|
||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 02:18 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الثالث الانتخابات النيابية فـي ســــــورية ولبنـــــان عام 1943 كان الوطنيون السوريون مايزالون يقفون موقف المتشكك من نوايا بريطانيا التي أظهرت تأييدها لإجراء انتخابات حرة. ويرجع ذلك إلى ذكرى الحرب العالمية الأولى وإلى موقف الانجليز المعروف من الصهيونية(1). وفي أوائل سنة 1942 أخذ وزير الدولة البريطاني في الشرق الأوسط، والوزير البريطاني في سورية ولبنان، يلحان على الجنرال كاترو المندوب العام للجنة فرنسا الحرة ليقوم بإجراء انتخابات حرة في البلدين. وكان الرأي العام في مصر والعراق يؤيد ذلك، فضلاً عن الرأي العام الدولي. وقد جرى حديث بين الجنرال كاترو وبين السيد مصطفى النحاس رئيس الوزراء المصري السابق في هذا الشأن وعده الجنرال كاترو مؤتلفاً مع مطالب الوطنيين السوريين والكتلة الدستورية في لبنان. وحاول الجنرال أن يدفع هذه المطالب بالعمل على إعادة الأوضاع التي كانت قبل الحرب في سورية ولبنان، واقتراح ذلك على اللجنة الوطنية الفرنسية فلم تتابعه في خطته، وكانت الصعوبة خاصة في وضع لبنان. واستمرت المناقشات بين الانكليز والفرنسيين في هذا الأمر، فكان يعمد الفرنسيون إلى أساليب التسويف والتأجيل، ويحتجون بضرورات الحرب، حتى أن الجنرال ديغول خاطب مرة المستر كيزي وزير الدولة البريطاني بعنف قائلاً: ماشأنكم والانتخابات؟ عليكم أن تهتموا بصد الجنرال رومل الذي أشرف على الاسكندرية. وكان لهذه الكلمات التي نطق بها زعيم فرنسا الحرة أثر سيء في الدوائر البريطانية. وقد اتخذ كاترو من الحرب في الصحراء الغربية وتقدم الألمان إلى العلمين (في مصر) في ذلك الحين حجة لتأجيل الانتخابات فترة من الوقت واعتبر أنه بذلك حقق نجاحاً شخصياً كبيراً لخدمة مصالح فرنسا الامبراطورية. وبعد معركة العلمين وتراجع (رومل)، جرت مفاوضات بين لجنة فرنسا الحرة والحكومة البريطانية حول إعادة الحياة النيابية في سورية ولبنان، وصدر عنها البيان التالي : "إن استقرار الحالة الحربية في الشرق الأوسط بعد معركة العلمين، يزيل العقبات من أمام الحياة الدستورية" (2). ثم تبدلت الأوضاع في أوائل 1943، فقد تدعم مركز فرنسا الحرة بعد الاستيلاء على شمال أفريقيا وتأييد تشرشل لتولي ديغول زعامة الفرنسيين هناك، وابتعدت ميادين القتال عن الشرق الأوسط، فزالت الحجة التي طالما تذرع بها الفرنسيون لتأجيل الانتخابات. وأصدرت حكومة فرنسا الحرة قراراً في 24/1/1943 بإجراء الانتخابات في كل من سورية ولبنان(3)، إذ لم تجد اللجنة الفرنسية مناصاً من الموافقة على إجراء انتخابات حرة في سورية ولبنان وعهدت إلى الجنرال كاترو بتنفيذها لدى عودته إلى الشرق(4). 1- أزمة انتخابات لبنان والدور الفرنسي المتحيز للموارنة : لم ينحصر الدور البريطاني في الضغط على الفرنسيين والسلطة اللبنانية لإجراء الانتخابات فقط، بل تعداها إلى النتائج(5). فما أن عادت الحياة السياسية إلى لبنان في 1942 إلى سابق نشاطها حتى عاد خصوم الأمس لينظموا صفوفهم ضمن كتلتين : الدستورية التي يتزعمها بشارة الخوري التي طالبت بالاستقلال وإقامة علاقات مع بريطانيا والقوميين العرب. والوطنية برئاسة اميل اده التي كانت تتحفظ تجاه استقلال لبنان وتدعو لاستمرار الصلات مع فرنسا لضمان عدم ذوبانه(6). وفي بداية العام 1943 بدأت الحياة السياسية والاقتصادية في لبنان تعود تدريجياً إلى أوضاعها السابقة بالرغم من عدم انتهاء الحرب العالمية الثانية. ولقد تبين أن هذه الحرب والتجارب التي مر بها لبنان منذ العام 1918، لم تؤد إلى انفتاح الفئات والطوائف اللبنانية على بعضها البعض، نظراً للاتجاهات الطائفية المستحكمة ببعض الفئات. وظل المسلمون يشعرون، رغم اعترافهم بلبنان الكبير، أن هناك خطة فرنسية طائفية تقضي باستمرار التحكم بهم وإبعادهم عن حقوقهم السياسية والدستورية. وقد أعربت (الكتلة الإسلامية) المكونة من (الطوائف السنية والشيعية والدرزية) منذ صيف 1942 عن مخاوفها مطالبة بإنصاف المسلمين، وقدمت مذكرة (30/7/1942) بهذا الصدد إلى رئيس الجمهورية الفرد نقاش، وسلمت نسخاً من المذكرة إلى المندوب الفرنسي وإلى سفراء دول الحلفاء. ووصلت إلى الكتلة الإسلامية ردود من هذه السفارات، (عثر على أحدها)، وهو رد المفوضية البريطانية، في بيروت إلى علي سليم سلام عضو الكتلة الإسلامية، وتضمن بعض المعلومات التي تفيد بأن الوزير البريطاني المفوض في بيروت الجنرال سبيرز اطلع على مذكرة الكتلة الإسلامية المرسلة إلى رئيس الجمهورية(7). ولقد أظهرت الأحداث والتطورات الداخلية مدى تدخل القوى الاكليريكية في شؤون الدولة وممارستها الضغوط على رئيس الجمهورية لإقالة رئيس الوزراء المسلم. كما أرسلت الكتلة مذكرة أخرى إلى رئيس الجمهورية في 7/11/1942 أعربت فيها عن احتجاجها على نبأ رغبة البطريرك الماروني إقالة رئيس الحكومة سامي الصلح، ومما جاء في المذكرة : "شاع في الأوساط الإسلامية أن رسالة وجهت أخيراً من المقام البطريركي الماروني إلى فخامتكم يبسط فيها رغبته في إقالة الوزارة الحاضرة لأن أعمال رئيسها تتنافى على اعتقاده مع مصلحة الطائفة المارونية المحترمة، وسمى خلفاً لدولة الرئيس سواه ممن يتمتع بقثته من المسلمين. وقد قابلت هذه الأوساط على تعدد طوائفها النبأ بألم واستغراب لأن دولة اعترفت الدول باستقلالها السياسي، وفيها من المسلمين مايناهز نصف سكانها، جديرة بأن تكون مستقلة عن نفوذ الأفراد والجماعات الشخصي، ومنزهة بسياستها العامة عن أن تكون متركزة على قاعدة تعزيز طائفة على الطوائف الأخرى. ونحن نجل غبطة البطريرك عن أن يفرض إرادته فرضاً على الحكومة التي هي للجميع على السواء، ومع ذلك فإنه لايسعنا إزاء التأكيد لنا صحة الخبر إلا أن ننقل إليكم ماكان له من الأثر المؤلم في النفوس، منتهزين هذه الفرصة لنلفت أنظار فخامتكم إلى المذكرة المرفوعة إليكم من كتلتنا بتاريخ 30/7/1942 على رجاء اهتمامكم لإنصاف المسلمين في وطن لاسبيل للاستقرار فيه إلا بالإنصاف...." (8). والحقيقة أن هذه الاتجاهات الطائفية قد أثارت استياء المسلمين، ذلك لأنها كانت تشير إلى سيطرة طائفة على الحكم، وعلى حد قول الدبلوماسي البريطاني (لونغريج) فإن البطريرك الماروني ظل يعتبر في هذه الفترة الرئيس السياسي(9). وكان هذا الاتجاه الطائفي المسيحي في الوقت الذي بدا فيه واضحاً (بداية عام 1943) أن الزعماء المسلمين ومن بينهم الوحدويون سابقاً، قد اعترفوا نهائياً بالكيان اللبناني بعد أن أصبح لهم مصلحة أكيدة في تثبيت دعائمه واستمراره. إلا أن هذا التحول في الموقف الإسلامي جاء مترافقاً مع تزايد النفوذ البريطاني، وتلاقى مع التيار المسيحي الاستقلالي بقيادة الكتلة الدستورية، الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى رحيل الانتداب وهزيمة التيار الانعزالي(10). وبعد معركة العلمين، وتراجع رومل، جرت مفاوضات بين لجنة فرنسا الحرة والحكومة البريطانية حول إعادة الحياة النيابية إلى سورية ولبنان. وصدر عنها البيان التالي: " إن استقرار الحالة الحربية في الشرق الأوسط بعد معركة العلمين، يزيل العقبات من أمام الحياة الدستورية ". وأخذ الجنرال كاترو يستعد لإجراء انتخابات نيابية فأجرى مشاورات لم يكن للرئيس نقاش فيها رأي، متجاهلاً إياه فاستاء ووجه مذكرة تحذيرية وتأزمت الأمور بينهما. وبعد مظاهرة جرت في بيروت أمام الجامع الكبير يوم عيد المولد النبوي الشريف (16/3/1943) أقدم كاترو على إقالة الفرد نقاش ورئيس حكومته سامي الصلح وعين أيوب ثابت رئيساً للدولة وللحكومة المؤقتة لفترة انتقالية حددت مهامها بالتهيئة للانتخابات النيابية(7)مكرر. ويعقبها انتخاب رئيس للجمهورية. ففي 18/3/1943 أصدر كاترو قراراً طلب فيه من الرئيس نقاش ورئيس الوزراء القاضي سامي الصلح تقديم استقالتيهما، مع تعديلات في بعض مواد الدستور بحيث بات الانتخاب الطريق الوحيدة للتمثيل الشعبي (أي إلغاء فئة النواب المعينين الذين كانوا ثلث النواب). وكان أيوب ثابت نائباً ومن الأقلية البروتستانتية المسيحية. وكان مبدؤه الثابت جعل لبنان وطناً قومياً مسيحياً تضمن سلامته فرنسا. وكان متعصباً للفكرة السياسية المسيحية. وقد علق الدكتور جورج حنا على صفات الرئيس الجديد بالقول : " يستغرب من رجل كالدكتور ثابت معروف بعلمانية متطرفة أن يتمسك بمسيحية لبنان، مع مافي ذلك من خطر عليه وعلى مستقبله، وهو محاط بأقطار إسلامية من شرقه وشماله وجنوبه، إلا إذا أسلم بصهيونية فلسطين شرارة النار في هذا الشرق"(8)مكرر. وذكر الدكتور يوسف مزهر رأيه بالرئيس الجديد بقوله : "لايجرؤ أحد أن يتهم الدكتور ثابت أنه يماشي الا فرنسيين طمعاً بجاه أو كسب شخصي، لكن هي عقيدة راسخة في ذهنه يعتقدها صواباً، والدكتور ثابت لايجادل في عقيدة اعتنقها"(9)مكرر. إن إقدام سلطات الانتداب الفرنسي على إقالة الفرد نقاش وتعيين الدكتور أيوب ثابت المشهور بتعصبه الطائفي رئيساً للدولة بعد أن عهدت إليه مهمة إجراء انتخابات نيابية خلال ثلاثة أشهر. يمكن تفسير هذه الخطوة ضمن سياق تعطيل التوجه الاستقلالي الذي ضم الزعماء المسلمين الوحدويين والتيار المسيحي الاستقلالي(10)مكرر. وهي آخر محاولة سياسية طائفية يلجأ إليها كاترو ويتعلق عليها مصير الانتداب والنفوذ الفرنسي بالذات. فقد كانت خطته تهدف إلى فرط عقد المعارضة الطائفية الذي تشكل في مؤتمر بكركي، وتحاول إعادة الموارنة إلى أحضان (الأم الحنون). فأيوب ثابت أداة طيعة بيد الفرنسيين ولكنه مقرب من البطريركية المارونية ومعروف بتعصبه الطائفي وبعدائه للعروبة وبصداقته المتينة مع اميل اده وكتلته(11). بدأ الرئيس أيوب ثابت يترجم عقيدته إلى أفعال متطرفة ضد المسلمين وضد وحدة اللبنانيين، ففي 17/6/1943 أصدر مرسومين تشريعيين يحمل الأول رقم (49) حدد فيه زيادة عدد النواب إلى (54) نائباً منهم (32) مقعداً للمسيحيين و (22) للمسلمين. وقد توزعوا على النحو التالي : 18 للموارنة، 6 للروم الأرثوذكس، 3 للروم الكاثوليك، 3 للأرمن الأرثوذكس، 2 للأقليات المسيحية، 10 للسنة، 9 للشيعة، 3 للدروز(12). وكان ذلك بايحاء من (جان هللو) (أصبح مندوباً عاماً منذ 9/6/1943) الذي مهد لتنفيذ خطته بتعيين أيوب ثابت رئيساً للدولة لكي يعطل سير الحركة الوطنية. فقد كان هللو يتصرف في المشرق وكأنه في إحدى المستعمرات الافريقية التي لم تتطور بعد. وقد استخدم النعرة الطائفية أسوأ استخدام. فقد كان هللو سفيراً لحكومة فيشي لدى تركيا، فهو إذن من اليمين المتطرف. وبعد أن أعلن خروجه عن الولاء للماريشال بيتان كوفىء بتعيينه وكيلاً للمندوب السامي الفرنسي ثم خليفة له فيما بعد، وكلف بالإشراف على الانتخابات، ولم يكن على إدراك صحيح بالتغيرات التي طرأت على المشرق العربي مثل سلفه الجنرال كاترو. فقد فكر الأخير في أن تتبع فرنسا أسلوباً جديداً يناسب العصر. وبدل أن تقف على طرفي نقيض مع بريطانيا إزاء الحركة الوطنية تحاول أن تسابقها على اكتساب ود العرب وذلك بتأييد حركة الوحدة العربية على أن تكون دمشق هي محور هذه الحركة وليست القاهرة أو بغداد(13). لقد كانت زيادة عدد النواب المسيحيين إغراء للبطريرك ولجميع الموارنة والمسيحيين للتمسك بها وبالفرنسيين الذين سيدعمونها. وقد جاء في البند الرابع من المرسوم رقم (49) ضرورة إدراج المهاجرين في السجلات الرسمية ونص على مايلي : " يتألف عدد الأهالي من الوطنيين المقيدين في سجلات الأحوال الشخصية بتاريخ 31/12 والذين هم غير مقيدين في هذه السجلات وأصلهم من لبنان ومحل إقامتهم في الخارج وقد اختاروا الجنسية اللبنانية". ومعنى ذلك تسجيل أبناء المهجر (D' outre-mer) من المسيحيين لاسيما الموارنة. ومن المعروف أن المسلمين عارضوا هذا الاتجاه بتسجيل المغتربين لبنانيين، وذلك منذ عهد الرئيس اميل اده وحكومته التي كان يرأسها حينذاك خيرالدين الأحدب(14). وإن تسجيل المهاجرين من المسيحيين لاسيما الموارنة سيؤدي إلى اختلال توزيع المقاعد بين الطوائف. أما المرسوم الثاني رقم (50) فيتعلق بتوزيع زيادة عدد النواب على المناطق الانتخابية. وقد أثار المرسومان الطوائف الإسلامية وأحدثا احتجاجاً صارخاً لأن من أهدافهما صبغ لبنان بصبغة محلية طائفية. ومما قاله رئيس (الكتلة الإسلامية) معلقاً على المرسومين: " كان لهذين المرسومين أثر شديد الخطورة في نفوس الطوائف المحمدية، وهذا الأثر لم ينتج عن زيادة صحيحة أو غير صحيحة في عدد النواب، تكون في جانب طائفة دون أخرى، وإنما كان لما أحس المسلمون من محاولة بعضهم التوصل بهذه الطريقة لضمان الكثرة المطلقة في المجلس النيابي لحماة فكرة عزلة لبنان عن كل مايحمل اسماً عربياً ". وأضاف (بيهم) بأن إصدار المرسومين " كأنهما مجموعة من التدابير التي اتخذت لمجابهة خطر الاتحاد العربي الذي أصبح تحت الدرس والتحقيق". وإن الرئيس أيوب ثابت حاول عن قصد وتصميم بالاتفاق مع أحد الأحزاب السياسية إقرار زيادة محسوسة في عدد نواب لبنان من المسيحيين مستعيناً بـ 159 ألف مهاجر قطعوا صلاتهم بلبنان وتجنسوا بغير جنسيته كل ذلك في سبيل اتقاء خطر الاتحاد العربي وخوفاً من ازدياد أنصاره ودعاته في المجلس النيابي. ولعل هذا الحرص على إثبات هذا التفوق النسبي في عدد طائفة دون أخرى إنما يقصد منه تأكيد الصبغة التي يريدون صبغ لبنان بها واعتبار بقية الطوائف بمثابة الأقليات"(15). وأشار السفير البريطاني في بيروت الجنرال ادوارد سبيزر إلى قضية المرسوم 49 ومشكلة تحديد عدد المقاعد النيابية بـ 32 مقعداً للمسيحيين و 22 معقداً للمسلمين، مبدياً عدم موافقته على هذا المرسوم ومدافعاً عن موقف المسلمين(16). ونظراً لخطورة الموقف الداخلي نشطت القيادات الإسلامية و "الكتلة الإسلامية" وأرسلت عدة مذكرات إلى المسؤولين في الدول العربية، شرحت فيها أهداف المرسومين، وبينها مذكرة إلى رئيس الحكومة المصرية مصطفى النحاس باشا، كما اجتمع رئيس الكتلة محمد جميل بيهم وأحد أعضائها عبدالرحمن السحمراني بالسكرتير العام للمفوضية الفرنسية شاتينو (Chataigneau) في19/6/1943 وشرحا له الغبن اللاحق بالمسلمين من جراءالمرسومين، وطالبا بوقف تنفيذهما. وفي اليوم نفسه 19/6/1943 عقد اجتماع في منزل سماحة مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ محمد توفيق خالد، ضم القيادات الإسلامية التي تباحثت مع المفوض السامي (جان هللو J.Helleu) حول رفض المسلمين لتنفيذ المرسومين. وفي 21/6/1943 عقد مؤتمر الطوائف الإسلامية برئاسة المفتي في نادي جمعية اتحاد الشبيبة الإسلامية لبحث قضية المرسومين حضره العديد من الشخصيات والقيادات الإسلامية (السنية والشيعية والدرزية) ومما قاله المفتي : " إن اختلال المساواة يثير المشاحنات بين الطوائف التي يتألف منها لبنان ..." أما الشيخ عبدالحميد كرامي فقد هدد بالانفصال عن لبنان بقوله : "مامن قوة تحت السماء تستطيع أن تحملنا على البقاء في الكيان اللبناني إلا إذا كان عربياً ومن صميم بلاد العرب ". وقد أكد الجميع على وحدة الموقف الإسلامي. وبعد الانتهاء من إلقاء الكلمات تلا أمينا سر المؤتمر صائب سلام وحسني أبو ظهر مقررات مؤتمر الطوائف الإسلامية بعد أن صوت عليها جميع الحاضرين وهي: 1- مطالبة الحكومة اللبنانية بإلغاء المرسوميـن . 2- إجراء إحصاء عام شامل بإشراف لجنة محايدة موثوق بها. 3- إجراء الانتخابات على أساس الإحصاء الجديد الذي نطلبه، وإلا فعلى أساس القانون القديم الذي يجعل عدد أعضاء المجلس 42 نائباً منتخباً (22 للمسيحيين و 20 للمسلمين). 4- يمتنع المسلمون عموماً في أنحاء الجمهورية اللبنانية عن الاشتراك في الانتخابات إلى أن تتحقق هذه المطالب. 5- تأليف لجنة للعمل سريعاً على كل ما من شأنه تحقيق هذه المطالب وحفظ حقوق الطوائف المحمدية في التمثيل الشعبي العام العادل. 6- إبلاغ نسخة من هذه المقررات لمقام الحكومة اللبنانية ولفخامة سفير فرنسا الحرة ولحضرات ممثلي بريطانيا العظمى والولايات المتحدة الأمريكية والحكومة السعودية ومصر والعراق وسائر ممثلي الدول الحليفة . وبالفعل فقد وجهت مذكرة من المؤتمر لرئيس الدولة أيوب ثابت في 22/6/1943 تضمنت ضرورة تنفيذ المقررات الصادرة عن المؤتمر الإسلامي وضرورة " ايجاد حكومة حيادية بعيدة عن الحزبية، ذلك أن الحكومة القائمة قد فقدت ثقة جميع المواطنين اللبنانيين تقريباً "(17). ويشير تقرير بريطاني إلى موقف المسلمين في حال عدم تحقيق مطالبهم، ففي 29/6/1943 أرسل تقرير بريطاني سري من بيروت إلى وزارة الخارجية البريطانية في لندن جاء فيه : " إن أيوب ثابت يحاول تأجيل الانتخابات إلى أجل غير مسمى لكي يحتفظ بوضعه شبه الديكتاتوري. ويبدو أن هللو كان متضايقاً من دناءة سبل العيش المتبعة ولعدم قدرته على ايقافها، فهو على الأرجح يؤيد سياسة الدكتور ثابت الإرجائية. أما المسلمون المتحدون في الحاضر أكثر من أي وقت مضى حتى العشرين سنة الماضية، فهم يدركون أن من غير المرجح أن يصلهم مايرضيهم عن طريق الشرائع الانتخابية وبالتالي فبعض زعمائهم، وبالأخص رياض الصلح، يحاولون أن يدفعوهم كطائفة، ليس لمقاطعة الانتخابات فحسب بل للمطالبة باستقالة الدكتور ثابت أيضاً، وللإفصاح عن عدم قدرتهم على المساهمة في الدولة اللبنانية في تركيبتها الحاضرة معللين ذلك بأنه طالما أن الفرنسيين موجودون ويدعمون مواقف المسيحيين في السيطرة على لبنان، لن تكون لهم حصة عادلة. وتبعاً لذلك فالزعماء المسلمون يفكرون بالتقدم بالمطلبين الآتيين : 1- أن يتحد لبنان فدرالياً في دولة واحدة محتفظاً بقدر ما من الحكم الذاتي المحلي وإذا كان هذا غير مقبول من المسيحيين. 2- فإن المناطق الأربعة التي ضمت إلى لبنان في عام 1920 بما فيها طرابلس، تعاد إلى سورية ويوضع لبنان، وقد أعيد إلى حدود ماقبل 1914، تحت سيطرة دولية وتجعل بيروت مرفأ حراً. "إن موقف المسلمين هذا هو أيضاً عامل مهم لأنه إذا استمر فيعني أن لبنان سيكتب له الاستمرار في وضعه الحاضر تحت ظروف أقرب إلى حماية فرنسية منها إلى دولة ذات سيادة، ويبدو لي أن موقفنا بأكمله تجاه مفهوم (لبنان مستقل) يجب أن يعاد بحثه في ضوء هذا العامل. "وكل المعلومات التي في حوزتي توحي بأن اللبنانيين أنفسهم، ماعدا القليل من المسيحيين المتعصبين غير الواقعيين، ليس لديهم أي حماس للبنان مستقل. ويمكن القول بشكل عام إن المسيحيين ككل يريدون فقط الحماية من المسلمين وليس بينهم خلاف إلا على من ستكون الدولة الحامية هل هي بريطانيا، فرنسا، أو الولايات المتحدة الامريكية أو تشكيلة من الدول الثلاث. والمسلمون ومع أنهم على العموم يرغبون دوام الحكم الذاتي. فجميعهم يؤيدون اتحاداً سياسياً واقتصادياً مع سورية كمرحلة أولى نحو اتحاد عربي أوسع. "فلبنان الحالي هو في الواقع مخلوق اصطناعي أوجدته السلطة المنتدبة الفرنسية بدون مبررات سياسية واقتصادية، ولايسانده سوى فرنسا التي تأمل بأنها باحتفاظها به تستطيع أن تسيطر على المناطق السورية المجاورة. حتى الآن يمكننا الإجابة على الأسئلة التي تستوضح وجهات نظر حكومة جلالته عن مستقبل لبنان..." (8). وأشار تقرير بريطاني آخر في التاريخ نفسه (29/6/1943) إلى أن الزعامات السنية (رياض الصلح وعبدالحميد كرامي وصائب سلام) قاموا بصفتهم الشخصية يوم 29/6 بزيارة المفوض البريطاني في بيروت. وذكروا له أنهم وحتى الإعلان عن الترتيبات المتعلقة بإحصاء السكان، لن يستطيعوا أن يحددوا مواقفهم من الانتخابات لأنهم يريدون أن يعرفوا ماهي الوسائل الممكنة لتأمين عدم تزوير الإحصاء. ثم أكدوا أنهم توصلوا مؤخراً إلى نتيجة وهي أن المسلمين لايأملون بالحصول على حصة عادلة في لبنان، لأن الفرنسيين يريدونه تحت (السيطرة المسيحية)، وقد عرضوا الموقف الإسلامي المشار إليه في التقرير السابق كحل للأزمة (الفدرالية أو الالتحاق بسورية)، كما اتفقوا على الطلب الذي سيؤدي إلى وجود عدد من المسيحيين تحت سيادة المسلمين، كما يترك عدداً أكبر من المسلمين تحت سيادة المسيحيين. لكنهم يصرون أن هذه النواقص ليست شيئاً أمام فوائد جعل أكثرية المسلمين الذين في لبنان في الوقت الراهن داخل سورية. وقد طلبوا المشورة عن الطريقة التي سيقدمون بها مطالبهم وإلى أي حد ستدعمهم حكومة جلالته. وكان جواب المفوض البريطاني بأنه لايستطيع أن يعدهم بأخذ أي شيء على عاتقه، فوافقوا على أن بريطانيا قدمت في الماضي الكثير من الوعود لم تنفذ بكاملها(19). وإزاء هذه التطورات الداخلية عاد الجنرال كاترو من الجزائر إلى بيروت وبدأ في بحث المشكلة مع مختلف القوى السياسية. وفي 4/7/1943 تلقى رسالة سرية من رئيس وزراء مصر النحاس أوضح فيها موقف مصر من الأزمة الراهنة ومن مسلمي لبنان، فذكر أن تحقيق الاتفاق التام بين العنصرين المسيحي والمسلم في لبنان يؤثر على جميع المسلمين والمسيحيين في الشرق. وأوضح استياءه من الفارق الشاسع في عدد النواب. والذي لم يكن من قبل... واقترح النحاس حلاً وسطاً أو تسوية سياسية لتهدئة النفوس ولو على حساب المسلمين، وهو أن يؤخذ بالنسبة التي كانت مقررة عام 1939 (22 مقعداً للمسيحين و 20 مقعداً للمسلمين) أي 29 مقعداً للطوائف المسيحية و 25 مقعداً للطوائف الإسلامية(20). وفي ضوء ذلك نشط الجنرال كاترو وزار مفتي الجمهورية في 9/7/1943 فأبدى المفتي موقفه مجدداً من المرسومين ومدى الإجحاف الذي يصيب المسلمين جراء تنفيذهما. وذكر المفتي أن المسلمين ينشدون العدل. وأشار كاترو إلى محبته للمسلمين وسيعمل على درس المرسومين مع المذكرة التي رفعت إليه. من ناحية أخرى رفض البطريرك الماروني انطوان عريضة اقتراح النحاس في برقية أرسلها إلى رئيس الدولة أيوب ثابت في 13/7/43 وقال : " إننا نقاوم كل سعي لتعديل قرارات حكومتكم العادلة بشأن الإحصاء وتوزيع المقاعد النيابية ونؤيد حكومتكم في موقفها التاريخي الشريف ". وكان معنى هذا الرفض اشتداد الأزمة السياسية التي اتخذت طابعاً طائفياً، مما دعا بعض اللبنانيين للبحث في إمكانية عقد مؤتمر وطني لجميع اللبنانيين، وقام فيليب نقاش ووفد مسيحي بجولة على رؤساء الطوائف المسيحية. ولما اجتمع الوفد بالبطريرك قال نقاش : إن الحالة في بيروت ياصاحب الغبطة أصبحت سيئة للغاية في هذه الأيام. وبعد أن كان سكان بيروت يعيشون منذ عشرات السنين حتى أواخر العهد العثماني في تفاهم وتقارب لافارقاً طائفياً يفرقهم، أصبحوا الآن منقسمين على بعضهم انقساماً ينذر بالشرور. فما كان من البطريرك إلا أن أبدى استعداده للنزول من قصره في الديمان إلى مقره في بكركي لترؤس المؤتمر المقترح. غير أن النائب البطريركي عبدالله الخوري قال للوفد : " إن غبطته لن ينزل بكركي.. لايكفي أن يقول البطريرك قررت فهو ليس وحده هنــــــا"(21). ولهذا فقد أشار تقرير بريطاني في 16/7/1943 إلى أن البطريرك الماروني ومعه الأساقفة واميل اده قد عارضوا " ترك أي من المنافع التي جنتها القوانين الجديدة للمسيحيين". وفي اجتماع الأساقفة برئاسة المطران اغناطيوس مبارك في 14/7/1943 عبروا عن تصميمهم على فرض الحل لذاك السبب. وفي حديث خاص بين المطران والممثل البريطاني أظهر المطران بأنه كان يساوم، وكان في الحقيقة مقتنعاً بالحل الذي اقترحه كاترو لأنه ترك منافع مهمة للموارنة وهو يتضمن : 1- إن القانون الانتخابي يجب تعديله ليعطي النسب في المقاعد النيابية كما اقترحها النحاس باشا، (وقد تبين بأن المقاعد الثلاثة التي ستؤخذ من المسيحيين لتعطى للمسلمين ليست هي مقاعد للموارنة بل هي للأرمن والأرثوذكس والأقليات). 2- يعطى أيوب ثابت الخيار بالبقاء في سدة الرئاسة شرط أن تسحب منه السلطة والمسؤولية. 3- يعين رئيس حكومة مسلم يتولى السلطة التنفيذية لحين انتهاء الانتخابات. 4- تؤجل مسألة تمثيل المغتربين وكذلك مسألة الإحصاء العام لتبحث في المجلس الجديد. وجاء في التقرير البريطاني بأن المطران مبارك شعر بأنه مجبر على إظهار التعاون مع المذاهب المسيحية الأخرى غير الراضية عن الحل. وادعى بأنه كان يدافع عن وجهة نظر المسيحيين لكي يكسب ثقة المتطرفين. وليكون في وضع أحسن ليبذل تأثيراً معتدلاً عليهم. وأضاف المطران مبارك بأن الموارنة لايشتكون أي شيء طالما أن المقاعد الثلاثة ستؤخذ من الأقليات المسيحية وأشار إلى أنه سيكون مستعداً ليرى الأقضية الأربعة ذات الأغلبية الإسلامية تعاد لسورية شرط أن تبقى منطقة جبل لبنان ومدينة بيروت والبقاع الذي يمر به نهر الليطاني، وهذا يعطي بالمقارنة دولة مارونية متجانسة قد تصلح كملجأ لجميع الأقليات المضطهدة في الشرق(22). وفي تقرير بريطاني سري حول أزمة المرسومين من المفوضية في بيروت إلى وزارة الخارجية في 17/7/1943 أن نوري السعيد قابل المفتي وعدداً من الزعماء المسلمين وتحدثوا حول جهود كاترو ومقترحات النحاس وأن الفرنسيين يأملون في استمالة شيعة جبل عامل إلى جانبهم إلا أنهم لن يخرجوا عن الموقف الإسلامي العام(23). وبالفعل ونتيجة لتردي الأوضاع السياسية (وللخروج من المأزق) أقال الجنرال (هللو) الرئيس أيوب ثابت وحكومته في 20/7/1943. وفي 21 منه أصدر قراراً عين بموجبه النائب الأرثوذكسي البيروتي بترو طراد رئيساً للدولة. كما عين عبدالله بيهم السني في منصب أمين سر الدولة. وعلى الأثر طلب (هللو) من السفير البريطاني سبيزر المشاركة في حل الأزمة المستعصية. وبالفعل قام سبيرز بزيارة البطريرك الماروني ومفتي الجمهورية في 30/7/1943 وتباحث معهما كل على حدة حول ضرورة إنهاء الأزمة المطروحة(24). وقد جاء في تقرير بريطاني في 29/7/1943 أن البطريرك بدأ يدافع عن المسيحية أمام ممثل بريطانيا. ومما قاله : " لقد قاتلوا (11) قرناً وسيموتون وهم يقاتلون إذا لزم الأمر. لايوجد سوى مسلمين ومسيحيين في الصورة، وقد صمم المسلمون على محو المسيحيين وكل امتياز يمنحونه يشجعهم في أطماعهم"(25). في حين أبدت القيادات الإسلامية تجاوباً مع اقتراح (تسوية سياسية) جديدة ترمي إلى جعل عدد النواب المسيحيين 30 نائباً مقابل 25 نائباً للمسلمين. وبالرغم من أن المسلمين سبق لهم أن أيدوا على مضض اقتراح النحاس باشا على أساس 29 نائباً للمسيحيين و 25 نائباً للمسلمين. فإنهم حرصوا على وحدة البلاد. وحرصاً على إنهاء الأزمة، تجاوبوا مع (تسوية سبيرز) على أن تعدل فيما بعد، وعلى أن يجري إحصاء عام لاسيما وأن عدد المسلمين طرأت عليه زيادة كبرى . وبناء على (تسوية سبيرز) أصدر المفوض السامي هللو في 31/7/1943 مرسوماً رقم (F.C.302) حدد فيه عدد النواب 55 نائباً، 30 للمسيحيين و 25 للمسلمين أي كل 6 نواب مسيحيين يقابلهم 5 نواب مسلمين. على أن يوزع المجلس النيابي الجديد على النحو التالي : 18 مارونياً، 11 سنياً، 10 شيعة، 6 روم أرثوذكس، 4 دروز، 3 روم كاثوليك، 2 أرمن، وواحد من الأقليات(26). كما نص المرسوم على ضرورة إجراء إحصاء عام لسكان لبنان في مدة لاتتعدى سنتين من تاريخ هذا المرسوم. ومن ثم وجه (هللو) نداء إلى اللبنانيين أشار فيه إلى ضرورة وحدتهم " وأن الحل الذي اعتمدته يتطلب أن تضحي الفئتان الطائفتان اللتان تتجابهان. وياللأسف مقعداً واحداً. إنه لايعقل ولايمكن للرأي العام العالمي أن يفهم ذلك، أن يكون مصير لبنان أمام خطورة المصالح العامة معرضاً للخطر بسبب معارضة عنيدة ونظرية ليس إلا ". وأكد أن الحل المتخذ إنما " هو حل ذو صفة مؤقتة ... وعلاوة على ذلك أنه من الواجب أن يجري إحصاء عام لأهالي لبنان في مدة لاتتجاوز سنتين، ويمكن حينئذ وفقاً لنتيجة الإحصاء إجراء انتخابات إضافية لإدخال التعديل اللازم على تأليف المجلس " . وفي اليوم نفسه (31/7/1943) أذاع ادوارد سبيرز الوزير البريطاني المفوض رسالة على اللبنانيين أوضح بها حرص المسلمين على وحدة لبنان والعيش مع المسيحيين، وأشار إلى "أن الحل الذي اعتمده حضرة السفير هللو يبدو منصفاً للغاية، ومادامت الطائفة الإسلامية قد قبلت أن يكون من العدل وجود أكثرية مسيحية في المجلس النيابي، فإنه يبدو عجباً، مادامت قد تأكدت تلك الأكثرية، أن تضع الطائفة المسيحية العلاقات الطيبة مع الطائفة الأخرى في خطر. تلك العلاقات الطيبة التي لابد منها وليس لخير البلاد فحسب بل أيضاً لبقائها، وذلك من أجل قضية مقعد إضافي للأكثرية". ورأى سبيرز أن عدم قبول المسيحيين باقتراح هللو سيعرضهم لفقدان عطف الدول الديمقراطية عليهم، وأن المسيحيين ليسوا هم وحدهم الذين لهم آمال ومطالب، بل إن للمسلمين أيضاً آمالاً ومطالباً. وبالرغم من آمالهم ومطالبهم فقد ضحوا من أجل وحدة لبنان. ويحلو لي وأنا المسيحي أن أحيي الطريقة التي ضحت بها الطائفة الإسلامية بوجهة نظرها لصالح لبنان الوطن المشترك والبلد الذي يحبه الجميع على السواء.."(27). وبالرغم من التضحيات الإسلامية فإن القيادات المارونية لاسيما البطريرك عريضة رفضت ماتم التوصل إليه. وأعلن أنه قبل ذلك مؤقتاً وأن الإجحاف أصاب المسيحيين، وذلك في رده على رسالة بترو طراد في 1/8/43، بالرغم من أنهم حصلوا على 30 مقعداً مقابل 25 مقعداً للمسلمين، مع أن إحصاء 1932 يعين موازاة عدد المسلمين للمسيحيين. وأن زيادة كبرى طرأت على عدد المسلمين مابين 1932-1943. ولذلك فقد ازداد الغبن اللاحق بالمسلمين طالما أن اختيار النواب كان تبعاً لعدد كل طائفة. وكان البطريرك قد حرض توفيق لطف الله معاون أمين سر الدولة، على الاستقالة من الوزارة بحجة أن رئيس وزراء مصر تدخل في شؤون لبنان. والأمر اللافت للنظر بأن الرئيس طراد تبنى وجهة نظر الطائفة المارونية. ففي 3/8/1943 أصدر بياناً أعلن فيه بأن الطوائف المسيحية قبلت الحل وهو مجحف بعض الإجحاف بحقوق الطوائف المسيحية. ولكنه للبرهان على أنهم أبناء وطن واحد. ورأت الأوساط الإسلامية أنه كان من المفروض من رئيس الدولة أن يكون فوق الاجتهادات الطائفية. وعلق رئيس الكتلة الإسلامية محمد جميل بيهم على ذلك بقوله : "فرغم ماكان يعتقده الفريقان : فريق أهل الوحدة وفريق أهل العزلة، بأن الحل الأخير مجحف بحقوقه، فقد قبله كل منهما على اعتبار أن الإحصاء المقبل سيكون بمقام الحكم والقول الفصل"(28). غير أن الإحصاء الذي وعد به كل من هللو وسبيرز عام 1943 لم يجر بعد سنتين أي عام 1945، لأن البطريركية المارونية طلبت حينذاك من الشيخ بشارة الخوري بعد أن أصبح رئيساً للجمهورية، عدم الإقدام على إجراء إحصاء للسكان في لبنان، لأن نتيجته ستكون لمصلحة المسلمين. وقد تأكدت البطريركية المارونية ورئاسة الجمهورية من أعداد السكان ونتيجة الإحصاء من مدير إدارة الإحصاء والنفوس فريد حبيب الذي نصح بعدم إجراء الإحصاء. وقد أكد هذه المعلومات أيضاً مدير المعارف حينذاك صبحي حيدر. ومنذ ذلك الحين لم يجر إحصاء للسكان في لبنان، والإحصاء الوحيد المعتمد عليه في لبنان هو إحصاء عام 1932. هذا وبعد انتهاء الأزمة أرسلت (الكتلة الإسلامية) رسالة شكر إلى النحاس باشا، ورد بدوره أن ماقام به، أملته علاقات الأخوة والمودة القائمة بين البلاد العربية(29). فإن توسط الحكومات العربية أنهى الأزمة الطائفية التي أثارها الرئيس أيوب ثابت وجعلته يتراجع عن هذه المؤامرة(30). وهكذا كان على المسلمين أن ينشطوا على الصعيدين اللبناني والإسلامي لتحصين أنفسهم ولتنظيم أوضاعهم ولإحقاق حقوقهم في وطن أرادوه أن يكون لجميع أبنائه، علماً أن التضحيات الإسلامية ستتواصل من أجل وحدة لبنان وسيتأكد ذلك مجدداً عند الحديث عن ولادة الميثاق الوطني(32). ومايمكن ملاحظته بوضوح من خلال أزمة المرسومين، تمسك الزعماء المسلمين في لبنان بالكيان اللبناني، لأن مناقشات المؤتمر الإسلامي الصادرة عنه تكشف بوضوح ذلك التوجه باستثناء إشارة عبدالحميد كرامي إلى أنه: "مامن قوة تحت السماء تستطيع أن تحملنا على البقاء في الكيان اللبناني إلا إذا كان عربياً ومن صميم بلاد العرب". فلم يلجأ المؤتمرون إلى رفع شعار (الوحدة السورية) ولا إلى التذكير به كما كانوا يفعلون في السابق، بل شددوا على نيل حصة عادلة في عدد المقاعد النيابية تتناسب مع عددهم(33). ويذكر الصليبي أن الكتلة الدستورية بزعامة الخوري وجدت في المخرج السياسي الذي صاغه كاظم الصلح وتقي الدين الصلح والقاضي باعتبار لبنان دولة مستقلة ذات شخصية مميزة في المجموعة العربية له كيانه المستقل، وبأن الشعب اللبناني جزء لايتجزأ من الأمة العربية، أساساً عملياً للتفاهم الوطني بين جميع الفئات في البلاد(34). 2- إجراء الانتخابات اللبنانية ومدلول تشكيل حكومة الصلح بعد تسوية أزمة المرسومين 49 و 50 صدر في 15/8/1943 مرسوم اشتراعي دعيت بموجبه الهيئات الانتخابية إلى الاقتراع في 29/8 للدورة الأولى وفي 5/9 للدورة الثانية، على أن يلتئم المجلس النيابي في 21/9/1943 لانتخاب رئيسه ومكتبه ورئيس الجمهورية الجديد(35). وكلف المسيو (هيللو) وكيل المندوب السامي العام، وخليفته فيما بعد، بالإشراف على الانتخابات(36) وكانت الانتخابات معركة، لا بين اتجاهين طائفيين، إنما بين اتجاهين سياسيين أحدهما استقلالي ينادي بإقامة أوثق الصلات مع البلاد العربية (التعاون والاتحاد العربي) وتزعمه بشارة الخوري وعروبيو الأمس كرياض الصلح وعبدالحميد كرامي، والآخر انعزالي يطالب ببقاء الانتداب بزعامة اميل اده(37). كما كانت الانتخابات مؤشراً هاماً من مؤشرات الصراع الفرنسي البريطاني في لبنان والمنطقة. فقد بدأت فرنسا بدعم الاتجاه الانعزالي الذي يتمثل بالكتلة الوطنية (اميل اده). بينما دعمت بريطانيا الاتجاه الاستقلالي الذي تمثل في الكتلة الدستورية بزعامة بشارة الخوري (مساندة لكميل شمعون). فالصراع لم يكن طائفياً بقدر ماكان سياسياً، سيما وأن رئيس الكتلتين المتصارعتين هما من أبناء الطائفة المارونية. كما أن الكتلتين تضمان فئات من مختلف الطوائف(38). ويلاحظ أن البطريرك الماروني تخوف من نجاح دعوة العروبة فوجه نداء إلى الأساقفة طلب إليهم تلاوة ندائه في الكنائس لانتخاب المرشحين المعادين لفكرة الوحدة العربية، وأن لايقترع إلا للمرشحين المعروفين بحبهم للبنان(39). وعشية تلك الانتخابات بدا واضحاً أنه يتوقف على نجاح أحد الاتجاهين مصير النفوذ الفرنسي أو البريطاني. لذلك شهد لبنان عام 1943 أعنف معركة انتخابية في حياته السياسية، "فالمفوضية الفرنسية استخدمت كل إمكانياتها لتؤمن فوز المرشحين الذين تساندهم، خاصة في دائرة جبل لبنان"(40)، وراح موظفوها يحاربون مرشحي الكتلة الدستورية ويطلقون ضدهم شتى الاتهامات(41) ومنها العمل على إدخال لبنان في مشاريع الوحدة العربية في محاولة منها لتخويف المسيحيين. في حين راح الانجليز يساندون مادياً وبذكاء المرشحين الذين قبلوا أن يلعبوا لعبتهم(42). وتتهم الليدي سبيرز المندوب السامي الفرنسي هيللو ومعاونه (بوجنر) بتدخلهما شخصياً في سير عمليات الاقتراع: "لقد عبىء رجال الدين الموالون للفرنسيين... ولقد ذهبت الشائعات إلى أن الفرنسيين أنفقوا خمسين مليوناً من الفرنكات على الحملة الانتخابية، فكان طبيعياً أن ينكر الفرنسيون هذه الشائعة وأن يردوا عليها بقصة أخذت تنتشر في القرى وملخصها أن الوزير البريطاني قد شوهد يجوب الجبال على صهوة فرس أبيض يحمل أكياساً من الذهب...". إلى أن تقول : "وكانت النتيجة في جبيل، حيث كان لأميل اده نفوذه، نتيجة مضحكة. فقد كان عدد الناخبين 3700 ناخب وعدد المقترعين 3700 مقترع.. اقتراع كامل بنسبة 100% وقد نال فيه المرشحون الموالون للفرنسيين كثرة مطلقة بلغت 90%"(43). ولم يحرز الدستوريين نجاحاً كبيراً (7 من 17فقط)، في محافظة جبل لبنان، المستفيدة من أموال المهاجرين والمصطافين والفرنسيين، والتي هي معقل الطائفة المارونية الداعية إلى الارتباط بفرنسا. وفاز الخوري بصعوبة في الدورة الثانية، إلا أن حلفاءهم في المحافظات الأربع الباقية التي عرفت برفضها للانتداب الفرنسي، فازوا فوزاً ساحقاً(44). كان يتزعم التيار الانعزالي المسيحي جماعة من المنتفعين من الوجود الفرنسي كالموظفين والتجار المرتبطين مباشرة بالرأسمال الفرنسي، فعملوا على إطالة الانتداب والارتباط بفرنسا، ومنهم من نادى بجعل لبنان محمية فرنسية. إلا أنه رغم بعض الشعبية التي كانت لهذا التيار في الأوساط المسيحية، لم يستطع الصمود أمام التيار الثاني الذي كان أكثر واقعية حتى بالنسية لفئات شعبية كثيرة من المسيحيين الذين شعروا بالتضرر من السياسة الفرنسية. خاصة المزارعين منهم، وخاصة بسبب أزمة 1929 الاقتصادية. وكان للحرب العالمية الثانية أثرها الكبير، فقلت شعبية أصدقاء فرنسا بين المسيحيين محملة إياهم مسؤولية العجز في تدارك التدهور الاقتصادي، فانحازت قطاعات كبيرة من المسيحيين إلى الكتلة الدستورية التي كان برنامجها إعادة العمل بدستور 1932 المعلق ثم أضيف عليه المطالبة بإنهاء الانتداب وعقد اتفاقات التعاون مع سورية والدول العربية الأخرى. فأحرزت انتصاراً ساحقاً في الانتخابات النيابية رغم تدخل الفرنسيين وألاعيبهم(44)مكرر. وأسفرت الانتخابات النيابية السياسية عن نجاح (المعادين لفرنسا) في المناطق الإسلامية المضمومة إلى جبل لبنان، مع استمرار أقلية نيابية موالية للفرنسيين(45) وهذه النتيجة كانت تعني تبدلاً جوهرياً في تاريخ لبنان الحديث، فلأول مرة في تاريخ الانتداب يصل إلى البرلمان اللبناني "الوحدويون" الذين كانوا يرفضون كيان لبنان ويطالبون بالوحدة السورية (رياض الصلح وعبدالحميد كرامي وسعدي المنلا....). وقد وجد هؤلاء أنفسهم في جبهة واحدة مع نواب كانوا يعتبرون من أصدقاء فرنسا التقليديين (بشارة الخوري، حميد فرنجية، هنري فرعون...). مما يعني أن صيغة جديدة أصبحت واجبة التحقيق للإطلاع بالمسؤوليات التي تقتضيها المرحلة القادمة(46). واستمر الصراع الداخلي والخارجي بجوانبه المحلية والعربية والدولية في إطار انتخابات رئاسة الجمهورية. فنشطت فرنسا بدعم مرشحها اميل اده. بينما نشطت بريطانيا ومصر والعراق وسورية بدعم بشارة الخوري. غير أن بشارة الخوري يورد بعض معلومات حول هذا الموضوع فيقول : "إن السلطة الفرنسية أصرت على مخاصمتي، ولم أجر أي اتصال مباشر بالسلطة البريطانية. وكل ماكنت أعرفه أنها لا تنظر إلى أميل اده بعين الرضا(47). أما كمال جنبلاط فإنه يؤكد أنه كان لبريطانيا اليد الطولى في نجاح أعضاء الكتلة الدستورية وايصالهم إلى المجلس النيابي عام 1943، ومن ثم مساعدتهم للوصول إلى الحكم. وأن سبيرز تدخل لدى الدوائر البريطانية والاستخبارات لمناهضة اميل اده(48). وفي هذه الأثناء بدأ اميل اده يناور في طرح بعض الأفكار العربية والوحدوية لايهام النواب الوحدويين لاستمالتهم لانتخابه لرئاسة الجمهورية. أما بشارة الخوري فقد اجتمع بالنائبين عبدالحميد كرامي وعادل عسيران فأكد لهما استعداده للتعاون مع الدول العربية إلى أقصى حد في حال وصوله لمنصب الرئاسة الأولى، غير أنه رفض عرضهما لتوحيد العلمين والجيش اللبناني والسوري وتوحيد التمثيل الخارجي مع سورية." ورأيت في ذلك تجاوزاً للحدود فرفضته بكل صراحة". فأوضحا له بأن اميل اده قبل عرضهما، فقال الخوري : "وعده كمرشح شيء وتنفيذ الوعد شيء آخر، أما أنا فسأفعل ما أقول"(49). واستغلت العصبية الطائفية الدعوة إلى الوحدة العربية لتخويف المسيحيين لتبين أن القومية العربية هي إسلامية، ومتبعة أسلوب الدس الرخيص. فيقول كتيب صدر في الأربعينات بعنوان : "لبنان وطي مسيحي في الشرق الأدنى" ويعتقد أنه من صنع رجال الدين الموارنة : "لماذا التحدث عن البلاد العربية عندما يتعلق الأمر بأمم لاتشكل فيما بينها أي تجانس من الناحية الاثنية، وليس لها أي شيء مشترك إلا اللغة فيما عدا الإسلام الذي هو الدين الرسمي إلا في لبنان؟ فبالنسبة لأبطال العروبة لايمكن للوحدة العربية أن تعني إلا الوحدة الإسلامية" . ويستمر هذا الكتيب فيطالب بالعزلة عن الميحط العربي وبتجميع مسيحيي الشرق في وطن خاص فيقول : "إن مبادىء الحكمة التي لها المقام الأول في بناء العالم، تتفق مع مقتضيات العدالة والقانون الطبيعي لتقرر أن الحل الأمثل يجب أن يكون في جمع مسيحيي الشرق في وطن واحد حيث يشكلون كلاً متجانساً من الناحية الأخلاقية والاجتماعية"(49)مكرر. أما بعض القوى الإسلامية الأخرى ورياض الصلح خاصة، فقد كانوا في هذه الفترة بالذات ضد وصول بشارة الخوري للحكم، على أنهم كانوا أيضاً ضد وصول اميل اده للحكم، مما دعا سورية للتحرك، فاتفق الرئيس السوري شكري القوتلي ورئيس وزرائه سعدالله الجابري (نسيب رياض الصلح) ووزير خارجيته جميل مردم بك، على إرسال وفد خاص إلى بيروت لتسوية الأمور. وكان في مقدمة الوفد لطفي الحفار وعفيف الصلح، فاجتمعا برياض الصلح وعبدالحميد كرامي وسامي الصلح وصائب سلام، وبعد مشاورات مكثفة انتهى الاجتماع بالموافقة على تأييد بشارة الخوري في انتخابات رئاسة الجمهورية(50). وفي 21/9/1943 عقد المجلس النيابي جلسته الأولى، فانتخب النائب صبري حمادة (شيعي) رئيساً له، وانتهت نتيجة الاقتراع للرئاسة الأولى بانتخاب بشارة الخوري (44/55) في غياب اميل اده عن جلسة الانتخاب والذي أيقن من حراجة موقفه فاقترح حلاً وسطاً بترشيح كميل شمعون. فخاف الفرنسيون من شمعون. واعتبر الجنرال كاترو بأن نجاح بشارة الخوري كان نتيجة للاتفاقات التي تمت بين الزعامات السورية والعربية، وليس نتيجة لاتفاق بشارة الخوري مع الزعماء المسلمين اللبنانيين(51). وإن كان الرأي الآخر يقول : وكان فوز بشارة الخوري بالرئاسة نتيجة التفاهم بين الدستوريين وكبار الزعماء المسلمين . وبعد أن تبوأ الرئيس بشارة الخوري مهام منصبه 21/9/43، اختار رياض الصلح لتأليف الوزارة الأولى. وأشار بشارة بأنه سبق أن صمم على تولية رئاسة الوزراء رجلاً له مكانته في لبنان ولدى الدول العربية ووهبه الله ذكاء نيراً وإقداماً نادراً، عنيت به رياض الصلح(52). وبالفعل فقد كان اختياره لرياض الصلح بسبب مايتميز به على الأصعدة اللبنانية والإسلامية والعربية، فهو الشخصية السنية التي تؤثر على المسلمين في لبنان لكسب تأييدهم في استقلال لبنان، كما أنه كان معروفاً بأفكاره العربية. ولهذا السبب كان قادراً على كسب التأييد العربي للاستقلال اللبناني(53). وكانت سياسة بشارة الخوري منذ البداية تقوم على أن لبنان مهما كان له طابع مسيحي فهو بلد إسلامي أيضاً، وعدد المسلمين فيه يوازي عدد النصارى، وأنه يجب ان يكون للمسلمين حساب كبير، وعلى الزعيم السياسي المسيحي أن يذكر هذه الحقيقة لنفسه وللمسلمين أيضاً حتى يكونوا أصدقاءاً وأنصاراً له(54). ويقول كمال الصليبي : "إن بشارة الخوري وعى أهمية الوجود الإسلامي في لبنان ومايفرضه هذا الوجود من ضرورة التسوية. وبالرغم من أن الخوري لم يكن قومياً عربياً، فإنه لم ير من الحكمة أن يندد بالقومية العربية. بل حاول جهده للوصول معها إلى اتفاق. وكان في وجهة نظره هذه يعكس تفكير ميشال شيحا وغيره من كبار رجال الأعمال المسيحيين في بيروت الذين رأوا في البلاد العربية المجال الطبيعي لنشاطهم الاقتصادي، فأصروا على ضرورة توثيق الصلات معها، مع الإبقاء على تحفظهم تجاه فكرة الوحدة العربية"(54)مكرر فبشارة الخوري عمل انطلاقاً من هذا الموقع البرجوازي الذي يبغي ايجاد قدم له في البلاد العربية المتخلفة. ولم تكن أصابع الانجليز بعيدة عن هذه الجماعة بسبب التناقض بين الاستعمار الفرنسي والانكليزي. ولكن مما لاشك فيه أن موقف هذا التيار التوفيقي الذي كان امتداداً للتيار الديمقراطي بين المسيحيين الذي دعا إلى القومية اللبنانية ومحاربة ضم لبنان إلى سورية، كان أكثر واقعية وتقدماً(54)مكرر. ولما كان الفرنسيون قد سخطوا لهزيمة أنصارهم فقد سخطوا أيضاً لاختيار الخوري للصلح رئيساً للوزراء لأنه من المعروفين بميولهم العربية(55). وكانت فرنسا قد عملت طويلاً على إبعاده عن السياسة وعن لبنان وسورية(56). وعلى الصعيد الداخلي كان على الشيخ بشارة الخوري أن يتعاون مع شخصية إسلامية تستطيع كبح جماح الشارع الإسلامي المتطلع إلى الوحدة مع سورية، في نفس الوقت الذي تدخل فيه هذه الشخصية الطمأنينة إلى نفوس المسيحيين، فكان رياض الصلح تلك الشخصية التي تتمتع بالمواصفات المطلوبة، فرياض الصلح من عائلة عرفت بمحاربة الأتراك وقد حكم عليه بالإعدام إلا أن الحكم لم ينفذ فيه لصغر سنه (هذه الناحية تقربه من المسيحيين). كما أنه كان ذا ثقافة فرنسية (تلقى علومه لدى اليسوعيين). من جهة ثانية كان رئيساً للحكومة العربية التي تألفت في صيدا بعد رحيل الأتراك (ت1/1918). وفي فترة الانتداب الفرنسي عرف بنزعته الاستقلالية العربية، وكان عضواً في الكتلة الوطنية السورية. وفي نفس الوقت كانت له صداقات عديدة مع اليسار الفرنسي ومع الزعماء المسيحيين اللبنانيين كالبطريرك واميل اده(57). إن اختيار الخوري للصلح رئيساً للوزراء أكسب القضية اللبنانية شخصاً كان حتى الأمس ينادي بالوحدة العربية دون سواها. وضمت الوزارة خمسة أعضاء آخرين(58) هم حبيب أبوشهلا وكميل شمعون وسليم تقلا وعادل عسيران ومجيد أرسلان. وتمثل في الوزارة الطوائف الرئيسية الست وهي الموارنة والسنة والشيعة والروم الأرثوذكس والروم الكاثوليك والدروز(59). ولأول مرة تشكل وزارة لا رأي للمفوض السامي الفرنسي فيها(60). 3- الميثاق الوطني اللبناني والاستقلال عن سورية والعرب : لم تكن صيغة الميثاق وليدة أحداث خارقة حدثت عام 1943 منعزلة عما سبقها من أحداث وتطورات، إنما كانت نتيجة تفاعل عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية وطائفية منذ ولادة (لبنان الكبير) عام 1920. فصيغة 1943 هي نتاج المسيرة التاريخية لتطور الأحداث وتفاعلها منذ نشأة الكيان اللبناني (بقرار من الفرنسيين) . ولقد شهدت هذه المسيرة الإصرار الفرنسي على تثبيت الكيان اللبناني بحدوده الحاضرة ليشكل منفذاً للمصالح الفرنسية إلى الأسواق العربية، بعد أن تبين أن كيان المتصرفية لايتلاءم مع طموح تلك المصالح. وترافقت تلك المشيئة الفرنسية مع طموحات البرجوازية اللبنانية المسيحية التي استقرت في بيروت بعد أحداث 1860 لتشكل الوسط التجاري لحساب المصالح الاوروبية. هذه البرجوازية المحلية وجدت بدورها في المناطق الملحقة بلبنان الصغير (المتصرفية) مجالها الحيوي ومنافذ للداخل العربي. ومن هنا كان وعيها لخطورة مشروع لبنان الصغير بعد أن كادت تختنق ضمن شرنقته. بالمقابل شهدت المناطق الملحقة بالمتصرفية ممانعة عنيدة للانخراط في مشروع لبنان الكبير، (فلقد اتخذ المسلمون موقفاً سلبياً من الدولة التي تأسـست عام 1920 وقضت على أحلامهم بالوحدة مع سورية، كما أدى إلى حرمانهم من مناصب الدولة وتضاؤل حصتهم فيما بعد نفوذاً ووظائفاً واعتمادات، فضلاً عن اتجاه سلطة الانتداب إلى تعيين العناصر المناصرة لها والمؤيدة لسياستها ومصالحها في لبنان"(61). وإذا كان الجبل قد اندمج اقتصادياً بالسوق الرأسمالية العالمية منذ عهد المتصرفية، فقد تميزت المناطق الملحقة به باشتغال قسم من أهاليها بالتجارة إلى الداخل العربي. في حين كان القسم الآخر يمتهن الحرف أو يعمل في الزراعة. إلا أن تغلغل النظام الرأسمالي الغربي أدى إلى تدمير الحرف وقوض الزراعة، وأصبحت بيروت المركز الأساسي للمبادلات التجارية بين أوروبا والأسواق العربية. أما الملحقات فقد سهلت بنيتها الاجتماعية ربطها بالعاصمة بعد أن استطاعت سلطات الانتداب استمالة زعمائها من خلال الوظائف. لقد ساعدت هذه التطورات على تركيز الكيان اللبناني، إلا أن أبرزها كان اجتذاب البرجوازية الإسلامية والبيروتية السنية تحديداً، على الدخول في دور الوساطة بين السوق الرأسمالية العالمية وبين السوق العربية. وهكذا تعرفت البرجوازية الإسلامية على مصالحها من خلال الكيان الجديد وتخلت عن وحدويتها. في حين كانت البرجوازية السورية هي الأخرى تتهافت على الحكم وتتصرف على ضوء مصالحها ضمن الكيان السوري. من هنا توقفت الكتلة الوطنية السورية منذ عام 1936 (عام المعاهدة مع فرنسا) عن مطالبتها بضم مدن الساحل والأقضية الأربعة، مما أوجد تعاوناً وثيقاً بينها وبين الزعامات اللبنانية كبشارة الخوري المدعوم من البرجوازية اللبنانية التي كانت تجد مصلحتها في التخلص من الاحتكارات الفرنسية. لقد جاء انخراط المسلمين في الكيان اللبناني على قاعدة المطالبة بإشراكهم في الحكم. فلم يلجأوا عام 1943 أثناء أزمة المرسومين إلى الدعوة للوحدة السورية. هذه التطورات لايمكن فصلها عن ظروف الحرب العالمية الثانية التي أظهرت بوضوح أن فرنسا قد استنفد دورها في سورية ولبنان، وأن الأسواق العربية وهي المجال الرئيسي لنشاط البرجوازية اللبنانية، قد أحكمت عليها القبضة البريطانية. على ضوء هذا المسار التاريخي ذي المنحى الطبقي الطائفي تكونت الثنائية (المارونية السنية) وولدت صيغة الميثاق اللبناني(62). وقد قصر "فؤاد أفرام البستاني" اللبناني تطور الأحداث على البعد الديني بقوله : "لقد أصبح الصراع في لبنان صراعاً سياسياً وحضارياً بين المسيحية والإسلام منذ إلحاق الأقضية الأربعة"(63). ويعتبره آخرون صراعاً بين القومية العربية والقومية اللبنانية . وكيف ولد الميثاق الوطني اللبناني بعد إجراء الانتخابات النيابية. قبل جلسة المجلس النيابي المحددة لانتخاب رئيس الجمهورية بيومين، اجتمع بشارة الخوري (زعيم الكتلة الدستورية) مع رياض الصلح في 19/9/1943 وعقدت بينهما جلسة هامة تم الاتفاق فيها على الخطوط العريضة لما عرف (بالميثاق الوطني). فقد أعلن الخوري للصلح بأنه سيعمل لنهضة عربية، وأعلن له الصلح سروره بأن يسمع من فم زعيم مسيحي كبير بأن لبنان يمكن أن يكون دولة عربية. فسأله الخوري : هل تعتقد أن اتفاقنا سيتبناه كل إخواننا المسلمين؟ هل تعتقد أنهم سيقبلون بلبنان كوطن نهائي وليس كمرحلة انتقالية؟ وبعبارة أخرى أنهم لن يتوجهوا بأنظارهم من جديد نحو دمشق كمحطة لأمانيهم وأحلامهم، وهل تعتقد أن مبتغاهم لن يكون سورية والعرب ؟. فرد عليه الصلح : "إذا كان اتفاقنا صريحاً وشريفاً. وإذا لم يكن هناك من شخص ضحية له، بل إنني سأبذل جهدي لأقنع زعماء سورية وكل الزعماء العرب للاعتراف باستقلال لبنان وضمان حدوده الحاضرة. عندها نطوي صفحة قديمة مضنية من تاريخنا، ونلغي معزوفة (الأم الحنون .... ونغمة الالتحاق بدمشق. إن النغمة التقليدية للارتباط بسورية ستنتهي وسنبدأ صفحة جديدة من تاريخنا كما جئت تعرضه علي"(64). وعليه يمكن تعريف الميثاق الوطني بأنه يتضمن نقطتين فقط : الأولى وهي أن يتخلى المسيحيون عن حماية فرنسا وجيشها المحتل. والثانية أن يتخلى المسلمون عن المطالبة بالوحدة السورية، هذا هو الميثاق دون زيادة أو نقصان(65). فلقد اعتبر المسلمون الميثاق بمثابة استقلال عن فرنسا، ، بينما اعتبره المسيحيون انفصال عن سورية والعرب. وكما يقول بشارة الخوري نفسه : "أما الميثاق الوطني فليس سوى اتفاق العنصرين اللذين يتألف منهما الوطن اللبناني على انصهار نزعاتهما في عقيدة واحدة، استقلال لبنان التام الناجز بدون الالتجاء إلى حماية من الغرب ولا إلى وحدة أو اتحاد مع الشرق". والذي يقرأ مذكرات (الشيخ) بشارة الخوري (حقائق لبنانية) يرى أن الاستقلال لم يكن يعني في النهاية الاستقلال عن فرنسا بل إنه يؤكد أن الميثاق هو ميثاق القومية اللبنانية، الأمة الموحدة، المطلة على القومية العربية(66). ويمكن التعرف على مفهوم الميثاق لدى الخوري بالتعرف على بعض مقاطع من خطبه مقتطفة من مؤلفه (حقائق لبنانية). فيقول في إحداها : "ياصاحب السماحة، هذا الميثاق على حد ماأفصحتم عنه هو عهد بين جميع اللبنانيين على اختلاف طبقاتهم وميولهم. استقلال صحيح وسيادة قومية ومحافظة على دستور البلاد لاانتقاص فيها ولاهوادة، ومودة خالصة وتعاون وثيق بين الأقطار العربية ولبنان لمصلحة الجميع وعلى قدم المساواة وبروح العدل والانصاف . " هذا هو العهد الذي قطعته الحكومة على نفسها وارتضاه اللبنانيون ثقة منهم بأنفسهم ومصايرهم، وايماناً بأن سياسة التفرقة والجفاء كانت ولاتزال أساس كل علة. إن الخطة التي انتهجناها بالاتفاق التام والتفاهم الصحيح مع الحكومة التي كان يرأسها دولة رياض بك الصلح، إنما رسمناها لأنفسنا دون تردد يوم ألقت الأمة بمقدراتها السياسية بين أيدينا"(66)مكرر وفي خطبة أخرى يقول : " .... لم يعد في لبنان سلبيون ولاايجابيون ولامسلمون ولانصارى، بل أصبح اللبنانيون شخصاً واحداً لبنانياً قومياً استقلالياً عربياً ...، وسرنا على هذه الخطة تجاه الغرب والشرق. فمع الغرب أردنا استقلالاً صحيحاً، لامعاهدة ولاارتباط ولاامتيازاً ولامركزاً ممتازاً، بل نريد صداقة الجميع ومعاهدة مع الجميع على أساس الند للند . " وكما أردنا الاستقلال تجاه الغرب، فقد أردناه كذلك تجاه الدول العربية الشقيقة، فقلنا لهم بصراحة وايمان : نريد استقلالاً كاملاً وناجزاً. وقد قدروا هذا الموقف لأنهم أحرار يقدرون الحرية." (66)مكرر والملاحظ أن هذين الخطابين موجهين إلى المسلمين . فالميثاق تسوية توفيقية مؤقتة بين الاتجاهات الإسلامية الوحدوية وبين الاتجاهات المسيحية الانفصالية(67) المتوجهة نحو الغرب والوطنية اللبنانية(68). أي أن يتخلى المسلمون عن المطالبة بالوحدة السورية والعربية مقابل تخلي المسيحيين عن الحماية الأجنبية. فهو صيغة خروج من المأزق وهروب من المشكلة لاحلاً لها(69). فقد أجل المشاكل العالقة ولم يواجهها مرة واحدة ربما رغبة في تحقيق الاستقلال وإزالة لكل العوائق أمامه. وأملاً في أن يكون الزمن قادراً على حل هذه المشاكل. وهو حصيلة تسوية طائفية على ايجاد كيان لبناني تتشارك فيه الطوائف اللبنانية(70) (المسلمون والمسيحيون). وقد وضع تحت ضغط عدم إضاعة الفرصة السانحة لإنهاء الانتداب الفرنسي. وعلى ضوء هذه الصيغة التوفيقية المؤقتة وضعت الخطوط العريضة لتأكيد استقلال لبنان : أ - لبنان جمهورية مستقلة استقلالاً تاماً وغير مرتبطة بأي دولة. ويجب أن يتخلى المسيحيون عن سعيهم وراء الحماية الأجنبية أو محاولتهم وضع لبنان تحت الإشراف أو النفوذ الأجنبي. ب- وعلى المسلمين في المقابل أن يتخلوا عن القيام بأية محاولة لإدخال لبنان في أي اتحاد سياسي مع سورية أو في أي شكل من أشكال الاتحاد مع العرب. جـ- لبنان بلد ذو وجه عربي ولغة عربية، إنه جزء من العالم العربي وله طابعه الخاص. د - لبنان مدعو للمساهمة مع جميع الدول العربية وأن يصبح عضواً في الأسرة العربية شرط أن تعترف الدول العربية رسمياً باستقلاله وشخصيته في حدوده الحاضرة. وعلى لبنان أن لاينحاز داخل المجموعة العربية إلى أي فريق دون آخر. وأن تكون أعماله على الصعيد الدولي منسجمة مع استقلاله. وأن يرفض الانحياز بأي شكل من الأشكال إلى أية دولة أجنبية ضد مصالح أي من الدول العربية أو ضد مصالحها جميعاً، فقد أصبحت فكرة حياد لبنان كشعار يخدم (لبنان والقضية العربية) (71)، وهو يعني أن يؤمن اللبنانيون بلبنان اللبناني وطناً نهائياً لهم، أي التخلي عن مطلب الوحدة العربية إلى الأبد. هـ- توزع جميع الوظائف العامة بالتساوي بين جميع الطوائف المعترف بها. وتبع ذلك أن توزع المناصب الرئيسية الثلاثة وفقاً للعرف التالي : رئاسة الجمهورية لمسيحي ماروني، ورئاسة الوزراء لمسلم سني ورئاسة البرلمان لمسلم شيعي(72). وأصبحت الدول العربية هي الضامنة لدولة الطوائف المتعايشة بدلاً من الاستعمار الغربي. فلقد أرسى الميثاق دولة الطوائف مع الدستور اللبناني(73). وأصبح لبنان بلد الأقليات الدينية حيث تقتسم الحكم فيه وتتوارثه الأقليات الأكثر عدداً في البلد. بموجب اتفاق هو أشبه بدستور غير مكتوب يعرف بالميثاق الوطني. وهذه الأقليات تنتسب بمجموعها إلى الديانتين الرئيسيتين المسيحية والإسلام بمختلف فروعهما وانشقاقاتهما المذهبية والفقهية. وفي لبنان أقليات قومية إلى جانب الأقليات المذهبية التي لها الشأن الأكبر في حياة البلد السياسية. ففي ظل الانتداب الفرنسي تقرر أن الموارنة يشكلون 29% من مجموع السكان والسنة 21% والشعية 5ر18% والروم الأرثوذكس 7ر9% وهلم جرا. ومنذ 1943 ينطلق عدد النواب من قاسم مشترك هو (11) لأن عضوية المجلس لابد أن تكون بنسبة (6) مسيحيين مقابل (5) غير مسيحيين(74). فالميثاق بمفهوم الخوري اتفاق على استقلال لبنان ووحدة شعبه وعدم انعزاله عن الدول العربية. ولم يحدد الميثاق توزيع الرئاسات الثلاث الموارنة والسنة والشيعة. فقد صرح الصلح فيما بعد بأنه تم الاتفاق على إلغاء الطائفية بعد أن تسمح الظروف السياسية. وأن موضوع توزيع الرئاسات الثلاث ليس أمراً نهائياً، بل ستكون الرئاسة الأولى مداورة بين المسيحيين والمسلمين، وليس بالتحديد بين الموارنة والسنة. وصرح أنه قبل التعاون مع الخوري وإعطائه الرئاسة لأنه يريد إعطاء الاطمئنان للمسيحيين، على أن يكون ذلك لفترة تلغى بعدها الطائفية، وللتأكد بأن لبنان سيبقى مستقلاً ولن يلتحق بأي اتجاه عربي(75). لقد سار المسلمون في التيار التوفيقي الذي تزعمه بشارة الخوري ورياض الصلح لأنهم رأوا آمالهم في تحقيق الوحدة العربية بعيدة المنال نظراً لزيادة التجزئة في العالم العربي ولبدء البحث في طريق فضفاضة للتعاون العربي أدى إلى الجامعة العربية. فصبوا كل ثقلهم وراء هذا التيار آملين تغيير مواقعه في المستقبل. ومما زاد في انحيازهم له أنه وقف في وجه الانتداب معتبراً إياه العقبة الكبرى في وجه الاستقلال، وغير معتبر ظاهرياً أن الوحدة العربية والتضامن العربي ييشكلان خطراً على لبنان، كما كان يعتبر الانعزاليون(76). ولم يكتب الميثاق في وثيقة خاصة (وقد حظي بموافقة أنصار هذين الزعيمين وتأييدهم)، إنه اتفاق جنتلمان عقد بين شخصيتين كبيرتين لعبا دوراً هاماً في ولادة الجمهورية والاستقلال، الخوري والصلح. فهو عقد شرف بين الفريقين اللبنانيين اللذين يتألف منهما شعب لبنان، الفريق المسيحي والفريق المسلم(77). وقد اختلفت الآراء حول مصادر الميثاق، فقد كانت أفكاره قد ظهرت في كتاب (مشكلة الاتصال والانفصال) لكاظم الصلح عقب مؤتمر الساحل الوحدوي عام 1936 . وتكرس الاتفاق الشفهي بين الخوري والصلح في البيان الوزاري أمام مجلس النواب في 7/ت1/1943، وفي خطب الشيخ بشارة ومذكراته(78). وقد كادت أن تطغى السمات الطائفية (مثل مؤتمر بكركي لعام 1941) على البيان الوزاري الأول الذي جاء في مسودته (لبنان بلد عربي ذو وجه مسيحي). وبعد نقاش طويل تم تعديل هذه العبارة إلى (لبنان بلد مستقل ذو وجه عربي) (79).. فقال البيان : "إن لبنان ذو وجه عربي يستسيغ الخير النافع من حضارة الغرب". فكانت هذه الصيغة انعكاساً، أو الوجه الآخر للسلبيتين اللتين قام عليهما الميثاق الوطني وهما "لا للوحدة العربية ولا للحماية الأجنبية"(80). وقد أوضح البيان الوزاري العلاقة مع البلاد العربية على النحو التالي : " إن لبنان مدعو كغيره من بلدان العالم إلى التعاون الدولي تعاوناً يزداد وثوقاً يوماً فيوماً. والعصر يأبي العزلة التامة للدول صغيرها وكبيرها. ولبنان من أحوج الدول إلى هذا النوع من التعاون، وموقعه ولغة قومه وثقافته وتاريخه وظروفه الاقتصادية تجعله يضع علاقاته بالدول العربية الشقيقة في طليعة اهتمامه، وستقبل الحكومة على إقامة هذه العلاقات على أسـس متينة تكفل احترام الدول العربية لاستقلال لبنان وسيادته التامة وسلامة حدوده الحاضرة. فلبنان وطن ذو وجه عربي يستسيغ الخير النافع من حضارة الغرب"(81). وهكذا نلاحظ أن البيان الوزاري تعمد الغموض حول هوية لبنان الواضحة، فكان فريداً بأن يعتبر وطناً ذو وجه معين. فكانت التسوية غير محددة المعالم ولا هي واضحة ولا هي نهائية. ترضي الفريق المنادي بالعروبة نسبياً ولاتغضب الفريق المعارض لها كلياً. وقال الصلح في البيان أيضاً : "إن إخواننا في الأقطار العربية لايريدون للبنان إلا مايريده أبناؤه الأباة الوطنيون. نحن لانريده للاستعمار مستقراً، وهم لايريدونه للاستعمار إليهم ممراً، فنحن وهم إذن نريده وطناً عزيزاً مستقلاً سيداً حراً"(82). ويذكر خالد العظم بأنه منذ أن استقل لبنان عام 1943، سعى رياض الصلح لعزل لبنان عن سورية. وإن قبول الصلح بمنصب رئاسة الوزارة كان ثمناً لموقفه الانفصالي، مبرراً موقفه أيضاً بإبقاء التوازن النسبي بين المسلمين والمسيحيين بقبوله بلبنان الكبير. وعلى ذلك فقد أصبح الصلح زعيماً لانفصال لبنان عن سورية بعد أن كان في جملة المنادين بوحدة البلاد العربية والعاملين في سبيل تحقيقها(83). ويبرر تقي الدين الصلح موقف رياض الصلح بأنه قبل باستقلال لبنان وعدم ذوبانه ضمن الوحدة السورية أو العربية للحيلولة دون اتجاه المسيحيين نحو الحماية الأجنبية. أما فيما يختص بمنصب رئاسة الجمهورية فإن رياض الصلح قبل أن تكون للموارنة بشكل مؤقت ريثما يطمئنوا إلى مصيرهم، لأن عدم إعطاء الاطمئنان للمسيحيين سيؤدي بهم إلى إنشاء دويلة طائفية تكون خنجراً في جنب سورية والعرب(84). وأشار سبيرز الوزير البريطاني المفوض في لبنان، حول الميثاق بأن المسلمين لم يعودوا راغبين في الوحدة، غير أنه أمر ليس نهائياً. وأن المسلمين كانوا يرون من قبل، أن يتحد لبنان مع الدول العربية. وكان هناك رأي في بعض الأقطار العربية بأن لبنان يجب أن ينضم إلى سورية لمنع وجود أي جيب مسيحي في الأقطار العربية ... لقد رفض المسلمون الوحدة لأنه أصبح لديهم مراكز قوة في لبنان. وقال لهم سبيرز اقبلوا برئاسة ماروني وبعد أن تصبحوا أكثرية بإمكانكم التغيير، فقبلوا بوجهة نظره(85). وهناك رأي بأن الميثاق أكد أن (لبنان قومية) موجودة على عكس القومية العربية غير الموجودة، ورأي آخر أن في لبنان "قومية مسيحية لبنانية" وقومية عربية وحضارتين(86). وعارض الميثاق فئة من المسيحيين. وقد عبر جورج نقاش عن عدم قابلية صيغة الميثاق لتكون أساساً صالحاً للتعايش بين اللبنانيين ولبناء وطن سليم بقوله: "نفيان لايؤلفان أمة"(87). ولم يكن الميثاق الوطني في لبنان عام 1943 مجرد تسوية محلية فحسب، ولكن كان له جوانب عربية ودولية لأنه تضمن التفاهم على الاستقلال عن البلاد العربية، وعدم الارتباط معها بوحدة أو معاهدة تتعارض مع الاستقلال. ورفض الوصاية أو الامتيازات الأجنبية(88). فلقد كان الميثاق بمباركة مصرية أعطاها رئيس وزراء مصر النحاس باشا(89). بل كان لمصر وسورية والعراق والمملكة العربية السعودية وبريطانيا دور وأثر في صيغة الميثاق الوطني. فالعراق قدم مشروعاً وحدوياً جديداً نشره باسم (الكتاب الأزرق) في عام 1943 اقترح فيه قيام وحدة بين سورية ولبنان وشرقي الأردن وفلسطين والعراق.... (90). كان الشيخ بشارة الخوري أول المدركين للمتغيرات الدولية والعربية، لذا نراه قد قام قبل الانتخابات في 2/6/1942 بزيارة إلى القاهرة برفقة جميل مردم بك أحد زعماء الكتلة الوطنية السورية، والذي تلقى الدعوة أيضاً، ليجتمعا هناك بالنحاس باشا رئيس الوزراء المصري، حيث تم اتفاق الثلاثة على الخطوط العريضة للسياسة اللبنانية المقبلة. وقد أبدى الخوري استعداده، في حالة وصوله إلى رئاسة الجمهورية، للتعاون مع الدول العربية شرط استقلال لبنان ضمن حدوده المعترف بها. ورأى أن ذلك قد يكون عقبة في سبيل إنشاء جامعة الدول العربية. ومما قاله بشارة الخوري : " إننا نريد التعاون مع الدول العربية إلى أقصى حد على هذا الأساس. ثم استدركت أن عدداً من المسيحيين لايعتنق هذا المذهب، وقد يعاكسه لاعتقاده بضرورة حماية أجنبية لبلاده". وكان يهم النحاس باشا سماع رأي سورية بالموقف والسياسة اللبنانية المستقبلية لأن سورية هي جارة للبنان. فقال جميل مردم : "نحن نثق بكلام الشيخ بشارة، وعندما تطمئن سورية لهذا الاتجاه في السياسة اللبنانية فنحن مستعدون لأن نتنزل عن أي مطلب لنا في لبنان، بل أن نوسع أراضي لبنان إذا لزم . وذكر الخوري في 1945 أنه "يستعيد ذكرى أليمة، أنه عندما كنت في مصر راح البعض يخلق الشوائع بأن لبنان سيكون عضواً في وحدة أو اتحاد، وذلك لمجرد كوننا جعلنا من أهدافنا سياسة استقلالية بحتة يصبح بها لبنان سيد شؤونه ومقدراته. ولقد كان جميل مردم بك معنا في مصر حينذاك وكان يصرح أمام النحاس باشا وسواه بأنه لو كان جميع الناس في لبنان يفكرون كما يفكر بشارة الخوري، لعدلنا عن المطالبة بشبر واحد من لبنان ولأعطيناه من أراضينا مايريد"(91). وكان لهذا الاتفاق الثلاثي وللزعماء السوريين بوجه خاص دور كبير في انتخاب بشارة الخوري رئيساً للجمهورية اللبنانية(92). ومن الأهمية بمكان القول إن البريطانيين وبعض المسؤولين العرب كانوا يريدون التأكد من سياسة بشارة الخوري في حال مساعدته للوصول إلى سدة الرئاسة الأولى في لبنان. ولهذا دعي هو بالذات إلى مصر وليس سواه في وقت كانت فيه فرنسا تعمل علناً ضد أي تقارب لبناني عربي باستغلالها للمشاعر الطائفية. وتأكد ذلك من خلال برقية أرسلها الجنرال كاترو إلى الجنرال ديغول في 8/3/1943 موضحاً أن معاهدة فرنسية لن تتحقق إلا باستخدام المشاعر الطائفية التي تربط اللبنانيين المسيحيين بفرنسا. وباستغلال غريزة الدفاع اللبناني حيال مشاريع الابتلاع العربية(93). وعلى أساس ضمان فرنسا لسلامة دولة لبنان وأن تبقى موالية لفرنسا ومدخل لها مستمر إلى منطقة العالم العربي . ويتضح الأثر السعودي من خلال محاولة المسلمين في لبنان الذين كانوا حريصين على الوحدة السورية والوحدة العربية، فقد حاولت بعض القوى الإسلامية وفي مقدمتها (الكتلة الإسلامية) إقناع الملك عبدالعزيز آل سعود بضرورة إدخال لبنان في وحدة مع الدول العربية. وقد أرسلت له مذكرة بهذا المعنى. وقد جاء الرد إلى محمد جميل بيهم رئيس الكتلة من القنصل السعودي في سورية ولبنان في 14/3/1943. ومما جاء به : ".... ولاشك أن جلالة ملكنا المعظم محب للوحدة العربية كبير الحرص عليها، جمع الله كلمة الإسلام والمسلمين على مايحبه الله ....". وفي منتصف أيار 1943 يصل الرد فعلاً إلى (الكتلة الإسلامية) في بيروت، وهو رد يعبر عن موقف السعودية إزاء لبنان ومستقبله السياسي. ومما جاء في رسالة الملك عبدالعزيز : "..... اطلعنا على ماذكر في كتابكم عن الوحدة العربية، فالوحدة المذكورة هي قائمة ومكونة ولله الحمد ولايوجد بين العرب أي خلاف يحول دون تحقيقها ... ولكن هنا مسألة يجب أن تتضافر الجهود بشأنها وهي اتفاق العرب على مصالحهم الخاصة وأن يجتهدوا ليتمتع كل قطر من الأقطار العربية باستقلاله وحريته ... فتكون سورية مثلاً للسوريين ... وأن نتراجع مع أصدقائنا لمساعدتنا على إتمامه ....". ويلاحظ من هذا الرد السعودي التأكيد على وحدة المشاعر العربية فقط والاستقلال لكل قطر وأن يكون لأبنائه. وأنه على المسلمين في لبنان التقليل من اتجاهاتهم الوحدوية والتخفيف من مطالبهم بالالتحاق بالوحدة العربية، وأن عليهم قبل كل شيء ترتيب أوضاعهم الداخلية مع بقية اللبنانيين. وتبين أن الموقف السعودي من الوحدة العربية أصبح موقفاً ثابتاً ليس بالنسبة إلى لبنان فحسب ولكن بالنسبة إلى الموضوع برمته(94). ومن الواضح أن سياسة الكتلة الوطنية السورية قد ساهمت مساهمة فعالة في تحجيم التيار المنادي بإعادة الأقضية الأربعة والمدن اللبنانية إلى سورية. وسارت أشواطاً بعيدة في دعم الاستقلاليين اللبنانيين لقاء تبني شعار إزالة الانتداب الفرنسي عن سورية ولبنان. ويعزو منح الصلح إلى هذا التحول السوري، انبثاق الاستقلال والميثاق فيقول : "ولم يكن الميثاق ممكن الوجود لولا أن اعترف زعماء الكتلة الوطنية، رجال الحكومة السورية يومئذ، بحدود لبنان وبكيان لبنان"(95). فقد كانت سورية مستعدة لتقديم كافة التنازلات للبنان المستقل شرط إعلان عدائه الصريح لسياسة الانتداب الفرنسي وعدم تمسكه بفكرة إبقاء الجيوش الأجنبية على أراضيه والانفتاح الكامل على العالم العربي(96). وفي 23/9/1943 في جلسة المجلس النيابي كان عبدالحميد كرامي (الذي كان من دعاة الوحدة السورية في طرابلس) من أول المرحبين باستقلال لبنان اللبناني المتعاون إلى أقصى حد مع محيطه العربي حيث قال : "إن للبنان استقلالاً معترفاً به ونحن الذين حاربنا لبنان في الماضي لأنه لم يكن عربياً، ونحن الذين طلبنا الوحدة السورية، أتينا اليوم إلى هذه الندوة نعترف باستقلال لبنان وتناضل في سبيل هذا الاستقلال ضد أي كان لأن لبنان أصبح الآن عربياً. نعم لقد اعترفنا باستقلال لبنان ولم يكن ذلك مجاملة لأحد ولاخوفاً من أحد بل عن ثقة باستقلال لبنان"(97). كما أن كمال جنبلاط الذي كان محسوباً على لائحة الكتلة الوطنية الداعية إلى الاستقلال المضمون بحماية فرنسية، تحول في جلسة نيابية (17/10/1943) إلى دعم الاستقلال والعمل على إزالة الانتداب الفرنسي عن سورية ولبنان لأن أهل لبنان الكبير اعترفوا به مسلمين ومسيحيين ودروز وشيعة، وحياه بصفته العربية...." (98). وكانت القوى الاستقلالية تلقى الدعم الكامل من الدول العربية وبشكل خاص من سورية بسبب التوافق المصيري والمصلحي بين الشعبين اللبناني والسوري والعمل سوياً للتخلص من الاستعمار الفرنسي(99). ويمكن القول أن الميثاق الوطني اللبناني كان تهرباً لبنانياً من مشاريع الوحدة العربية كمشروع الملك عبدالله لإقامة سورية (الكبرى) ومشروع العراق لإقامة الهلال الخصيب. ومتهرباً من الوحدة السورية الذي تطالب به سورية. والذي طالب به الحزب القومي السوري في لبنان ذاته، فيقول فيليب حتي : "فكان على لبنان والحالة هذه أن يتصرف تصرفاً دقيقاً إزاء عنصر من سكانه يدور في فلك العروبة ويسعى نحو الاتحاد في النهاية مع جيرانه المسلمين. وعنصر آخر واقع تحت تأثير الغرب ويتخوف من فقدان هويته في وسط عربي إسلامي. ووفق رئيس الجمهورية ورئيس الوزارة إلى وضع صيغة تعرف بالميثاق الوطني الذي يوجب على اللبنانيين عموماً الإخلاص التام للبنان، والتعاون الودي المخلص مع سائر الدول العربية مع الحفاظ على علاقاته العادية التقليدية مع الغرب. فكان هذا الميثاق في جوهره يقضي بعدم الانضمام إلى أية جهة كانت دون أن يمنع من اتباع سياسة إيجابية"(100). وهذا مايوضحه فؤاد عمون وزير الخارجية اللبناني عن سياسة لبنان الخارجية(101). ولذلك يمكن القول أنه لم تنقطع مطالبة أهالي المناطق، التي ضمت إلى لبنان التي كانت متجهة بأكثريتها الساحقة إلى سورية، بالوحدة السورية إلا في عام 1943 عندما اتفق اللبنانيون على استقلال بلدهم استقلالاً ناجزاً(102). وهذا مااستطاعوا الوصول إليه في حينه على ضوء الظروف المختلفة. 4- انتخابات سورية عام 1943 وبداية العهد الاستقلالي : لما عاد الجنرال كاترو من الجزائر، باشر القيام بمفاوضات عديدة أشرك فيها وكيله المسيو (هيللو Helleu). وتذاكر مع بعض زعماء الوطنيين الذين كانوا يسمعونه أحياناً عبارات المجاملة، بدون أن يطمئن إليها كثيراً. وقد فكر أن يعيد إلى سورية مجلسها وأوضاعها كما كانت سنة 1936. وقال في ذلك : "لم أستطع في سورية أن أتفق مع رئيس الوطنيين هاشم الأتاسي ونجمهم الصاعد شكري القوتلي، على أن الرئيس الأتاسي وافق على تأليف حكومة مشتركة وعلى دعوة المجلس النيابي إلى اجتماع قصير وإجراء انتخابات بعد ذلك. وأن تكون العلائق بيننا في أثناء الحرب وفقاً لشروط معاهدة 1936. ولكنه رفض أن يسلمني كتاباً أحتفظ به مكتوماً يوافق فيه على الشروط التي أعلنت بها استقلال سورية .... ولاحاجة إلى القول أن هذه التحفظات من قبل الوطنيين يراد بها أنهم لايودون الارتباط بشيء، فأصبح كل اتفاق معهم لاينطوي على غير المحذورات. وتوليت عنهم مراعياً حسن الصلات بهم. ولعلي قد أخطأت حينئذ في مجاراتي إياهم في التحفظات التي أبدوها. وربما كان ينبغي علي أن أقبل مثلها من قبل ثمانية عشر شهراً. وهذه نقاط لايمكن مناقشتها، ومع ذلك فإني أعتقد أن الأشخاص الذين يعرفون تطرف الوطنيين الشرقيين وإصرارهم على تحقيق جميع مطالبهم، يرون أني حينما اتصلت بهاشم الأتاسي ورفاقه في الحزب (الكتلة)، الذين هم أكثر شباباً، كان من العبث السعي لربطهم ببلاد أصابهم الوهن كبلادنا. إن تلك الوطنية لاتوافق على تسوية إلا في حالة الضرورة، وتكن في صدورها الدخائل المنطوية على الشبهات، حتى تنتهز فرص الحوادث، وتتخلى عما وافقت عليه في ظروف غير ملائمة. وقد عرفت ذلك بريطانيا العظمى الظافرة القوية، التي لديها وسائل إقناع وضغط اقتصادي، حينما عجزت أن تحمل العراق على قبول المعاهدة الأخيرة التي عرضتها عليه، كما أنها لم تستطع أفضل من ذلك في محاولة الوصول إلى تسوية مع مصر"(103). وكان كاترو في برقيته إلى الجنرال ديجول في 8/3/1943 قد أشار إلى المعاهدة المقترحة مع سورية ولبنان، وأنه بالنسبة لسورية (ضرورة تلويح فرنسا للسوريين بالأخطار الخارجية، وخاصة الأخطار التركية من الشمال، والصهيونية من الجنوب، حتى تبقى سورية على علاقات ود مستمر مع فرنسا)، وتناسى في هذا الموقف أن فرنسا قد أعطت لواء الاسكندرونة إلى تركيا، ووافقت على إنشاء الوطن القومي اليهودي في فلسطين. وفي 25/3/1943 أصدر الجنرال كاترو ثلاثة قرارات : "الأول يقضي بإعادة تطبيق الدستور السوري. والثاني ينظم السلطات. والثالث عين فيه السيد عطا الله الأيوبي رئيساً للدولة والحكومة. (كان قد انتخب رئيساً للمحفل الأعظم الماسوني السوري في أوائل 1939). وأرفق كاترو مع هذه القرارات بياناً ذكر فيه أن مجمل الأحكام التي اتخذها ترمي إلى غاية أساسية وهي حل المعضلة الدستورية بطريقة ديمقراطية لاتحيز فيها. ولأجل تحقيق ذلك فإنه ينبغي أن لايكون للحكومة التي تشرف على الانتخابات صبغة سياسية. وذكر أنه كان من الممكن ايجاد حلول أخرى، منها العودة إلى الوضع الذي كان سنة 1939، ولو أنه طبقت هذه الطريقة لكانت شرعية، وكان بمقتضى الأوضاع الدستورية نفسها إرجاع السلطات السابقة التي كانت تتولى الحكم. غير أن الرئيس الأتاسي رأى عندما استشاره في الأمر، أنه من الواجب تجنب هذا الحل الذي قد لايعبر عن إرادة الشعب(104). وتشكلت وزارة الأيوبي في 25/3/1943 لإجراء الانتخابات النيابية وإعادة الحياة الدستورية، فاستلم رئاسة الدولة والحكومة، والأمير مصطفى الشهابي للمالية والاقتصاد الوطني والإعاشة، وفيضي الأتاسي للمعارف والعدلية والشؤون الاجتماعية، ونعيم الانطاكي للخارجية والأشغال العامة. ودعت الوزارة الشعب السوري إلى إجراء الانتخابات النيابية فأعلن الوقت المحدد لها(105). وتقرر أن يكون عدد نواب المجلس الجديد (124) نائباً بينهم (16) نائباً عن مدينة دمشق. وكان بين الكراسي المخصصة لدمشق كرسي للأقليات غير الممثلة، كما كانت الحال في عام 1936، وهو الكرسي الذي انتخب له فارس الخوري. وكان الخوري في الفترة التي سبقت الانتخابات يعمل مع إخوانه في الحقل السياسي والاقتصادي ويتابع إلقاء محاضراته في معهد الحقوق. وقد قامت بعض الهيئات تعاكس انتخابه، على أن القائمة التي وضعها شكري القوتلي والتي فوضته بوضعها الوفود الكثيرة التي زحفت إلى منزله، هي التي نجحت بكاملها. وكان من أبرز أفرادها فارس الخوري(106). وتمت انتخابات الدرجة الأولى في 11/7/1943، وتلتها حفلات انتخابية كثيرة في مختلف الأحياء (في دمشق)، كان من أهمها حفلة حي القنوات التي خطب فيها الخوري وأشار إلى خطورة مهمة المجلس القادم بعد أن ألغي الانتداب وأصبح الموقف يحتاج إلى معالجة الأدواء الداخلية والخارجية. كما أنه أشار إلى زعامة القوتلي وإلى تضحياته وإخلاصه وجهاده المتواصل سبعاً وعشرين سنة، وإلى محاولة انتحاره في خان الباشا في عهد جمال باشا لكي لا يفشي أسرار المجاهدين العرب . كما تمت انتخابات الدرجة الثانية في 26/7/1943(107). وقد جرت الانتخابات في جو جديد وشعر السوريون أنه قد اقتربت الساعة التاريخية التي تتطلب منهم أن ينظروا إلى المستقبل وحده. فاختاروا نوابهم ليكونوا أمناء على القيام بمهمة عظيمة هي : "إنشاء أوضاع الدولة الجديدة الاستقلالية، وإقامة النظم الحرة الديمقراطية وتوجيه الأمة إلى الغايات الرفيعة التي تقدس المصلحة العامة وتعزز شعور الدولة وحرمة القانون ورقابة النظام وكرامة الإنسان". ولم يقع في البلاد السورية مايصح أن يسمى معركة انتخابية. وكان اتجاه الجمهور نحو انتخاب الوطنيين بصورة عامة (رجال الكتلة الوطنية التي كان بعض رجالها منتسب إلى الحركة الماسونية) (108). وكان ذلك بالرغم من أن تجربة الكتلة السابقة في الحكم لم تكن مقبولة أو فنية. على أن الحكومة التي أعقبتها وطغيان الانتداب جعل الناخب يجدد خياره لها ويعطيها فرصة جديدة. واجتمع المجلس النيابي الجديد في يوم الثلاثاء 17/8/1943 فانتخب فارس الخوري رئيساً له (وهو رئيس محفل نور دمشق الماسوني عام 1935). وانتخب شكري القوتلي رئيساً للجمهورية (الدستورية الثالثة) بإجماع الآراء. (ويعتبر هذا اليوم يوم استقلال سورية). وفي 19/8/1943 كلف سعد الله الجابري بتشكيل الوزارة فكان أعضاؤها: جميل مردم بك للخارجية ولطفي الحفار للداخلية وخالد العظم للمالية ونصوحي البخاري للدفاع الوطني والمعارف، ومظهر رسلان للأشغال العامة والإعاشة، وعبدالرحمن الكيالي للعدلية، وتوفيق شامية للزراعة والاقتصاد الوطني(109). وكان أكثر أعضاء الحكومة من الكتلة الوطنية التي تفوقت في الانتخابات، وليست الكتلة حزباً دقيق التنظيم، بل هو أشبه بجبهة مؤتلفة. وقد برز دور الجيل الجديد في الكتلة الذي يتزعمه شكري القوتلي وحل بذلك محل هاشم الأتاسي في زعامة الكتلة، وصار المرشح الوحيد لرئاسة الجمهورية. وركز الكتاب اليساريون الفرنسيون على الصفة البرجوازية للكتلة، وفسروا بذلك التقارب بينها وبين بريطانيا. وحقيقة الأمر أنه لم يكن هناك تقارب مدبر، أما الصفة البرجوازية فأمر مسلم به، إلا أن هذه المفاهيم الطبقية لم تكن تؤثر تأثيراً في الحياة السياسية آنذاك، ومن ثم لعبت الكتلة دورها في السير بسورية نحو الاستقلال، وقبل اليساريون الوطنيون هذا الدور كمرحلة(110). |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |