|
||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 02:17 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
عبد الكريم الناعم/ سورية الشاعر العربي السوري عبد الكريم الناعم كتب قصيدة عن الانتفاضة بعنوان: "لأركان عرشها" في عام 1988، أي في بداية انطلاق الانتفاضة وفي غز عنفوانها وتأججها. تميزت هذه القصيدة بفنيتها العالية، وعمقها الفكري والرؤيوي وموقفها النضالي المتقدم الذي يدعو إلى التشبث بالأرض، وبالقيم الثورية، والإصرار على المقاومة والتحدي. عنوان القصيدة يكشف بأن الشاعر يُشبه الانتفاضة بـ"الملكة": "عرشها" التي تستمد بقاءها من النسغ الحي للمنتفضين، من شعلة دمائهم الثائرة، فَهُم أركانها، وهم رمز ديمومتها. يستند الشاعر في بناء قصيدتهِ على حدثٍ واقعي من أحداث الانتفاضة، ويتكئ عليه في كامل بنيانهِ الشعري، منذ ولادة القصيدة وتناميها وتطورها وحتى خاتمتها، والحدث المتفرد هذا هو استشهاد أربعة من المنتفضين الأبطال، ويهدي الشاعر القصيدة لهم: ((لأربعةٍ مِن يافعي الانتفاضة دفنوا أحياء واقفين)). في هذه القصيدة تتضح لنا المهارة والخبرة الفنية العالية التي يمتلكها شاعرنا الناعم، فهو يبني قصيدته بعين الصانع الماهر والحاذق، ويتجسد لنا ذلك بقدرتهِ على نقل الحدث وتفاصيله المؤلمة من المستوى الواقعي إلى المستوى الفني والجمالي المدهش. وإذا كان الحدث يمتاز بطابعه المتفرد والمأساوي العميق، وهو ليس حدثاً عادياً أو مألوفاً في كل المقاييس، لأن دفن الناس وهم أحياء هي قمة البربرية والسادية المجرمة، وهو فعل وحشي لا يمت بصلة إلى القيم الإنسانية المعروفة، ناهيكم عن التحضر والرُقي الإنساني، وبالتالي فإن هذا الحدث قادر على استفزاز وصدم مخيلة وذاكرة أي شاعر يتفاعل معه، إلاّ أن براعة شاعرنا الناعم وتميزه هي التي ساعدت على تجسيم الحدث وتصويره تصويراً حسياً بارعاً ومدهشاً، وكأننا أمام مشهد سينمائي متحرك، رسمتْهُ ذاكرة الفنان البصرية بمزيد من الإتقان والمهارة المسربلة باللوعة، والأسى، والنقمة والتحدي أيضاً. لنقرأ له مطلع القصيدة: ((أربعةٌ تحتَ عراءِ اللهِ موثقونَ، ريحُ ربِّ الكونْ: طلقةٌ، وأمنياتُ برقِ القلبِ، والمطرْ)). ثم تتوالى المشاهد، ويتطور الحدث مُتخذاً أبعاداً درامية ذات طابع مأساوي، ويأخذ الشاعر دور الراوي الذي يقص لنا هذه الحكاية. المنتفضون الأربعة يعانقون مصيرهم بثبات الإنسان المؤمن بعدالة قضيته وانتصارها. الغزاة البرابرة يعدون القبر، والمنتفضون الأربعة يقابلون ذلك بشموخ وشمم، لا خوف ولا ضعف، بل تصميم وقدرة ثابتة على التحدي الجارح: ((عينٌ على القبر الذي يُعَدُّ))، فلنقرأ هذه المشاهد بكافة تفاصيلها التي تكشف عن فكرتين أساسيتين وهما: مدى انحطاط وفاشية الغزاة الصهاينة، تقابلها قوة الرفض والصمود والتحدي الذي يختزنه المقاومون والمنتفضون: ((أيديهمو شُدَّت إلى الوراءْ حَفّارةٌ إلى الأمامْ وستةٌ أظافرٌ لكلِ نجمةٍ - "إحفِرْ هنا" وأطلق الغمامْ صُراخَه، وغَلَّ في السماءْ - "تقدّموا" - "نموتُ واقفينَ" ضربةٌ على صيوانِ رأسه، فَأَنَّ طائرٌ حاصرَه انكسار صوتِهِ طَمرّه بالترابِ حتى الذَّقنِ واقفاً، للسيفِ غمدُهُ)) ثم تتجلى لنا براعة الشاعر في استخدام الطاقة التحولية في النص، وفي التنويع الدلالي لفكرة الشهداء الأربعة، الذين يتحولون إلى جهات، عقود، قناديل مضيئة، أربعة ورود، أربعة أقمار، أربعة أطيار. إن هذا التنويع الدلالي دليل على عمق الرؤية الشمولية التي يمتلكها الشاعر، كما أنه أنقذ النص من رتابة الفكرة وبثَّ فيه عنصر التجديد، لنقرأ له هذا المقطع الدال: ((ها أربعٌ من الجهاتْ أربعة من العقود دائراتْ أربعةٌ من الرؤوس مثلما تطفو قناديلُ الحكايا....)) ما يدهشنا هنا حقاً هو حالة التماهي الحسية الرائعة بين الإنسان وبين الطبيعة، وقدرة الشاعر على بث روح الحركة والحياة في مفاصل الطبيعة: "الوردة، الحقل.... الخ"، بل إنه يمنحها حساسية مرهفة تقارب حساسية الإنسان، إن إسباغ العاطفي المرهف على الموجودات والكائنات غير العاقلة: "الوردة مثلاً" يُعَدُ بمثابة"استنجاد" -إذا جاز التعبير- بقوى الطبيعة الأخرى- غير العاقلة تحديداً- لمشاركة الإنسان في مصيره الوجودي، ومشاركته في حالة العزاء، وفي الحساسية المرهفة والعالية، والشاعر هنا يلجأ إلى التخصيص، حينما يؤكد على عمق الحزن الذي ينتاب الأرض الفلسطينية وهي تشهد مأساة أبنائها الورود- الشهيدة!! لنقرأ له هذا المقطع الدال: ((ها وردةٌ تَلفَتَتْ فاجأها الحقلُ بأربعٍ تفورُ بالشذى فما الذي تصنعه أرضُ فلسطينَ لهذا الفصيلِ جَهرةً؟!)). بعد ذلك يجسد لنا الشاعر عبد الكريم الناعم الحالة الداخلية للشهيد- البطل المتمثلة بالإصرار والمقاومة والتشبث بالأرض حتى اللحظة الأخيرة من حياتهِ من خلال اشتهائهِ لعصير البرتقالة: ((الأولُ/ الأخيرُ قال وهو يشتهي عصير برتقالة: "نموت هكذا وعيننا على البلاد")) يتحول هذا الإصرار المدهش الذي تمثله هذه الجملة الشعرية: "نموت هكذا وعيننا على البلادْ" إلى لازمة شعرية تتكرر في المقاطع الأخرى، وتكون هي خاتمة القصيدة، إلاّ أن براعة الشاعر تتجلى لنا في التنويع الدلالي لهذه اللازمة، وتحديداً في المزاوجة بين البصر والبصيرة، بين الرؤية والعاطفة، فبينما تكشف الأولى والثانية عن الرؤية البصرية: "عيننا على البلاد". - أما الثالثة والأخيرة فتكشف عن قوة البصيرة التي مصدرها القلب باعتباره رمزاً للشعور والعاطفة الإنسانية: "قلبنا على البلاد". ثم تتطور القصيدة حينما يستخدم الشاعر فكرة الشهداء الأربعة مُنوِعاً في الدلالة وفي الرؤية، فهم يتحولون تارةً إلى أقمار- وتارة إلى طيور"تُعرج" إلى السماء، كما يتحول الشهداء إلى طاقة حيوية متجددة تبث الحياة ولهب الحرية في نسغ الانتفاضة، في شمسها المتجددة: ((أربعةٌ من تلكم الأقمارْ/أربعة لشمسها، لعرشها/ لأفقها الممتد خلف رحاة