|
||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 02:18 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الثاني فرنسا الحـــــــرة وبريطانيـــــا 14/7/1941 - 1943 1-الصراع الفرنسي الانكليزي للسيطرة على سورية ولبنان: يوم احتلال قوات الحلفاء لدمشق، عين كاترو مندوباً عاماً لفرنسا في سورية ولبنان كما كان يرغب تشرشل، وليس مفوضاً سامياً كما كان يريد الفرنسيون مثلما كانت التسمية في السابق (1919-1941). وبالرغم من أن الجنرال كاترو صرح في إعلان الاستقلال أن ضمانات الحقوق العامة المنصوص عليها في القواعد الأساسية لصالح الأفراد والجماعات، تبقى محترمة ومصونة، فإنه لم يعرف شيء من احترام هذه الضمانات. وظلت الحريات مهددة. واستمرت (فرنسا الحرة) على نسق حكومة فيشي أو (حكومة الجمهورية الفرنسية الثالثة) تحكم الناس بالعنف والشدة وتأخذهم بالظنة والتهمة، ولاتبالي في سبيل غاياتها وأغراضها. (1) وتحول الصراع الانجليزي الفرنسي القديم إلى صراع بينهما على المشرق، وازداد الصراع احتداماً بين ديجول والانجليز حول مسألة المشرق بعد الاحتلال المشترك. واستفادت من ذلك الحركة الوطنية في سورية ولبنان في نهاية الأمر. وكان ديجول شديد الاستياء لإبعاده عن مفاوضات الهدنة، واعتبر اتفاقية عكا مهينة له ولمن قاتل من جنوده مع القوات البريطانية، واستنكرها وهدد بفك تحالفه مع بريطانيا إذا لم يتم تعديلها لأنها تؤدي في رأيه إلى تسليم بريطانيا زمام الأمور في بلاد المشرق من دون أن تراعى المصالح الفرنسية فيها. وأصدر الانجليز بعد الهدنة (14/7/1941) تأكيداً بعدم التطلع إلى الحلول محل فرنسا في أي جزء من امبراطوريتها. بل أقرت بريطانيا بالدور التاريخي لفرنسا في المشرق وبتفوق مصالحها في الشؤون الثقافية والاقتصادية. وماكاد يتم احتلال سورية ولبنان حتى بدأت مفاوضات صعبة بين وزير الدولة البريطاني في الشرق الأوسط، المقيم في القاهرة، المستر اوليفر لتلتون، وبين زعيم فرنسا الحرة الجنرال شارل ديجول في بيروت. فأكد الأول للثاني برسالة في 7/8/1941 أنه ليس لانكلترا من مصلحة في سورية ولبنان سوى كسب الحرب. وقد تعهدت فرنسا وبريطانيا العظمى بالاعتراف باستقلال سورية ولبنان. ومتى أقر هذا التدبير الأساسي فإن بريطانيا تعترف بأن يكون لفرنسا في سورية ولبنان حق الرجحان بالنسبة لأية دولة أوروبية أخرى. فأجاب الجنرال ديجول بنفس التاريخ أنه أخذ علماً بالتأكيدات التي قطعها له وزير الدولة مجدداً بما يتعلق بتجريد انكلترا عن كل غرض بسورية ولبنان واعترافها مقدماً بمكانة فرنسا الفضلى ومميزاتها عندما تستقل هذه البلاد، وفقاً للتعهد الذي قطعته لها فرنسا الحرة(2). وهكذا رتبت العلاقات بين طرفي الاحتلال في اتفاق (ديجول - لتلتون) الذي أرفق به الخطابان المتبادلان. وكانت هذه الاتفاقية بمثابة تفسير لاتفاقية عكا. وبذلك انتقلت إدارة سورية ولبنان إلى الفرنسيين الأحرار، واحتفظ الانكليز لأنفسهم بالقيادة العسكرية العامة. ونجح ديجول في إبعاد البريطانيين عن المشاركة في شؤون سورية ولبنان. ولكن هذا الاتفاق ولد ميتاً، فبعد بضعة أيام اتهم كاترو الانجليز بأنهم يدبرون مؤامرة مع الدروز للانفصال عن سورية والانضمام إلى شرقي الأردن. وكأن المندوب العام الفرنسي يتشكك من العلاقات التاريخية التي ربطت بين هذه الطائفة وبين الانجليز منذ القرن التاسع عشر. وقد دلت التجربة على أن فصل الشؤون السياسية عن العسكرية مستحيل في ظروف الحرب. وفي سورية كانت بريطانيا تشترك في حل مشكلات التموين وتضمن العملة الورقية بالاسترليني حتى تعيد الثقة إلى التجار، وهذه أمور تستدعي مشاركتها في المسائل الإدارية وبالتالي السياسية(3). وكانت بريطانيا ترى أن إبقاء الوضع على ماهو عليه قد يثير القلاقل في سورية ولبنان، وبالتالي يعرقل مجهود الحرب، فلابد من إجراء تغيير فعلي مع احتفاظ فرنسا ببعض الامتيازات مثل تلك التي تتمتع بها بريطانيا في مصر أو العراق(4). ولذلك صرح المستر تشرشل في 9/9/1941 في مجلس العموم البريطاني، مرة أخرى بأنه : "ليس للبريطانيين في سورية أي مطمع وأنهم على اتفاق تام مع حلفائهم وأصدقائهم الفرنسيين الأحرار بأن تمنح للسوريين الفرصة الطيبة ليتمتعوا فيها باستقلالهم وسيادتهم. وليس من الضروري إرجاء ذلك إلى مابعد انتهاء الحرب، بل ينبغي أن تساهم سورية منذ الآن المساهمة العملية في السلطة التي كانت تمارسها فرنسا وحدها، وإنشاء حكومة مستقلة. وإننا نفكر على الدوام في زيادة نصيب السوريين في الإدارة، وإن أحداً لايفكر في احتفاظ فرنسا بنفس الوضع الذي كانت تتمتع به في سورية قبل الحرب، وهو الوضع الذي تحققت الحكومة الفرنسية نفسها من وجوب انتهائه" . ثم ذكر اعتراف البريطانيين بما ينبغي أن يعود لفرنسا من الرجحان في سورية على سائر الشعوب الاوروبية، وضرب مثلاً لهذه العلاقات الخاصة مابين بريطانيا ومصر ومابينها وبين العراق. ولكن عاد فأكد أن استقلال سورية يبقى الحجر الأساسي الأول في السياسة الانكليزية. وقال تشرشل في خطبته أيضاً : "إنه لابد لنا من تحقيق الضمانات والواجبات التي أخذنا على عاتقنا القيام بها نحو الشعب السوري، وليست القضية، حتى في أيام الحرب، مجرد استبدال مصالح فرنسا الحرة بمصالح فيشــــي"(5). وحينما طالب وزير الدولة البريطاني في الشرق الأوسط حكومته في أيلول 1941 بدراسة موضوع الاتحاد بين الدول العربية، قررت لجنة الشرق الأوسط أنه يصعب وضع برنامج محدد للاتحاد السياسي، وأنه من الواجب قصر مجهودات السلطات البريطانية على تسهيل التعاون الاقتصادي بين سورية ولبنان وفلسطين وشرق الأردن، وعلى تشجيع العلاقات الثقافية بين الدول العربية(5)مكرر. ولقد كانت السياسة الفرنسية تهدف في الأشهر الأولى من الاحتلال إلى الاحتفاظ بجميع امتيازات الدولة صاحبة الانتداب حتى نهاية الحرب. وإذن فإن الاستقلال الذي تضمنه تصريح كاترو لايعدو سوى تغيير في الشكل. 