً مما يضفي على البنيتين: الفكرية والفنية للقصيدة سمة التماسك، أما الخيط الفكري الناظم والموحد لها فهو يستند إلى التاريخ-الفكر، وينبثق من خلال العملية الجدلية بين هذين العنصريين الحيويين، فلنقرأ المخطط الفكري للقصيدة وحركيتها الداخلية:-حسب اجتهادنا ورأينا-: البحر الفلسطيني يلد أبناءه.... ثم التشرد: "النهار السجين"، ثم الوطن: "البحر -الحاضنة"، يستقبل أبناءه العائدين... ثم عودة المحاربين المنفيين وانتصارهم: "راية كنعان".... ثم تأسيس الوطن-الحلم، ..... و"الوطن- الأسطورة والخصب"، .... ثم الزمن المستقبلي الذهبي. زمن الحلم والضوء، وزمن انتصار الإنسان. فلنقرأ له المقطع الأول الذي يركز فيه الشاعر على "دلالة" البحر باعتباره رمزاً لولادة الحياة وولادة الكائنات الحية، وهذا المفهود يدعمه ماورد في القرآن الكريم: "وجَعَلْنا من الماء كل شيء حي"، كما يدعمه العلم الذي يؤكد بأن الكائنات الأولى ذات الخلية الواحدة وُلدت في الماء قبل حوالي "400" مليون سنة، وهو المعنى العام، والشاعر أراد التخصيص هنا حينما أكد على ولادة الفلسطيني: "على ساحل المتوسط": "يلد البحرُ أبناءه في صدفٍ ملكيٍّ على ساحل المتوسط، ماءُ العمادةِ يغسل أطرافهم، والرياح الحبيسة في الصخر تمشي إليهم ككاهنةٍ، لتبارك خطوهمو، تلك شمس حريرية في الشجيرات، والبحر في حالة الطلق يدفع أبناءه باتجاه الصخيراتِ، منتشرين كرفِّ يمامٍ على ضفة تنحني للهتاف الذي سوف يكشف سحنة هذا النهار السجين. هذا المقطع، بل القصيدة في مقاطعها الستة، قابلة للتأويل والتعدد الدلالي، وهذا دليل على أنها غنية بالمعاني والصور والأخيلة، وإذا ماعدنا للمقطع الأول فإن الشاعر حينما عبر عن حالة ولادة الفلسطيني من البحر أشار إلى أن الولادة أعقبتها حالة التشرد والحزن، ومايدل على هذا المعنى قوله في خاتمة المقطع: "يكشف سحنة هذا النهار السجين" فالنهار هو رمز للضوء والحياة والفرح والحيوية والفاعلية، والخطاب الشعري أكد بأن النهار "مسجون" وإن سحنته تدل عليه، وهذه دلالة على حالة الحزن والتشرد وتَبَدُدْ الفرح التي أصابت الإنسان الفلسطيني، هذا هو تأويلنا لها، ربما يأتي ناقد آخر ويكون له عكس هذا الموقف أو الرؤية أو التأويل أو القراءة والأمر في نهاية المطاف خاضع للاجتهاد. أما المزمور الذي تضمنه هذا المقطع فقد بَشّر بحالة الخصب: "الغيم"، التي ستعم هذه الأرض: "داغون، مريام، حلبا". ومن خلال "رؤيا" الشاعر هنا يتم التأكيد على أن مستقبل هذه المنطقة هي النور والضوء والحرية التي ستنتصر على أنقاض حالات الظلام والقمع والمحل التي عرفتها، فلنقرأ له هذه المزمور الدالّ: "سينبتُ في الأرض غيمٌ ويغسل داغونْ وأبعادَ مريامَ أو حَلَبا سيزهرُ نهرٌ على كتفِ الطفلِ كي يرضعَ الضوءَ والعِنبا هذه الأرضُ إن أنبتت عتمةً في السنين الخوالي ستورقُ مستقبلاً ذَهَبا". لقد وظف الشاعر هاشم شفيق مزاميره ببراعة واضحة، وأصبحت جزءاً جوهرياً من النسيج العضوي الفني للقصيدة، بل إن القصيدة تتكئ- إلى حد كبير- في بنيتها الدرامية عليها، وإن خيطها الدرامي يتنامى ويتطور ويتصاعد بواسطة هذه المزامير، حين يمكن القول بإن حذف أي "مزمور" سيؤدي إلى خلل واضح في كامل البنية الفكرية والفنية للقصيدة، وإن أي "مزمور" تربطه علاقة حسية متينة بمقطعهِ، وذلك لتعميق بنيتهِ الدلالية والرؤيوية ولاكتمال صورتهِ الفنية، والعلاقة الحسية التي ربطت "المزمور" المذكور أعلاه بالمقطع الأول هي حالة الخصب والضوء التي جاءت على أنقاض حالة التشرد والعتمة التي أشارت إليها دلالة الرمز المستخدم "النهار السجين". وفي المقطع الثاني يؤكد الشاعر على الزمن الحاضر: "الآن"، إنه زمن عودة الفلسطينيين المشردين إلى وطنهم الأم مريام، أي "بلاد فلسطين" كما ترد في "الأسطورة الكنعانية"، حيث يستقبلهم بشغف البحر-الوطن، والبحر- الحاضنة، يستقبل سفنهم المكللة بالمجد، وقد وفق الشاعر باستخدام صورة حسية تنبئ بالتمهيد لحالة الغليان الثوري:؛ "الوجوه ملثمة بالرعود"، وهذه الحالة يدل عليها بوضوح الرمز المستخدم هنا: "الرعود"، ثم تفوح ثنايا القصيدة بالنكهة الشعبية العربية الفلسطينية، وبتقاليد هذا الشعب المتوارثة- حيث يهال الرز على رؤوس الأبناء القادمين المكللين بالظفر، وتقابل هذه الصورة صورة أخرى، نقيضة تماماً تؤكد على هزيمة المحتل العسكري وتشظيه من خلال التأكيد على نسف قبعة المارشال الصهيوني، فلنقرأ له مايدل على هذه الدلالة: "إنه البحرُ، يستقبل الآن في ولهٍ سفن المجد، أبناء هذي المياه على الرمل يندلقونَ- الوجوه ملثمة بالرعود- ومريام تنتظر القادمين إلى قادشٍ، قُبلٌ في المناديل، رزٌ على سَمْتِ أشرعةٍ سيهالُ، وثمة أوسمة سوف تسّاقطُ من قامة الليل، قبعةُ المارشال على العشب منسوفةً بالزجاج المشظى، وهذا الهديرُ المباغتُ للبحر، يملأ آفاقنا بالعناقِ......". واضح هنا مدى استخدام الشاعر لطاقته التخييلية، وواضح أيضاً هنا كيف تعمل "الذاكرة البصرية" في ربط هذه التفاصيل الحسية في مشهد حسي كلي، وكأننا إزاء شريط سينمائي بعثته إلى النور أنامل مخرج سينمائي بارع استطاع ليس فقط كشف الحالات الداخلية للإنسان- تداخل حالات الترقب والغضب والفرح- بل حالات التماهي بين الإنسان: "أبناء هذي المياه" وبين الوطن-الحاضنة: "ومريام تنتظر القادمين"، وحالات التماهي بينة- أي بين الإنسان- وبين الطبيعة:"وهذا الهدير المباغت للبحر، يملأ آفاقنا بالعناق". ثم يأتي دور "المزمور" ليعمق البنية الدلالية والفكرية والرؤيوية للنص، عن طريق استخدامهِ لضمير الجمع "نحن"، وليؤكد من خلاله الشاعر على تحرير البحر-الوطن من أدعية "التلمود"، ومن خرافات الصهاينة المعروفة: "شعب الله المختار" وغيرها من المقولات التي تفوح منها رائحة العنصرية البغيضة، وينجح الشاعر باستخدام رمز دال وواضح: "القرصان" وهو رديف هنا لمفهوم "الصهيوني" ككائن عنصري استيطاني إجلائي سارق لأراضي الغير، مؤكداً على تنظيف هذا البحر- الوطن من رجس الصهيوني السارق: "القرصان". يمكن أن نتوقف هنا قليلاً أمام مسألة هامة، ألا وهي: لغة الشعر. لقد أكدنا أكثر من مرّة بأن لغة الشعر هي لغة الإيحاء والإيماء والترميز وليست لغة التقرير والمباشرة، وأعتقد أن القارئ الكريم سَيُميَز هنا بين بعض الشعراء العرب الذين استخدموا بشكل صريح ومباشر مفردة "الصهيوني"، أو "الصهاينة" مثلاً، في القصائد التي كتبوها عن الانتفاضة، وبين الذين استخدموا مفردات أخرى تدل على ذات الدلالة، أو تقاربها من الناحية المعنوية والفكرية، ومنهم الشاعر هاشم شفيق الذي استخدم رمز "القرصان" للدلالة على اغتصاب أرض فلسطين من قبل الصهاينة. في المقطع المذكور أعلاه انتقل الشاعر من الزمن الحاضر "الآن" إلى الزمن المستقبلي مستخدماً حرف الاستقبال "سين": "سنحررُ" في مزموره المذكور. أما العلاقة الحسية والفكرية التي ربطت "المزمور" والمقطع فهي أن تحرير فلسطين من رجس وأدعية الصهاينة "المزمور" جاء بعد عودة الفلسطينيين إلى ديارهم، وبعد حالة المخاض الثوري التي شهدتها البلاد "فلسطين". وفي المقطع الثالث نقرأ "البحر- الثورة" وهذه الدلالة ترمز إليها هذه الجملة الشعرية :"ثياب المحارب تعلو على الموج ساريةً....." حيث يؤكد الشاعر فيه على عودة المقاتلين من "بطون" المنافي، تخفق راياتهم بالنصر والظفر، ويوفق الشاعر في رسم المشهد الحسي لهذه العودة الظافرة وانعكاسها على مفردات الحياة والطبيعة حيث تسود حالات البهجة والفرح والحلم إيذاناً باستقبال: "المرافئ، والسفائن، والنساء، وإله الندى". لهؤلاء المنفيين العائدين والذين تسربلوا طويلاً. بحالات الألم والحزن "الكمد" ثم دقت ساعة العودة والنصر التي انتظروها طويلاً، لنقرأ له هذا المقطع الدال: "السفائن في الريح تبرق، محمولةً فوق ريش الطيور، ثياب المحارب تعلو علي الموج ساريةً من هديل ومناقير، كلُ المرافئ تفتح زرقتها للذي آب من كمدٍ نائم في بطون المنافي- السفائن في الريح تعلن دقاتها الخمس، مؤذنة بالرحيل إلى قبة البرتقالِ- النساءُ تمدّدن في غيمة كي يخطن الجراح البليغة للسموات.....". أما المزمور فتكون وظيفته تعميق البنية الدلالية والفكرية للنص حيث تصعيد حالة النصر إلى ذروتها الطبيعية المتمثلة بارتفاع العَلم الفلسطيني فوق الأرض السليبة، وانتصار راية "كنعان"، وقد أعطى الشاعر صفة الديمومة لهذا النصر المؤزر بقوله: "ذات ضحى مستديم"، أما العلاقة الحسية بين المزمور والمقطع فهي أن ارتفاع راية كنعان جاء بعد عودة المحاربين وانتصارهم على عدوهم التاريخي. لنقرأ له هذا "المزمور" الدالّ: "عَلَمُ في أعالي الجبالِ سيهبطُ فجراً على أورشيلم فراية كنعانَ من خضرةٍ ونجومٍ ستبلغُ فاتحةَ المشتهى وتقيمُ على الأرضِ عاصمةً للسفائنِ ذات ضحى مستديمْ". أما في المقطع الرابع فنقرأ "البحر-الحلم"، حيث يعم الهدوء أرض الوطن، ويبدأ المنتصرون بثورة البناء بعد ثورة التحرير: "بحرنا هادئ والسفائن تدهن حيزومها بالزيوت....". ثم يتداخل زمن الحلم: "القباطنة الساحرون لهم قسماتُ المرايا"، بزمن الحركة والحياة، والحيوية والفاعلية: "لهم عضلٌ يتهدل فوق الشواطئ، حيث الأصابيع مفتولة كالمراسي، تعدُّ السفائنَ للموج........". ثم يأتي المزمور ليعمق الحالة الحلمية في كامل المقطع الشعري الرابع حيث الشمنس تعجنها أصابع الكرز:" للبحر خزائنه/ فيها شمسٌ/ يعجنها كرزٌ/ فيها رملٌ ذهبيٌ/....". ثم ينتقل الشاعر في المقطع الخامس إلى دلالة أخرى للبحر". "البحر-الأسطورة، والبحر-الخصب"، مستنداً إلى الرمز الأسطوري "عناة" وهي من الآلهة الكنعانية، ثم بعد أن يوضح لنا الشاعر دور الآلهة في الإخصاب يكشف لنا عن الحركة الدائبة في البحر، عن العمل الإنساني وأهميته في البناء: "السفينة تكتظ بالآلهاتِ، عناةٌ تزوِّج نافورة من حشائشها للصحارى...... والكل منغمرون بهدهدةٍ للرذاذ الذي سوف يلقي ملاءته الزبدَّية للبرِّ....". ثم يركز على جدلية تلاحم العمل والحب في بناء الحياة:"فبارك لنا البرَّ ياسفرُ/ قدِّس الحبَ فينا/"، ثم يأتي المزمور ليعمق البعد الدلالي لكامل المقطع الشعري، حيث يكشف لنا أن هدف السفر هو الانتقال إلى الزمن المستقبلي، زمن الحرية والحلم والنور: "ماجت الأرض/ بالسفر الأولِ/ فتحرك رهطٌ صفيٌّ/ من المنتأى/ وأضاءت مشاعلٌ/ ومشت مركباتُ الأضاحي/ لتتبعها سفن الذاهبينَ/ إلى زمنٍ مقبلٍ/". ثم نقرأ المقطع الأخير "السادس" ويعبر فيه الشاعر عن دلالة أخرى للبحر:"البحر-الضوء، والبحر- الممالك، حيث يؤرخ لبداية زمن انتصار الإنسان في الأرض، بداية تأسيس المجتمع الإنساني القائم على العدل والحرية وذلك بعد معاناة طويلة ومريرة راح ضحيتها ملايين الناس: "ينشق البحرُ......، في التوِّ تنبثق ممالكٌ من ضوءٍ، تعلوها نصبٌ وعمادٌ، لتؤرخ صوت الإنسان على الأرض المثكولة بالقتلى". ثم نقرأ "المزمور" الأخير الذي يعبر عن زمن الحلم والسلام والطمأنينة، وفيه نقرأ مدى ارتباط الإنسان بأرضه، بذاكرته الأولى، بجذره الأول. إنها صورة حسية رائعة تكشف عن مدى تولّه الإنسان وعشقه لمنزله الأول، المنزل- الملاذ، والمنزل- الأمان، والمنزل- الحرية: لنقرأ: له هذه المزمور الرائع: "بيتي على البحر هناكَ فيهِ سماءٌ مِنْ حبقْ تدلي ضفيرةً طويلةً من عطرها فوق الشبابيكِ وتمسح الآفاق بالغصون والورق يامنزلي يازارع البستانَ في طبق تاللهِ زحّافاً إليكَ سوف آتي ظاهراً في ركبتيَّ مطلعُ الغسقْ". أما على صعيد المستوى الفني فيمكن القول عن قصيدة هاشم شفيق: "مزامير لبحر مريام"، بأنها قصيدة رؤيوية تركيبية متعددة الأصوات: حيث نقرأ صوت "البحر": "إنه البحرُ، يستقبلُ الآن في ولهٍ سفن المجد"، وصوت "المزمور": "علمٌ في أعالي الجبالِ/ سيهبط فجراً على أورشيلم"، وصوت "الشاعر" الذي يتداخل بصوت "المنفي" العائد: "بيتي على البحر هناك/ فيه سماءٌ من حبقْ...../ يامنزلي/ يازارع البستان في طبق/"، وصوت "المناضل -المقاتل":"ثياب المحارب تعلو على الموج ساريةً من هديلٍ ومناقير". وصوت المجموع "الشعب المقاتل": "سنحرر هذا البحر الذاهل/ من أدعية التلمود". ويمكن قراءة القصيدة بمستوياتها المتعددة :الفكري، واللغوي، والفني- الجمالي، والرمزي، والأسطوري، والتاريخي، والرؤيوي. أما لغة الشاعر، فهي لغة فنية مجازية موحية، تمتاز "عموماً" بطراوتها وانسيابيتها المائية العذبة، وكذلك بجزالتها ومتانتها، إضافة إلى أنها مضمخة برائحة التاريخ والأسطورة: "كاهنة، داغون، مريام، قادش، التلمود، ثمود......الخ". يمكن القول بأن واحدة من أهم السمات الفنية التي تؤشر على تميز شخصيتهِ الفنية هي فرادته في التعامل مع اللغة، وفي تطويعها، وفرداته في انتقاء المفردات اللغوية التي تساهم في تشكيل قاموسه الشعري الخاص وبالتالي تشكيل عالمه الشعري، ومن هذه المفردات الواردة في قصيدته:" مزامير لبحر مريام":" سمت، كمد، الترائب، نجل، يندلقون، مستديم، زقو، جداجد، التهاليل، هدهدة، التعازيم، نيلوفرة، ربلة،.....الخ". ويمكن أن نَصِفَ لغة هذه القصيدة بأنها:"لغة بحرية" بامتياز، أي تطغى عليها مفردات عالم البحر بكل كائناته وزخمه وتناقضاته وجموحه واندفاعاته اللا متناهية، لنقرأ هذه المفردات التي تؤكد على ماذهبنا إليه:"السفائن، القباطنة، الأصابيع مفتولة، المراسي، الرّبان، الإسفنج، الأمواه، الرذاذ، طحلب، ملح، المحار، الموج، مركبات، صدف، ضفة، نهر، الرمل، أشرعة، الهدير، القرصان، المرافئ، القاع، قمرة، الفنارات، زبد، سابح، الحوت". وبقدر مايمكن أن نصف هذه اللغة بالواقعية، أي بانتماء مفرداتها إلى الواقع الملموس الذي نعيشه، حيث نلمس حرارة هذا الواقع ونكهته المميزة من خلال مفردات القصيدة، فهي لغةُ حُلمية وأسطورية أيضاً، أي أن هناك توازناً "نسبياً" بين النكهة الواقعية والنكهة الحُلمية في البناء اللغوي لهذه القصيدة، ومما يدل على طابعها الحلمي، نذكر على سبيل المثال: "السفائن في الريح تبرق، محمولة فوق ريش الطيور"، وقوله: "القباطنة الساحرون".......