شعر الانتفاضة في البعدين الفكري والفني - فائز العراقي

دراسة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:18 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

استنتاجات عامة

- لقد قلنا في بدء دراستنا هذه بأننا لا ندعي الإحاطة والشمول، وإن بعض الاستنتاجات والآراء والأحكام التي توصلنا لها، هي أحكام نسبية وليست مطلقة، وهي لا تدعي احتكارها للحقيقة، أو للصواب دائماً، بل هي ليست إلاّ وجهة نظر نقدية حاولت مقاربة النصوص الشعرية المذكورة في المستويين الفكري والفني، ولذلك فإن الأبواب ستبقى مشرعة لكل الذين يحاولون أن يدلوا بدلوهم في هذا الموضوع.‏

الاستنتاج الأول هو جواب عن سؤال سبق وأن طرحناه في بدء دراستنا، وهو :"إلى أي مدى استطاع هذا الشعر -حتى الآن- الارتقاء إلى مستوى هذا الحدث التاريخي الهام؟! وهل أن المستوى الإبداعي والفني لهذه الأعمال الشعرية استطاعت أن توازيه في ضخامتهِ وحجم تاثيره؟!".‏

نستطيع أن نقول باطمئنان أن الغالبية المطلقة من هذه النصوص الشعرية لم ترتفع إلى مستوى هذا الحدث، وبخاصة من الناحية الفنية.‏

إن حدثاً تاريخياً كهذا يُفترض أن يكون باعثاً ومُحفزاً ودافعاً لولادة أعمال إبداعية هامة توازيه في ضخامتهِ، وتُشكل المعادل الموضوعي الفني له.‏

إلاّ أن الطّامة الكبرى لا تتعلق بعدم ارتقاء غالبية هذه النصوص لمستوى الحدث المذكور، بل إنه جرى بحجة الانحياز للثورة والتهليل للانتفاضة إضعاف الروح الفني، والذائقة الفنية، وبحجة هذا الشعار طفت العديد من الأسماء التي لا تربطها بالشعر رابطة حقيقية ومتينة على السطح، والأنكى من ذلك أن العديد من الأسماء الشعرية العربية المعروفة والتي نكن لها احتراماً عميقاً، ونعترف بدورها الهام في تطوير الشعر العربي الحديث، ساهمت في عملية التردي الشعري، حيث تحولت -الحجارة هذا الرمز الكفاحي- إلى مشجب علقَّ عليه غالبية هؤلاء الشعراء ترديهم الفني، فيا أيتها الحجارة ساعدكِ الله على كثرة الهموم والمصائب التي ابتُليتِ بها!!‏

تُرى ما الذي سيقوله النقد، وتاريخ الأدب مستقبلاً في هذا المقطع الشعري لنزار قباني مثلاً: "يخلع أبوابَ التاريخ/ وينهي عصر الحشاشين/ ويُقفل سوق القوادين/ ويقطع أيدي المرتزقين"؟!‏

إن نقدنا لما كتبه الشاعر الكبير نزار قباني عن الانتفاضة -ونركز على الجانب الفني- لا ينفي حقيقة أن شاعرنا نزار هو واحد من ألمع الشعراء العرب الذين عرفتهم الساحة الشعرية طيلة الخمسين سنة الماضية. إلاّ أن ذلك لا يبرر له الوقوع في عملية الاستسهال الكتابي، بل يرفع من درجة مسؤوليته لكونهِ أحد أعلام هذه الأمة!!‏

ولم يتوقف التردي على مستوى كتابة النص الشعري، بل تعداه ليشمل "التنظير الأدبي"، حيث دعا بعض الأدباء والشعراء إلى ضرورة الكتابة عن الانتفاضة حتى ولو كان هذا الشعر رديئاً من الناحية الفنية!!‏

المهم حسب منطق هؤلاء التضامن مع الانتفاضة متعكزين على مبررات وذرائع واهية لا يجمعها أي جامع مع جوهر العملية الإبداعية الفنية ولا مع الفكر العميق المُتَبصر.‏

لقد تصدى بعض الكتّابْ لمثل هذه الطروحات الخاطئة، ومنهم الشاعر محمد لافي في مقالته التي نشرها في مجلة فتح -الانتفاضة حيث حفلت هذه المقالة بالعديد من الملاحظات والاستنتاجات النقدية الصحيحة التي عرّت جوهر الطروحات السابقة، يقول لا في: "وهذا مايشطب المبررات التي تنطحت للدفاع عن هذا السيل من النظم المرصوف بالحجارة تحت يافطة التضامن مع الانتفاضة خاصة، والالتزام عامة، حتى وصل الأمر ببعضهم وفي معرض تبريرهِ لقصيدتهِ الرديئة ولشعرهِ الرديء عموماً والمتلطي تحت جدار الإلتزام، إلى دعوة الشعراء لكتابة الشعر السيء(15).‏

كما حفلت مقالة لافي بالعديد من الملاحظات النقدية الجريئة، ومنها دور بعض المؤسسات في تفريخ "الشعراء" ومن ثم التطبيل والتزمير لهم حتى يتم إيصالهم إلى مستوى "النجومية الزائفة" التي سرعان مايخبو بريقها ووهجها أمام أي وعي نقدي عميق ومتقدم: "ومن هنا يمكن تفسير انطفاء أسماء كثيرة من الأدباء والشعراء والفنانين الذين تألقت أسماؤهم لاعتبارات سياسية وتنظيمية، أي لارتباطهم التنظيمي أو الحزبي لا من كونهم مبدعين حقيقيين، ومن البدهي في مثل هكذا حالة أن تغادر هذه الأسماء سجل الفن بمغادرتها حزبها أو تنظيمها..."(16).‏

إن هذا التردي والإسفاف على مستوى الشعر والنقد معاً، يستلزم ضرورة الدعوة إلى تغيير الذوق السائد، وكذلك الثقافة السائدة، وإلى تأسيس وعي نقدي جديد، وذائقة نقدية جديدة لدى الجماهير تستطيع فرز وغربلة النتاجات والتمييز بين الغث والسمين فيها، ويقيناً إن توصلنا إلى تأسيس مثل هكذا وعي وذائقة نقدية كفيل بإعادة تقييم بعض الأسماء النجومية اللامعة ووضعها في حجمها الحقيقي في سياق العملية الإبداعية، كما أن ذلك كفيل بتجاوز العديد من المسلّمات والبدهيات التي يعتبرها الذوق الجماهيري السائد وكأنها حقائق مطلقة، ولعل ماكتبه الشاعر الفلسطيني عز الدين المناصرة في هذا المجال يُغني القارئ اللبيب: "حين نتحدث عن نكهة جماهيرية فنحن لا نعني الابتذال الجماهيري، بل نعني حركة التفاعل بين القارئ والنص وهي نكهة في الأرض لا في السماء، لكن أيضاً لا ينبغي تحويل "الذوق العام" إلى اصطلاح غامض مثل الإلهام والموهبة حتى لا يتستر بهذا الذوق العام الشعر الرديء..."(17).‏

وبدهي هنا التأكيد على أن هذا الذوق الجماهيري السائد جاء نتيجة لشيوع وسيادة الثقافة الرجعية البرجوازية الاستهلاكية في غالبية أقطار الوطن العربي، وتراجع وانكفاء الثقافة القومية التقدمية والثقافة العلمية الجادة والرصينة والمنتجة. مما يستلزم البحث في هذا الموضوع في مجال آخر.‏

وبالرغم من الإسفاف الشعري الذي تحدثنا عنه إلاّ أن هذا لا يدفعنا إلى الإطلاق، حيث قرأنا بعض النتاجات الشعرية المتميزة والمعقولة فنياً، والتي حاولت مقاربة هذا الحدث التاريخي الكبير "الانتفاضة" والتعبير عنه، وقد ذكرنا في موضع آخر من هذه الدراسة بعض هذه النتاجات وأسماء مبدعيها من الشعراء.‏

هذا بالإضافة إلى ضرورة الإشارة إلى أن بروز العديد من الأسماء الشعرية الشابة: محمود سرساوي، محمد سلاّم، وعبد الله عيسى....الخ، هو أيضاً دليل على حيوية الشعر العربي وغناه، وقدرته على تجاوز كافة العراقيل والسلبيات التي تحول دون تطوره، مما يستلزم من نقادنا الجادين ومن الشعراء العرب المتقدمين من ناحية التجربة والإبداع والخبرة، أن يأخذوا بيد هؤلاء ويقدموا لهم العون اللازم لتطوير تجربتهم وموهبتهم الشعرية.‏

أما من ناحية الخصائص الفنية فإن غالبية النصوص الشعرية التي جرى تناولها، أو قرأناها، قد تعكزت على التقريرية والمباشرة والصراخ مُبتعدةً بذلك عن لغة الخطاب الشعري التي هي لغة الإيحاء والإيماء والرمز، وقديماً قال البحتري: "والشعر لمحٌ تكفي إشارته"، كما كشفت العديد من هذه النصوص الشعرية عن لغة شعرية مكرورة ومُستهلكة.‏

إن لغة الشعر هي لغة انبثاق وتفجر، لغة توليد وابتكار لا لغة المومياء المحنطة، والقواميس الجامدة، باختصار إنها لغة الحياة بكل غناها وتعقدها وتطورها.‏

وفي هذا المجال نود أن نختم كلامنا عن علاقة الشعر باللغة بمقولة لباشلار: "إن الصورة الشعرية هي انبثاق من اللغة، فهي على الدوام تعلو قليلاً على لغة التواصل العادية.‏

ولهذا، حين نعيش الأشعار التي نقرؤها فإننا نعيش تجربة الانبثاق المنعشة، ولكن أفعال الانبثاق تتكرر، وبهذا يضع الشعر اللغة في حالة انبثاق حيث تبدو الحياة مرئية عبر حيوية اللغة المنبثقة...."(18).‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244