الأطيار/ أربعةٌ على تفتح السَّرار/ أربعةٌ/ لكلِ طائرٍ عُروجُه/)). ثم يختتم الشاعر قصيدته باللازمة- النشيد، اللازمة التي تفتح أفقاً للإشراق الثوري، أفقاً للخلاص والنصر، اللازمة التي تؤكد على أن الشهيد- الطائر، والطائر- الزنبقة، يغذُ السير باتجاه الهدف، وهو تحرير القدس من رجس الصهاينة، ويجعل من موتهِ بداية الانبعاث والتحرر والحياة لبلادهِ: ((أربعةٌ لكلِ رأس طائرٍ/ زنبقةٌ أربعةٌ من تلكمُ الأطيار هيأّت متونَها وباتجاه القدس أغدقت لحونَها وابتدأ الإنشاد: "نموتُ هكذا وقلبنا مع البلاد")). أما على المستوى الفني، فإن قصيدة الناعم، هي قصيدة رؤيوية متعددة الأصوات، حيث نقرأ صوت الراوي الذي يتداخل مع صوت الشاعر: ((أربعةٌ تحت عراءِ اللهِ موثقون))، وصوت الغزاة: ((إحفِرْ هنا))، وصوت الشهداء: ((نموت واقفين))، وصوت النشيد الجماعي: "نموت هكذا/ وقلبنا مع البلادْ)). يستفيد الشاعر هنا من تقنيات القصة الحديثة وقد تجسد ذلك في كيفية وصف الحدث وتناميه وتطوره، وكيفية رسم المشاهد الحسية المتتالية، وفي السرد الحكائي، إضافة إلى اتكائهِ أحياناً على عنصر الحوار لتعميق البناء الدرامي في نصهِ الشعري كقوله: ((- تقدموا"، / -"نموت واقفين")). أما أسلوب التساؤل فقد ساهم هو الآخر في عملية التنامي الدرامي للقصيدة كقوله: ((فما الذي تصنعه أرض فلسطينَ/ لهذا الفصيل جهرةً؟))، وقوله: "ووردةٌ أم رأس صاحبي/ في زورق الضحى))؟. تمتاز هذه القصيدة أيضاً بتماسكها الفني، وترابطها الموضوعي، فالأجزاء مُحكَمةُ البناء، وإن حذف أيّ جزءٍ سيؤدي إلى خلل واضح في كامل البناء الشعري على الصعيد الفكري والفني والرؤيوي، كما أن اللاحق هو نتيجة للسابق، والشاعر يستفيد هنا بوضوح من مقولة السببية، أي ترابط السبب والنتيجة، كقوله: (("إحفِرْ هنا"/ وأطلقَ الغمامْ/ صراخَه/ وغلَّ في السماء/"، واضح هنا إن إطلاق الغمام للصراخ جاء نتيجة منطقية لعملية الحفر. نلمس في هذه القصيدة أيضاً توازناً"نسبياً" مدهشاً بين الواقعي والحلمي، الأرضي والسماوي، وكذلك بين العاطفي والفكري، وعملية التحويل هنا تتم"غالباً" من الحدث- إلى الصورة، ومن الواقع- إلى الصورة، و"أحياناً" من الواقع- إلى الفكرة، وحسب قراءتنا هنا فإننا نستنتج بأن الشاعر يتكئ في غالبية الأحيان على الصورة كأداة فنية جوهرية وأساسية في بناء نصه الشعري، وهذه الأداة هي التي تتضمن طاقته التشوفيّة والفكرية في أغلب الأحيان، إلا أنه في أحيان قليلة يلجأ إلى الانتقال من الواقع إلى الفكرة بدون الاتكاء على الصورة أو المجاز أو الرمز في بنائهِ الشعري. أما قدرة الشاعر التخييلية العالية فتتجلى لنا بمهارته الفنية في رسم وبناء الصورة الشعرية الاستعارية والتشبيهية الأخّاذة والمدهشة. ومن أهم سماتها الفنية: إنها صور تختزن في داخلها طاقات إيحائية وفكرية خلاّقة وعميقة تفسح المجال لإمكانية التأويل والتعدد الدلالي، وهذا دليل على عمق الشاعر الرؤيوي وثقافته الشمولية العميقة التي انعكست بوضوح على ثراء صوره واكتنازها بالمعنى، فهي ليست صور"خلبيّة" - كما نلمس ذلك عند بعض الشعراء المحدثين- تتوخى الدهشة من أجل الدهشة، والمفارقة من أجل المفارقة، ويكون هَمُ هؤلاء اللعب والاشتغال على الصورة واللغة فقط دون الاكتراث بالتجربة والمعنى والصدق الفني وغيرها من العناصر الأساسية التي بدونها يستحيل نجاح العمل الفني المُبدِع، إنها-أي صور الناعم- صورٌ لها وظيفة دلالية وفنية ورؤيوية واضحة، صورٌ تثري الفكر والشعور القائم على تجربة صادقة ومعاناة حقيقية في الحياة. كما نلمس أن الشاعر عبد الكريم الناعم حاول إيجاد توازن"نسبي" بين المجرد والمحسوس في بناء صوره- مع غلبة للطابع الحسي- فلا إيغال في التجريد يصل بنا إلى حد التهويمات والابتعاد الكلي عن الواقع والحياة، ولا ذوبان في المحسوس يؤدي إلى الارتهان الكلي للواقع بصورة جامدة تؤدي إلى إضعاف الجانب التخييلي في الفن ومن ثم إضعاف"الروح المبدع" باعتباره طاقة فنية وجمالية خلاّقة ومبدعة تنقلنا إلى مصاف المدهش والسامي في الفن، نعم، إن الواقع هو المرجعية الأولى لهذا النص الشعري الذي نتناوله نقدياً، لكنهُ الواقع المعاد صياغته جمالياً وفنياً بواسطة الأدوات الفنية التي يمتلكها الشاعر وأهمها: الصورة واللغة والخيال والمجاز، ومن أهم السمات الفنية الأخرى لصوره الشعرية، هي تماسكها الفني، وطابعها الابتكاري المدهش والخلاّق، وهي غالباً صور مركبة وليست بسيطة. فلنقرأ له هذه الصورة المركبة: ((والكلامُ: طائرٌ تقطعت بروقُه/ فراحَ ينقر الحجر/)). صورة إشراقية مركبة يطغى عليها الجانب الحسي، وتتكون من ظاهرة مجرد وثلاث ظواهر حسية: "فالكلام" ظاهرة مجردة، و"الطائر"، و"البروق" و"الحجر" ظواهر حسية. عنصر التحويل أو الطاقة التحولية في النص واضحة هنا تماماً، حيث يتحول"الكلام" إلى "طائر"، حي يمارس وظيفة دلالية ورؤيوية معينة، ما يدهشنا هنا في هذه الصورة هو شحنتها الفكرية والعاطفية العالية، فهي تختزن طاقة إيحائية مدهشة تفسح المجال للتأويل، والتعدد الدلالي، وإمكانية القراءة المتعددة والمتنوعة، وحسب قراءتنا وتأويلنا لها، فإننا نرى بأن هذه الصورة مرتبطة فكرياً وشعورياً بالجملة الشعرية التي سبقتها، وهي نتيجة لها: "عينٌ على القبر الذي يُعَدُ" فالصهاينة كانوا يعدون القبر للشهداء الأربعة، أما"العين" هنا فيمكن تأويلها بأشكال متعددة، حيث يمكن أن ترمز إلى"عين الشهيد" التي تراقب عن كثب التمهيد لعملية الموت المُعَدة له، ويمكن أن تكون"عين الراوي"- ويمكن أن تكون-لاحقاً- "عين المتلقي، "باعتباره متفاعلاً ومنتجاً للنص، أما جوهر الفكرة- حسب اجتهادنا وتذوقنا النقدي- فإنها تعبير عن شدة الألم الإنساني الذي يعصف بالإنسان، وينعكس ذلك على الكلام باعتباره وسيلة للتخاطب ووسيلة للإنسان لتفريغ شحناته العاطفية والفكرية. إنها وسيلة البوح الأرقى للإنسان حينما