الخ. إلا أنه يمكن أن نلمس بعض التأثر، أو شكل من أشكال المحاكاة للغة سان جون بيرس، وخاصة لغته الشعرية في قصيدته: "ضيّقة هي المراكب"، وهو تأثر لا يدخل في باب التقليد لأن الشاعر هاشم شفيق يمتلك شخصيتَهُ الفنية وتجربَته الشعرية المتميزة التي بناها بدأب ومثابرة طيلة حوالي ثلاثة عقود، وأركز في هذا المجال على المقطع الرابع، كقوله: "بحرنا هادئٌ والسفائن تدهن حيزومها بالزيوتِ"، ومادمنا بصدد الحديث عن لغة الشاعر فيمكن القول في هذا المجال إن الثغرة الفنية التي رصدناها في هذه القصيدة هي إيغال الشاعر ومبالغتهِ في استخدام بعض المفردات اللغوية الرديفة لمفردة "الحجر"، وهي:"تسميات قديمة للحجارة في العصور القبميلادية". حيث تفتقد هذه المفردات للنسغ الواقعي الحي، ويغلب عليها الطابع القاموسي المحنط والغرائبي، حتى ليبدو لنا أن انتقاء هذه المفردات:"برطيل،ظِرٌ، إرْمٌ، منليثٌ"، جاء كشكل من أشكال المغالاة في الصنعة والتكلف، وهذا أثرّ بدوره على الانسياب والتدفق الشعري في القصيدة، نقول ذلك بالرغم من أن الشاعر حاول التنويع في الاستخدام الدلالي والفني لهذه المفدرات بما يمنحها بعداً إدهاشياً وجمالياً: "برطيلٌ أخضرٌ، ظِرٌ أملسٌ، إرمٌ ممشوقٌ، منليثٌ سحريٌ، والمسألة تتعلق بالذائقة النقدية، وهي مسألة قابلة للاجتهاد وتعدد الآراء، وقد تأتي قراءة نقدية أخرى وترى عكس مارأيناه. استخدم الشاعر في قصيدته هذه العديد من الأساليب الفنية المعروفة، ومنها: الوصف: كقوله في المقطع الأول: "تلك شمس حريريةٌ في الشجيرات"، والسرد الحكائي، كقوله في المقطع الثاني: "إنه البحرُ، يستقبلُ الآنَ في ولهٍ سفن المجد، أبناء هذي المياه على الرمل يندلقون- الوجوه ملثمة بالرعود...."، والتلوين كقوله في "مزمور" المقطع الثاني:"ونمسح عن لحيته الزرقاءَ رماد القرصانِ"، وكذلك قوله في "مزمور" المقطع الثالث: "فراية كنعان من خضرةٍ ونجومٍ،/ ستبلغ خاتمة المشتهى/". والاستذكار كقوله في "مزمور" المقطع الخامس:"ماجتِ الأرضُ/ بالسفرِ الأول/ فتحرك رهطٌ صفيٌ/ من المنتأى/". ولعل أهم مايميز الشاعر هاشم شفيق من الناحية الفنية هو امتلاكه لطاقة تخييلية عالية ومدهشة، بل وساحرة أحياناً، ولا يكفي أن نَصِفَ "مخيلتَهُ" بأنها مُحَلِقة أو مُجنَحة فحسب، بل هي مخيلة تمتلك القدرة على "الخلق" و"التحويل" وإعادة رسم وصياغة الواقع والأشياء والكائنات صياغة جمالية مُبهِرَة ومدهشة تنقلنا إلى عالم الفن السحري الزاخر بالقيم الجمالية الفريدة والمتميزة، وهذا يتجسد بوضوح في قدرته على بناء وتشكيل الصورة الشعرية، وذلك باعتبار "الخيال" أحد أهم المصادر والينابيع التي تنبثق وتتفجر وتتوالد منها الصور الشعرية. إن من يقرأ هذه القصيدة: "مزامير لبحر مريام"، سيجد دونما مشقة أو صعوبة عشرات الصور الفنية المتألقة والمدهشة التي تثبت صحة ماذهبنا إليه: أما أهم السمات الفنية التي تُميز صور الشاعر في هذه القصيدة فهي: إنها تمتاز بالجدة والابتكار، وهو مايمنح الشاعر عنصراً آخر في بناء شخصيته الفنية المتميزة، كونه شاعراً مبدعاً وليس مُقلداً أو اتباعياً، كما أنها صور مركبة -في الغالب- استطاع الشاعر فيها أن يخلق توازناً "نسبياً" مدهشاً بين المجرد والمحسوس، الواقعي والخيالي، العاطفي والفكري، وتمتاز أيضاً بتماسكها الفني، وبطاقتها الإيحائية العالية التي تمنحنا الدهشة وتنقلنا إلى عالم الشعر الإشراقي وتجلياته المدهشة والساحرة. لنقرأ له هذه الصورة الفنية الموحية والمشرقة والمبتكرة في المقطع الثالث من قصيدته، والتي يمكن القول عنها بأنها الأكثر تميزاً وإبهاراً وتحليقاً: "النساءُ تمدّدن في غيمة كي يخطن الجراح البليغة للسموات". تتسم هذه الصورة بطابعها الحسي، وهي صورة مركبة تتزاوج فيها أربع ظواهر حسية: "النساء"، "الغيمة"، "الجراح"، "السموات، كما أنها صورة مبتكرة وجديدة تمتاز بنضارتها وألقها، وتختزن داخلها طاقة فكرية ورؤيوية عالية. وحسب -تذوقنا النقدي- فإنها ترتكز في جوهر بنيتها على ثنائية الألم- المعافاة، فالجرح يرمز "للألم"، أما الفعل يخطن فيرمز "للمعافاة"، مايمنحنا الدهشة هو أن الشاعر ينقلنا من الأرضي إلى السماوي، فهو لم يقل بأن النساء تمددنَ في "الأرض"، وهو المعنى الطبيعي المتوقع أوالواقعي، بل في "غيمة" وهو المعنى المجازي. أما الفعلان: "تمددن" و"يخطن" فقد منحا للصورة حركيتها المدهشة، وقد جاء استخدام الشاعر لكلمة :"السماوات" لكي يعطي "للجرح" صفة الانتشار والرحابة. إن هذه الصورة تختزن في داخلها فكرتين هامتين: الأولى:وهي عمق الألم الإنساني واتساعه الهائل، المُعَبر عنه بقوله: "الجراح البليغة للسماوات"، والثانية قدرة الإنسان الذي يمتلك الإرادة والقوة على العطاء والتجاوز المُعَبر عنها بقوله: "كي يخطنَ". ولم يكن صدفة أن ينسب الشاعر فعل العطاء للمرأة بالذات فهي رمز التحمل والعطاء والاحتضان، وإذا ثبتنا موقع هذه الصورة ضمن كامل السياق الشعري للقصيدة، وللمقطع الثالث سنجد أن الشاعر أراد أن يعبر عن عمق معاناة الإنسان العربي الفلسطيني، ومدى فداحة التضحيات التي قدمها الشهداء والمقاتلون الفلسطينيون: "ثياب المحارب تعلو على الموج ساريةً من هديل ومناقير" وفي ذات الوقت قدرته الهائلة على الصمود والصبر والتجاوز والعطاء، وهذه القدرة تمثلت بالأم الفلسطينية المانحة والعظيمة: "كي يخطن الجراح البليغة للسماوات"، وفي الحقيقة فإن المقصود بالجراح،هي جراح المقاتلين والمنتفضين، إلاّ أن استعارة المعنى المجازي الذي تولده "السماوات" يعطي لهذا الجرح كما أسلفنا صفة العمق والانتشار على المستويين: "العمودي والأفقي". ولنقرأ له أيضاً الصورة الفنية المتألقة في المقطع الثالث: "السفائن في الريح تبرقُ، محمولة فوق ريش الطيور"، فهي صورة مركبة، ذات طابع حسي إشراقي، تتكون من ثلاث ظواهر حسية: "السفائن"، "الريح" ، و"ريش الطيور": وتمتاز بالجدة والابتكار الذي يمنحنا الدهشة وطعم النضارة الأولى، أو نكهة الأشياء وهي في بواكيرها الأولى، وفي مذاقها الأول الذي لم يكتشف بعد، إنه الشيء النضر، الجميل، المتألق، المضيء، الذي لم تمسسه يد بعد، والذي يمنحنا شعوراً بالغبطة المسربلة بنكهة الأشياء الطازجة، والجديدة وتمتاز هذه الصورة أيضاً بحالة المزاوجة الرائعة بين الأرضي والسماوي: "فالسفائن" تشير إلى الأرضي، أما "الريح" و"ريش الطيور" فتشيران إلى السماوي، إلاّ أنّ الطابع الحُلمي المدهش في هذه الصورة هو العنصر السائد. ومما زاد في تألقها، وزاد من مساحتها الإشراقية هو أن الشاعر أعطى صفة الإضاءة من خلال الفعل المضارع "تبرق" للسفائن، تصوروا أية دهشة ستخالجنا ونحن نطلق العنان لمخيلتنا لكي تأخذ مداها ورحابتها في عملية التخييل وتأمل هذه الصورة المدهشة حيث السفائن تطير في الريح وهي تضيء "تبرق" محمولة فوق "ريش الطيور"، وكأنها البساط السحري الذي طالما عانق مخيلتنا وراود أحلامنا، ولعل الأروع في هذه الصورة هي أن تمنحنا فسحة كبيرة لإمكانية التأويل، والتعدد الدلالي، بالإضافة إلى طاقتها الإيحائية، وشحنتها الفكرية والرؤيوية والحُلمية العالية، "فالسفائن" وهي رمز السفر والانطلاق والحرية واكتشاف المجهول تطير في السموات لتكتشف مدياتها وعوالمها الرحيبة اللامتناهية، ليس ذلك فقط، بل إنها تطير محمولة فوق "ريش الطيور". إنها شفافية مذهلة: الخفيف وهو "ريش الطيور"، يحمل الثقيل وهي "السفائن"!!. هنا يتجلى عامل المبالغة في الشعر، لكنها ليست المبالغة الفجة أو الممجوجة، إنها مبالغة حُلمية تمنح الدهشة والرشاقة وكأننا نتذكر الآن المعنى الإشراقي والشفافية الهائلة التي اختزَنَتْها صورة رامبو في قصيدته الشهيرة: "المركب السكران"، حينما تخيَّل نفسه "فلينةً" تطفو فوق الموج، بالرغم من أن الصورة الثانية تختزن في ثناياها حالة معاكسة لصورة الشاعر هاشم شفيق، إذ أن الخفيف وهو "الفلين" يحمله الثقيل -نسبياً- وهو "الموج، إلاّ أن هاتين الصورتين تلتقيان في البعد الإشراقي وتحديداً في الشفافية العالية التي هي ليست إلا "شفافية الشعر" وهو يمنحنا الطاقة القصوى في التخييل والحلم الإنساني الرفيع. وبوسعنا أن نقرأ في هذه القصيدة العديدة من الصور المشرقة الأخرى، إلا أن الفسحة المتوفرة لنا -الآن- تجعلنا نكتفي بذكرها وعدم التوغل النقدي في داخل بنيتها، فمثلاً نقرأ هاتين الصورتين التشبيهيتين الرائعتين في المقطع الأول واللتين يطغى عليهما الطابع الحسي: ("والرياح" الحبيسةُ في الصخر تمشي إليهم "ككاهنة"، وقوله: ("والبحر" في حالة الطلق يدفع أبناءه باتجاه الصخيرات، منتشرين "كرفِّ يمام"). وكذلك نقرأ هذه الصورة المركبة ذات الطابع الحسي أيضاً في "مزمور" المقطع الثاني: "سنحرر هذا البحر الذاهل..../ ونمسح عن لحيته الزرقاء رمادُ القرصان". ونقرأ أيضاً هذه الصورة المركبة ذات الطابع الحسي في المقطع الثاني: "وثمة أوسمةٌ سوف تسّاقط من قامة الليل". كما نقرأ هذه الصورة المركبة والحسية في المقطع الرابع:"قمرية...../ وعلى جنحها حفنة من تراب النجوم يضيئه قمر العائدين". وهذه الصورة المركبة الحسية في "مزمور" المقطع السادس: "بيتي على البحر هناك/ فيه سماءٌ من حبق/ ندلي ضفيرة طويلةً/ من عطرها فوق الشبابيك". أما البنية الرمزية- الأسطورية في هذه القصيدة، فتستند إلى عنصرين رئيسيين: الرمز الشفاف الواضح والبسيط: البحر، الغيم، القرصان، الريح، السفن، النهار، الليل....... بالإضافة إلى الرمز التاريخي: "كنعان". وثانياً: الرموز الأسطورية، وخاصة تلك الواردة في الأسطورة الكنعانية تحديداً، كـ "عناة": وهي آلهة النصح والإرشاد وعقد القران في الأسطورة الكنعانية، و"إلات": وهي آلهة كنعانية. بالإضافة إلى الأماكن التاريخية الموغلة في قدمها والواردة تحديداً في الأسطورة الكنعانية. كـ "مريام" وهي بلاد فلسطين. و"داغون" وهي دمشق، و"حلبا" وهكذا تكتب بالألف في الأسطورة الكنعانية، و"قادش" وهي القدس. أما على المستوى العاطفي أو الشعوري فمن المعروف أن هذا العنصر "العاطفة أو الشعور"، هو واحد من أهم العناصر التي ينبغي أن تساهم في البناء العام لأية قصيدة، وقد قلنا إن الشاعر هاشم شفيق نجح في إيجاد توازن "نسبي" بين العاطفي والفكري في قصيدته : "مزامير لبحر مريام"، ويمكن القول بأن العاطفة الجيّاشة والنبيلة تظهر في هذه القصيدة بأسطع تجلياتها في المزمور الأخير في المقطع السادس، ولم يكن عبثاً اختيار هذا "المزمور" بالذات كخاتمة للقصيدة، لقد وصفنا هذه العاطفة بـ "النبل" لأنها ترتكز على إثارة وإيقاظ العواطف والمشاعر الإنسانية المتشبثة بالأرض، بالوطن، بالجذر والكينونة الأولى، حيث الانتقال البهي من الخاص إلى العام: "من المنزل إلى الوطن"، حيث الحنين والوجد العاصف للمنزل الأول: "بيتي على البحر هناك/ فيه سماءٌ من حبق....../ يامنزلي يازارع البستان في طبق/ تاالله زحّافاً إليكَ سوف آتي/ ظاهراً في ركبتيَّ مطلعُ الغسقْ/". هنا بالذات في هذه الجملة الشعرية: "تااللهِ زحّافاً إليك سوف آتي"، في هذا القسم "تاالله"، اجترح الشاعر مأثرته "العاطفية" -إذا جاز التعبير-، حيث أن العناق الذي سيتم مستقبلاً بين الغائب: "المنفي الفلسطيني"، وبين تراب وطنه هو عناق بهي ومؤثر، وجارح، بل إن هذه الصورة ستدخل أعمق أعماق الذاكرة الوجدانية للإنسان، لأن العناق لن يكون طبيعياً أو عادياً في كل المقاييس، وذلك كأن يكون شكل العناق: "أن يعانق العائد أرض بلاده وهو في حالة الركض مثلاً، بل إنه يزحف زحفاً للعناق تصوروا هذا التقديس الهائل للأرض، إنها قيمة مقدسة، بل إن الأرض هي قدس الأقداس. أما من حيث "الرؤيا" فإن أهمية هذه القصيدة وتميزها عن غالبية القصائد الأخرى، تكمن ليس في كشفها للواقع الفلسطيني الراهن فحسب، بل في انفتاحها على المستقبل، في طاقتها التشوّفية والاستشرافية العالية. وإذا كانت مرجعية العديد من القصائد التي تناولناها في هذه الدراسة النقدية تستند إلى الواقع أو إلى التاريخ: "الذاكرة القريبة أو البعيدة"، فإن هذه القصيدة تستند في مرجعيتها إلىالواقع والتاريخ، مضافاً إليهما "المستقبل"، حيث تتجلى قدرة الشاعر في قراءة الواقع والأحداث واستشراف المستقبل من خلال هذه القراءة، حيث يبشرنا بانتصار القضية الفلسطينية وعودة الشعب الفلسطيني المنفي إلى أرضه والقضاء على الصهاينة "القرصان"، وقد تجسدت هذه الطاقة الرؤيوية بوضوح في المزمور الأول: "سينبت في الأرض غيمٌ"، وفي المزمور الثاني: "سنحرر هذا البحر الذاهلَ/ ونمسح عن لحيته الزرقاء رمادُ القرصان/"، وفي المزمور الثالث: "عَلَمٌ في أعالي الجبالِ/ سيهبط فجراً"، وفي المزمور الخامس حيث تنفتح القصيدة على الزمن المستقبلي: "لتتبعها سفنُ الذاهبين/ إلى زمن من مقبلٍ"، وفي المقطع السادس الذي تؤكد فيه "رؤيا" الشاعر المستقبلية على انتصار زمن الحُلم والضوء، وانتصار الإنسان رغم كل أشكال الدمار والخراب والموت التي اعترضت مسيرته: "......... في التوِّ تنبثق ممالكٌ من ضوءٍ، تعلوها نصبٌ وعمادٌ، لتؤرخ صوت الإنسان على الأرض المثكولةِ بالقتلى". |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |