شعر الانتفاضة في البعدين الفكري والفني - فائز العراقي

دراسة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:17 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

أحمد مشوّل/ سورية

الشاعر العربي السوري أحمد مشوّل كتب قصيدةً عن الانتفاضة بعنوان: "أمطار الرمل القرمزي".‏

القصيدة تكشف عن حساسية جديدة، ورؤية جديدة في التعامل مع الأحداث، والأشياء، والموجودات. فهي تباغتنا بالدهشة منذ قراءتنا الأولى لعنوانها: ((أمطار الرمل القرمزي)). فالشاعر يستند في اختيار عنوانه هذا على أسلوب المفارقة- الدهشة، وهذا الأسلوب يتكرر في العديد من مقاطع القصيدة. فالرمل هو أحد المواد التي تدخل في تكوين الحجر، لكنه أيضاً من ناحية أخرى رمز للجدب، أما المطر فهو رمز للخصب والحياة كما هو معروف. المفارقة هنا هي هطول المطر من الرمل، أو انبثاق الخصب والحياة من الجدب والموت، وواضح أن الشاعر يرتكز هنا على جدلية الحياة والموت وتداخلهما، أما الرمل فهو مضرّج باللون القرمزي باعتباره رمزاً للثورة والإشعاع.‏

تتكون بنية القصيدة العامة من عشرة مقاطع. الانتفاضة هي الرابط الموضوعي لهذه المقاطع، أو الخيط الدقيق الذي يمنح بنيتها التماسك الفكري والفني.‏

لم يخاطب الشاعر الانتفاضة بشكل مباشر، بل خاطبها بصيغة الأنثى الحبيبة"أنتِ"، إذن نقرأ الانتفاضة- المرأة، الانتفاضة- الحبيبة، وقد أسبغ استخدام رمز"المرأة" صفة الديمومة والخصب على الانتفاضة.‏

الانتفاضة خصبة ومتجددة، وهي في حالة عطاء وولادة دائمة كما الغيم، وهي لا تنبض فينا في حالات اليقظة والصحو والواقع، بل هي في أعمق أعماق ذاكرتنا، ووجداننا، وهي تراودنا حتى في أحلامنا، وحينما تهطل كالمطر على رؤوس الأعداء الصهاينة فإن فراشات أحلامنا تطير، بل تتحول عسلاً ورصاص، هذا ما يكشفه الشاعر في مقطعه الشعري الأول، وهو أيضاً يجمع هنا بين النقيضين: العسل والرصاص، أي أن الانتفاضة مصدر مزدوج للعسل والرصاص، العسل للمنتفضين وبناة الحياة، والرصاص"الموت" للغزاة وأعداء الحياة، لنقرأ له هذا المقطع الدال:‏

((غيمٌ من الحجارةِ‏

ينسلُ من أحلامنا‏

وفراشات صدركِ‏

تطيرُ عسلاً ورصاص)).‏

في المقطع الثاني يخاطب الشاعر"العصافير" باعتبارها رمزاً للحلم والشفافية والحرية، ويدعوها لكي تمارس فعاليتها في نثر البهجة والفرح والحياة، كما يدعو الطرق- في حركة تدل على جذريتها الثورية- إلى أن تنتفض على ذاتها و"تخلع أرصفتها" تمهيداً لانطلاق النشيد العام، نشيد المنتفضين: ((ودع العصافير/ تنثر براعمها/ والطرق تخلع أرصفتها/ ليبدأ النشيد/)).‏

في المقطع الثالث نقرأ حالة المزاوجة بين النقيضين: الهواء والنار، اللطف والحياة، والثورة والتأجج واللهيب، كما نلمس الطاقة التحولية في النص حيث تتحول جثث الأحياء إلى قرنفل وهدايا: ((هذا الهواء يراقص النار/ وجثث الأحياء/ تتساقط قرنفلاً وهدايا/)).‏