2- إعلان استقلال دولة سورية في 27/9/1941 : عقب دخول القوات الحليفة دمشق، قدم خالد العظم في 22/6/1941 استقالة حكومته إلى قائد القوات الديغولية الجنرال كاترو، فأجابه بكتاب يطلب إليه فيه الاستمرار في الحكم ويؤكد رغبة فرنسا الحرة والحلفاء بما قطعته من وعد في المنشور الذي أذاعته في 8/6/1941 عن استقلال سورية وإعلان سيادتها(6). وكانت رغبة الجنرال ديغول (الذي قدم إلى سورية ولبنان في أوائل آب 1941) كبيرة في إقناع الرئيس هاشم الأتاسي بالعودة إلى تسلم مقاليد الحكم. وكانت لديه أسباب كثيرة تحمله على الجنوح إلى هذه الخطة، وهي شخصية وسياسية وشرعية. فتذاكر مع الأتاسي في شتورة ووكل إنجاز العمل إلى الجنرال كاترو لأنه على أهبة السفر، حتى يتفق وإياه على الشروط التي تقتضي ذلك. ولم يكن الجنرال كاترو، كما قال في مذكراته، ينكر المزايا التي تؤهل الرئيس الأتاسي للقيام بأعباء الرئاسة، فقد خرج من الحكم ولم يزل متمتعاً بثقة أبناء البلاد واحترامهم. إلا أنه لايشاطر الجنرال ديغول جميع آرائه في الأسباب التي تحمله على التمسك به. ويذكر الأرمنازي أنه : "بعد المفاوضات الأولى التي جرت بين الرئيس الأتاسي وبين الجنرال ديغول والجنرال كاترو، انتدبني الرئيس لمقابلة الجنرال كاترو في بيروت والبحث معه في بعض النواحي، فذكر لي أشخاصاً لتأليف الوزارة لم يكن من المنتظر اشتراكهم حينئذ في أوضاع الدولة الجديدة. ورأيت معلوماته لاتزال قديمة ومعرفته بالتطورات التي حدثت ضئيلة. وشعرت بأن الفرنسيين المقيمين في سورية يبثونه آراءهم وخططهم، ويشربونه إياها، فهو لايكاد يخرج عنها. وإطراؤه إياهم في مذكراته دلني على صحة ماوقع في نفسي من تلك المحادثة. وقد ضرب موعداً لزيارة الرئيس الأتاسي في حمص والاتفاق معه. "وفي اليوم الذي قرر فيه أن يقوم بهذه الزيارة، عدل عن رأيه وأرسل إلى الأتاسي سيارته حتى يأتي إلى دمشق. وربما كان هذا العدول ناشئاً عن اعتراضات مدسوسة من بعض مستشاريه. وقد ذكر الجنرال كاترو أنه عرض عليه استئناف الحكم طبقاً للأوضاع الدستورية التي كانت سنة 1939 فوافقه من حيث المبدأ. وبعد عدة اجتماعات لم يمكن الوصول إلى نتيجة لأن الرئيس الأتاسي لم يجبه على أسئلته إجابة توضح النواحي التي يريدها، ومن ذلك تأليف الحكم وبرنامجه، وموضوع المعاهدة وطريقة إبرامها والأساليب العملية للعلاقات بين الفريقين(7). "ولاحظ الجنرال أن الرئيس لايريد أن يقضي أمراً دون الاتفاق مع أصدقائه السياسيين، وهو ما لم يرتح إليه، إذ كان يريد أن يتخذ خطوات مستقلة، كما أنه لم يجد لديه مايريده في أمر المعاهدة، لأن الرغبات السورية التي أعرب عنها، ترمي إلى شيء جديد ينبغي أن تكون بطبيعة الأمر في مصلحة سورية. فضلاً عن أن عقدها يستلزم تحديد الفريقين المتعاقدين. وقد كانت فرنسا الحرة في وضع دولي يبعث الشكوك في نفوس السوريين وسواهم من بعض الأجانب . "ولقد حضرت هذه الاجتماعات التي أشار إليها الجنرال كاترو، وكنت أشاهد (كوله) صديق الشيخ تاج الدين يرقب بعين حذرة وجلة مايجري فيها : فكان يسري عنه عندما يجد تفاوت وجهات النظر يزداد مسافة لأنه كان يعمل ليحكم الشيخ تاج سورية ويحكمها معه أو يحكمها بواسطته. وقد استوقف نظري أن الجنرال كاترو حدثت في ملامحه حركة استنكار حينما بدأ الرئيس يذكر له أسماء الأشخاص الذين قد يختارهم لتأليف الوزارة. وكان الرئيس يصر على حكم ديمقراطي دستوري صحيح، أما الجنرال فلم يكن قانعاً بذلك، حتى أنه ضرب مثلاً بالحكم في أثناء الحرب في بريطانيا ونعتها بأم الديمقراطيات. ووعد الجنرال كاترو الرئيس الأتاسي بأن يرسل إليه محاضر الجلسات ولكنه لم يرسلها واتجه اتجاهاً جديداً أقرب إلى ميول مستشاريه في دمشق، وتحدث إلى بعض الأشخاص السوريين، وفي جملتهم فريق من المعروفين بسابق ممالأتهم لفرنسا(8). وتبادل الجنرال كاترو بتاريخ 12/9/1941 رسالتين مع الشيخ تاج الدين الحسني، تسلم بموجبهما رئاسة الجمهورية من لدنه(9). وكان الشيخ تاج الدين قد عاد إلى سورية من فرنسا، وقد اتفق مع الجنرال ديغول والجنرال كاترو على قبول رئاسة الجمهورية واعتراف الدولتين المتحالفتين فرنسا الحرة وبريطانيا العظمى باستقلال سورية وسيادتها. وكان تعيينه بطريقة غير دستورية. وبدوره عهد إلى حسن الحكيم بتأليف الوزارة في 16/9/1941 والذي استلم أيضاً وزارة المالية وزكي الخطيب للعدلية وفائز الخوري للشؤون الخارجية وبهيج الخطيب للداخلية بالوكالة وفيضي الأتاسي للتربية الوطنية (المعارف)، وعبدالغفار الأطرش للدفاع الوطني ومحمد العايش للاقتصاد الوطني ومنير العباس للأشغال العامة وحكمت الحراكي للإعاشة(10). فكانت الوزارة تمثل مناطق دولة سورية من أجل إعادة توحيدها. وكان خالد العظم قد تلقى في 12/9/1941 من الجنرال كاترو كتاباً بقبول استقالته(11). ثم صدرت مراسيم اشتراعية تحل محل النصوص الدستورية المتعلقة بكيفية نشر القوانين وإعادة النظر فيها وتحديد مسؤولية الوزراء وعددهم(12). وأعلن الجنرال كاترو Catroux في27/9/1941 بياناً تضمن أن سورية تتمتع بالحقوق والمزايا التي تتمتع بها الدول المستقلة ذات السيادة ولاتخضع هذه الحقوق والمميزات إلا للقيود التي تفرضها حالة الحرب الحاضرة وأمن البلاد السورية وسلامة الجيوش المتحالفة. ومن جهة أخرى فإن موقف سورية كحليفة لفرنسا الحرة وبريطانيا العظمى يستدعي انطباق سياستها انطباقاً تاماً على سياسة الحلفاء، وهي بدخولها في الحياة الدولية تنتقل إليها الحقوق والواجبات المعقودة باسمها، ويحق لها أن تعين ممثلين سياسيين لها حيث ترى أن مصالحها تقضى بهذا التمثيل. أما في سائر البلدان الأخرى فإن سلطات فرنسا الحرة تقدم المساعدة لتأمين الدفاع عن حقوق سورية، ومصالحها العامة وحماية السوريين فيها، ويحق لها أيضاً أن تشكل قواتها العسكرية بمؤازرة فرنسا الحرة. ثم ذكر أن سورية وحدة سياسية لاتتجزأ من الوجهة السياسية والجغرافية وأن مندوب فرنسا الحرة العام المطلق الصلاحية سيعدل النصوص التي تتضمن الأنظمة الخاصة الممنوحة سابقاً إلى بعض المناطق، بطريقة تضمن خضوع هذه المناطق سياسياً إلى السلطة المركزية مع استبقاء الاستقلال الإداري والمالي الذي تتمسك به . ثم بحث عن العلاقة بين سورية والدول الحليفة في أثناء الحرب، وذكر أن قيادة الحلفاء تتصرف منذ الآن بتجهيزات سورية ومصالحها العمومية، ولاسيما طرق المواصلات والمطارات ومنشآت الشواطىء بقدر ماتقتضيه الضرورات العسكرية. وانتقل بعد ذلك إلى الكلام عن الشؤون الاقتصادية وختم كلامه بالبحث عن ضرورة قيام معاهدة فرنسية سورية . وهكذا بدأت الأوضاع الجديدة في سورية التي كان فيها بعض مظاهر الاستقلال لاحقائقه. واستمر الفرنسيون على عاداتهم في الحكم(13). وقد فسر بعض أصحاب الرأي إعلان كاترو قيام دولة سورية في يوم السبت 27/9/1941، بأنه كان رضوخاً لتصريح تشرشل في مجلس العموم البريطاني في 9/9/1941. على أنه يلاحظ أن الإعلان تضمن تأكيداً للصفة الجمهورية للدولة السورية الجديدة مما يشعر بأن فرنسا بادرت إلى هذا الإعلان لكي تحول دون فكرة الهلال الخصيب التي تردد الحديث عنها(14). وكانت مقالات الصحف البريطانية المحبذة لهذا المشروع قد خلفت نفوراً في قيادة فرنسا الحرة. ولم يعتبر السوريون إعلان استقلال سورية من قبل كاترو تقدماً حقيقياً نحو الاستقلال، إذ اقترن بتعيين رئيس الجمهورية من قبل مندوب فرنسا، ومن المستحيل أن يسلم السوريون للمندوب الفرنسي بهذا الحق، ولشخص سبق له أن تعاون مع الانتداب(15). ولذلك لم يكن لهذا التعيين وقع حسن في سورية ولا في سائر أجزاء العالم العربي، بل ردد انتقاده فريق من زعماء السياسة في بعض الدول الحليفة، لأن رئيس الجمهورية الذي يأتي عن هذه الطريقة لاينظر إليه بأنه حائز على الأوصاف التي تؤهله ليحكم بلاده حكماً مستقلاً برغم ما كان يحتج به بعض معاونيه من الحجج ويلقونه من الأسباب والمعاذير(16). وقد عرف الشيخ الحسني بصداقته للفرنسيين وكانوا يركنون له ويعهدون إليه بالحكم أكثر من مرة، وكان بانياً شعبياً، وفي عهده المتكرر أقيم عمران حكومي ملحوظ في البلاد(17). وقد قابل الشعب هذه الأحداث بعدم الاكتراث مادام أن الحياة الدستورية لم تستأنف وأن الفرنسيين لم يظهروا الاهتمام بإعادتها(18). 3- إعلان استقلال دولة لبنان في 26/11/1941 : دخل الجنرال ديغول بيروت (في أوائل آب 1941) ليبدأ فيها سياسة فرنسا الحرة، فخطب باللبنانيين واعداً بحريات واسعة وناقداً سياسة مواطنيه السابقين. وكان صوته المتهدج في قصر الصنوبر، وهو مقام رئيس الجمهورية ببيروت، كصوت امبراطور روماني من اولئك الذين يقفون خطباء بالشعوب المستعمرة ويعدونها بالوعود البراقة. فلم تمر عليه أيام قلائل حتى أخذ يتقرب منه جماعة كانوا على الدوام من أسباب المشكلات السياسية في لبنان، وكانوا يفضلون الانتداب على الحرية والاستقلال ليظلوا شاعرين بالحنان الفرنسي ودفء الحماية الاستعمارية(19). وقد اتصل ديغول بمعظم زعماء لبنان الموالين لفرنسا، دون أن يبت في الوعود التي أذاعها كاترو باسمه، تاركاً تدبير القضايا للمندوب السامي العام (اللقب الجديد للمفوض الفرنسي) الذي حصر السلطات بيده، وأخذ يجوب المناطق اللبنانية فيستقبل بحفاوة مصطنعة أحياناً(20). واهتم كاترو بتنظيم الأوضاع في لبنان بعد انتهاء الأعمال الحربية واستقرار الأحوال المعيشية وتوفر فرص العمل بعد التسهيلات التي أمنها دخول لبنان منطقة الاسترليني. وتوقع اللبنانيون إعادة العمل بالدستور، إلا أن الجنرال كاترو، بعد اطلاعه على الأوضاع واجتماعه إلى جميع الأطراف اللبنانية، وجد أن المصلحة اللبنانية تقضي باستمرار تعليق الدستور، واستمرار النقاش في مركزه كرئيس للجمهورية، لأن الصراع كان حاداً بين الكتلة الدستورية والكتلة الوطنية، فثبت الفرد نقاش في الرئاسة وطلب إليه تشكيل حكومة اتحاد وطني وعهد برئاستها إلى أحمد الداعوق(21). ويتحدث مسعود ضاهر عن آثار تصريح كاترو باستقلال سورية ولبنان فيقول : "جاء الإعلان ضربة أليمة للتيار الطائفي المنادي بضرورة بقاء الانتداب الفرنسي على أرض لبنان، والذي رفع دوماً شعار (لا لبنان بدون حماية فرنسية). وكان هذا التيار يرهن مستقبله السياسي على بقاء الجيوش الفرنسية على أرض لبنان ويبشر دوماً بأن الاعتراف بزوال الانتداب يعني زوال الحكم المسيحي منه. ويبالغ أحياناً في التخويف فيقول دعاته : "لاسبيل لبقاء المسيحيين في لبنان المستقل إلا بضمانة أجنبية فرنسية بالدرجة الأولى لمنع المسلمين من ابتلاعه أرضاً وشعباً". وتمثل هذا التيار أساساً بحزب الوحدة اللبنانية الطائفي والعديد من أنصار الرئيس أميل اده. " لقد أسقط بيان كاترو الاستقلالي معظم أوراق هذا التيار وانهار الجدار الفرنسي الذي كان يسند إليه ظهره، فهل باستطاعة أي تيار لبناني يبغي الحياة، مهما بلغ به التعصب الطائفي والسياسي، أن يطالب بأقل مما أظهر الفرنسيون أنفسهم من استعداد لتقديمه إلى شعبي سورية ولبنان، وهو مطلب الاستقلال؟ "نسجل هنا أن أركان المفوضية العليا الفرنسية في بيروت ماكانوا على علم مسبق بنداء كاترو ولم يؤيدوه، بل اتهموا الجنرال بالعمالة للانجليز. وبقيت المفوضية العليا تؤيد دعاة التيار الطائفي هذا حفاظاً على امتيازاتها، وتحضره كبديل محلي في وجه التيار الاستقلالي الذي دعمته بريطانيا. وقام أركان المفوضية العليا الفرنسية بمحاولة اغتيال الجنرال كاترو الذي كتب الكثير في مذكراته حول خشيته من أعمال هؤلاء العسكريين والمستشارين الذين رفضوا السياسة الواقعية التي انتهجها لحل الأزمة اللبنانية والذين ساهموا كثيراً في تعقيدها وتفجيرها. "لقد لعبت السياسة الفرنسية في بيروت بدعم مباشر من الجنرال ديغول واللجنة الوطنية في الجزائر، دوراً هاماً في هدم (جسور الصداقة الفرنسية التقليدية) مع لبنان، وبات شعار الاستقلال وإزالة الانتداب شعاراً جماهيرياً يستقطب الأغلبية الساحقة من التيارات السياسية واللبنانية وعلى امتداد كافة الطوائف والمناطق في لبنان وذلك بتشجيع مباشر من الانكليز والعرب الموالين لهم. وبتنسيق كامل مع الكتلة الوطنية السورية"(22). والجدير بالذكر أن الصراع الدولي حول لبنان، تحول إلى صراع فرنسي بريطاني بعد انتصار الحلفاء مجدداً في لبنان والمنطقة في تموز 1941. وترجم هذا الصراع الجديد إلى صراع وتنافس بين اللبنانيين أنفسهم، ليس على أساس طائفي، وإنما على أساس سياسي، بحيث إن الموارنة أنفسهم شكلوا كتلتين : الأولى مؤيدة لفرنسا بزعامة اميل اده. والثانية مؤيدة لبريطانيا بزعامة بشارة الخوري. ويذكر سامي الصلح بأنه كان لكميل شمعون اليد الطولى في إقامة العلاقات بين بشارة الخوري ومن معه وبين بعثة سبيرز(23). وحول التنافس الماروني السياسي بين اده والخوري ذكر الجنرال ديغول في مذكراته بأنه كان تنافساً شديداً، وأنه سمع بشارة الخوري مرة يقول : "لقد احتل اده مقعد الرئاسة من قبل وقد حان الآن دوري". وقال ديغول عن رياض الصلح : "كان رياض الصلح، الزعيم العاطفي لمسلمي السنة، يرفع في غضون ذلك راية القومية العربية فوق المساجد مثيراً الفزع في المتنافسين دون أن يحملهما على الاتفاق". ورأى ديغول أنه بالرغم من أن الفرد نقاش كان أقل ذكاء من اميل اده وبشارة الخوري ورياض الصلح، غير أن فرنسا ساعدته للوصول إلى الحكم. ثم إن اميل اده ورياض الصلح لم يحاولا إرباك ومعارضة الرجل، بينما راح بشارة الخوري يحيك حوله الدسائس والمؤامرات(24). وفي برقية بريطانية سرية مرسلة بالشيفرة في 22/10/1941 إلى وزارة الحربية البريطانية إشارة إلى تأكيد الجنرال كاترو على إبقاء الفرد نقاش رئيساً للجمهورية وتعيين مسلم رئيساً للوزراء، وتشكيل حكومة من الشخصيات القوية(25). بينما رأى الجنرال ديغول أن تثبيت ماروني في رئاسة الجمهورية إنما يهدف إلى حماية المسيحيين في لبنان. ففي برقية أرسلها من لندن إلى الجنرال كاترو في بيروت في 28/10/1941 أكد له فيها موافقته على تثبيت الرئيس الفرد نقاش رئيساً للجمهورية طالباً منه حماية المسيحيين: "فعلينا قبل كل شيء وبصورة خاصة أن نحتفظ لفرنسا بالوسائل التي تكفل لها بصورة دائمة وفعالة حماية المسيحيين في لبنان"(26). بينما رأى الجنرال كاترو ضرورة التعاون بين بريطانيا وفرنسا لمواجهة الإسلام والمسلمين "، وأن نرى منافسات الماضي الوضيعة قد انطوت ليحل محلها شعور من التضامن بين أكبر دولتين تتحكمان في العالم الإسلامي لمواجهة الإسلام"(27)، علماً أن كاترو كان يتهم بريطانيا بأنها تسعى لوضع لبنان تحت السيطرة الإسلامية(28)، متذرعاً بأن البريطانيين يساعدون المسلمين في لبنان ضد الموارنة لإرضاء الدول العربية الخاضعة للنفوذ البريطاني. وهي محاولة بريطانية لإخضاع لبنان للنفوذ البريطاني(29). وبعد أن قام كاترو بزيارات إلى مختلف المناطق اللبنانية للوقوف على أوضاعها ومطالبها خرج بوعد قريب للاستقلال وحدد له يوم 26/11/1941 موعداً لإعلانه. وسبق ذلك مناورات قام بها المندوب البريطاني في لبنان الجنرال سبيرز لتحديد موعد للانتخابات النيابية من جهة ولتعديل صيغة الإعلان من جهة أخرى. وفي الموعد المحدد وبحضور الرئيس نقاش، أعلن الجنرال كاترو في خطابه استقلال لبنان باسم رئيس الفرنسيين الأحرار، وأن الدولة اللبنانية تتمتع بالحقوق والصلاحيات التي تعود للدولة المستقلة من دون أية قيود، سوى تلك التي تفرضها مستلزمات الحرب وأمن البلاد. وأن الدولة اللبنانية تشكل سياسياً وجغرافيا وحدة غير متجزئة يجب صيانتها ضد أي اعتداء. كما يحق للدولة اللبنانية انتداب ممثلين دبلوماسيين لدى الدول الأخرى، وإنشاء قوات عسكرية وطنية، وأن فرنسا ستسعى لتأمين اعتراف الدول باستقلال لبنان، وتضمن سيادتها وأراضيها وحدودها، وتؤمن لها الإفادة من دخول منطقة الاسترليني . ولكن كاترو كان يسعى أيضاً للحصول على مركز ممتاز لفرنسا في لبنان تكرسه معاهدة تعقد بين الدولتين. وجدد ثقته بالرئيس نقاش كحل يبعد الانقسام الناشىء عن خلاف الكتلتين الدستورية والوطنية. وشدد على الإبقاء على روح معاهدة 1936 التي رحب بها اللبنانيون فيما مضى. ورد الرئيس نقاش بشكره لفرنسا الحرة على مبادئها، مظهراً حرص لبنان على استمرار التعاون معها، إلا أنه تحفظ على عقد أية معاهدة معها قبل تحقيق الاستقلال الناجز(30). معظم أصحاب الرأي اعتبروا هذا الاستقلال مجحفاً، واهتمت فرنسا بنوع خاص لاحتجاج رئيس الكتلة الدستورية بشارة الخوري، فقد أذاع منشوراً يصف فيه الاستقلال بأنه مزيف وغير دستوري. ولكن كاترو اعتبر احتجاج الخوري من قبيل النقمة لإخفاقه في الوصول إلى كرسي الرئاسة. إلا أنه غضب لمساندة الدول العربية له وبنوع أخص مصطفى النحاس باشا. واحتج رياض الصلح بمذكرة أرسلها إلى كاترو، وذروة الاعتراض كانت احتجاج بكركي برعاية البطريرك الماروني انطوان عريضة(31). ولقد تجلى، منذ إصدار التصريح الخاص بقيام دولة لبنان في 26/11/1941، كيف أن فرنسا تعول على صداقة لبنان كما كان الحال في سنة 1920. واعتبر هذا التصريح مناقضاً لبيان 8/6/1941 الذي خير السوريين واللبنانيين بين إقامة دولة واحدة وتأسيس دول