شعر الانتفاضة في البعدين الفكري والفني - فائز العراقي

دراسة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:18 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الثاني ظاهرة الشعراء الشباب/ نماذج مختارة

انعكس هذا الحدث التاريخي النضالي الكبير -الانتفاضة- أيضاً في إبداعات العديد من الشعراء الشباب، وإن من يقرأ بتمعن وتأمل وتجرد بعض هذه الإبداعات الشعرية الشابة، يشعر بفرح غامر لمدى النضج الفني الذي بلغتْهُ القصيدة عند عدد منهم، وسنذكر على سبيل المثال: محمد سلاّم، محمود سرساوي، فجر يعقوب، عبد الله عيسى....الخ، وهم من الشعراء الشباب الفلسطينيين.‏

إن هذه الظاهرة تُبشر بولادة أسماء شعرية سيكون لها شأنها وحضورها في المستقبل على المستويين الفلسطيني والعربي، وذلك إن واصلت هذه الأسماء -أو بعضها- مسيرتها الشعرية، وطورت تجربتها وأدواتها الفنية، وعَمقت من رؤيتها الفلسفية، والفكرية للحياة بدأب ومثابرة وَجِد حقيقي.‏

* محمد سلاّم:‏

الشاعر الفلسطيني الشاب محمد سلاّم بدأ كتابة الشعر في أوائل الثمانينات، له ديوان شعر: "في الموت متسع".‏

يقول في قصيدتهِ: "الحجارة".‏

"صرخة يحتلها ظل تفاحة‏

وزعت ذاكرتي على قبضة النار‏

قال: أرى وساماً‏

وإكليلَ ضحكٍ فوق قبري‏

قال: يخفق بين أوردتي الزعتر البري‏

أو يستحيل وشم النزيف منارة".‏

منذ البدء تبدو المقدرة الفنية المدهشة لهذا الشاعر، فلا زعيق ولاصراخ مجاني، بل قصيدة شعرٍ تحتضن الثورة وفلسطين من الداخل، حيث القصيدة تتنامى تنامياً درامياً واضحاً من خلال استخدام العديد من الأساليب الشعرية: المونولوج، الاستذكار، الاتكاء على رسم الصورة الشعرية المبتكرة لإضاءة الحدث، إنها باختصار قصيدة رؤيوية ذات طابع درامي، وتتجلى لنا تركيبيتها بتعدد أصواتها: الضمير الغائب: "قال: أرى وساماً"، ضمير المخاطب: "كيف عضتك يا أمي الشظية"، وضمير الجماعة الغائب: "صلينا لأجل فزاعات حزنك/ وقت غاب الموت عن أجفاننا"، فلنقرأ للشاعر هذه الأبيات:‏

"كيف عضتك يا أمي الشظية‏

كيف خبأكِ الحنين‏

بين أجنحة التمني‏

واعترتكِ ملامحُ القدسِ‏

أسماء معارة‏

كيف لا يتشيطن الأطفال في باحةِ حزنكِ، حين دقت ساعة الأموت في قبر الدعارة".‏

انسيابية شعرية واضحة، وتدفق شعري جميل يتنامى عبر إثارة العديد من الأسئلة الحارة التي تتمحور حول الأم الفلسطينية المقاتلة التي ترمي نفسها بين أتون الشظايا القاتلة وأتون الحنين المتوثب الذي يحرق جوانح الروح رغبة في معانقة تراب وأرض فلسطين. معانقة القدس التي ألبسها الصهاينة عنوة اسماً مستعاراً.‏

إنها قصيدة تبعث على الكشف والتأمل، وكذلك على التحريض ولكن الضمني وليس المكشوف، أي من خلال الصورة الشعرية والسياق الشعري حيث تتفجر الطاقة الإيحائية في الشعر من خلال مخيلة مبدعة، ومفردة شعرية، يجيد الشاعر في أحيان كثيرة استخدامها-، انظروا إلى كلمة: "يتشيطن" أما يحس المرء بنكهة وطراوة عذبة لهذه الكلمة، هنا تكمن أيضاًفرادة الشاعر وخصوصيته في انتقاء مفرداته الشعرية وقاموسه الشعري.‏

وبالرغم من هذا العلو الفني -عموماً- فإن الشاعر يجنح أحياناً إلى "الشكلانية"، وبالمناسبة فإن هذا العيب الفني والفكري هو واحد من أهم النواقص لدى شاعرنا محمد سلاّم، لو استّطاع التخلص منه لحلق بعيداً في قصائده، وقدم لنا الأنضج والأبهى، وبدهي أن ذلك لن يتحقق له بدون تعميق رؤيته الفلسفية وتطوير مداركهِ النقدية، وبالإضافة إلى الاستناد إلى صدق التجربة الفنية باعتبارها عنصراً هاماً وأساسياً لنجاح أي عمل فني.‏

إن "الشكلانية" هي نقيض الصدق الفني وذلك من الناحيتين الفكرية والفنية معاً، لنقرأ مثلاً قوله: "استأجرتُ سرباً من حريق النوارسِ/ شلو أقنعة احتراقك"، تُرى لماذا أتت هنا مفردة: "شلو"؟، وماهو دورها هنا وعلاقتها ببقية الكلمات في الجملة الشعرية المذكورة؟!‏

من الواضح أنها حُشرت حشراً في هذه الجملة مما أضعف بنيتها الفنية وأوقعها في مطب "الشكلانية" علماً أن الجملة الشعرية التي سبقتها هي غاية في الروعة والجمال الفني المدهش.‏

محمد سلاّم استخدم في قصيدته مفردة:"الحجارة" غير مرة، لكنه وظفها "عموماً" بشكل فني ماهر وداخل السياق الشعري:‏

"أدركتُ صبحاً يعبأ في لفافة تبغنا‏

نبض عنيف في ضفائر اليُتم‏

مبخرة الجسارة‏

هذه معادلة الحجارة".‏

وقوله: "تغير الحجارة كأنثى، أرجوحتي خشخشةُ الدم في مشهد مستحيل، ألا أيها الجوع/ يا أبهاء مافقد النخيل/ دمنا حجارة"، وقوله: "يخرجك من فراشك البحر أعلى من دمي/ أنفي التقزز في اشتهائكِ/ خاتم الخطبة يجأر/ هل تزوجت الحجارة".‏

وقوله: "قالت: البحر نرجسي المبعثر بين كرم الأصدقاء/ أريد منبتاً لشهوة النقش/ سماءٌ مسقوفة بالحجارة". إن نجاح الشاعر هنا في استخدام مفردة "الحجارة" هو في تنويعه عليها، أي في استخداماته الفنية والفكرية المتنوعة لها، لا كما أرهقنا العديد من الشعراء العرب بسيول حجارتهم التي شجت أرواحنا وأبعدتنا عن سحر الشعر وعوالمه الخالدة.‏

إياد عاطف حياتلة:‏

الشاعر الفلسطيني الشاب إياد عاطف حياتلة مِن الأسماء الشابة الجديدة، لم تتح لي الفرصة سابقاً الوقوف جيداً على تجربتهِ الشعرية، غير أن قراءة مجموعة من قصائده التي كتبها عن الانتفاضة تُنبئ بميلاد موهبة شعرية لو أتيحت لها الرعاية، ولو دأب الشاعر على صقلها وتنميتها وتطويرها لأعطت شعراً جيداً وجميلاً، وهذا متروك للمستقبل، ولمدى إخلاص الشاعر لقضية الشعر.‏

بين أيدينا ثلاث قصائد كتبها الشاعر عن الانتفاضة: "أحجار كريمة، وردة للرام.... قبلة للعروس، وابتهالات إلى قرية بيتا".‏

وفي قصيدته: "أحجار كريمة"(14)، وخاصة في مطلعها تبدو هذه الشاعرية واضحة:‏

" أكليلُ غار، ياسمين، وزنبقة‏

وردٌ على الشرفاتِ يبكي/ المآذن تستجيرُ بربها‏

طيرٌ يغرد صوته مبحوح‏

وحمامةٌ ترنو إلى كل الجهاتِ ولا أحد/‏

فتعود تدفن رأسها وتنوح‏

ليلٌ خرافيٌ يخيم، المداخل مغلقة‏

ودمٌ على الجدرانِ يرسم صورتي‏

الموتُ عرس/ القيامة قائمة‏

البحر أسود، والمخيم يونس في بطن حوت‏

وعروبةٌ دفنتْ مروءتها ومافي حلقها‏

إلاّ البيانات التي إما تندد أو تندد والسكوت".‏

روح شاعرية منسابة دونما تكلف ومشقة، لغة شاعرية تتكئ على رموز شفافة فيساعدها ذلك على رسم صور شعرية جميلة: "ورد، المآذن، طير، حمامة......الخ.‏

من الرموز"، غير أن هذه الشاعرية سرعان مايطقطق الحص في خلجانها وأنهارها، وذلك حينما يضع الشاعر بنفسهِ قيوداً ثم يكبل روحه بها، وأعني قيد القافية والموسيقى الخارجية، هنا يجري لجم المخيلة، فيخبو الوهج الشعري، ويتعكر الانسياب الشعري، لنرى ماذا فعل قيد القافية: "حجرٌ لمن خبز المخيم يسرقون/ ولمن على دمنا همو يتفرجون، وقوله: حجرٌ لهم شبحاً سيجعل بالهم أبداً قلق/ ناراً ستحرقهم وأنظمة الورق".‏

تُرى ألا يمكن التمييز بين هذه الجمل الشعرية: "وردٌ على الشرفات يبكي، ودم على الجدران يرسم صورتي"، وقوله: " حجرٌ لمن خبز المخيم يسرقون"؟!‏

في الأولى يتضح لنا جيداً مدى العلو الفني الذي بَلَغَهُ الشاعر من خلال ابتكاره للصور الشعرية المتألقة، وفي الثانية سقوط واضح في الكلام العادي الذي يخلو من بريق الشعر ولغته المدهشة.‏

ويستمر الشاعر في هبوطه الفني في المقاطع التالية، حيث تسود التقريرية والمباشرة: " يا أيها الجبناء لا تتفاءلوا/ هذا الزمان طويل/ نحن وراءكم/ لن نستريح...". هذا الكلام لا تربطُه أية رابطة بالشعر، وهو خطاب سياسي ليس إلاّ...‏

وفجأة يرتقي بنا الشاعر من خلال مقطع شعري آخر إلى المدهش والسحري في الفن: "حجرٌ يُهيئ شمعتين إلى الصباح/ تهتزُ من خوف له العتمات/ ترتعد الرياح/ ويجيء في وجل إليه الله، ويقبل الكف التي ألقت به قمراً/ لخاتمة الجراح". بقي أن لا ننسى أن استخدام الشاعر للقافية لم يكن مُضراً من الناحية الفنية بشكل مطلق، بل أحياناً ساعده ذلك على الإضاءة الشعرية، كقوله: "لدماه رائحة البنفسج والحبق/ للنور في عينيه معجزة الكواكب والشفق".‏

من هنا، نحن لسنا ضد استخدام القافية -بشكل مطلق- شريطة أن يأتي استخدامها ضمن السياق الشعري ولا يعكر انسيابية الشعر ويحد من جموح المخيلة، ومن انبساط الفكرة الشعرية.‏

أما على الصعيد الفكري، فإن قصيدة إياد: "أحجار كريمة"، جاءت مشحونة بالتحريض وإدانة صمت: "الأنظمة الورقية"، وتعرية زيفها، هذه الأنظمة التي اكتفت بالتطبيل والتزمير في إذاعاتها، ولجأت إلى تدبيج المقالات ورصف العبارات الثورية والبيانات الصارخة التي تندد بالعدو... ولكن كل ذلك سرعان مايتمزق على أرضية الفعل والواقع، حيث لا نرى سوى فقاقيع إعلامية تتفجر في الهواء: "وعروبة دفنت مروءتها، ومافي حلقها إلاّ البيانات التي إما تندد أو تندد.... والسكوت".‏

محمود سرساوي:‏

الشاعر الفلسطيني الشاب محمود سرساوي بدأ كتابة الشعر في مطلع الثمانينات، له ديوان شعر مطبوع -1982- بعنوان: "تنهدات الجفاف"، أزعم بأنني تابعتُ هذا الشاعر وشعرهُ في تحولاتهِ وتطوراتهِ، وإذا كان في البدء موزعاً ومشتتاً بين عدة أصوات شعرية، وإذا كان في السابق قد حاول أن يستظل بالخيمة "الدرويشية" والخيمة "السيّابية"، فإنّه الآن - ومنذ سبع سنوات تقريباً- بدأ يُكوّن أناه الشعرية وصوته الشعري المتميز، وهو مازال في بداية الطريق أي في بداية التبلور المتميز.‏

وأنتَ تقرأ قصيدته الجديدة: "قمر الوقت المكسور" منذ بدايتها وحتى نهايتها تشعر بانبهار الشعر وطقسه السحري الحالم، يأخذك الشاعر صوب سماوات الحلم القصية، ولكنه مايلبث أن يصدمك وينزل بك إلى الأرض لكي تغتسل بعبقها ونكهتها وخوفها ومرارتها أيضاً: "حُلم- صدمة، صدمة- حلم، حلم- واقع، واقع- حُلم، هكذا يجري التناوب في القصيدة وأنتَ المأخوذ بدهشتها وطعم نضارتها الأولى:‏

"سأبحث عمن يحملُ عسلَ الأرض ورائي‏

يرمي اللحظة سهماً آخر/‏

يقطفها كالخوخ الأبيض بين الدمع‏

يسيلُ صداهُ على النافذةِ/ يجنُ‏

يشربُ سحرَ الظل المائل،‏

رغبة أقدامٍ جائعةٍ‏

جرح البوح‏

تخاذل قمري قليلاً وأصحو‏

مُدَّ الشهقة والسيف المذعورَ.... فنحن‏

نحن خرجنا من المرآة الشكِّ.... خرجنا‏

لم نتعب من تفتيش الحنطة.....لم‏

نطحنها بدهشة صورتنا العائدة".‏

هو ذا الشعر الحقيقي كلما حاولتَ الإمساك به تزحلق بين أناملك كالماء وطار صوب سماواته العليا، لكنه يترك بين جوانح روحكَ نكهته الباردة المنعشة أحياناً، أو لسعته النارية الدافئة أحياناً أخرى، تتوهم للحظة أنك أمسكت برقبتهِ ولن يستطيع الفكاك منك، لكنه سرعان مايتملص منك، بخفة القِطة، ووداعة الضوء، ويتركك مدهوشاً، مبهوراً، هائماً، فلنقرأ أيضاً لسرساوي: "كان الجرس على الأعناق، يبدأ أغنية خائفة، ويتوب البحر...../ ظلان نحيفان، وشجر يكتب سورة عاصفة/ تتعرى فوق النهر الشارد/ تمتمنا.... ما أقسى الأرض/ مشطت الأوحال التيه، جذور الروح.... وقال الريح سنرحل عنا/ كسّرنا الأبوابَ الذئبةَ....".‏

مخيلة سماوية جامحة ورحبة تنتج صوراً غاية في الدهشة والابتكار، لغة شعرية بسيطة- ومركبة في آن واحد معاً، إنها لغة تعتمد على البوح الداخلي، على الرمز والإيماء والتلميح، فلا صراخ ولا صخب، ولا شيء يعلو على صوت الشعر الذي هو من أجل الثورة والإنسان، ومن أجل فلسطين.‏

تزاوج مدهش بين المجرد والمحسوس، انظروا ماذا قال الشاعر: "يشربُ سحرَ الظل المائل"، الظل يخضع لملكة الحواس، الحاسة البصرية، أما السحر فهو مجرد، هذا التزاوج، والفعل "يشرب": أعطى رونقاً وبهاءً للشعر، وحركية هائلة للصورة الشعرية: "نحن خرجنا من المرأةِ الشكِ، خرجنا..... كسرنا الأبوابَ الذئبةَ".‏

نعم، لقد خرج الفلسطيني الثائر، والمناضل، من الشك إلى اليقين، إلى يقين الثورة وانتفاضتها العارمة، كسَّر أبواب الهزيمة وحطمها، وحطم معها كل ماهو زائف ومراوغ، إنه توق لمعانقة الثورة والحلم عبر أسلوب شعري يبتعد عن لغة الخطاب السياسي، داخلاً في لغة الخطاب الشعري، معتمداً على تفجير الطاقة الإيحائية المذابة داخل النسيج العضوي في القصيدة، أي من خلال مفرداتها وجملها ومقاطعها، وبالتالي بنيتها العامة.‏

قصيدة السرساوي عموماً، هي قصيدة رؤيوية تركيبية يغلب عليها الطابع الملحمي الدرامي، تتداخل فيها الأصوات وتتنوع، وتتزاوج فيها الصور البسيطة بالمركبة، فثمة صوت الشاعر أي ضمير المتكلم -والشاعر هنا هو مادة احتمالية، فيمكن أن يكون المناضل، والحبيب، والفادي... الخ.. : "سأبحث عمن يحمل عسل الأرض.... ستقرأ عني آية عطفي"، وثمة ضمير الجماعة الغائب:"لم نتعب...../ كسرنا الأبواب......كيف سنجمع بين البحر...... وبين البحر"، وثمة صوت الراوي الذي يتدخل أحياناً لإضاءة الحدث: "كان الأفق بليداً، كان وصوتي بعيد"، كما نلمس بعض عناصر القصة، والمسرح: السرد الوصفي، والحوار المسرحي. ثمة أيضاً صوت الحبيبة.‏

أحياناً يتنامى الفعل الدرامي في القصيدة عبر الحوار بين صوتين فيها: صوت الحبيب، وصوت الحبيبة:‎‏

" سأبحث عمن ينقل عنكِ هديرَ البحر‏

هذا الصيف المسكون... المجنون‏

يعربد داخل تنورتك، يفيض‏

وقوله: كنتَ تريد اللمسةَ أعمق من أسئلتي‏

كنتَ تحدد بدءَ النار وطعم اللوز‏

وكنتُ أراكْ‏

يهدكَ صيفي على خطوتكَ‏

يمسح عنكَ غبارَ الجمر‏

غرورَ الغيم".‏

وأحياناً يتنامى الفعل الدرامي عبر الحوار الداخلي "المونولوج" أو العلاقة الجدلية بين الشاعر وبين أبطال شعبه المنتفضين في الأرض المحتلة، أي بين الـ "أنا" والـ"هُم":‏

"ما أجملكم بين دموعي...... بين ضلوعي‏

لن أسرق من كرمتكم فرحي‏

سأكتب إني رأيتُ البحر على خطوتكم‏

ينثر آسه فوق أساي لكي تقتربوا......‏

هل تقتربوا؟!‏

أثناء قراءتي لهذه القصيدة لم أعثر على كلمة "الحجر" ولو لمرة واحدة، لقد قلت سابقاً أنني لستُ ضد استخدام هذه المفردة، ولكن كيف نستخدمها ونوظفها بإبداع فني، تلك هي المسألة-، علماً أن كل شيء في قصيدة السرساوي يشير إلى الإنسان- إلى الانتفاضة، إلى فلسطين، وإذا لم يذكر الشاعر هذه المفردة- الرمز "الحجر" فإنهُ ذكر حاملها: "الولد الفلسطيني" الثائر الذي استخدمها ضد الصهاينة الغزاة:‏

"أهذا الولدُ الحاملُ روحي في نهدتك‏

أهذا الظمأ اللاهث جمراً‏

في رعشتك....‏

ما أجملنا ..... ماأحلاك‏

هذي الفضة ذائبة في ذنب غروبك‏

هذا الطير كلامُ الليل على غفوتك‏

هذا القمر سينشر دَمَهُ‏

يأتي.... يأتي... يأتي‏

الجميل والرائع هنا، هو هذا التزاوج بين الصبي الفلسطيني المقاتل الذي يحمل روح الشاعر، ولكنه يحملها في تنهيدة الحبيبة، هنا تداخل الخاص والعام الذي يتجسد أيضاً بقوله: "ما أجملنا.... ماأحلاك".‏

الشاعر محمود سرساوي يدافع عن ثورته وعن فلسطين، لكن دون أن يتكئ عليها لبناء شاعرية مزيفة، أو ليس القمر هو الرمز الشفاف الذي يدل على الانتفاضة؟! أو لم يتنبأ الشاعر بانتصار الانتفاضة من خلال هذا القمر الذي سيأتي مخضباً وناشراً دمه في ساحات النضال؟!‏

ماذا يقول الشعراء الذين قتلوا الفن باسم الثورة!!؟ سأترك للقارئ اللبيب، وللناقد الحصيف حرية الإجابة، وحرية التلذذ بهذه القصيدة، وجوها البهي، ولكن من حقي أن أقول: "فلنحتكم للنص أولاً، لقانونيتهِ وبنيتهِ الداخلية، وليس للأحكام الجاهزة المفروضة على النص من الخارج، والتي غالباً ماتتحكم بها الأمزجة والأهواء والرغبات والعلاقات الشخصية، وقد أضر ذلك كثيراً بحركة وسوّية النقد العربي المعاصر في العقود الأخيرة.‏

ختاماً، يمكنني القول بأن محمود سرساوي هو طاقة شعرية، وموهبة خلاقة ستعطي الكثير للشعر الفلسطيني والعربي عموماً، هذا إذا ما واصل الشاعر دأبه وإخلاصه لقضية الشعر، واعتراضي الوحيد على قصيدته المذكورة، هو على عنوانها: " قمر الوقت المكسور"، حيث أن السياق الشعري، ونهاية القصيدة" وقفلتها على وجه التحديد فتحت أفقاً لانتصار الانتفاضة: "يأتي.... يأتي..." وهو ما يتناقض مع "كسر القمر" أي يتناقض مع عنوانها.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244