كل شيء من أجل الانتفاضة، ومن أجل ديمومتها تذوب أرواحنا، أما الحجر هنا فهو يراقص: "خفافيش الضوء"، الحجر هذا اللاعب الماهر الذي يطارد الخفافيش، يلجأ الشاعر هنا مرّة أخرى إلى أسلوب المفارقة- الدهشة فالمعنى المتوقع هو أن يضرب الحجر خفافيش الليل، أما المعنى المجازي وغير المتوقع فإن فعل الضرب يقع على خفافيش الضوء، وهنا أراد الشاعر العلانية والوضوح من استخدامه لمفردة"الضوء" أي أن الصدام يقع في وضح النهار وأمام الملأ، هذا ما يكشف عنه المقطع الرابع:‏

((لعينيها تذوب أصابع الشفتين‏

حجر يراقص خفافيش الضوء‏

في بهاء اللوحة الأخيرة))‏

ثم تتنوع الدلالة، وتغدو الانتفاضة في المقطع الخامس مصدراً لحالة البهجة والفرح التي يعبر عنها العازفون:‏

((خرج العازفون/ من مرمر صدرها/ لغواية الرغبة الجديدة)). أما في المقطع السادس فيتكئ الشاعر على فكرة الأحياء- الموتى في بنائه، وهي محاولة لصدم العرب الجامدين أو المتقاعسين الذين لم يتحركوا أو يهّبوا لنجدة المنتفضين، إلا أننا يمكن أن نقرأ هذه الفكرة قراءة مغايرة ونقيضة، لأن النص هنا يفسح المجال للتأويل، كأن نقول بأنه أراد من جملتهِ الشعرية هذه: "نمضي لقبور أحيائنا" القول بأن ذهابنا لزيارة قبور الشهداء من"الأحياء" في ضمائرنا ووجداننا: ((نمضي لقبور أحيائنا/ دماء نارنا/ تملأ الشوارع/ فرحاً وأهازيج)).‏

ثم ينتقل الشاعر في المقطعين السابع والثامن من العام إلى الخاص((عصافير روحي/ معلقة على مشجب الصدر/ ... المقطع السابع)) و"أغلق نوافذ جسدك.... المقطع الثامن"، إلاّ أنه لا يلبث أن يزاوج بين الخاص والعام في المقطع الثامن:‏

((أغلق نوافذ جسدك‏

بأزهار أحلامنا‏

وأنتظر الجرحى‏

والعائدين من حصاد الرؤوس))‏

أما في المقطع التاسع فيؤكد الشاعر على فكرة: "التناسل" تعبيراً عن تجدد الانتفاضة الدائم: ((عذراء وأطفالك/ يتناسلون من الجدران)).‏

وأخيراً يفتح لنا الشاعر كوة للأمل والخلاص وانتصار الحياة وتفتحها من جديد:‏

((الرمل رايتنا وحجارتنا‏

تفاجئنا الأشجار‏

ونوافير الخضرة‏

نودع صباح قهوتنا- ونبدأ التفتح من جديد))‏

ما يمكننا القول هنا هو أن القصيدة لا تتنامى أو تتطور بشكل عضوي قائم على الرابطة المنطقية، فكل مقطع له استقلالية"نسبية"، وليس هناك علاقة مباشرة بين اللاحق والسابق، إننا إزاء القصيدة- الحالة، أو الحالات- المتناثرة والمتشظية والمستقلة"نسبياً"، إلاّ أن ما يوحدها في نهاية المطاف هو تمجيد الانتفاضة، وهو الخيط الرابط بين مقاطعها كما أسلفنا القول.‏

كما يمكن القول بأن الشاعر أحمد مشوّل يتكئ على الصورة في بناء معماره الشعري، أي أنها الأداة الفنية الأساسية التي يستند إليها في بناء قصيدته، ويسعفه في ذلك طاقة تخييلية منتجة ومدهشة.‏