مختلفة. فهذا التصريح الجديد يؤكد انفصال القطرين، وعلاوة على ذلك يقطع السبيل على إقليم مثل طرابلس كان معظم سكانه يتطلعون إلى الانضمام لسورية في حالة انفصال القطرين(32). وهكذا عاد الفرنسيون لتأكيد التجزئة المفروضة بالقوة في بداية الاحتلال. وكما حدث في سورية، اختار كاترو رئيس الدولة في لبنان، ووقع اختياره على الفريد نقاش وهو من المعروفين أيضاً باستسلامهم للفرنسيين. وعمدت السلطات الفرنسية إلى إثارة التفرقة الطائفية كما كانت تفعل منذ بداية عهد الانتداب. ويبدو أن هؤلاء المسيحيين الذين كانوا يتطلعون في السابق إلى حماية فرنسا فقدوا ثقتهم بها وعلقوا آمالهم بدول أخرى أعظم شأناً مثل بريطانيا أو الولايات المتحدة. هذا مع العلم بأن حدة الطائفية قد خفت بانتشار الثقافة العصرية، ولم يكن هناك إجماع من المسيحيين على ضرورة الاحتماء بدولة كبرى. طالما أن العرب اعترفوا باستقلالهم ولايشكلون خطراً عليهم . على أن الزعيمين اللذين كانا يتنافسان على زعامة لبنان في هذه الفترة وهما بشارة الخوري واميل اده اتفقا على مبدأ الكيان اللبناني، وكلاهما يمثل وجهة نظر الموارنة مع هذا الفارق، وهو أن بشارة الخوري كان يرى أن الاحتفاظ بكيان لبنان لايتعارض مع تعاونه مع الدول العربية في نطاق محدود، بينما أن أميل اده كان يفهم أن الكيان اللبناني يعني انعزاله تماماً عن العالم العربي المحيط به، لذلك حظي بتأييد الفرنسيين(33). ومما تجدر الإشارة إليه في إعلان استقلال لبنان، أن بريطانيا بشخص ممثلها الجنرال سبيرز اعترضت على الفقرة التي تنص أن الأراضي اللبنانية تشكل وحدة غير قابلة للتجزئة. ولدى رفض كاترو هذا الاعتراض طلب سبيرز حذف كلمة غير قابلة للتجزئة، لأن مثل هذا النص من شأنه أن يعرقل المشاريع الاتحادية التي كانت تتبناها بريطانيا، إلا أن إصرار الجانب الفرنسي على النص بحذافيره وحاجة الانجليز إلى التحالف مع فرنسا حملهم إلى القبول بالإعلان الفرنسي(34). 4- موقف الدول من إعلان استقلال دولتي سورية ولبنان : كانت بريطانيا تصر على تحقيق الضمانات والواجبات تجاه الشعب السوري وليس فقط إحلال فرنسا الحرة محل فرنسا فيشي. وأشار الجنرال كاترو في مذكراته إلى هذه الفقرة من خطاب تشرشل في 9/9/1941 وكيف أنها كانت سلاحاً في يد الجنرال سبيرز يستعمله أنى أراد، وعقد فصلاً خاصاً لهذا السياسي العسكري البريطاني . لقد كانت بريطانيا تعمل من أجل مصالحها في الشرق الأوسط وطرق المواصلات مع مستعمراتها. فاعترفت باستقلال دولتي سورية ولبنان في 28/10/1941. وعينت وزيراً مفوضاً مطلق الصلاحية لدى الدولتين هو الجنرال ادوارد سبيرز في 11/2/1942 الذي سيلعب دوراً هاماً في توجيه الأحداث طوال فترة الحرب(35). بل كانت بريطانيا أول دولة هنأت لبنان بالاستقلال، وكان مندوبها الجنرال سبـيرز أول مبعوث دبلوماسي قدم أوراق اعتماده للرئيس اللبناني. وكان تعيين سبيرز سفيراً في لبنان أمر له دلالته الخاصة نظراً للصداقة التي تربطه بتشرشل(36). أما الولايات المتحدة، فقد قام تشرشل بإبلاغها بما اتفقت عليه بريطانيا وفرنسا الحرة إلى الرئيس روزفلت، وذكر أن الغاية منها منع تدخل الألمان. وأبلغ الفرنسيون أيضاً الولايات المتحدة ماصنعوه في سورية وطلبوا موافقتها عليه واقتفاء خطوات البريطانيين فيه. ولكنها تريثت في ذلك لأن لها حقوقاً منحتها إياها معاهدة 1924 التي عقدتها مع فرنسا في شأن انتدابها على سورية ولبنان، كما أن العلائق لم تبرح قائمة بين الولايات المتحدة وحكومة فيشي، ولاتعترف بحكومة فرنسا الحرة. غير أنها وجدت في اعتراف بريطانيا بما لفرنسا من رجحان، وتأكيد الجنرال ديغول أن لفرنسا وضعاً مميزاً في سورية، ماسبب تعقيدات كثيرة وأموراً مجهولة يجب أن تستطلعها. وكان تعبير الجنرال كاترو في إعلانه استقلال لبنان، عن (الوصاية الودية) قد جعل الولايات المتحدة تمعن الفكرة فأعلنت في بيان رسمي في 29/11/1941 عطف الحكومة الأمريكية وشعبها على أماني الشعبين السوري واللبناني في التمتع بحقوق السيادة التامة. وأضافت إلى ذلك أن معاهدة 1924 منحت الأمريكيين حقوقاً يجب أن تحافظ عليها حتى تعقد معاهدة جديدة. وبالرغم من مواصلة البريطانيين والفرنسيين السعي للحصول على اعتراف رسمي لم تخرج الولايات المتحدة عن خطتها، وظلت متربصة تنتظر تطورات هذا الاستقلال(37). وبرر (هل) موقف أمريكا بأن الحكومة القائمة ليست نتيجة التعبير عن إرادة الشعبين السوري واللبناني. واعترفت باستقلال سورية دول عديدة(38) وتحفظت عدة دول إزاء الاعتراف بالنظام الجديد في سورية ولبنان. ووقفت الحكومة المصرية موقفاً مشابهاً لموقف الولايات المتحدة إلى حد ما فذكرت أنها تعترف بالاستقلال ولكنها لاتعترف بالحكومة التي أقامها المندوب العام. كما امتنع العراق عن الاعتراف لنفس السبب ولسبب مختلف هو ترقب فرصة الهلال الخصيب. أما شرقي الأردن فإنه طلب في 6/1/1942 رفع الانتداب عنه. وندد بمساوىء الانتداب والتحكم الفرنسي في كل من سورية ولبنان، وبتعيين فرنسا لرئيسي الدولتين الجديدتين. وكذلك امتنعت تركيا عن الاعتراف بدولتي سورية ولبنان لأنها ماتزال تتبادل التمثيل الدبلوماسي مع حكومة فيشي باعتبارها الحكومة الفرنسية الشرعية(39). وذكر تشرشل في مذكراته أن ستالين ذكر في حديث مع ايدن في 16/12/1942 رأيه في احتمال منح تركيا بعض الأجزاء في سورية الشمالية. ولعل الروس يبغون استمالة تركيا للوقوف في صفوف الحلفاء وتجنبها الوقوف في صف دول المحور. وصرح دبلوماسي تركي (سفير في موسكو) بأنه أبلغ ساسة الروس أن تركيا لاترغب مطلقاً بذلك وهي قانعة بالأراضي التي استقر عليها حكمها(40). وكانت عصبة الأمم بحكم المنتهية بقيام الحرب العالمية الثانية. بل إن فرنسا انسحبت منها. إلا أن الجنرال ديغول رفع مذكرة إلى أمين عام العصبة في 28/11/1941 أوضح فيها أسباب قيام قواته مع بريطانيا بغزو سورية ولبنان بأنه لمنع جعلهما قاعدة عسكرية ألمانية. وذكر أنه منذ 14/7/1941 تولى الصلاحيات والموجبات التي أعطيت لفرنسا بموجب صك الانتداب المؤرخ في 24/7/1922 والمنفذ في 29/9/1923. وذكر أن مندوبه الجنرال كاترو قام بإعلان استقلال الدولة السورية في 27/9/1941 استناداً على مبادىء صك الانتداب ومن سياسة فرنسا التقليدية. وأشار ديغول إلى العلاقات الخاصة القائمة بين فرنسا ولبنان، وأن كاترو أعلن في 26/11/1941 استقلال لبنان وسيادته. وأكد أن استقلال سورية ولبنان وسيادتهما لاتحدهما سوى ظروف الحرب(41). 5- جمهورية سورية من إعلان الاستقلال27/9/41 وحتىالانتخابات25/3/1943 بعد إعلان الاستقلال كانت الحكومة السورية برئاسة حسن الحكيم، قد أخذت تطالب بنقل الصلاحيات إليها من الفرنسيين. وتسلمت بعض السلطات البسيطة التي كانت بيد عمالها ورجالها. غير أن فرنسا ندمت على ذلك الإعلان وظلت تمارس كثيراً من السلطات رغم احتجاج الشعب السوري مدعية أن الظروف الدولية تحتم تجميد الأوضاع. إلا أن الشعب السوري أصر على تنفيذ الاستقلال الذي وضعت فرنسا العراقيل في سبيل تنفيذ وعده. وقد بذل رئيس الوزراء حسن الحكيم مجهوداً كبيراً لتحديد النفوذ الفرنسي وانتزاع أكثر أسبابه ومظاهره فاصطدم بمصاعب معقدة(1). ففي 29/11/1941 طالب رئيس الوزارة الجنرال كاترو ينقل بعض الصلاحيات إلى الحكومة السورية. وبمناسبة نقل صلاحيات منح جوازات السفر للرعايا السوريين إلى السلطات السورية في 4/3/1942 وربط مصلحة الجوازات بوزارة الداخلية. قدم حسن الحكيم كتاباً في 18/3/1942 أشار فيه إلى طلبه الشفهي في 6/3/1942 وعدد فيه أهم الصلاحيات التي يتطلب حلها ونقل صلاحياتها إلى الحكومة السورية وهي : 1- حصر حق التشريع في الحكومة الوطنية السورية . 2- تسليم الجمارك إلى الحكومة الســـــــورية. 3- ربط دوائر الأمن العام بالحكومة السورية. 4- إلغاء وظائف ضباط دوائر الاستخبـارات . 5- إلغاء وظائف المستشارين لدى الحكومة السورية وجعلها بأقل عدد ممكن وتحديد صلاحياتهم الفنية . 6- ربط مصلحة العشائر بالحكومة السوريـة . 7- ربط مراقبة الصحف والمطبوعات بالحكومة السورية. 8- تمثيل الحكومة السورية في قضايا الحدود . 9- نقل حق مراقبة الشركات ذات الامتياز إلى الحكومة السورية. 10- نقل صلاحيات مخالفات الإعاشة إلى المحاكم العسكرية السورية. 11- إلغاء الاتفاقية المعقودة بين المفوضية العليا وسكة حديد دمشق حماة وتحديداتها بشأن استثمار السكة الحجازية التي هي وقف إسلامي وإعادة إدارة الخط المذكور إلى الدولة السورية كما كان سابقــــــاً عملاً برجائنا المؤرخ في 29/11/1941. وذكر الحكيم في كتابه إلى كاترو أن نقل الجوازات إلى السلطة السورية خطوة نحو توطيد أسـس الاستقلال الذي أعلنتموه في خطابكم التاريخي(43). وبعد مفاوضات عديدة جرت في هذا الصدد لم يوافق الجانب الفرنسي على التخلي عن صلاحياته للسوريين. ولهذا اضطرت وزارة حسن الحكيم إلى الاستقالة وفضل أن يبقى بعيداً عن الحوادث الجديدة في 18/4/1942. وأشار الأرمنازي إلى أن الحكيم اختلف مع رئيس الجمهورية(44). وكان للسيد حسن الحكيم أثر في استعادة منطقتي اللاذقية والسويداء (جبل الدروز) إلى أمهما سورية. إذ أعيدت الوحدة السورية بإعلان انضمامها إلى سورية في 20/1/1942(45). وتشكلت حكومة حسني البرازي الذي استلم أيضاً الداخلية، وفائز الخوري للمالية والشؤون الخارجية، والأمير حسن الأطرش للدفاع الوطني، وحكمت الحراكي للإعاشة، وخليل مردم بك للمعارف، وراغب كيخيا للعدلية ومحمد العايش للاقتصاد الوطني ومنير العباس للأشغال العامة ومنير العجلاني للدعاية والشباب، فكانت هذه الوزارة كسابقتها تمثل إعادة توحيد مناطق دولة سورية. وحدث سوء تفاهم حكومي بين رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية أدى إلى خلاف بينهما ومناقشـــات وتهجمات خطابية انتهت باستقالة الوزارة بعد أن ألقى رئيسها خطاباً سياســياً في فندق الشرق بدمشق ندد فيه بسياسة الشيخ تاج الملتوية وهاجم رجال القصر الجمهوري. وذكر الأرمنازي أن البرازي تعرض لأساليب الحكم ومناهجه وأعلن في الخطبة وجهة نظر المعارضة(46). وعهد الشيخ تاج إلى جميل الألشي في 8/1/1943 لتأليف الوزارة والذي استلم أيضاً الداخلية وفائز الخوري للشؤون الخارجية والأمير مصطفى الشهابي للمالية ومنير العجلاني للشؤون الاجتماعية والأمير حسن الأطرش للدفاع الوطني ومنير العباس للأشغال العامة والعدلية بالوكالة. وحكمت الحراكي للإعاشة ومحمد العايش للاقتصاد الوطني. ولم تكد هذه الوزارة تمارس أعمالها وتقوم بواجباتها الحكومية إلا أن فوجئت بعد أيام قليلة بوفاة رئيس الجمهورية الذي حدث على إثر مرض اعتراه. فأصدر مجلس الوزراء مرسوماً اشتراعياً تولى بحسبه مهام السلطة التنفيذية بالوكالة. واستمر الحكم على هذا المنوال حتى 25/3/1943. ومنذ وفاة رئيس الجمهورية وجدت في البلاد أزمة سياسية شديدة رافقتها اضطرابات شعبية عنيفة انتهت باستقالة وزارة الألشي وتكليف عطا الأيوبي بتأليف حكومة انتقالية في 25/3/1943 لإجراء الانتخابات وإعادة الحياة الدستورية(47). وفي 23/4/1943 ألغيت وزارة الشؤون الاجتماعية. فقد كان الاستياء يزداد بسبب سوء الحالة الاقتصادية (زيادة أسعار الخبز) من جهة وبسبب الرغبة في العودة إلى الحياة الدستورية وفي الحصول على الاستقلال التام من جهة أخرى. وبرزت الكتلة الوطنية من جديد وطالبت إما بإعادة مجلس 1939 المنحل أو بإجراء الانتخابات. وكان زعيمها شكري القوتلي(48). وتحدث العظم عن أسعار القمح وتوفيره للبنان : " وقد عادت طريقة الشراء الجبري التي اتبعتها (الميرة) بفائدة كبرى على لبنان من حيث توفير ماتحتاجه البلاد من القمح بسعر معتدل، فلم تحصل المجاعة التي أصابته في سنين الحرب العالمية الأولى. وأبى اللبنانيون أن يعترفوا بفضل سورية عليهم. وذلك بتوفيرها بأسعار أقل، وهي حاجتهم من الحبوب التي كانوا يشترونها قبل الحرب من الأسواق الخارجية كاستراليا وكندا. وكانوا لايلتفتون إلى الأسواق السورية إلا عندما تهبط أسعارها إلى أدنى من الأسعار الأجنبية. ونحن لانلوم التجار والمستهلكين اللبنانيين على تفضيلهم الأرخص من المواد الغذائية. لكننا من جانبنا لنا حق رفع أسعارنا حينما تحين الفرص. ومع هذا فإن سورية جرت على تحديد أسعار بيع القمح في لبنان على نفس الأساس المحدد لبيعه في سورية مع إضافة بسيطة قدرها إحدى عشرة بالمئة لقاء قيام موظفي الدولة السورية بتنفيذ خطط مصلحة الميرة ومنع تهريب الحنطة والدقيق إلى الأسواق السوداء. وحدد سعر طن القمح بمئتي وخمسين ليرة سورية. ثم ارتفع إلى 350 ل.س وهذا على كل حال لايرتفع عما وصلت إليه أسعار بقية الحاجات خلال الحرب. وهو من جهة ثانية إذا حسبناه بالعملة الذهبية أقل مما كان عليه قبل الحرب. وكان يشرف على مصلحة الميرة ويوجه سياستها مجلس مؤلف من رئيس سوري وثلاثة أعضاء لبناني وفرنسي وبريطاني"(49) بعد تحرير سورية من حكم فيشي. 6- جمهورية لبنان من إعلان الاستقلال وحتى الانتخابات : كان لتصريح كاترو في 8/6/1941 بإعلان استقلال لبنان عدة آثار منها : الأثر الأول : ايقاظ الروح الوطنية في ضباط الجيش: إذ اجتمع ضباط الجيش اللبناني في 16/7/1941 ووقعوا عريضة جاء فيها : " نحن الموقعين بذيله ضباط القطع اللبنانية نتعهد مقسمين بشرفنا أننا لن نقبل بالخدمة إلا في سبيل لبنان وتحت رايته على أن لايكون لنا علاقة إلا مع حكومته الوطنية. وأن نعمل معاً لأجل تحقيق هذه الأمنية إلى ماشاء الله، وكل من يسلك غير هذا الطريق يعتبر خائناً ويشهر". وكان معظم اولئك الضباط بحكم التركيب الطائفي للجيش اللبناني، من الطائفة المارونية، مما يعني أن هناك تحولاً كبيراً في التفكير الوطني امتد حتى إلى المؤسـسة التي يفترض فيها أن لاتتعاطى في الأمور السياسية(50). الأثر الثاني : إضعاف التيار المؤيد للانتداب والذي يدعو إلى استمرار الصلات مع فرنسا لضمان عدم ذوبانه، والذي كان يتمثل بالكتلة الوطنية بعد أن تبين أن زعيمه ملكي أكثر من الملك. وهذه القضية سوف تظهرها نتائج انتخابات 1943 النيابية. الأثر الثالث : تقوية التيار الاستقلالي المنادي بالتعاون مع البلاد العربية : وقد تزعم هذا التيار قادة الكتلة الدستورية والزعماء المسلمون الذين لاقوا دعماً واسعاً من كبار التجار بعد أن شعر هؤلاء أن الانتداب الفرنسي قد تلاشى دوره وحل محله النفوذ البريطاني الذي كان يهيمن على المنطقة العربية سياسياً واقتصادياً. وكان مما يزيد هذا التيار تعلقاً بمطلب الاستقلال التام، أن وعد الجنرال كاترو بالاستقلال، كان معلقاً على إجراء محادثات لعقد معاهدة. وكانت نقطة الانطلاق في تلك المحادثات هي معاهدة 1936 حسب تعبير الجنرال ديغول : "وهكذا فإن مهمة الانتداب التي أوكلت إلى فرنسا ستنتهي، أما عمل فرنسا فمستمر"(51). إلا أن هذه الفكرة لم تلق الترحيب من اللبنانيين لأن تجربة معاهدة 1936 كانت لاتزال ماثلة في الأذهان أو كما يقول (بيو) الذي خبر نفسية الشرقيين بالرغم من فترة حكمه القصيرة في لبنان : "في الشرق أكثر منه في أي مكان آخر، لايجوز الوعد والإخلال به"(52). ومن جهة أخرى كانت المعاهدة تعني قيوداً مفروضة على الاستقلال أو كما يعبر عنها كميل شمعون : "كانت تعني في الواقع نفياً للاستقلال"(53). الأثر الرابع : تبني البطريرك لمطلب الاستقلال التام : فقد كان على التيار الاستقلالي أن يستفيد من ظروف الحرب ليطالب باستقلال كامل وناجز، إلا أن هذا المطلب لم يكن سهل التحقيق. فالنفوذ الفرنسي كان راسخاً في المؤسـسات التي أوجدتها فرنسا طيلة عدة قرون، وأنصارها يحتلون مواقع بارزة في الحكم والإدارة. ومع ذلك كانت الفرصة سانحة من خلال مواقف البطريرك الماروني المتعارضة مع وجهة نظر المفوضية العليا. لهذا تنادت المعارضة إلى عقد مؤتمر لها في بكركي في يوم الميلاد 25/12/1941 دعي بمؤتمر الطوائف. ومن هناك، من معقل المارونية صديقة فرنسا التقليدية في المشرق، وقف البطريرك يطالب باستقلال لبنان الناجز معبراً عن رغبات الشعب. في حين كان قبل ثماني سنوات يطالب ببقاء الانتداب، معبراً عن رغبته بقوله : " نحن طلبنا الانتداب بمطلق إرادتنا ونريد أن يبقى عندنا الآن، ليس لأننا غير أكفاء للاستقلال التام، ولكن للظروف أحكاماً. ونرى الآن أننا مازلنا بحاجة للانتداب"(54). لقد استفاد التيار الاستقلالي من هذا التطور في موقف البطريرك ليدفع به إلى نهايته المنطقية: لا للعودة إلى الحماية الفرنسية، لا للعودة إلى سياسة المعاهدة التي تكبل الاستقلال. لذلك اتخذ المؤتمرون المقررات التالية : 1- استقلال لبنان استقلالاً فعلياً يمكنه من تغيير مصيره بملء الاختيار. 2- حرية لبنان بالتعاقد مع الدول الأجنبية كدولة مستقلة. 3- سن قوانين دستورية تكفل الحريات الخاصة والعامة وتفرق بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعيــــة، وهذه تؤمن بواسطة مجلس سياسي منتخب انتخاباً حراً تتمثل فيه الطوائف والمناطق اللبنانية تمثيلاً عـــــــادلاً. 4- تسليم الأحكام فعلاً إلى أبناء البلاد يحملون مسؤوليتها ويقومون بأعبائهـا. 5- اعتبار كل عمل تأتيه الحكومة الحاضرة من شأنه أن يقيد البلاد، لاغياً . 6- إعلان الثقة بالبطريرك لتحقيق هذه الأهداف بمؤازرة شخصيات تمثل الطوائف والمناطق اللبنانيــــة(55). والمؤتمر يجمع المعارضة على نفس المنطلقات الطائفية، لكنه يجمع الطاقات من أجل هدف وحيد وهو الوصول إلى الاستقلال السياسي على أساس وحدة الطوائف اللبنانية المتعايشة على أرض واحدة(56). لقد تنادت المعارضة إلى انتهاز الفرصة التاريخية ومد الموجة الوطنية العارمة المطالبة بالاستقلال كي تدخل إلى القلاع الطائفية التي تشكل آخر معاقل الفرنسيين المتشبثين بالبقاء على رقاب السوريين واللبنانيين. فدعت إلى تخطي الطابع التقليدي المعروف منذ مطلع عهد الانتداب والقائل برفض الانتداب رفضاً قاطعاً وعدم الاعتراف به، والتركيز دوماً على الوحدة مع سورية وعدم الاعتراف بشرعية ضم بيروت والمدن الكبرى والأقضية الأربعة إلى لبنان (الجبل). وكانت هذه الشعارات تبقى محصورة ضمن جدران المناطق الإسلامية والطوائف الإسلامية دون أن تتعداها إلى نفر قليل من المسيحيين. لكن ظروف 1941 تختلف عما سبقها، فسياسة الفرنسيين الجديدة قذفت بأعداد كبيرة من المسيحيين للوقوف في تيار المعارضة والدعوة إلى زوال الانتداب وتحقيق إصلاحات ديمقراطية(57). لقد كانت غضبة الفرنسيين كبيرة بحيث قطعوا كل اتصال لهم ببكركي وبالبطريرك، وعندما أدركوا صلابة موقفه ودعمه الكامل للمعارضة المطالبة بالاستقلال، تراجع الفرنسيون خطوة إلى الوراء. فحاول كاترو توسيط الرئيس السوري الشيخ تاج الدين الحسني، رجل فرنسا الأول في سورية، مع المعارضة اللبنانية والبطريرك الماروني، لكن الوساطة فشلت واتسعت شقة الخلاف. لقد حدد مؤتمر بكركي بروز تيارين أساسيين داخل الطائفة المارونية نفسها: الأول : بزعامة البطريرك وتؤيده جماهير واسعة من المزارعين والعمال وقيادات المعارضة خاصة بشارة الخوري وجماعة الكتلة الدستورية وترفع شعار الاستقلال وإبقاء الصداقة التقليدية مع فرنسا وتعزيز الصداقات مع العالم وتعزيز روابط لبنان مع الوطن العربي المجاور. الثاني : بزعامة المفوضية الفرنسية في بيروت ويرأسه داخلياً المطران مبارك كمنافس جدي للبطريرك ولا يأتمر بأوامره، ويتزعم تياراً طائفياً شديد التعصب يعادي عروبة لبنان ويؤيد بقاء الانتداب تحت ستار حماية المسيحيين فيه، وله ارتباطات وثيقة بالدوائر الايطالية والألمانية. وقد مثل حزب الوحدة اللبنانية التعبير السياسي لطروحات هذا التيار وأهدافه، كما كان يلقى الدعم من جماعة الكتلة الوطنية بزعامة اميل اده(58). ولقد مارست الحكومة اللبنانية الجديدة مهام السلطتين التنفيذية والتشريعية في ظل تغييب المجلس النيابي، مما يعتبر خرقاً للمبادىء الدستورية. وكانت السلطة الفعلية بيد الأجهزة الفرنسية(59). وكان سوء الأحوال الاقتصادية يزيد من تفاقم الأزمة، فقد "عمدت (الريجي) إلى زيادة أسعارها مرتين في أقل من سنة ..، وحذت شركة الترام حذو شركة الريجي.. واضطربت الإعاشــة اضطراباً ما فتىء يهدد البلاد بشر المصاير.. ودبت الفوضى فـــي أجهـــزة الإدارة..." (60). هذه الأمور كانت كافية لإثارة حملة على الانتداب الفرنسي بقيادة الكتلة الدستورية جعلت شعارها : المطالبة بانتخابات حرة والعودة إلى الحياة الدستورية ونقل الصلاحيات من الموظفين الفرنسيين إلى أبناء الوطن. وكان الدستوريون على اقتناع بأن دور فرنسا في المشرق قد انتهى. وقد شجعهم على هذا الاعتقاد ما لاقوه من تأييد بريطاني وعربي (مصر والعراق وسورية ...) حتى أنه يمكن القول أن قضية إجراء انتخابات حرة أصبحت مطلباً بريطانياً بعد أن راح الجنرال سبيرز يمارس تدخله على وجهين : من جهة يضغط على كاترو، ومن جهة ثانية يهدد الرئيس نقاش(61). ومما ساعد في التنافس البريطاني - الفرنسي في لبنان، مطالبة زعماء المعارضة في لبنان ومصر والعراق وبريطانيا بضرورة إجراء انتخابات نيابية يتلوها انتخاب لرئاسة الجمهورية. وقد عقدت لقاءات في مصر في 2/6/1942 ضمت النحاس باشا رئيس وزراء مصر وبشارة الخوري وجميل مردم بك وزير خارجية سورية، وذلك للبحث في مستقبل لبنان وسياسته إزاء سورية والدول العربية الأخرى. وأبدى بشارة الخوري استعداده للتعاون مع الدول العربية في حال وصوله لرئاسة الجمهورية. وقال : "إن عدداً من المسيحيين لايقتنع بضرورة هذا المذهب، وقد يعاكسه لاعتقاده بضرورة حماية أجنبية لبلاده، أما أنا ورفقائي فمقتنعون بهذه النظرية ومستعدون للدفاع عنها ولتنفيذها"(62). فما كان من جميل مردم بك إلا أن قال : "نحن نثق بكلام الشيخ بشارة، وعندما تطمئن سورية لهذا الاتجاه في السياسة اللبنانية فنحن مستعدون لأن نتنازل عن كل مطلب لنا في لبنان، بل أن نوسع أراضي لبنان إذا لزم"(63). وفي صيف 1942 حل ديغول في لبنان مرة ثانية وصرح بأنه "لايرى مبرراً الآن، وقوات رومل ترابط على أبواب الاسكندرية وتهدد الشرق الأوسط برمته، لاستفتاء الشعوب بإجراء انتخابات نيابية عامة. ولكنه سيأتي يوم تزول به هذه الموانع"(64). ونظراً لتخوف الفرنسيين من السياسة العربية والبريطانية في لبنان، فقد أرسل الجنرال كاترو برقية إلى الجنرال ديغول في 8/3/1943 اقترح فيها ضرورة توقيع معاهدة فرنسية لبنانية وأنها لن تتحقق إلا باستخدام المشاعر الطائفية العاطفية التي تربط اللبنانيين المسيحيين بفرنسا، وباستغلال غريزة الدفاع اللبناني حيال مشاريع الابتلاع العربية(65). وفي الوقت الذي كان التنافس البريطاني الفرنسي على أشده بشكل مباشر، أو عبر التنافس اللبناني اللبناني، فقد كان المسلمون والمسيحيون على السواء يشعرون بالخوف على مستقبلهم ومصيرهم ويتساءلون : هل سيكون المستقبل السياسي للبنان خاضعاً للنفوذ البريطاني أم للنفوذ الفرنسي ؟. وهل سيكون لبنان بلداً إسلامياً أم مسيحياً؟. إن التطورات السياسية الحاصلة في عام 1943 ستظهر الإجابات على هذه التساؤلات الهامة(66). |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |