تطور الوحدة السورية اللبنانية من نشوب الحرب العالمية الثانية إلى ما بعد الاستقلال 1939- 1950 - د. عبد الرحمن البيطار

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:18 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الأول

1- موقف سورية ولبنان من اندلاع الحرب :‏

كانت بوادر الحرب إحدى الحجج الفرنسية لعدم تصديق المعاهدتين مع سورية ولبنان. وتبعها إجراءات المفوض السامي في 8/7/1939 بهدم جمهورية المعاهدة في سورية بعد استقالة الوزارة ثم رئيس الجمهورية، فقد أوقف الدستور وحل المجلس النيابي وشكل مجلس مديرين للحكم تحت سلطته المباشرة .(1)‏

ولما اندلعت الحرب العالمية الثانية في 2/9/1939 سارع المفوض السامي بيو (Puaux) إلى إصدار قرار في 21/9/1939 بحل المجلس النيابي اللبناني (60 نائب) وعطل الدستور وأقال الوزارة بحجة الحرب والظروف العسكرية. ولم يبق الفرنسيون من مظاهر الحكم الوطني سوى رئاسة الجمهورية (الرئيس اميل اده) الذي كان رمزاً للنتاج الكامل للثقافة الفرنسية، دون أن تكون له سلطات فعلية، ويعاونه مجلس مديرين برئاسة أمين سر الدولة عبداللــه بيهم لتسيير أمور الدولة. وأضحى الحكم شبه عسكري على غرار ماكان قد فعله في ســورية مــن قبـــل.‏

وأرفق بيو قرار حل المجلس النيابي اللبناني برسالة عدد فيها مساوىء الحكم البرلماني بأنه ترف في محاولة لتبرير تعطيل الحياة الدستورية. ووضع الفرنسيون (شوفلر) حاكماً فعلياً للبنان. وكان هدف بيو الفعلي أن لايثير غيرة الشعب السوري الذي فقد مؤسـساته الدستورية. ثم وجه بيو إلى اللبنانيين والسوريين نداءات بالإذاعة للوقوف بجانب فرنسا في الحرب، وأكد أن لبنان مرتبط بفرنسا وحريته من حريتها. (2) وأضحت سورية ولبنان في حالة حرب بسبب وقوعهما تحت الإ حتلال الفرنسي.‏

وكانت فرنسا قد قررت اتباع سياسة عنيفة في سورية ولبنان عند اندلاع الحرب، فعينت أحد العسكريين اليمينيين ليجمع في سورية بين السلطتين العسكرية والمدنية واختارت لذلك الجنرال مكسيم وبجان. ولم يكن ثمة مبرر لهذا التشدد لأن سورية ولبنان يقعان بعيداً عن ميادين القتال ولم تكن ايطاليا قد دخلت الحرب بعد. (3)‏

وخضعت سورية ولبنان للتدابير العسكرية فقد أعلن المفوض السامي الأحكام العرفية بحجة الضرورات الحربية. وخنق الفرنسيون الحريات وبدأت موجة من الإرهاب. واتخذت تدابير احترازية لحراسة الجسور وحلت الأحزاب ومنعت الاجتماعات والتظاهرات وفرضت الرقابة على الصحف والمطبوعات والمراسلات. وقلت المواد الغذائية في الأسواق وارتفعت أسعارها وجرى تقنين المواد الغذائية ومصادرة كل مايمكن أن يفيد الجيش. (4)‏

ولم يتبع الفرنسيون الحكمة والروية إبان هذه الحرب، بل إنهم قاموا منذ إعلانها بسياسة انعكاسية رجعية جددوا بها عهد الاضطهاد واسترسلوا بالطغيان والسيطرة على المراكز الحساسة. وداخلتهم حالات نفسية من الارتياب والنزق أطاشت سهامهم في الكيد والافتراء فكانوا يجدون في سورية خصماً عنيداً ومتربصاً لهم(5) .‏

غير أن الأمور استمرت في التدهور وتفاقم الوضعين العسكري والسياسي وازدادت الأوضاع في سورية سوءاً واضطراباً فحكمت فرنسا سورية حكماً مباشراً وكان موقفها تسلطاً وغطرسة. وهكذا كانت سورية ولبنان في نفس الظروف كنتيجة طبيعية للاتحاد السياسي القائم بينهما الذي يديره المفوض السامي الفرنسي وللوحدة الاقتصادية التامة بينهما أيضاً.‏

وفرض الانكليز حصاراً بحرياً على الشواطىء السورية واللبنانية وفرضوا رقابة مشددة على التبادل التجاري مع فلسطين والعراق وشرق الأردن(6) .‏

وكان دخول فرنسا في الحرب مبعثاً للأمل والارتقاب للشعب المغلوب على أمره في الخلاص من فرنسا المحتلة. فقد طغت على لبنان موجة قلق خاصة ووجوم، ونظم الأهالي العديد من المظاهرات احتجاجاً على سوء الوضع الاقتصادي(7) .‏

ولما كانت فرنسا تدير الوحدة السورية اللبنانية بسلطتها الواحدة إلا أنها كانت تعمل على تهيئة وتغذية كل ما من شأنه تقوية انفصال لبنان عن سورية وتعامل دولة لبنان معاملة خاصة متميزة على حساب دولة سورية، إلا أن فرنسا عادت لتعامل سورية ولبنان كوحدة واحدة تحت ظروف الحرب التي زادت من ترابط الشعب تجاه الاحتلال الفرنسي.‏

وارتفعت أسعار المواد الغذائية واختفت البضائع من الأسواق اللبنانية عند دخول ايطاليا الحرب (10/5/1940). وازدادت عراقيل الاستيراد من الخارج. وقامت دولة المحتكرين ولم تجد معها كل التدابير. وسرى التلاعب بالموازين والمكاييل وخلط القمح بالتراب ومزج السكر بالرمل. وأصبح الرغيف لايعرف من كثرة ما دخل عليه من الشعير والكرسنة والتراب.‏

وأعار اللبنانيون أسماعهم إلى نداءات الجنرال كاترو من إذاعة القاهرة داعياً فرنسيي الشرق إلى الانضمام لحركة الجنرال ديغول وانبرى بيو يرد على تلك النداءات(8) .‏

وقد وقف الرأي العام السوري موقفاً سلبياً من الصراع الدولي سيما وإن البلدان (سورية ولبنان) يقعان بعيداً عن مسرح القتال ويستثنى من ذلك بعض القطاعات الصغيرة. فقد اعتبر الحزب القومي السوري من أنصار النازية وذلك لوجود بعض التشابه في العقائد السياسية وفي تشكيلات الشباب التي ألفها في الثلاثينات. ويقال أن انطون سعادة مؤسـس الحزب كان لاجئاً في برلين عند قيام الحرب. أما الحزب الشيوعي السوري فكان فريداً من نوعه في الشرق العربي حينذاك، وكان يعتبر فرعاً من الحزب الشيوعي الفرنسي لذلك بقي قائماً حتى حل الحزب الرئيسي لأسباب تتعلق بالسياسة الداخلية الفرنسية. وكان الحزب يعارض الكتلة الوطنية إلا أنه وافق معها على مشروع معاهدة عام 1936 وذلك لأن اليسار الفرنسي كان مسؤولاً عنها. ولم يلبث الحزب أن عانى من الانقسامات بين العناصر المكونة له وفيها الكثيرون من الأرمن والأكراد بجانب العرب. وعندما يهاجم الألمان الاتحاد السوفيتي سيشجع هذا الحزب باعتباره بؤرة من البؤر السورية المعادية للمحور. أما بقية الأحزاب فقد أوقف نشاطها بمجرد قيام الحرب(9) .‏

كانت السلطات الفرنسية عند إعلان الأحكام العرفية في سورية عقب اندلاع الحرب، قد لفقت تهمة تدبير اغتيال مديري المصالح الخمسة وذلك لتبرر القبض على العناصر الوطنية، وقدم نحو عشرين منهم للمحاكمة وصدرت أحكام بالسجن لمدد طويلة على بعضهم. بينما صدرت أحكام الإعدام غيابياً بالنسبة للاجئين بالعراق. (10)‏

2- هزيمة فرنسا في حزيران 1940 :‏

وبدأت الجيوش الألمانية في ربيع عام 1940 اكتساحها لفرنسا فتراجعت الجيوش الفرنسية المنهزمة أمام آلة الحرب الألمانية، وهي غير قادرة على الصمود والمواجهة. وسقطت فرنسا تحت عنف الدبابات الألمانية الثقيلة. وأدهش العالم ماحل بفرنسا المتغطرسة التي وقعت تحت الاحتلال وعانت من سيف الحرب.‏

واستقالت الحكومة الفرنسية المدنية وتألـفت حكومة عسكرية فرنسية برئاسة المارشال بيتان (Petain) نقلت مقرها إلى مدينة فيشي (Vichy) على نهر اللوار في وسط فرنسا. ووقعت هذه الحكومة هدنة مع الألمان في 20/6/1940 بعد قبولها بالشروط الألمانية، في حين أن عدداً من الضباط رفضوا الاستسلام والتعاون مع المحتل فانتقلوا إلى بريطانيا لمتابعة القتال بقيادة الملازم شارل ديغول (De Gaulle) (11) الذي انتقل إلى انجلترا خفية بمساعدة صديقه الانكليزي الجنرال سبيرز (Spears) وهناك أعلن في 18/6/1940 قيام حكومة فرنسا الحرة ومواصلة الحرب ضد الألمان بمساندة بريطانيا. وانقسم الرأي العام الفرنسي بين موالين ومعارضين لحكومة فيشي.‏

وقد أحدث توقيع فرنسا للهدنة بلبلة شديدة لدى السلطات الفرنسية في الشرق بالرغم من أن سورية ولبنان الواقعتين تحت الاحتلال الفرنسي بعيدان عن منال دول المحور. وقد أذاع المفوض السامي (بيو) في بيروت بأنه لن يتقيد بالهدنة وبأن جيش الشرق بقيادة الجنرال (ميتلهوزر) الذي خلف (ويغاند) سيواصل الحرب مع حلفائه البريطانيين. وماهي إلا فترة حتى تراجع عن تصريحه وأصدر بياناً جديداً يذعن فيه لشروط الهدنة ولحكومة فيشي حفاظاً على الأمــن. فأثار تصريحه موجــة استياء في صفوف فرنسيي الشرق والعرب على السواء. (12)‏

وقد أظهر الجنرال متلهوزر ميله إلى التحالف مع بريطانيا إلا أن الأحداث لم تلبث أن حولته عن هذه الوجهة. فقد أعلنت حكومة فيشي أن من أهدافها المحافظة على الامبراطورية الفرنسية. ويعتقد كثير من الفرنسيين بحق أن الانجليــز وليس الألمان هم الذين يشكلون الخطر الحقيقي على كيان الامبراطورية ومن هــؤلاء المفــــوض السامـــي بيــــو. (13)‏

وفي 27 حزيران 1940 أعلن الجنرال (متلهوزر) أنه بحسب شروط الهدنة لن يحدث تغيير في نظام البلاد المشمولة بالانتداب. وتبعاً لذلك فقد أمر بالكف عن القتال وقال : سيبقى علم فرنسا خفاقاً وتواصل مهمتها في المشرق.(14)‏

لقد تنفست سورية الصعداء بسقوط فرنسا تحت الاحتلال ومعاناتها من سيف الإرهاب، على الرغم مما كان يبديه عمالها من صلف وغطرسة وتناقض عجيب مع الذل الذي أحاق ببلادهم والتظاهر بمظهر القوة والخيلاء في سورية، شأن اللئيم الذي يزهو على الضعيف ويخضع للقوي في وقت واحد. وقد عاد إلى سورية نشاطها الوطني الكفاحي. (15) وأكدت ألمانيا ضرورة منح الاستقلال لكافة الشعوب العربية، وذكرت في إذاعاتها أنها تتابع نضال هذه الأمم من أجل استقلالها، وأن هذه الأمم يمكنها وهي تجاهد أن تعتمد على عطف ألمانيا وتضمنه(15)مكرر.‏

لقد واتى الدهر السوريين بما أملوا على يديه فإذا جيوش الألمان تدك حصون ماجينودكة واحدة وتصفق سلاسل دباباتهم الجبارة شارع الشانزيليزيه بباريس، وهتلر على رأسها بثقته ومغامرته.‏

ولم يغير شيء من ذلك شعور الاستعمار في نفوس الفرنسيين، فظلوا في سورية على طريقتهم السابقة. ولكنهم اصطنعوا العظمة المفقودة وازدادوا عتواً في سورية فتصرفوا في المشكلات الإقليمية والمحلية تصرفاً سيئاً مناوئاً. ولعبت أيدي الأجنبي بالدس والمكيدة لتشغل القوم عن مصلحة الشعب وأحداث الحرب بالمآرب الذاتية والخصومة القديمة. وعادت المحن إلى قادة الوطنية وساسة الأمور، بل ازدادت المشاغل والمتاعب بانهماك فرنسا في الحرب وتهافتها جزعاً وخزياً تجاه الألمان الذين اقتحموا حصونها ودوخوا جيشها. فكانت كلما خضعت في بلادها ازدادت عتواً في سورية(16). وكانت حكومة فيشي تناهض الماسونيين(17).‏

وفي هذه الفترة اغتيل عبدالرحمن الشهبندر الذي كان من دعاة الوحدة العربية مع العراق والأردن حيث النفوذ البريطاني. وشاركت المحافل الماسونية باسم (الشرق الأعظم السوري) بإكليل في جنازته(18).‏

كما سرت في الأوساط اللبنانية التي كانت تحب فرنسا وتعتز بها موجة حزن على (إذلال تلك الأمة العريقة التي كانت سبباً لنصرة الحرية في العصر الحديث، وحملت مشعل النور إلى الأمم بثقافتها الخالدة وحضارتها الفنية الرفيعة). وكان وقوع هذا الانكسار على فرنسا وهي في لبنان سبب نقمة وحذر واستفزاز(19) ؟! وهلع اللبنانيون من انحياز بيو إلى حكومة فيشي. (20)‏

3- عودة النضال الوطني في سورية :‏

حصل تنافس بين حكومة فيشي والجنرال ديغول. وعلى أثر اشتداد الضغط على فرنسا من قبل الألمان، استدعت حكومة فيشي المفوض السامي بيو في تشرين الثاني 1940 إذ أن حجته لم تقنع حكومة فيشي وعينت بدلاً منه (جان كياب Chiappe) مدير البوليس الفرنسي الشهير في كانون الأول 1940. ولكنه قتل في طريقه إلى سورية إذ أسقط البريطانيون طائرته فوق جزيرة رودس. فعينت حكومة فيشي مكانه الجنرال (دانتز Dentz) في 30/12/1940 لحماية سياستها في الشرق من حركة الجنرال ديغول. والجنرال دانتز هو أحد المسيئين لوفد الدروز عندما طلب مقابلة الجنرال سراي عام 1925، وهو الذي وقع صك استسلام باريس. (21) واتضح أن حكومة فيشي تريد الاحتفاظ بنظام الانتداب.‏

كان موقف فرنسا في سورية تسلطاً وغطرسة لتعوض فيه مالحقها من إهانة في أرضها بدخول الألمان، فشجعت النعرات الطائفية والإقليمية لإلهاء الشعب عن مطالبه الأساسية.‏

وكان قسم من الوطنيين السوريين الذين كانوا في المنفى قد عادوا إلى أرض الوطن والتف حولهم المخلصون وغيرهم من أبناء الشعب وأصبحوا قوة. غير أن فرنسا عملت على بذر بذور الفرقة بينهم خاصة بعد مقتل الدكتور عبدالرحمن السشهبندر (صيف 1940)(22). فقد كانت السلطات الفرنسية أثناء التحالف مع بريطانيا قد غضت الطرف عن الشهبندر وغيره من الساسة الذين كانوا ينادون بإقامة ملكية دستورية واعتبروا لذلك أصدقاء للانجليز على أساس أن هذه الملكية ستؤدي إلى نوع من الاتحاد مع العراق أو الأردن. ولذلك نشأ احتمال قوي بأن يكون لحكومة فيشي صلة باغتيال الشهبندر ولو أن السلطات الفرنسية عمدت إلى تغطية موقفها بإعدام عدد من الأشخاص أخذوا جزافاً ليكونوا كبش الفداء. (23)‏

وقد برز من الوطنيين القدامى شكري القوتلي الذي آلمه اختلاف الأحزاب واستغلال الأجنبي هذا الاختلاف لمصلحته وحده. فقام يدعو إلى التضامن وتوحيد الصف ونبذ الحقد والتحاسد لكي تواجه البلاد سياسة الفرنسيين الذين خالفوا العهد والميثاق وتنكروا للسوريين تنكراً شائناً تجلى فيه استبدادهم وجبروتهم وهم يعانون في بلادهم الهزيمة والهوان. فآزره الجميع والتفوا حوله. وبدأت الاضطرابات في سورية وأخذ الوطنيون يسعون للتخلص من الحكم الأجنبي.‏

وقد نشر القوتلي بياناً ضد حكومة المديرين في آذار 1941 جاء فيه : "إن البلاد السورية لاترضى عن هذا الاضطهاد والإهمال ولابد من العمل على إنقاذها وإن تكن الحرب قائمة، فالمطالب القومية لاتتحقق في نظام استعماري عانى منه الشعب ظلماً وحرماناً ولم يتغير مهما اختلف الشكل والسبب. ولاعذر في قيام الحرب فقد يطول أجلها. وسورية طال انتظارها وصبرها على ادعاء المحتل قيامه بالمهمة التي انتدبته من أجلها عصبة الأمم. وما كان حكمه إلا استعمارياً يعادي هدف المهمة الأولى. بل إن جمعية الأمم أوقفت أعمالها"(24).‏

وبمضي الوقت كانت العلاقات تزداد سوءاً بين بريطانيا وبين سلطات حكومة فيشي فأقفلت الحدود بين سورية ولبنان من جهة وبين الأقطار الخاضعة للنفوذ البريطاني والمحيطة بها من جهة أخرى. وقد أضر ذلك بالاقتصاد السوري إضراراً بالغاً. وشغلت السلطات الفرنسية بإبعاد الأشخاص المعروفين بميولهم الانكليزية وانعكس ذلك على السوريين أيضاً.(25)‏

وكانت الأزمة الاقتصادية تزيد من عوامل السخط على السلطات الفرنسية، بالإضافة إلى الحصار الذي حرم سورية من الاتجار مع الأقطار المحيطة بها، انخفض سعر الفرنك الفرنسي انخفاضاً كبيراً في سنة 1940. وذلك لأن بريطانيا كانت قد حددت له سعراً مجزياً بالنسبة للاسترليني في بداية الحرب. فلما انقطعت التجارة مع الأقطار المحيطة بسورية والتي ترتبط بمنطقة الاسترليني حدث هذا الانخفاض. وفقد التجار ثقتهم بالعملة الورقية التي يصدرها بنك سورية ولبنان. وهو مؤسـس برؤوس أموال فرنسية.‏

وبالرغم من أن سورية تصدر القمح للأقطار المجاورة، فإن كبار الملاك رفضوا أن يبيعوا القمح بالسعر المنخفض وأصروا على بيعه بالعملة الذهبية، ومن هنا انتشرت السوق السوداء نتيجة جشع الملاك والتجار الذين اختزنوا القمح. وهددت المجاعة سورية، ولدى السوريين عقد من هذه الناحية ترجع إلى أيام الحرب العالمية الأولى .‏

وفي أوائل آذار 1941 حدثت في سورية اضطرابات في المدن السورية بسبب قلة المواد الغذائية والضرائب المرهقة والمطالبة بإلغاء الانتداب واستقلال البلاد. وكانت المظاهرات التي عمت المدن السورية في أوائل 1941 تنادي (نريد الخبز والزيت والسكر). فأمر (دانتز) بتدخل الجنود ولكنه عاد فأخذ بالتساهل وحاول معالجة المشكلات القائمة بالأساليب السهلة والتدابير الهينة، على حين أنه، وكما قال الجنرال كاترو نفسه، لم يبق لفرنسا مقام في الشرق.‏

المهم أن السلطات الفرنسية عجزت تماماً عن مواجهة الأزمة وعرضت أن تشتري القمح بسعر العام السابق. إلا أن الملاك امتنعوا عن بيعه وآثروا اختزانه فالتجأ المفوض السامي دانتز إلى شكري القوتلي ليعينه على مواجهة الأزمة، ويبدو أنه لاحظ صعود نجمه في أوساط الكتلة الوطنية.(26) وهكذا تسبب الصراع بين حكومة فيشي وحكومة فرنسا الحرة تجاه المستعمرات إلى تسابقهما على اكتساب ود الوطنيين.‏

وقد رأى القوتلي في هذه الظروف فرصة لاتعوض للتذكير بالمطالب الوطنية وهي إلغاء نظام المديرين وإعادة العمل بالدستور وإجراء انتخابات حرة حتى تتسلم الحكومة التي تعبر عن الإرادة الشعبية السلطة من يد الانتداب.‏

وقد نفذ دانتز بعض هذه المطالب في أضيق نطاق، فبسبب هذه الظروف اضطرت حكومة المديرين إلى الاستقالة، فدعا دانتز خالد العظم إلى تشكيل مجلس وزراء في 3/4/1941 والذي تسلم أيضاً وزارة الداخلية، وحنين صحناوي للمالية وصفوت قطر أغاسي للعدلية ونسيب البكري للاقتصاد الوطني والزراعة ومحسن البرازي للمعارف. وقد ألفت هذه الوزارة بصورة مؤقتة لايجاد دولة مستقلة .‏

وينتمي خالد العظم إلى كبار الرأسمالين الذين لايمثلون حزباً سياسياً معيناً، ولذلك اختار وزراءه من رجال الأعمال والفنيين. ولم تشترك الكتلة الوطنية في الوزارة الجديدة. واعتذر دانتز عن إجراء الانتخابات النيابية أو رفع الرقابة عن الصحف والحريات العامة بسبب ظروف الحرب. وأبدى استعداده لتعيين مجلس دولة يتولى السلطة التشريعية. وقد أجاب الوطنيون على ذلك بأن الحرب انتهت بالنسبة لفرنسا كما أن حكومة فيشي قد انسحبت من العصبة وأن الانتداب هو من الأنظمة التي وضعتها تلك الهيئة(27).‏

وكانت الأزمة الاقتصادية متأججة، وعين حسن جبارة مديراً لدائرة الاعاشة. ويذكر خالد العظم حول قضية تأمين الحبوب للبنان أنه عهد بها إلى لجنة مؤلفة من مندوب سوري ومندوب لبناني تحت رئاسة مندوب عن المفوض السامي. وأنهم استطاعوا بفضل اشتراكهم في اللجنة الحد من جور سياسة المفوض التي كانت ترجح دائماً مصلحة لبنان المستهلك على حساب سورية المنتجة(28) .‏

واشتد خوف اللبنانيين بعد تعيين الجنرال دانتز (30/12/1940) مفوضاً سامياً وقائداً عاماً لقوات الفرنسيين في الشرق. وصح حدس اللبنانيين تجاه دانتر عندما بادر إلى إنذار كل من لايتعاون مع السلطات الفيشية. ومن أظهر تمرداً واستياء حوكم أو فرضت عليه الإقامة الجبرية. وقيدت حرية الرأي والتعبير والاجتماع. وتردت الحالة الاقتصادية فعمت الاضطرابات وسارت المظاهرات وسقط القتلى في كل من دمشق وبيروت. وأصدق تعبير عن تلك الأحوال ماورد في أحد تقارير دانتز: "علي أن أكسب معركة القمح ولكن الجميع ضدي".‏

وماهي إلا فترة حتى استقال اميل اده احتجاجاً (أو أقاله دانتز) ومعه أمين سر الدولة عبدالله بيهم في 4نيسان1941 فعين دانتز القاضي الفرد نقاش رئيساً للدولة بايعاز من الآباء اليسوعيين. وتألـفت وزارة اختير أعضاؤها من بين من أسلسوا القياد للمفوضية الفرنسية برئاسة أحمد الداعوق. وأمت البلاد لجنة ألمانية - ايطالية أضحت صاحبة النفوذ في تسيير الشؤون(29). وقد أرسل دانتز إلى السجن بعض الوطنيين وكم الأفواه وفرض الإقامة الجبرية على بعض ذوي الرأي السياسي في البلاد(30). وقامت المظاهرات بسبب سوء توزيع المواد الغذائية(31) .‏

ولعل دانتز حاول التقرب من المسلمين في لبنان فكان الفرنسي الوحيد الذي زار (جمعية المقاصد الإسلامية) عام 1941. فقد كان المسلمون في لبنان منذ بداية الاحتلال يقفون موقفاً سلبياً من الانتداب، وشكلت سلبيتهم مشكلة حادة لسلطات الانتداب، حتى أنه طيلة عهد الانتداب لم يدخل العلم الفرنسي أو النشيد الفرنسي إلى (المقاصد). وكان الطلاب في المقاصد ينشدون "أنت سورية بلادي"(32).‏

4- حملة الحلفاء على سورية ولبنان في 8 حزيران 1941 :‏

في أوائل تموز 1940 تأزمت العلاقات بين بريطانيا وبين حكومة فيشي وانقطعت العلاقات الدبلوماسية. ولذلك كان على بريطانيا أن تحدد موقفها من سلطات فيشي في ســورية ولبنان سيما وأن موقع القطرين يؤثر تأثيراً مباشراً على مركــز بريطانيا الحربي في الشرق الأوسط. وإذا تسللت إليهما القوات الألمانية فإن ذلك سيجعل مصر وقناة السويس بين فكي كماشة محورية. وتصبح مراكز البترول في خطر وتضطرب المواصلات البريطانية بين فلسطين والعراق. ولهذا الغرض أصدرت الحكومة البريطانية في 2/7/1940 تصريحاً حول إعلان الجنرال (متلهوزر) انتهاء الحرب في سورية وحذرت من احتلال ألمانيا وايطاليا لها وأنها لن تسمح بذلك او استخدامها كقاعدة للهجوم على أقطار الشرق الأوسط أو أن تصبح مركزاً للاضطرابات يشكل خطراً على هذه الأقطار. وأكدت أن أي عمل ستتخذه بريطانيا لن يكون له تأثير في المستقبل على الوضع السياسي لهذه الأقاليم الواقعة تحت الانتداب الفرنسي(33).‏

ولما كانت الأحداث تتوالى بسرعة آخذة بعضها برقاب بعض، رأت الحكومة البريطانية أن تتصل بالجنرال دانتز بواسطة قنصلها العام في بيروت لتستوضح موقفه فيما إذا جرى حادث عسكري فأجاب أنه سيقاوم الألمان(34).‏

ومما زاد العلاقات توتراً مجيء لجنة الهدنة التابعة للمحور إلى سورية ولبنان في أيلول 1940 للإشراف على تنفيذ شروط الهدنة مع فرنسا ولإقامة اتصال مع هذين الاقليمين. وكان هدفها التحقق من الإفراج عن رعايا الألمان والطليان الذين قبض عليهم عند قيام الحرب، وكذلك رفع إجراءات الحراسة التي اتخذت ضدهم. ثم كان على تلك اللجان أن تتحقق من أن حكومة فيشي لاتتخذ من المستعمرات قاعدة لزيادة قواتها العسكرية فوق ما تسمح به الهدنة. وأشرفت اللجنة على الدعاية لدول المحور من خلال إذاعة (راديو الشرق) ومن خلال الصحف(35). وكانت إذاعتي برلين وباري تشنان حملات دعائية فاضحة للاستعمار البريطاني في العالم العربي بشكل عام وفي مشكلة فلسطين بشكل خاص .‏

وتلا هذه اللجان تردد بعض الشخصيات الألمانية على سورية وكان بعضها يمثل رجال الأعمال وبعض عمالهم الذين اعتقلوا عند إعلان الحرب. أما في أوائل 1941 فقد وفد على دمشق مندوب من وزارة الخارجية الألمانية هو (فون هنتنغ) الذي كان يعد ممثلاً لهتلر والذي عين وزيراً مفوضاً في العاصمة السورية. وكان هنتنغ معروفاً بنشاط سابق في الشرق الأوسط إبان الحرب العالمية الأولى حتى لقب بلورنس الألماني .‏

وفي دمشق جمع هنتنغ حوله بعض الزعماء التقليديين واستخدم موضوع الوطن القومي لليهود في فلسطين كوسيلة لاجتذاب عواطف الجماهير نحو المحور وإثارة شعور البغضاء للبريطانيين بين الشعوب العربية في الشرق. ويقال إنه روج لفكرة عقد مؤتمر إسلامي في دمشق لبحث هذه القضية. وكان هنتنغ يعقد الاجتماعات ويقيم الحفلات ويعرض أشرطة سينمائية تشمل انتصارات ألمانيا الساحقة في فرنسا. وكان كل ذلك يمر بالجنرال دانتز وكأنه في غفلة عنه. ولم يكن يسر السلطات الفرنسية هذا التسلل الألماني إلى المستعمرات لأن سياسة فيشي هي المحافظة على الامبراطورية ضد الأطماع الألمانية والبريطانية معاً. ولذلك طلبت إبعاد هنتنغ عن البلاد واستجابت ألمانيا لهذا الطلب بعد شهرين من تعيينه(36).‏

وفي هذه الأثناء كانت بريطانيا تراقب الأحداث في المشرق العربي بقلق بالغ وكان أكثر مايثير قلقها ثورة رشيد عالي الكيلاني في 2/4/1941 في العراق والتسهيلات التي قدمت للطائرات الألمانية في سورية في مطاري (رياق وحلب) وغير ذلك من التسهيلات لتقديم الإمدادات للثورة وتشجيع السوريين على التطوع للقتال بجانب الحركة العراقية. مما أثار مخاوف الانكليز وجعلهم ينزلون عند إلحاح الجنرال دوغول بضرورة احتلال سورية ولبنان، ويتمسك أن تقوم به القوى الفرنسية وحدها. واستفاد الجنرال كاترو من أحداث ثورة الكيلاني ليقنع حلفاءه البريطانيين بتوجيه حملة لتطهير سورية ولبنان من القوات الفيشية(37) .‏

ويروي دانتز أنه طلب إبعاد جميع العسكريين الألمان الذين وصلوا إلى سورية خلال شهر أيار 1941 على إثر انتهاء حركة الكيلاني (30/5/1941). وكان هذا هو رأي حكومة فيشي أيضاً. وسواءاً كان هناك تسلل ألماني على نطاق واسع أم ضيق، فإن الحملة الانجليزية الفرنسية المشتركة أصبحت ممكنة في أوائل حزيران1941 من الناحية العسكرية بسبب الانسحاب من كريت والقضاء على ثورة العراق(38).‏

لقد قررت بريطانيا العمل على تحرير سورية من النفوذ الألماني بالاشتراك مع قوات فرنسا الحرة. وقد بدأت أنظارها تتجه إلى أهمية سورية خوفاً من السيطرة الألمانية عليها وعلى طرق المواصلات وتهديد قناة السويس ومناطق البترول .‏

وكانت الحكومة البريطانية منذ شباط 1941 قد بعثت بتعليمات سرية إلى جلوب باشا و(إلك كركبرايد) بوجوب الاتصال الوثيق بسكان سورية لتنظيم المقاومة ضد حكومة فيشي، ووضعت الأموال تحت تصرفهم لهذا الغرض، واتفق على أن يعمل (كركبرايد) إلى جانب الدروز وأن يقوم جلوب بالعمل مع القبائل السورية. ولما أخذت الحكومة البريطانية في الاعتبار غزو سورية من شرق الأردن عام 1941، كان جبل الدروز عظيم الأهمية إذ يصبح خلف جناح الجيش الأيمن ومؤخرته في حالة تقدم القوات البريطانية رأساً إلى دمشق. ولو ظل الدروز على موقف العداء، فإن ذلك يمكنهم من تدمير مواصلات الجيش الزاحف نحو دمشق. وهكذا كان على (كركبرايد) أن يوطد العلاقات مع زعماء الدروز للحيلولة دون هذه الحركة، كما بدأ جلوب بالاتصال مع القبائل الضاربة إلى الشرق من حمص وحماة ودمشق(39).‏

وضعت بريطانيا خطة الحملة على سورية ولبنان بصورة مبدئية في 25 نيسان 1941، إلا أن كثرة أعباء القيادة البريطانية في الشرق الأوسط وتعدد واجباتها أدى إلى تأجيلها. وكانت السياسة البريطانية قد اتخذت موقف الحذر نحو المستعمرات الفرنسية حتى لاتجر حكومة فيشي إلى الحرب بجانب الألمان. على أن تلك السياسة لم تمنع بريطانيا من مساعدة ديجول للاحتفاظ بالمستعمرات. ولكن فشل ديجول في أيلول 1940 في دكار بالسنغال هز ثقة بريطانيا بحكومة فرنسا الحرة فتوقفت عن فكرة مساعدتها للاستيلاء على دولتي المشرق (سورية ولبنان). ولكن أحداث العراق دفعت بريطانيا إلى التدخل(40).‏

ولم يتوقف نشاط الفرنسيين تماماً في الشرق الأوسط، فقد عينت حكومة فرنسا الحرة الجنرال كاترو مندوباً لها في القاهرة. وأخذ يجمع شتات الجالية الفرنسية في مصر وفلسطين ليكون منها جيشاً صغيراً يمكن استخدامه يوماً لانتزاع سورية ولبنان من حكومة فيشي. وكانت الحكومة المصرية تقدم له كثيراً من التسهيلات(41).‏

وكان الجنرال كاترو يوجه نداءات من إذاعة القاهرة داعياً فرنسيي الشرق إلى الانضمام لحركة الجنرال ديغول(42). ولقد حاول بعض الموظفين القيام بمؤامرة ضد بيو ومتلهوزر لتسليم مقاليد الأمور للجنرال كاترو ممثل الجنرال ديغول في القاهرة والذي أذاع بياناً واعداً فيه اللبنانيين والسوريين بالاستقلال ساعة تطأ فرنسا الحرة أراضيهم. ولكن انفضاح أمرهم بواسطة مدير الأمن العام (كولومباني) جعلهم يستكينون وعم الذعرفي الأوساط العربية. وحاول كاترو في البدء اللجوء إلى انقلاب يتخلص فيه من الجنرال دانتز ولما فشل وجد أن لابد من الاحتلال العسكري(43).‏

ويبدو أن الفرنسيين كانوا يواجهون احتمال تدخل بريطانيا منفردة أو بالاشتراك مع تركيا في حالة تسلل المحور إلى سورية ولبنان، ويعتقدون بأن تركيا ستنتهز هذه الفرصة لتحقيق أطماعها في ضم جزء من حلب علاوة على الاسكندرونة التي تم الاستيلاء عليها منذ قليل (تموز 1939). وكانت التعليمات الموجهة إلى كاترو هي ضرورة إشراك فرنسا الحرة في أية حملة من هذا النوع ولو بقوات رمزية(44).‏

ولم يكن الألمان حريصون على إعلان دعمهم لاستقلال سورية ولبنان وكل سورية الطبيعية والعراق (الهلال الخصيب) خشية إثارة ديغول واشتداد معارضته(45).‏

وكان المقرر أن تبدأ الحركات العسكرية في فجر الثامن من حزيران 1941. ورغبة في كسب ود الشعبين السوري واللبناني تم الاتفاق بين انكلترا وفرنسا الحرة على إعلان استقلال لبنان وسورية قبل دخول جيوشهما إلى هذين البلدين(46) كتمهيد للحملة. فقد كانت بريطانيا قد قررت اتباع سياسة جديدة بشكل يزيد من نفوذها وهي سياسة تأييد فكرة التقارب بين مختلف الدول العربية في المنطقة .‏

وكان أنتوني ايدن قد صرح في 29/5/1941 : "إن من الطبيعي ومن الحق وجوب تقوية الروابط الثقافية والاقتصادية بين البلاد العربية وكذلك الروابط السياسية. وحكومة جلالته سوف تبذل تأييدها التام لأية خطة تلقى موافقة عامة"(47).‏

وقبل بدء الحملة بساعات وجه الجنرال كاترو دعوة إلى الجنود الفرنسيين في المشرق قائلاً أنه يدخل سورية باسم فرنسا ولأجل فرنسا. ولم يلتحق به إلا الكولونيل (كوله) (Collet) الذي رفع إلى رتبة جنرال، على رأس فريق من كتيبة الشركس، فسبب ذلك نقمة سائر الضباط التابعين لفيشي عليه. وكان عدد القوات البريطانية (12000) فقط وعدد القوات الفرنسية (2500-3000) فقط لذلك كان عليها الحصول على تأييد السكان(48).‏

وفي التاريخ نفسه 8/6/1941 ألقت الطائرات البريطانية على سورية ولبنان آلاف النسخ من بيان الجنرال كاترو وفيه يقول :‏

" أيها السوريون واللبنانيون الكــرام :‏

في الوقت الذي تدخل فيه قوات الفرنسيين الأحرار، بالاتحاد مع قوات حليفتهم الامبراطورية البريطانية، إلى بلادكم، أصرح بأنني قد توليت سلطات ممثل فرنسا في الشرق ومسؤولياته وواجباته، وذلك باسم فرنسا الحرة، فرنسا ذات التقاليد المجيدة فرنسا الحقيقية وباسم زعيمها الجنرال ديغول.‏

وإني قادم إليكم بهذه الصفة لإنهاء عهد الانتداب ولأعلن حريتكم واستقلالكم. وبناء على ذلك، ستصبحون من الآن فصاعداً شعباً حراً ذا سيادة، (سواء بقيتم منفصلين أو كنتم دولة واحدة)، وستتمكنون من أن تؤلفوا لأنفسكم دولاً منفردة أو أن تتحدوا في دولة واحدة، وفي أي من الحالتين سيضمن استقلالكم وتكفل سيادتكم بمعاهدة توضح بها العلائق المتبادلة بيننا. وستجري المفاوضات لعقد هذه المعاهدة بين ممثليكم وبيني في أقرب مايمكن. وريثما تعقد هذه المعاهدة سيكون موقف بعضنا من بعض موقف الحليف من حليفه، متحدين معاً كل الاتحاد في سبيل مثل أعلى واحد وأهداف مشتركة" .‏

وذكر كاترو أنهم لايسمحون بأن تسلم "الشعوب التي وعدت فرنسا بالدفاع عنها" إلى أشد المتسلطين الذين عرفهم التاريخ قسوة. ولن تسمح بأن تسلم للعدو "مالفرنسا من مصالح قديمة في الشرق". ثم أشار إلى رفع الحظر وإنشاء العلاقات مع البلدان الداخلة في نطاق الجنيه الاسترليني إذ تعهدت الحكومة البريطانية بالاتفاق مع فرنسا الحرة بأن تبذل لكم جميل المزايا والفوائد التي تتمتع بها البلدان الحرة المرتبطة معها. وختم كلامه بقوله : "لقد أزفت ساعة عظمى في تاريخكم، إن فرنسا بصوت أبنائها الذين يحاربون من أجل حياتها ومن أجل حرية العالم تعلن استقلالكم"(49).‏

وقد رأت الحكومة البريطانية أنها بإصدار تصريح مماثل ستزيد من ثقة السوريين بقيمته لذلك نشر (سيرمايلز لامبسون سفير بريطانيا في مصر) في نفس اليوم تصريحاً بهذا المعنى ذكر فيه أن حكومة صاحب الجلالة البريطانية فوضته بأن يعلن تأييد ضمان الاستقلال الذي أعطاه الجنرال كاترو بالنيابة عن الجنرال ديغول واشتراكه به. وأضاف إلى ذلك ذكر ماتجنيه البلاد إذا أيدت الحلفاء وانضمت إليهم من الفوائد الكبرى في تجارتها وإنشاء العلاقات مع البلدان الداخلة في نطاق الجنيه الاسترليني(50).‏

بل إن بريطانيا أذاعت هذا الاعتراف الفرنسي باستقلال سورية ولبنان على لسان رئيس وزرائها تشرشل ووزير خارجيتها ايدن(51). ولم ترق هذه الضمانة للجنة فرنسا الحرة وحاولت أن تعارضها وتتخلص منها. ولكن البريطانيين أصروا على ذلك لأنهم يقدمون كل مايلزم لفرنسا الحرة والجنرال ديغول في الميادين الاقتصادية والعسكرية. فلم يسع فرنسا الحرة إلا القبول. وجدير بالذكر أن الجنرال كاترو تجنب ذكر بيان السر مايلزلامبسون في مذكراته التي بحثت عن معركة المتوسط وجمعت مئات الصفحات(52).‏

وبينما يدعي كاترو أن منح الاستقلال لسورية ولبنان هي سياسة فرنسا الحرة وقد أفضى بها إلى ايدن وزير الخارجية أثناء التقائهما في القاهرة، يستنتج من مذكرات تشرشل أن الحكومة البريطانية مارست ضغطاً ماعلى فرنسا لإصدار تصريح إعلان استقلال سورية ولبنان. وكان تشرشل قد أرسل في 6/6/1941 برقية إلى الجنرال ديغول، وهو واضع نصب عينيه النواحي القلقة والطبائع المختلفة في الأمور التي يعالجها معه. فتمنى النجاح للمساعي المبذولة في الشرق وأن يكون ذلك مرضاة له. وبحث عن السياسة المقبلة للدولتين في الشرق الأوسط وبلاد العرب، راجياً أن تسير في خطوط متشابهة. وصرح بأنه ليس لانكلترا مأرب خاص في الامبراطورية الفرنسية ولاتريد مطلقاً أن تحرز فائدة لها من حالة فرنسا المحزنة. ثم رحب بقرار الجنرال ديغول بمنح سورية ولبنان الاستقلال وأشار إلى الضمانة البريطانية ومافيها من قوة. وأبدى حرصه على تجنب كل مايهدد الاستقرار في الشرق، واستنتج من ذلك وجوب صنع كل شيء مستطاع لتحقيق آمال العرب ورغائبهم(52) واحترام مشاعرهم.‏

ولم يخف الجنرال ديغول الدور البريطاني وتأثيره في مجرى الأحداث، فيقول في هذا الصدد : "بينما كان الانجليز والفرنسيون الأحرار يستعدون للعمل سوية في الميدان العسكري، فإن تنافسهما السياسي بدأ يرتسم وراء الواجهة، وبدأت السياسة الانجليزية تمهد لتحل محل فرنسا في دمشق وبيروت. فيما كان كاترو يستعد لإعلان بيانه بالاستقلال، طلب السيرمايلز لمبسون أن يكون الإعلان باسم بريطانيا وفرنسا الحرة معاً. فرفضت بطبيعة الحال. عندها أصر السفير لمبسون أن يتضمن الإعلان ضمان بريطانيا لوعدنا هذا فلم أقبل هذا الطلب، مشيراً إلى أن كلام فرنسا لايحتاج إلى ضمانة أجنبية. فأبرق إلي المستر تشرشل في 6/6/1941 عشية الحملة يعبر لي عن تمنياته القلبية وأكد على الأهمية التي تمثلها هذه الضمانة، فأجبته على هذه التمنيات ولكن ليس على هذا الادعاء... وأخيراً أعلن بيان كاترو كما كان يجب أن يكون. وحالاً أصدرت حكومة لندن بياناً آخر منفصلاً باسمها...." (55).‏

ولم تحدث التصريحات صدى يذكر في حينها. ويمكن القول بأن معظم أهل سورية ولبنان وقفوا موقف المترقب وإن كان من المؤكد أن كبار التجار والملاك الزراعيين كانوا يرحبون باحتلال الحلفاء الذي سيعيد فتح أسواق الأقطار المجاورة. ثم إن التصريح يشير إلى معاهدة لايعرف السوريون ماوراءها. وإذن فإن الصراع كان أساساً بين سلطات فيشي وبين القوات الانكليزية ووحدات فرنسا الحرة التي اشتركت معها(54).‏

ومايمكن قراءته بوضوح من خلال هذا الوعد باستقلال سورية ولبنان تعاظم الدور البريطاني في المنطقة. إلا أن مايجب تسجيله في هذا الصدد أن ذلك الوعد يعلق مصير لبنان وسورية من حيث الوحدة أو الانفصال على إرادة شعبيهما (على عكس التجزئة المفروضة). وهذا تطور مهم في الموقف الفرنسي نعتقد أنه يعود بالدرجة الأولى إلى خضوعه لتأثير النفوذ البريطاني الذي أخذ ينظر للمنطقة العربية كوحدة متكاملة(56).‏

وانطلقت الحملة العسكرية الانكليزية بقيادة الجنرال ميتلاند ويلسون بقوات معظمها بريطانية من فلسطين وشرق الأردن بمساندة فرق من الفرنسيين الأحرار بقيادة الجنرال كاترو، إلى سورية ولبنان وعبر ثلاثة محاور : من الساحل نحو الناقورة، ومن الوسط نحو مرجعيون، ومن الداخل باتجاه القنيطرة، نحو دمشق (معارك درعا). ودارت معارك عنيفة في مرجعيون وجزين والدامور. وتعرضت مدينة بيروت للعديد من الغارات الجوية(57)، إذ جعل الفرنسيون مدافعهم المضادة للطائرات وسط الأحياء وبين المنازل. ونشطت الطائرات البريطانية في إلقاء المناشير تطميناً للأهالي.‏

وفي بداية الأمر لم تصادف قوات الحلفاء مقاومة تذكر حتى اقتربت من العاصمة السورية من جهة الجنوب. ويبدو أن سلطات فيشي لم تكن على علم بضآلة عدد القوات المهاجمة بينما كانت تحتفظ هي بنحو (35000) جندي. فلما تبينت قلة عدد قوات الحلفاء شنت هجوماً مضاداً. وفي 16/6/1941 استردت القنيطرة ومرجعيون، واضطرت بريطانيا إلى إرسال تعزيزات جديدة لم تكن متوقعة. فقد اضطرت القيادة البريطانية إلى إشراك قواتها الموجودة في العراق والتي كانت تضم قوة البادية الأردنية، حيث احتشدت في المفرق في 21/6/1941 بعد أن عززت في شرق الأردن. وألقى فيها الأمير عبدالله خطاباً حث أفرادها على تحرير سورية، قائلاً : "إن ساعة تحرير سورية قد دنت وأن هذه الفرصة الذهبية قد تكون حاسمة في تاريح العرب"(58). وكان هذا الخطاب إشارة واضحة إلى أطماع عبدالله في مشروع سورية الكبرى.‏

وحينذاك قرر الجنرال دانتز أنه لابد من تأييد ألماني إذا أريد الاحتفاظ بدولتي المشرق. إلا أن أحداً في فرنسا لم يكن يحب الاستعانة بالألمان في المستعمرات، واستقر الرأي على أن الألمان إذا دخلوا سورية فلن يخرجوا منها، ولذلك تيقن الفيشيون أن ميزان القوى ليس في صالحهم، وأنه يتعذر وصول النجدات إليهم عن طريق البر والبحر، وبعد فداحة الخسائر في صفوفهم، لذا طلب دانتز في 21/6/1941 التعرف على شروط الحلفاء لعقد الهدنة فأجيب بأنه سيسمح بترحيل الجيش الفرنسي مع جميع مظاهر الشرف العسكري.‏

وفي أثناء المحادثات سقطت دمشق في 21/6، وفي 14/7/1941 احتلت البلاد السورية بكاملها. وتوسطت الولايات المتحدة للإسراع بالهدنة، ولم يشرك الجنرال ديجول في توقيعها لأن سلطات فيشي كانت تعتبره عاصياً. ولذا فإن إشراكه في المحادثات من شأنه أن يزيد الأمور تعقيداً، ولذلك فإن دانتز فاوض الانكليز مشترطاً استبعاد الفرنسيين الأحرار. وأخيراً تم توقيع الهدنة في عكا في 14/7/1941. وتتناول شروط الهدنة تنظيم العلاقة بين فيشي والحلفاء، ولا يخص وضع السوريين سوى بند واحد وهو ألا تتبع بريطانيا أحداً من أهل سورية ولبنان ممن قاتلوا بجانب قوات فيشي(59).‏

وبالفعل فقد غادر البلاد عدد من الضباط والموظفين الفرنسيين ليلتحقوا بفرنسا الفيشية، بينما بقي عدد منهم وانضموا إلى قوات فرنسا الحرة(60). وخضعت سورية ولبنان للقوات الحليفة.‏

وتعرضت مدينة بيروت للعديد من الغارات الجوية أثناء الحملة. وبسبب احتدام المعارك وعنف المقاومة وغارات الطيران عم الذعر في بيروت ونزح العديد من الأهالي من المدن الساحلية إلى الجبال فارتفعت أكلاف النقل بعد فقدان الوقود، وقلت المواد الغذائية بسبب الحصار وازدادت أسعارها. وبذل الرئيس الفرد نقاش جهده لتخفيف هذه الأزمة، وحث المفوض السامي على إنقاذ بيروت من التدمير، وقدم إليه مذكرة جريئة لوقف القتال وإنقاذ المدنيين وإعلان بيروت مدينة مفتوحة(61). وقد قلق اللبنانيون عامة وأهل بيروت خاصة من معارك الفئتين الفرنسيتين. وخشوا على بلادهم من الخراب والتدمير(62).‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244