وفي قصيدته هذه: "أمطار الرمل القرمزي" نقرأ العديد من الصور الإشراقية المدهشة والمبتكرة والتي تختزن داخلها طاقة إيحائية عالية، ومن هذه الصور: ((غيم من الحجارةِ/ ينسلُ من أحلامنا)) وهي صورة مركبة يغلب عليها الطابع الحسي، ما يُعطي لهذهِ الصورة حركيتها المدهشة، هو الفعل"ينسلُ"، فالانسلال تعبير عن حركة رشيقة هادئة وبطيئة عادة، تصوروا أن غيماً من الحجارة وهو في حالة انسلال، ومِن ماذا؟. مِن أحلامنا وليس من ظاهرة واقعية مباشرة!!. إنها صورة موحية ومشرقة تؤكد بأن الانتفاضة أصبحت مرتبطة حتى في أحلامنا!! وهذا ما يبعث على الدهشة. لنقرأ له هذه الصورة أيضاً: ((هذا الهواء يراقص النار/ وجثث الأحياء/ تتساقط قرنفلاً وهدايا/)) فهي صورة مركبة ذات طابع حسي: "فالنار والجثث والقرنفل والهدايا ظواهر حسية". مراقصة الهواء للنار يعطي لهذه الصورة حركية مدهشة، إضافة إلى طاقة إيحائية تنبثق من جمع النقيضين، الهواء والنار. كما أنها صورة مباغتة تفاجئ مخيلتنا وذاكرتنا بانزياحها الدلالي، فكيف يمكن أن يتساقط القرنفل أو الهدايا من الجثة؟. هنا بالضبط تباغتنا الأشياء غير المتوقعة، ومن هنا أيضاً تنبثق الدهشة التي تقودنا إلى فُسحة جديدة من الابتكار والتجديد، فسحة لم نتلمسها سابقاً، أو ليس الشعر في إحدى أهم تجلياته ووظائفه كشفاً للمجهول، وارتياداً للعوالم التي نعرفها سابقاً؟.‏

لنقرأ له هذه الصورة المدهشة أيضاً: ((لعينيها تذوب أصابع الشفتين)). فهي صورة مركبة من ثلاث ظواهر حسية: "العين، الأصابع، الشفتين". ما يُبهِر هنا هو غرائبية الصورة. فنحن لا نتوقع أن تتدلى الأصابع من الشفتين، ولو قال الشاعر: "تذوب الشفتان" مثلاً، لما منحنا الدهشة، ولما شَعَرْنا بنكهة المغايرة والتعجب.‏

الصورة تمتاز بغرائبيتها وسورياليتها وجدتها، إلاّ أن تذوقها قد يختلف من متلقي إلى آخر. وأنا شخصياً لم أرتح كثيراً من الناحية الذوقية والنفسية والجمالية لهذه الصورة النافرة: أن يكون"للشفتين أصابع"!!، فبالرغم من أنها تمنحنا الدهشة والتعجب إلاّ أن منظر الأصابع وهي تنبثق أو تلتصق بالشفتين -حسب تذوقي الخاص- يبعث على عدم الراحة، ولو قال الشاعر مثلاً: تذوبُ"أغصان الشفتين" أو"وردةُ الشفتين" لأعطى لهذه الصورة بعداً جمالياً نضراً، مستساغاً، شفافاً. إذن ليس كلُ غرائبي، أو ليس كلُّ ما يدهشُ يمكن أن يكون جميلاً، وللموضوعية أقول هنا: إن هذا تذوقي الخاص ولا ينبغي لي أن أُعمِمُهُ، فربما يأتي متذوق آخر ويرى عكس ما رأيته، بل ربما تخلب هذه الصورة لبَّهُ وينحاز إلى غرائبيتها المدهشة. المسألة ذوقية ولا تتعلق بقوانين ومعايير مُعَدة سلفاً.‏

وبالرغم من أن الشاعر اعتمد كما أسلفنا -غالباً- على الصورة كأداة جوهرية وأساسية في بناء النص، إلاّ أنه في أحيان-قليلة- وقع في مطب الشعاراتية والتقريرية والمباشرة، وخاصة في المقطع العاشر حيث نرى أنه أضعف المقاطع من الناحية الفنية، كقوله: "الرمل رايتنا وحجارتنا" و"تبدأ التفتح مِن جديد".‏

رموز الشاعر في هذه القصيدة تمتاز بشفافيتها، وبساطتها، ووضوحها: "الفراشة، الهواء، النار، العصافير، العازفون، المرمر، البلابل...... الخ".‏

أما لغتُه فهي لغة إشراقية، فنية موحية، تعتمد على شدة التكثيف والتركيز، وعلى الإيماء والترميز والإيحاء-غالباً-، كما أنها لغة واضحة وبسيطة وعذبة تبتعد عن التكلف والتعقيد، ويتجلى إبداع الشاعر في كيفية بناء العلاقات المدهشة والجديدة بين مفرداتها.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244