تعصف فيه حالات الألم، إلا أن عظمة الفن هنا هو أن الكلام يتحول إلى طائر لا حول ولا قوة له إزاء هذا المصير الكارثي، طائر"تتقطع بروقه" حسب تعبير الشاعر، البروق رمز للإضاءة والإشراق، وتقطعها يعني حلول الموت والظلام التدريجي، وليس الفجائي والكلي، لأن الشاعر لو قال: تمحي بروقه مثلاً لوردَ إلى ذهننا بأن الظلام سيحل بشكل كلي، ولكن الفعل الذي استخدمه"تتقطع" أعطي حركية هائلة للصورة، كما بيّن لنا أن حلول الموت سيكون تدريجياً وليس بشكل كلي وسريع، وهذا التدرج يعطي معنى"الثقل" الذي تكتظ به اللحظة، أو الزمن، إنه الزمن الثقيل المكتظ بالمرارة والمشحون بالقلق والألم الإنساني، وإزاء هذا الزمن المأساوي لا يستطيع الكلام- الطائر أن يمنع حدوث عملية الموت وطغيان الظلام فيضطر من شدة ألمهِ إلى"نقر الحجر"، تصوروا هذا المشهد الحسي البارع، الأخّاذ، الجديد، النضر والمبتكر: الكلام يتحول إلى طائر ينقر الحجر من شدة ألمه، لأنه لا يستطيع أن يقوم بفعل آخر لتغيير الطابع المأساوي للمشهد، أو المصير الوجودي المؤلم للشهداء الأربعة، وتختزن هذه الصورة في داخلها شحنة عاطفية متأججة، ورهافة لا حدود لها، فالكلام الطائر -حسب الطاقة الإيحائية في النص وهو الهدف الذي توخاه الشاعر من بناء هذه الصورة حسب رأينا- يمكن أن يتحول إلى إنسان تعصف بروحه الآلام فيضطر إلى نقر الحجر المعروف بشدة صلادتهِ وصلابته من شدة الهول الكارثي. لنقرأ له، بل لنتذوق هذه الصورة المدهشة والمبتكرة: ((أفكرةٌ، أم نجمةٌ لها جناحا نحلةٍ حزينةٍ؟)). إنها صورة مركبة تتكون من ظاهرة مجردة: "فكرة"، وظاهرتين حسيتين: "النجمة، والنحلة". أول ما يلفت انتباهنا في هذه الصورة هو أنها لا تتصف بالثبات والتحديد، بل بالتحول والصيرورة، والذي جعلها قابلة للتحول هو التساؤل الذي طرحه الشاعر وهو ما منحها إمكانية التأويل والتعدد الدلالي. كما أن الطاقة التحولية تتجسد أيضاً بأن الفكرة تتحول إلى نجمة أو نحلة،. ما يدهش هنا ليس تحول الفكرة إلى نجمة أو نحلة فحسب، بل إن الشاعر بمقدرتهِ التخييلية المبدعة استطاع أن"يخلق" لها جناحين تطير بواسطتهما، إنها الفكرة- المُجنحة، الفكرة- الطائرة، أو النجمة- الطائرة، واستخدام النجمة هنا منحها صفة الإضاءة، فهذهِ الفكرة إذن مُحَلِقَة ومضيئة أيضاً في ذات الوقت. وهذه النجمة"لها جناحا نحلة حزينة"، الشحنة العاطفية هنا تتجسد بصفة"الحزن" تحديداً، أي أن الشاعر منح الجماد"النجمة" صفة"الحزن" وهي من صفات الكائن العاقل الشعورية- الإنسان- الذي يتأمل ويحزن. إذن فالفكرة- النجمة مضيئة ومُحلِقة وحزينة في ذات الوقت. يرتكز الشاعر في لا شعوره هنا إلى فكرة عميقة وهي إن الحزن ينبثق من الضوء، أو أن الحزن يترافق أو يتلازم مع التوهج، ففي أحشاء الضوء ينبض الحزن، وفي ثنايا الحزن ينبض التوهج والفرح، فكرة جدلية تكشف عن رؤية شمولية ومعمقة لتحليل ماهية الأشياء وجوهرها الدفين. ومن السمات الفنية الأخرى لهذه الصورة هي تماسكها الفني، وطابعها الابتكاري المدهش الذي يدل على فرادة الشاعر وتميز شخصيتهِ الفنية. القصيدة زاخرة بالعديد من الصور الشعرية الاستعارية والتشبيهية المشرقة والمتألقة، وسنذكر في الفُسحة المتوفرة لنا هنا بعض هذه الصور. يقول في هذه"الاستعارة" المدهشة: ((-"إحفِرْ هنا"/ وأطلق الغمامْ/ صُراخَه/ وغلَّ في السماء)). شبه الشاعر الغمام بإنسان يصرخ، وحذف المشبه به"الإنسان" وأبقى ما يدل عليه"الصراخ". كما نقرأ هذه الاستعارة الرائعة أيضاً: "ها وردةٌ تلفتتْ/ فاجأها الحقل بأربعٍ تفور بالشذى"، شبه الشاعر"الوردة" بإنسان"يتلفت"، وحذف المشبه به"الإنسان" وأبقى المشبه"الوردة". كما نقرأ العديد من الصور التشبيهية المدهشة والمبتكرة كقوله: "كما الفراش غيمةٌ من الزهور، غيمةٌ من الشذى" وقوله: "أربعة من الرؤوس مثلما تطفو/ قناديل الحكايا... " وبالرغم من تأكيدنا على المستوى الفني الإبداعي المتميز في قصيدة الناعم هذه: "لأركان عرشها"، إلاّ أننا نقرأ بعض الجمل التقريرية والمباشرة- ولكنها نادرة وقليلة- كقولهِ: ((أيديهمو شُدَّت إلى الوراء))، وقوله: ((وباتجاه القدس أغدقت لحونها/ وابتدأ الإنشاد.....))، ويمكننا القول في هذا المجال أن استخدام الشاعر للمباشرة في بعض مواضع قصيدتهِ لم يؤثر سلباً على القيمة الجمالية والفنية في نصه، أي أن استخدام المباشرة أو الشرح التفصيلي كان ضرورياً- في أغلب الأحيان- لتعميق الفكرة وجعلها أكثر وضوحاً، ومن أجل اكتمال المعنى والتمهيد لبناء الصورة، فمثلاً الشرح الذي لجأ إليه هنا: "ضربةً على صيوان رأسهِ" جاء ضرورياً جداً لبناء الصورة اللاحقة: "فَأَنَّ طائرٌ حاصرَهُ انكسارُ صوتِه" حيث أن الصورة جاءت نتيجة منطقية لسبب"الضرب" ولولا الشرح التمهيدي هذا لما استطاع الشاعر أن يُبدع هذه الصورة أساساً. إن الشاعر ما أن يضطر للشرح والتفسير أو المباشرة -وهو سبب للهبوط الفني- حتى يرتفع بالكلام من العادي إلى الفني والمدهش بالاستناد إلى الصورة، والخيال، والمجاز عموماً. أما لغة الشاعر عبد الكريم الناعم، فهي لغة فنية مجازية، موحية ومُشرقة، عذبة ومنسابة، تمتاز بجزالة ومتانة مفرداتها وألفاظها، وهو في هذه القصيدة، كما في عموم تجربتِه الشعرية التي تجاوزت الثلاثين عاماً، يمتاز بقدرته على تطويع اللغة وإقامة العلاقات المدهشة بين مفرداتها، وهذه واحدة من أهم السمات الفنية التي تدل على تميز تجربته، كما تميزت لغة هذه القصيدة بشدة التكثيف، والاقتصاد اللغوي، فالشاعر يختار مفردته بعناية بالغة ويضعها في الموضع الصحيح، أي أن موقعها يلعب فاعليته الصحيحة ضمن الجملة الشعرية، وضمن السياق الشعري العام للقصيدة، ويبقى أن نقول إن هذه القصيدة هي من بين القصائد المتميزة من الناحية الفكرية والرؤيوية والجمالية التي كتبت عن الانتفاضة الفلسطينية. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |