تطور الوحدة السورية اللبنانية من نشوب الحرب العالمية الثانية إلى ما بعد الاستقلال 1939- 1950 - د. عبد الرحمن البيطار

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:18 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

4- قضيـة النقــد والانفصـال النقـدي

كانت (الليرة) التي يصدرها (بنك سورية ولبنان) هي وحدة العملة المتداولة في سورية ولبنان ولها ارتباطات مالية مع فرنسا. وكانت الحدود بين البلدين مفتوحة لنقل البضائع والمواطنين، وأسواق البلدين مفتوحة على بعضها لعرض وتبادل المنتجات المحلية والمستوردة.‏

وكانت سورية ولبنان قد وعدتا في تصريح بريطانيا وفرنسا الحرة بالاستقلال، بأن تدخلاً في نظام الاسترليني لسنة 1941. ومع ذلك فقد عقد اتفاق بين الانجليز والفرنسيين وبين سورية ولبنان سنة 1944 أصبحت فيه سورية تابعة لما يسمى منطقة الفرنك. وأصبحت الليرة السورية تعادل 65ر22 فرنكاً والليرة الانكليزية 3ر78 قرشاً سورياً مع ضمانة كل تعديل يطرأ في المستقبل على سعر الفرنك(56). واستمر الوضع النقدي حتى1946.‏

وضمنت الحكومة الفرنسية الليرة اللبنانية خوف تدني قيمتها منذ عام 1944 بموجب اتفاق دعي (اتفاق كاترو). إلا أن فرنسا نقضت الاتفاق مع لبنان عام 1947 واعتبرت نفسها في حِل من تعهداتها السابقة. وماهي إلى فترة حتى انهارت قيمة الفرنك الفرنسي(57).‏

ووقع الخلاف مع الحكومة الفرنسية بسبب تراجعها في آذار 1946 عن تنفيذ الاتفاق المعقود مع الجنرال كاترو بشأن ضمان قيمة النقد السوري عند تنزيل قيمة الفرنك الفرنسي. وعندما عقد اتفاق شتورا بين الجانبين السوري واللبناني في 28/12/1947 لتجديد الاتفاق حول المصالح المشتركة، فقد تقرر إعطاء التعليمات المشتركة المتفق على صيغتها بين الفريقين إلى الوفدين المفاوضين في باريس بشأن (قضية النقد) والأمور الاقتصادية والمالية المعلقة مع الجانب الفرنسي. وكانت المفاوضات الثلاثية قد بدأت بين ممثلي سورية ولبنان وفرنسا في باريس في 1/10/1947 وانتهت بموافقة الممثل اللبناني على المشروع المقدم من الجانب الفرنسي(58). وحسبما يقول كاتب لبناني : "واضطر لبنان أن يعقد اتفاقاً جديداً مع فرنسا لضمان قيمة الليرة اللبنانية، وصفيت بموجب الاتفاق الحسابات المالية بين لبنان وفرنسا وأصبحنا أسياد نقدنا. بينما أحجمت سورية عن توقيع هذا الاتفاق. وهنا كانت بداية الأزمة التي أدت إلى حلول القطيعة بين لبنان وسورية عام 1950(59). وقد انفرد لبنان من قبل بتوقيع اتفاقية التابلاين.‏

لقد اتخذت سورية من هذه المفاوضات خطة أقرب إلى استقلال نقدها وتصفية علاقاتها المالية مع فرنسا. وسلكت الحكومة اللبنانية خطة اتفاق أخرى مع الفرنسيين بصورة منفردة(60).‏

وعلى إثر اتفاق الحكومة اللبنانية مع الفرنسيين (بداية 1948)، أصدرت وزارة المالية اللبنانية بلاغاً حول أسعار القطع الأجنبي، وحددت سعر الفرنك الفرنسي بالنسبة لليرة اللبنانية بـ 83ر97 فرنك لكل ليرة. وأنه منذ يوم الإثنين 2/2/1948 تجرى عملية استبدال الأوراق النقدية المكتوب عليها بعبارة (سورية) بأوراق نقدية مكتوب عليها عبارة (لبنان). ويكون هذا الاستبدال على أساس ليرة لبنانية لكل ليرة سورية.‏

وأصدر بنك سورية ولبنان أيضاً بلاغاً بأنه لم يبق في لبنان في نهاية 2/2/1948 أية قوة إبرائية لغير الليرة اللبنانية(61). وبذلك فصل اللبنانيون النقدين السوري واللبناني اللذين كانت وحدتهما تشكل عنصراً أساسياً لاستمرار التبادل التجاري، مما أحدث فرقاً بين النقدين. ولكن في 1/4/1948 اتفق رئيسا الوزارتين على أن يكون للنقدين اللبناني والسوري خلال فترة التمديد (حتى 15/5/1948) قوة الإبراء للجمارك اللبنانية والسورية وانتقال البضائع الأجنبية بحرية. وفي 5/5/1948 اتفق رئيسا الوزراء على استمرار انتقال البضائع الأجنبية وأن تقبل الجمارك اللبنانية والسورية النقد اللبناني والسوري على أن لايزيد النقد اللبناني في الجمارك السورية عن النصف والنقد السوري في الجمارك اللبنانية عن النصف أيضاً. وجدد الاتفاق في 28/6/1948 في شتورة لمدة ثلاثة أشهر اعتباراً من 1/7/1948(62).‏

وبعد رفض سورية الاشتراك في توقيع الاتفاق النقدي مع فرنسا، عادت المباحثات بصورة غير رسمية في شهر تشرين الأول 1948 وانتهت إلى وضع مشروع جديد يختلف كل الاختلاف عن المشروع السابق (اتفاق نقدي). واتفق رئيس الوزراء خالد العظم مع وزير المالية حسن جبارة على قبوله فتم التوقيع عليه بدمشق في 7/2/1949 وعرض على مجلس النواب مع مشروع التابلاين. وأصبح المجال مفسوحاً أمام الحكومة السورية لإمكان استرداد حق إصدار النقد، وبقاء مصرف سورية ولبنان كمصرف تجاري. ثم أبرم الاتفاق بمرسوم تشريعي أصدره حسني الزعيم بعد انقلاب 30/3/1949 مع إبرام اتفاق التابلاين، وأصبح مرعي الإجراء منذ ذلك الحين(63).‏

كان العظم من كبار رجال الأعمال في سورية، فقد انصرف إلى معالجة الوضع الاقتصادي دون مراعاة للإحساسات الوطنية الجياشة، فعقد الاتفاق المالي (7/2/49) مع فرنسا لتسوية الخلاف الناشىء من انفصال سورية عن منطقة الفرنك. ثم طلب إلى مجلس النواب الموافقة على (مشروع التابلاين) بالرغم من الاعتراضات العديدة التي أثيرت حول الاتفاق، إذ يمنح لسورية رسوماً هزيلة مقابل مرور الأنابيب في أراضيها(64).‏

وأصدر المجلس النيابي اللبناني في 24/5/1949 قانون النقد اللبناني وقرر تحويل العملات الأجنبية في التغطية إلى ذهب(65).‏

5- قضية الجيـش وحتى الاصطدام في أيار 1945 :‏

كانت قضية الجيش مظهراً من مظاهر الوحدة السورية اللبنانية حيث كانت القيادة العسكرية موحدة للبلدين .‏

ولما كان الفرنسيون قد ضموا إلى جيشهم عدداً من اللبنانيين والسوريين (من فئات وطبقات معينة) جمعوهم في وحدات عسكرية سموها (الفرق الخاصة). فطالبت الحكومتان السورية واللبنانية تسليمهما المجندين ليكونوا نواة لجيشهما. وطالت المفاوضات بسبب مماطلة الجانب الفرنسي. فلقد ظهرت نية الفرنسيين بعدم الرغبة في تسليم الجيش إلى الحكومتين بشكل لايدع مجالاً للشك.‏

وكان الفرنسيون في بادىء الأمر يحتجون باستمرار الحرب العالمية وعدم استطاعتهم تسليم الجيش الذي هو جزء من الجيوش المرابطة في الشرق الأدنى للدفاع عنه. كما كانوا يدعون بأن سورية ولبنان عاجزتان عن تقديم مايحتاجه الجيش من مال. وقدموا اقتراحاً يقضي بتسليم الجيش اسمياً لسورية ولبنان، على أن تبقى قيادته بيدهم طيلة الحرب، إلى أن يعقد اتفاق خاص بشأنه، فرفضت سورية ولبنان هذا الاقتراح. واستمرت المباحثات ودام الأخذ والرد على غير جدوى(66).‏

لقد حاولت الحكومة الفرنسية أن تجعل تسليم قيادة القوات المحلية مشروطاً بعقد معاهدات ثقافية واتفاقات اقتصادية وإعطاء فرنسا قواعد استراتيجية(67).‏

إلا أن فرنسا سلمت في حزيران 1944 فصيلة من الجند الخاص إلى الحكومة اللبنانية، ولعلها كانت تقصد إلى إحداث تفرقة جديدة ولكن دون جدوى. أما في سورية فقد احتفظت به حتى وقع الصدام في العالم التالي(68).‏

وكان الفرنسيون يحتفظون بالقطع الخاصة لغايتين: الأولى أن تكون القوة باقية في يدهم. والثانية أن يتخذوها سلاح مساومة للحصول على امتيازات اقتصادية وسياسية. ولكن الحكومة السورية كانت مصممة على أن لاتعقد معاهدة مع الفرنسيين أو تعترف لهم بأي وضع ممتاز وهو ماكانوا يسعون لتحقيقه (69).‏

وقد تذاكرت الحكومة السورية مع الجنرال (بينه) المندوب الفرنسي العام الجديد (استلم في 9/6/1944) من ناحية ومع الجنرال هولمز والجنرال سبيرز ومستشاره السياسي المستر لاساس، في موضوع الجيش السوري، وقد اقترح البريطانيون صيغة جاء فيها بأن الحكومة السورية الراغبة في أن تشاطر بالمجهود الحربي إلى جانب الأمم الحليفة، وهي تضع جيشها تحت تصرف هذه الأمم إلى أن تنتهي الحرب، وذلك بعد استشارة القائد الأعلى في الشرق الأوسط بصفة كونه قائداً عاماً لقوى الأمم المتحدة. وكذلك فهي توافق على وضع جيشها تحت القيادة المحلية في الشرق مدة الحرب (المنوطة بالفرنسيين). وكان هناك محذوران، المحذور الأول في موقف الجنود السورية إذا انتهت المعارك في الغرب، وظلت في الشرق الأوسط. والمحذور الثاني إذا أصر السوريون على أن يرجع لهم تنظيم جيشهم وإنشاء قيادة سورية لاترتبط بالقيادة الفرنسية. وهذه الخطة ربما كانت تؤدي إلى الاصطدام مع القيادة العليا البريطانية التي كانت ترفض كل تغيير في القيادة، وتؤيد في هذا الشأن رأي الجنرال (بينه). وذكر الجنرال سبيرز أنه لابد من الزمن لتكوين أركان الحرب وإعداد المصالح العسكرية الكثيرة، ولم يكن الجيش التاسع البريطاني يوافق على أن يكون إلى جانب أركان الحرب الفرنسي أركان حرب سوري في تلك الظروف العسكرية، وأصر الجنرال سبيرز على لزوم تجنب البحث في إلغاء القيادة المحلية الفرنسية قائلاً بأن جوهر الأمر أن يكون لسورية جيش عند انتهاء الحرب.‏

وكان هناك مشروع مقدم من الفرنسيين ومشروع آخر من الحكومة السورية يرمي إلى التخلص من القيادة الفرنسية.‏

وقد بحث الجنرال هولمز عن المشروع الفرنسي الذي يذكر بأن الفرنسيين يؤازرون سورية في تأليف جيشها وتأمين المصالح له وتأليف قوة مفيدة. وأوضح وجهة النظر الانكليزية التي توافق على تحويل الصلاحيات العسكرية إلى السوريين عندما تكون مصادر قواهم كافية، وتكون الوسائل السورية واللبنانية لتعزيز الجيش وتجهيزه وتعليمه وبقائه متوفرة. وهذا يتوقف على التطور التدريجي في مدة أشهر، وعلى مايستطيع السوريون تقديمه من البراهين على قدرتهم وطاقتهم. لذلك فإنه يقتضى الاحتفاظ بالمصالح الفرنسية، إذ ليس لدى السوريين فنيون وأصحاب اختصاص، وهم بحاجة إلى هؤلاء أكثر من حاجتهم إلى المؤن والذخائر والآلات الميكانيكية ومختلف المواد.‏

وأكد البريطانيون في الختام أن موقفهم يكون موقف الرضى عن كل اتفاق يتم بين السوريين والفرنسيين ولكن على أن لايصيب القوى والمعدات أي خلل.‏

وقد ورد في المشروع الفرنسي ذكر (لجنة فرنسية)، فرأى الجنرال سبيرز في ذلك مايؤدي إلى وجود قيادتين، كما أن اللجنة ستنقلب إلى بعثة، وقد يملأ حينئذ الجيش بالقادمين من أفريقية الشمالية(70).‏

وبقي الجيش بيد فرنسا حتى انتهت الحرب في أوروبا بانتصار الحلفاء على ألمانيا في أيار 1945 وبدأت سورية ولبنان بالمطالبة بجلاء القوات الأجنبية عن أراضيهما(71).‏

6- صراع سورية من أجل الاستقلال التام بعد الانتخابات :‏

أعدت وزارة سعد الله الجابري بياناً تقدمت به إلى المجلس النيابي أشارت فيه إلى الظروف التي اجتاحت البلاد وإلى مهمتها في الحكم والواجبات المترتبة عليها لخدمة الوطن(72).‏

وفي 24/1/1944 أقسم رئيس الجمهورية والنواب يمين الإخلاص للدستور بعد أن حذفت منه المادة 116 التي كانت تقيد استقلال سورية والتي أضافها المفوض السامي في عام 1930.‏

وقد اهتمت حكومة الجابري بتسلم الصلاحيات من الافرنسيين(73). ومنذ بدء المفاوضات بين الحكومة السورية وبين السلطات الفرنسية تبين اتساع الخلاف في وجهات النظر، فذكر المندوب الفرنسي أن الانتداب يعتبر قائماً ولايمكن إلغاؤه إلا بعقد معاهدة على نمط المعاهدات التي تربط بريطانيا ببعض الدول العربية. كما أن الانتداب صدر عن عصبة الأمم ولايمكن إلغاؤه إلا بعد قيام منظمة دولية أخرى تحل محلها. وفند السوريون هذه الحجج فذكروا أن الانتداب غير صحيح منذ البداية لأن أهل الانتداب لم يستشاروا فيه سنة 1920 طبقاً لنظام العصبة، ثم إن حكومة فرنسا الحرة ليست استمراراً للدولة التي عهدت إليها العصبة بالانتداب، وليس هناك ضمان لتنفيذ المعاهدة إذا تم التوصل إلى اتفاق مع الحكومة المؤقتة الحاضرة(74).‏

لم يكن مجلس عصبة الأمم معمولاً بقراراته منذ 1939. ولم تكن قوانين العصبة معمولاً بها واقعياً منذ 1940 عندما طردت الاتحاد السوفيتي من عضويتها بسبب غزوه اللاقانوني لفنلدا.‏

كانت حكومة فرنسا الحرة تطلب من الدول أن تعترف باستقلال سورية ولكنها تشترط أن يكون هذا الاعتراف مقيداً بالتحفظات التي أبداها الجنرال كاترو عندما أعلن استقلال سورية في 27/9/1941 ولبنان في 26 تشرين الثاني 1941 وتلخص هذه التحفظات في :‏

1- المحافظة على التعهدات الدولية التي أبرمتها فرنسا باسم سورية والتي تحل محلها في المستقبل معاهدة تعقد بينها وبين فرنسا.‏

2- السلطات الخاصة التي تتمتع بها الجهات الفرنسية في المشرق بسبب الحرب.‏

وهكذا كان طلب الحكومة الفرنسية من الولايات المتحدة لكي تعترف باستقلال سورية ولبنان ضمن هذه الشروط.‏

وقد أرسلت الحكومة البريطانية في 10/9/1942 مذكرة إلى الولايات المتحدة طالبة فيها أن يعترف بالوضع الراجح لفرنسا في دولتي المشرق، ومبينة أنها لاتعارض في عقد معاهدة إذا كانت ترمي إلى تحديد علائق الفريقين وتحقيق رغائب الأهلين. ولكن الولايات المتحدة كانت تميل إلى تأييد الاستقلال ولامانع من معاهدة بين الجانبين على أن لاتضار مصالحها المحددة في معاهدة 1924 مع فرنسا. واعترفت باستقلال الدولتين في 7/9/1944 اعترافاً غير مشروط ولا مقيد، مع تبادل التمثيل الدبلوماسي(75).‏

أما موقف بريطانيا الذي كان يعلن مظاهرته للاتفاق بين فرنسا وسورية ولبنان فلم يكن فيه مرضاة للفرنسيين الذين اعتقدوا أن هناك مؤمرات للنيل منهم وإزالة كل أثر لفرنسا في المشرق وأن تحل محلها. وليس هنالك فرنسي واحد يعتقد أن سورية ولبنان سيتمتعان باستقلال تام ناجز بعد الأزمة الأخيرة في لبنان، وأنهما سيسيطرون على أنابيب البترول والمطارات والمراكز الاستراتيجية بدون أن تكون لهما علاقة بدولة أجنبية وستصبح هي بريطانيا(76).‏

وقد صرح شوفيل السكرتير العام لوزارة الخارجية الفرنسية أن فرنسا مستعدة للجلاء عن سورية ولكنها لن ترضى أبداً أن تحل محلها دولة أخرى، فأجابه (نجيب الأرمنازي) بأننا لانرمي إلى التخلص من السلطان حتى ندخل في ظل سلطان آخر(77).‏

وكان عدد الدول التي اعترفت باستقلال سورية يزداد حتى أصبح يضم في منتصف كانون الثاني 1945 (أفغانستان ومصر والعراق وايران والمملكة العربية السعودية وبلجيكا والبــرازيل وبولونيا وانكلترا وفرنسا والولايـــات المتحدة والاتحاد السوفيتـــي وتشيكوسلوفاكيا) (78).‏

7- اصطدام سورية مع الفرنسيين في أيار 1945 وتسليم الجيش :‏

سافر المندوب السامي الفرنسي الجديد الجنرال بينه (استلم في حزيران 1944) إلى فرنسا في آذار 1945 لإجراء بعض المفاوضات مع حكومة فرنسا المؤقتة، وقد اشتد ساعدها بعد أن أصبحت تسيطر على بلادها وعلى قواها العسكرية والبرية والبحرية ولم تعد في المجال الذي كانت عليه عندما حدثت الأزمة اللبنانية (معركة تعديل الدستور). فغاب أكثر من شهرين ولم يعد إلا بعد أن اتفق مع حكومته على الخطة التي يبغي اتباعها، وعاد في أيار 1945 يحمل التعليمات لفتح باب المفاوضات المقرر بدءها في 19/5/1945. وأعلنت الحكومة الفرنسية في 7/5/1945 أنها أصدرت تعليماتها إلى المندوب العام الفرنسي في سورية ولبنان ببدء المفاوضات مع حكومتي سورية ولبنان .‏

وفي نفس اليوم 7/5/1945 أنزل الفرنسيون تعزيزات عسكرية (كتيبة جنود سنغاليين) في بيروت وجددوا ذلك في 15-17/5/1945 مما احتجت عليه الحكومة السورية وعدته مناقضاً لسيادتها واستقلالها ووسيلة من الوسائل التي تدل على أن فرنسا تنوي أن تلجأ إلى القسر والإكراه والتهديد قبل بدء المفاوضات.‏

وكانت الحرب قد انتهت مع ألمانيا في 8/5/1945 فرأت فرنسا أن الظروف تغيرت وأنها أصبحت قادرة على فرض سيادتها بالقوة خلافاً لما كان عليه الوضع في عام 1943 .‏

وفي 17/5/1945 زار (بينه) رئيس الجمهورية السورية بحضور وكيل رئيس مجلس الوزراء، ثم قدم في اليوم التالي مذكرة خطية إلى وزارة الخارجية السورية، حيث استقبله الوزير بحضور السيد هنري فرعون وزير الخارجية اللبنانية الذي تسلم مذكرة أيضاً. وقد دون في هذه المذكرة ما أشار إليه في حديثه في اليوم السابق وهو أن فرنسا مستعدة لتسليم الكتائب الخاصة لسورية ولبنان مع بقائها تحت القيادة العليا الفرنسية مادامت الظروف لاتسمح بممارسة القيادة الوطنية ممارسة تامة، على شرط أن تؤمن صيانة مصالح فرنسا الجوهرية التي تحتفظ بها في سورية ولبنان. وعرض البحث في المسائل الثقافية وفي القواعد الاستراتيجية. وكانت إدارة الهاتف تخضع للسلطة العسكرية.‏

وكانت هذه هي المرة الأولى التي تقدم فيها فرنسا مثل هذه الطلبات للحكومة السورية. أما هذه المصالح فهي على ثلاثة أنواع : ثقافية واقتصادية واستراتيجية. فالأمور الثقافية التي تهم سورية وفرنسا يمكن تحديدها وضمانها باتفاق جامعي واتفاقية تضمن استقلال المؤسـسات الثقافية الفرنسية. ويمكن تحديد الأوضاع الاقتصادية المتقابلة وضمانها باتفاقات مختلفة ينص عليها في موضوع كهذا بالأصول الدولية المعتادة، كالاتفاق المتعلق بوضع الرعايا الأجانب والاتفاق التجاري... الخ. وأما الأوضاع الاستراتيجية فتتضمن تأسيس قواعد جوية وبحرية تمكن من ضمانة طرق مواصلات فرنسا وممتلكاتها فيما وراء البحار. والاحتفاظ بقيادة فرنسية في الجمهوريتين. وحالما توقع هذه الاتفاقيات يصير تسليم القطعات الخاصة، على أن تبقى مدة طويلة تحت قيادة فرنسية. وعلى الأثر اتصل رئيس الجمهورية السورية. برئيس الجمهورية اللبنانية واتفقا على عقد اجتماع في لبنان يحضره الرئيسان ورجال حكومتيهما(79).‏

وعقدت الحكومتان اجتماعاً مشتركاً في شتورة في 19/5/1945 وقد صدر بعد الاجتماع ودراسة الموقف البيان التالي :‏

" اجتمع في شتورا رئيس الوزارة السورية بالوكالة ووزير خارجيتها ورئيس الوزارة اللبنانية ووزير خارجيتها في 19/5/1945 للتداول في الموقف السياسي الناشىء عن إرسال فرنسا جنوداً للبنان وسورية دون الحصول على موافقة الدولتين، على الرغم من إبلاغ حكومتيهما ممثل فرنسا من قبل وجوب الحصول على موافقتهما قبل استقدام الجنود. وكذلك عن تقديم ممثل فرنسا مذكرة بمقترحات لتكون أساساً للمفاوضة بين الجانب الفرنسي والجانبين السوري واللبناني.‏

" وقد رأى ممثلو الحكومتين السورية واللبنانية أن في إنزال الجنود على الشكل الذي تم انتقاصاً لسيادة البلدين. وأن المذكرة تتضمن مقترحات تنم عن روح لاتتفق واستقلال سورية ولبنان. لذلك اتفق الجانبان السوري واللبناني على عدم الدخول في المفاوضة مع الجانب الفرنسي وإلقاء جميع التبعات التي يمكن أن تنجم عن هذا الموقف على عاتق الحكومة الفرنسية. كما قررا توحيد الجهود والمساعي للدفاع عن سيادة البلدين واستقلالهما"(80).‏

وهكذا رفضت الحكومتان الاستمرار في المفاوضات في جو من التوتر والتهديد المكشوف. إذ كما قال ونستون تشرشل : " كانت المصفحات الفرنسية وسيارات النقل المحملة بالجنود تجوب شوارع حلب ودمشق وتواصل أعمال الدورية. وكانت الطائرات الفرنسية تحلق على علو منخفض فوق المساجد في أوقات الصلاة. وكانت المدافع الرشاشة تنصب بشكل ظاهر فوق سطوح المباني(81).‏

وكانت ردة الفعل السورية شديدة في الأوساط الرسمية والشعبية. فقد اجتمع المجلس النيابي السوري بين 20و26/5/1945 ورفض رغبة فرنسا في الحصول على مركز ممتاز. وكذلك فعل المجلس النيابي اللبناني(83).‏

وأضربت سورية إضراباً عاماً احتجاجاً على مطالب فرنسا وعلى إرسال التعزيزات العسكرية. وكانت مقالات الصحف ومظاهرات شعبية داعية إلى استلام الجيش. وبدأت الاصطدامات بين الفرنسيين والسوريين في مختلف المدن بين 19و27/5/1945.‏

فقد أرادت السلطة الفرنسية إرهاب السوريين لإجبارهم على قبول مطالبها، فوضعت دباباتها ومدافعها في الشوارع. وقد حدث اشتباك حول محطة حماة ووقعت اصطدامات في حلب(84)، وفي حمص قام عدد من الشباب بإطلاق النار على بعض المواقع العسكرية.‏

وفي 22/5/1945 أصدر الجنرال (اوليفا روجيه Oliva Roget) (وكان ضابط استخبارات في دمشق باسم الكابتن اوليفا، وأصبح قائد الجيش الفرنسي بدمشق) بلاغاً مفصلاً بالاجراءات العسكرية المقرر اتخاذها ضد ثورة الشعب. وأشار إلى استخدام قوات المتطوعة من الشركس وغيرهم من الأقليات. وأشار إلى أنه لايمكن الاطمئنان إلى المتطوعة العرب(85).‏

وماكادت تنتشر في أقطار العالم وسائل العنف التي لجأ إليها الفرنسيون لنيل امتيازات من السوريين حتى عم الاستنكار لها. فقد أذاعت الحكومة البريطانية مذكرة في27/5/1945 أنها تنظر باهتمام إلى حالة القلق التي تنتشر في الأيام الأخيرة في سورية ولبنان ولاسيما في سورية، وقدمت الحكومة الأمريكية مذكرة إلى الحكومة الفرنسية في 28/5/1945 أكدت فيها أن الناس في الولايات المتحدة وغيرها يشعرون بأن فرنسا تستعين بالقوة لتنال من سورية ولبنان امتيازات سياسية وثقافية .‏

أما الحكومة الفرنسية فقد نشرت في 28/5/1945 مذكرة قالت فيها : " إنها تتابع باهتمام شديد الأحداث التي وقعت في سورية ولبنان منذ بضعة أسابيع، التي اتخذ مسببوها حجة حركات الجنود الفرنسية بعد أن أصبح عددها ضئيل جداً. على أنه لم تكن الغاية من هذه الحركات إلا التبديل والتثبيت وليس لدينا استعدادات أكثر من قبل في هذه الأرجاء. والحكومة الفرنسية تأسف أن الحكومة السورية والحكومة اللبنانية اغتنمتا هذه الفرصة لرفض المفاوضات التي كان الجنرال بينه قد عهد إليه بها للوصول إلى اتفاق عام ".‏

وأشارت المذكرة إلى أن فرنسا هي التي أعلنت استقلال سورية ولبنان وهي التي تقترح أن تنظم الشروط التي تضمن ذلك نهائياً بالنسبة لهما. وأخيراً هي التي أقامت البرهان على إخلاصها بحمل الأمم المتحدة على دعوة سورية ولبنان للاشتراك في مؤتمر سان فرانسيسكو(86).‏

وفي مساء 29/5/1945 بدأ الجنود الفرنسيون بإطلاق النار على السكان في دمشق، كما أن الطائرات أخذت تطلق قذائفها على المدينة فأصابت إحداها قسم السجون في القلعة فهدمته وقتلت عدداً كبيراً من المسجونين. وكان من أشنع مافعله جنود فرنسا محاصرة البرلمان وإطلاق الرشاشات والقنابل والمدفعية عليه وقتل حاميته والتمثيل بأفرادها. وكان ذلك في وقت لم تعقد فيه جلسة كانت مقررة. ثم هاجمت المؤسـسات الرسمية. واستمر إطلاق النار في سائر المدن السورية، حمص وحماة وحلب وغيرها بوحشية لم تعرف البلاد لها مثيلاً(87).‏

وكانت الأنباء ترد على وزارة الخارجية البريطانية من الشام بأن الحالة تزداد فيها حرجاً وشدة. والبرقيات التي ترسل من دمشق أو بيروت تصل متأخرة ومنها برقية أرسلتها الحكومة السورية إلى بعثاتها في لندن وباريس وواشنطن وإلى وفدها في سان فرانسيسكو، وقد جاء فيها أن دمشق وحمص وحماة وحلب ظلت تنسفها الطائرات والمدافع والدبابات، فعظم الدمار وذهبت مئات الضحايا، وأطلقت القنابل على البرلمان، والنيران تشتعل في كل مكان فاحتجوا بشدة، وكان مصدر البرقية بيروت.‏

ولما لم يعد بإمكان الحكومة السورية السيطرة على الموقف طلبت من بريطانيا التدخل وإعادة الأمن والنظام.‏

وعلى إثر برقية تلقاها وزير سورية المفوض في لندن (نجيب الأرمنازي) من الحكومة السورية في 29/5/1945 أرسل مذكرة إلى وزارة الخارجية البريطانية وجه فيها أنظارها إلى حقيقة الوضع في تلك البلاد وأن الحالة فيها أصبحت على غاية الخطر، ولامناص من تدخل الحكومة البريطانية لحمل الفرنسيين على الانسحاب حالاً من المدن وتسليم الكتائب الخاصة للحكومة السورية، فأجابته وزارة الخارجية البريطانية في 30/5/1945 أن المستر ايدن نفسه سيجيبه بأقرب وقت(88).‏

ولما تفاقم الأمر في 29،30/5/1945 صرح ايدن (إن الموقف خطير في سورية ... وليس من عذر يجعل الحوادث تتطور في سورية ولبنان حتى تعرقل سير الحرب في الشرق الأقصى. وقد أردنا أن نظهر لحلفائنا الفرنسيين أننا كنا مستعدين لسحب جنودنا حتى يتم بينهم وبين سورية ولبنان اتفاق، ونحن نصرح بأننا لانريد أن نحل محل فرنسا في المشرق".‏

وفي 31/5/1945 أعلن وزير الخارجية البريطانية ايدن أن تشرشل رئيس الوزراء البريطاني وجه رسالة إلى الجنرال ديغول قال فيها : "إننا بسبب الموقف الخطير الذي حدث في سورية بين جنودكم ودول المشرق، والمعارك العنيفة الدامية التي جرى اشتباكها، أعطينا الأوامر إلى القائد العام في الشرق الأوسط، مع بالغ الأسف، أن يتدخل حتى يحول دون استمرار سفك الدماء، حرصاً على صيانة الأمن في الشرق الأوسط الذي هو منطقة المواصلات لحرب اليابان. وحرصاً على تجنب الاشتباك بين القوى البريطانية والقوى الفرنسية ندعوكم حالاً لتأمروا الجنود الفرنسية بوقف إطلاق النار والانسحاب إلى ثكناتها. ومتى أوقف إطلاق النار وأعيد النظام فنحن مستعدون لمناقشة ثلاثية في لندن للوصول إلى تسوية سلمية تشترك الحكومتان السورية واللبنانية في مذكراتها " .‏

وأضاف ايدن أن الرئيس والحكومة السورية بعثا إلى الحكومة البريطانية بدعوة يذكرانها بأنها كانت قد ضمنت استقلال سورية ولبنان، طالبين إليها أن تتدخل حتى تجري المفاوضات بين فرنسا وسورية ولبنان في جو حر لاإكراه فيه ولاضغط.‏

وقد توقف إطلاق النار بعد ظهر 31/5/1945(89). وقدر السوريون ضحابا هذه الأحداث بنحو 500 قتيل و1400 جريح. ولقد كان هذا الإنذار البريطاني بفوق بكثير في أسلوبه وفي مضمونه إنذار تشرين الثاني 1943 الذي وجه بمناسبة الصدام في لبنان(90).‏

وفي يوم الجمعة 1/6/1945، قام الجنرال (باجيت) القائد العام للقوات البريطانية في الشرق الأوسط برفقة مستر (الن شو) وزير بريطانيا المفوض في سورية، والجنرال (بيلون) قائد سلاح الجو، بزيارة الرئيس القوتلي المريض في داره، وأبلغوه قرار رئيس الوزارة البريطانية للتدخل العسكري لوقف القتال وحقن الدماء.‏

وصدرت الأوامر لقطعات الجيش البريطاني وفرقه الميكانيكية باحتلال المدن الرئيسية والمراكز الفرنسية. وجرى ذلك واستقر الأمن وحظر على أي فرنسي ضابطاً كان أم جندياً الخروج من مكان إقامته إلا تحت حراسة بريطانية وفي حالة الضرورة القصوى(91). فقد قامت القوات البريطانية بحماية انسحاب الجنود الفرنسيين من نقمة الشعب.‏

وفي لندن أعلن المستر ايدن في 1/6/1945 أن القائد الفرنسي أبلغ القائد البريطاني أنه تلقى الأوامر من باريس أن لايعارض قيادة الشرق الأوسط.‏

واندفع الفرنسيون بعد ذلك ينتقدون البريطانيين أشد انتقاد، ويقولون إنهم أرسلوا الأوامر لوقف الخصومات قبل وصول رسالة تشرشل (الإنذار). وألقى الجنرال ديغول في 2/6/1945 خطبة في المجلس النيابي استعرض فيها حقوق فرنسا وخططها. ودافع عن أساليبها ومناهجها. كما أعلن المسيو بول بونكور رئيس الوفد الفرنسي في الأمم المتحدة، بأن فرنسا باقية الآن ومسؤولة عن النظام والقانون في الأراضي السورية واللبنانية، تبعاً للتعهدات الدولية التي لاتنقض من جانب واحد. وأمل الوصول إلى تسوية مرضية. وأنكر الوفد السوري مدعيات الفرنسيين في سان فرانسيسكو وقام ببث الدعوة لقضية البلاد السورية في الصحف وأندية المؤتمر(92).‏

وعلى كل حال فإنه يمكن الاستنتاج من هذه الأحداث أن الحكومتين السورية واللبنانية باتتا مقتنعتين كل الاقتناع بأنهما لاتستطيعان استئناف المفاوضات مع فرنسا طالما أن قواتها ترابط في البلدين. وكان الدرس الذي تعلمته الجمهوريتان في تجاربهما مع فرنسا طوال السنوات الأربع السابقة هو أن (لامفاوضات قبل الجلاء). ولم يلبث هذا الشعار يتردد على ألسنة عدد من الدول العربية الأخرى.. ففي 7/6/1945 تبنى مجلس جامعة الدول العربية القرار: " إن المجلس يؤيد مطالبة سورية ولبنان بجلاء القوات الفرنسية فوراً عن أراضي الجمهوريتين(93).‏

والأمر الثاني الذي تعلمته الحكومتان هو أنه لم تكونا ترغبان في انسحاب القوات البريطانية قبل القوات الفرنسية في حالة بدء الجلاء، إذ من الذي يستطيع أن يمنع القوات الفرنسية من بدء قتال جديد؟. إذن لابد وأن تقوم القوات الفرنسية والقوات البريطانية بالجلاء الواحدة بعد الأخرى على التوالي(94).‏

وفي 24/6/1945 قدم المسيول بول بونكور إلى رئيس المؤتمر بسان فرانسيسكو مذكرة قال فيها : إن فرنسا واثقة بميثاق الأمم المتحدة، وطلب تأليف لجنة من الدول التي لم يكن لها علاقة بحوادث الشرق، ولامصلحة مباشرة أو غير مباشرة، لتقوم بتحقيق في مصدر الأحداث التي جرت في سورية ولبنان أو المساعدة على الوصول إلى تسوية ودية للخلاف. وأعاد طلبه مرة ثانية للقيام بتحقيق عادل(95).‏

ثم رأت فرنسا بعد الكارثة التي حلت بهيبتها في حوادث 29 أيار 1945 أنها مضطرة أن تزيل العقبة التي وقعت في سبيل المفاوضات علها تستطيع أن تظفر ببعض الامتيازات من الحكومتين السورية واللبنانية.‏

ولقد رفضت الحكومة السورية كل اتصال بالفرنسيين بعد حوادث العدوان. وجاء الكونت استروروغ يحمل مقترحات جديدة تتعلق بتسليم القطع الخاصة وانسحاب القوات الفرنسية والبريطانية معاً. فلم يستطع مفاوضةدمشق وإنما استطاع أن يبحث مع اللبنانيين(96).‏

وفي 8/7/1945 جرت مفاوضات في لبنان حول الوحدات العسكرية المحلية وأجيبت الدولتان السورية واللبنانية إلى ماأرادتاه في إنشاء جيش وطني، وأعلنت الحكومة الفرنسية المؤقتة أنها سعيدة بأن ترى سورية ولبنان متمتعتين بجميع خصائص السيادة لتقوما بالدور الذي يعود إليهما في مجموعة الأمم المتحدة، ولذلك حولت إليهما هذه الوحدات حتى يتم نقلهما في مدة لاتتجاوز (45) يوماً(97).‏

وقد سلمت الفرق الخاصة إلى الحكومة اللبنانية بأسلحتها وذخائرها في 1/8/1945 وهو اليوم الذي يحتفل فيه لبنان بعيد الجيش(988). وتسلمت سورية القطعات الخاصة والمصالح الأخرى قبل 14/8/1945، وأصبح تحت إمرتها جيش وبدأ تشكيل الجيش السوري الوطني. وجرت مفاوضات العسكريين في باريس بين 2-6/3/1946 فحدد ميعاد الجلاء بالنسبة لسورية في أواخر نيسان 1946. وانسحبت جيوش فرنسا من سورية بعد العدوان مكرهة بصورة لاتشرفها، ولكنها تجمعت في أراضي لبنان، بينما لازالت الجيوش الانكليزية مرابطة في الأراضي السورية. وكان يخشى عودة الفرنسيين من المناطق اللبنانية المجاورة إذا سنحت الفرصة. ولذلك لم تكن سورية لتطمئن على استقلالها مالم يغادر آخر جندي فرنسي أرض لبنان.‏

وهكذا خرج الفرنسيون من البلاد السورية تحت ضغط الانكليز. وانتقل الجيش السوري بصورة طبيعية إلى الحكومة السورية(99). ولو أنهم تنازلوا عن القوات السورية وسلموها من قبل لما حصلوا على أية امتيازات أيضاً.‏

ولقد تركت فرنسا وراءها في سورية ولبنان دماء كثيرة ومرارة في النفوس الأمر الذي دفع جميع الدول العربية أن تدينها بالعدوان لأنها أحرقت دمشق التاريخية(100).‏

8- وحـدة سـورية ولبنان في طلب الجلاء :‏

بعد انتهاء عدوان أيار 1945 وتسليم فرنسا الفرق السورية واللبنانية إلى الحكومتين. بدأت مرحلة المطالبة لجلاء القوات الأجنبية.‏

فلقد استخلص السوريون من نهاية الحرب العالمية الثانية (في أوروبا في 8/5 ومع اليابان في 14/8/1945) نتيجة أخرى مضادة لموقف فرنسا، وهو أن الظروف الجديدة تسمح لهم بالمطالبة بالاستقلال التام والجلاء وهو ماكانوا يسكتون عليه طالما بقي الصراع الدولي قائماً. وصارت الفرصة سانحة للمطالبة بالجلاء دون الاضطرار إلى عقد معاهدة غير متكافئة كما حدث في البلدان العربية الأخرى كالعراق ومصر. ومن ثم الوصول إلى الاستقلال التام غير المقيد بمعاهدة(101).‏

وأثناء تقديم رئيس الوزراء فارس الخوري في 14/8/1945 إلى المجلس النيابي السوري، بياناً عن رحلته إلى مؤتمر سان فرنسيسكو، أشار إلى استلام الجيش السوري والمصالح الأخرى وبدء الاتفاق على الجلاء العسكري للقوات الأجنبية. وفي جلسة 20/8/1945 قدم بياناً عن خطة الوزارة في سياسة الاستقلال والسياسة الخارجية والتمثيل السياسي والجيش. واعترض عدد كبير من النواب على مشروع قانون استلام الجيش السوري. وفي بيانه بجلسة 28/8/1945 تحدث عن استكمال الاستقلال والتمثيل الخارجي والجيش والمصالح المشتركة. وقد أصر أحد النواب على معرفة المدة التي تحددها الوزارة لجلاء آخر جندي أجنبي عن البلاد. فلم يستطع تحديد موعد(102).‏

لقد باتت الحكومتان السورية واللبنانية مقتنعتان كل الاقتناع بأنهما لاتستطيعان استئناف المفاوضات مع فرنسا طالما أن قواتها ترابط في البلدين. وكان الدرس الذي تعلمته الجمهوريتان من تجاربهما مع فرنسا طوال السنوات الأربع السابقة هو أن "لامفاوضات قبل الجلاء" ولم يلبث هذا الشعار يتردد على ألسنة عدد من الدول العربية الأخرى.‏

كما أن الحكومتين السورية واللبنانية لم تكونا ترغبان في انسحاب القوات البريطانية قبل القوات الفرنسية في حالة بدء الجلاء، إذ من الذي يستطيع عندئذ أن يمنع القوات الفرنسية من بدء قتال جديد، إذن لابد وأن تقوم القوات الفرنسية والقوات البريطانية بالجلاء الواحدة بعد الأخرى على التوالي(103).‏

ولكن الحكومة الفرنسية لم تيأس من الاحتفاظ ببعض مصالحها في المشرق أو بإيجاد منافذ لسياستها رغم مالقيته على إثر حوادث أيار 1945 (وكانت الحرب العالمية الثانية قد انتهت بإنتهاء الحرب مع اليابان في 14/8/1945)، فسنحت الفرصة للمسيو بيدو (Bidault) وزير خارجية الحكومة الفرنسية المؤقتة أن يتحدث مع المستر بيفن في أثناء انعقاد اجتماع وزراء خارجية الدول الخمس في لندن في شهر أيلول 1945. ثم استمرت المذكرات بالطرق الدبلوماسية(104). فلقد كان الفرنسيون يعارضون إخراج قضية سورية ولبنان إلى المجال الدولي، ثم تحولوا بعد الضربة التي حلت بهيبتهم في أيار 1945 إلى فكرة تدويل القضية، وعرض بيدو، أن يطرح موضوع علاقات الدول العربية المختلفة بكل من بريطانيا وفرنسا على الدول الخمس الكبرى أو الأمم المتحدة. ورفضت الولايات المتحدة الفكرة بحجة أن هذا الموضوع معقد لاتتحمله المنظمة الدولية الناشئة(105).‏

ولقد اتسع نطاق الخلاف فأصبح يشمل كل من بريطانيا وفرنسا الموجودتان في سورية ولبنان كاحتلال ثنائي، فكانت بريطانيا توافق على الجلاء شريطة أن تقام هيئة دفاع مشترك للشرق الأوسط، وكأن بريطانيا أرادت هي الأخرى أن تساوم على استقلال سورية ولبنان بإقامة هذه الهيئة التي كان من شأنها أن تؤكد النفوذ البريطاني في الشرق العربي .‏

وقد أوضحت بريطانيا سياستها الجديدة في تصريح 13/12/1945 الذي كان يمثل اتفاقاً بين فرنسا وبريطانيا (عسكري وسياسي).. وقد ورد بالبلاغ أن الاتفاق مستلهم من الرغبة في إزالة كل خلاف بين الدولتين إزالة مطلقة، وتجنب كل مايسيء إلى علائقهما التي تريد الدولتان أن تكون أكثر وثوقاً، في حدود التعاون الدولي، والرخاء الاقتصادي والسلامة لشعوب الشرق الأوسط .‏

وقد رأت الدولتان حباً بضمان ممارسة لبنان وسورية الاستقلال الذي أعلنته فرنسا في سنة 1941 وثبت باشتراك الدولتين في الأمم المتحدة، وتبعاً للنتائج الطبيعية لانتهاء الحرب وعلاقة ذلك بأوضاع الحلفاء العسكرية في الشرق، أن تدرسا شروط تنظيم قواهما العسكرية وانسحابها في هذه المنطقة.‏

وتحقيقاً لهذه الغاية سيجتمع في بيروت الخبراء العسكريون البريطانيون والفرنسيون في 21/12/1945 لتحديد وقت قريب جداً لاتخاذ تدابير الجلاء الأولى تدريجياً وتقترن بعمليات تجميع للقوات. ونص الاتفاق على شرط الاحتفاظ بقوة كافية في المشرق لضمان السلامة العامة حتى تقر الأمم المتحدة تنظيم الأمن المشترك في هذه المنطقة. وبانتظار تنفيذ هذه الترتيبات تحتفظ الحكومة الفرنسية بقوات تتجمع في لبنان(106).‏

وبلغت وزارة الخارجية البريطانية الاتفاق إلى الحكومتين السورية واللبنانية، واستدعت أيضاً الوزير اللبناني المفوض في لندن (كميل شمعون) والوزير السوري المفوض (نجيب الأرمنازي)، فكان جوابهما استنكاراً، وعد الاتفاق شبيهاً بالاتفاقات السابقة التي عقدتها فرنسا وبريطانيا كاتفاق 1904 واتفاق 1919 اللذين لم يكونا في مصلحة البلاد الشرقية .‏

ولم يكن لهذا الاتفاق وقع طيب لددى الحكومتين السورية واللبنانية وعارضتاه وانتقدتاه لسببين : أولهما أن الاتفاق جعل الأمن في هاتين الدولتين اللتين تتمتعان بالسيادة منوطاً بدول خارجية. وثانيهما أن الاتفاق عقد بدون اشتراك الدولتين اللتين يعنيهما الأمر مباشرة. وأما تشجيع الرخاء الاقتصادي فهو يعني السيطرة الاقتصادية وايجاد مناطق نفوذ. وقد تظاهر الطلاب الوطنيون في دمشق وحلب وبيروت ضد هذا الاتفاق(107).‏

على كل حال فإن هذا الاتفاق لم يكن يعني وجود اتفاق تام بين الدولتين المحتلتين، فقد فهمت فرنسا أن بريطانيا ستنسحب من كلا القطرين بينما تبقى القوات الفرنسية وحدها في لبنان. وأعلن الانجليز أنهم لاينوون الانسحاب وحدهم في أي حال من الأحوال. ومرة ثانية استفادت كل من سورية ولبنان من هذا الخلاف(108). ففي 15/12/1945 أجابت الحكومة البريطانية بالموافقة على طلب الحكومتين السورية واللبنانية في بقاء الجنود البريطانية مابقيت الجنود الفرنسية(109).‏

وفي 26/12/1945 أصدرت المفوضية اللبنانية في باريس بياناً قالت فيه : إن لبنان يطالب بالانسحاب الكامل لجميع القوات الأجنبية المرابطة في أراضيه على التوالي.. ويرفض أن يكون رأس جسر موجه ضد الأقطار العربية. ولذلك طوي أمر هذا الاتفاق ولم يعش إلا أسابيع، وعجز الخبراء العسكريون البريطانيون والفرنسيون أن يتفقوا بشأنه بعد أن اجتمعوا في بيروت لتنفيذ شروطه، وذلك بسبب تباين وجوه الرأي فيه عند الفريقين(110).‏

وفي 31/12/1945 ازدادت حدة التوتر في لبنان بسبب إنزال (210) جندي فرنسي في بيروت بحجة أنهم جاؤوا ليحلوا محل غيرهم. وقد أثارت هذه العملية الشكوك وذكرت بالماضي وبالأحداث التي سببها وصول قوات فرنسية إلى بيروت والتي أدت إلى نشوب أزمة شهر أيار الماضي. وقد رافق نزول هؤلاء الجنود الفرنسيين وصول الجنرال (اوليفاروجيه) إلى مطار المزة قرب دمشق، وقد كان مسؤولاً عن قصف العاصمة السورية أثناء تلك الأزمة. وأوضح فيما بعد أن بيروت كانت وجهته حيث يريد أن يجمع حوائجه وأمتعته الشخصية التي اضطر إلى تركها عندما طلب منه أن يغادر البلاد في شهر حزيران السابق.‏

غير أن الشائعات التي أثارتها هذه المصادفة، وماقيل من أن القوات التي وصلت حديثاً هي قوات سنغالية، دفعت الطلاب الوطنيين وغيرهم إلى القيام بإضراب عام في كل من دمشق وحلب وبيروت(111).‏

9- انتســاب سورية ولبنان إلى الأمم المتحدة :‏

في مؤتمر يالطا بالقرم (4-11/2/1945) بين روزفلت وستالين وتشرشل، الذي تم فيه الاتفاق على عقد مؤتمر للأمم المتحدة في سان فرنسيسكو في 25/4/1945، فقد اشترط للاشتراك في المؤتمر أن يقتصر على الدول التي تكون قد أعلنت الحرب على دول المحور قبل 1/3/1945. وأحاط الجنرال ادوارد سبيرز سفير المملكة المتحدة لبنان علماً بذلك، وإبلاغ سورية أيضاً. وكانت الحرب على وشك الانقضاء في الغرب. غير أن اليابان كان من المنتظر أن تقاوم طويلاً، ولابد حينئذ من استمرار المجهود الحربي للدول المتحالفة. ولكنها بعد أن سلمت ألمانيا في أيار 1945، وأصبحت وحدها في معترك القتال، واشتدت عليها وطأة الحرب وأوقعت فيها الذعر القنبلتان الذريتان اللتان فتكا فيها فتكاً ذريعاً، لم تجد مناصاً من التسليم بدون قيد أو شرط بعد أن حاولت التخلص من ذلك.‏

وجرى الاتفاق مع حكومة لبنان أن يصير إعلان الحرب في وقت واحد فوافق المجلس النيابي السوري في 26/2/1945 على إعلان الحرب على دول المحور. ولم يكن هذا الإعلان إلا شكلياً. وكذلك فعلت الحكومة اللبنانية أيضاً إذ طلبت من المجلس النيابي إعلان الحرب على المانيا واليابان فوافق وأصدر قراراً بهذا الشأن في 27/2/1945 يقول : " إن لبنان يعتبر في حالة حرب مع الرايخ الألماني والامبراطورية اليابانية "(112).‏

وفي 25/3/1945 وجهت الولايات المتحدة أصالة عن نفسها ونيابة عن بريطانيا والاتحاد السوفيتي والصين دعوة إلى الدول المحاربة في صف الحلفاء لحضور مؤتمر سان فرانسيسكو. ولم تدع سورية ولبنان إليه، فقامت الحكومتان بالمساعي الدبلوماسية المشتركة حتى أن فرنسا نفسها رددت القول بأنها طلبت إشراك سورية ولبنان في المؤتمر، فلقد ذهب وزيرا سورية ولبنان المفوضين في لندن معاً (الدكتور نجيب الأرمنازي والسيد كميل شمعون) إلى وزارة الخارجية البريطانية وقدما مذكرة إلى السر الكسندر كادوغان سكرتير وزارة الخارجية الدائم يطلبان فيه ذلك. وقد أوضحا أن سورية ولبنان أعلنتا الحرب على ألمانيا قبل أول آذار من هذه السنة، وأنهما وافقتا على تصريحات الأمم المتحدة. وقد قبلت الحكومة البريطانية أن تفاوض الولايات المتحدة بالأمر. ولذا فقد وجهت الدعوة إلى سورية ولبنان لحضور المؤتمر في أواخر آذار من وزارة الخارجية الأمريكية. وتلقت الحكومة اللبنانية الدعوة في 31/3/1945. وكان لبنان يأمل من انتسابه إلى الأمم المتحدة العمل على تعزيز وتثبيت استقلاله(113).‏

وسافر الوفد السوري مع الوفد اللبناني من مطار بيروت في 23/4/1945. وبدأت المباحثات في 25/4/1946 وانتهت في 26/6/1945.‏

وكان وفد لبنان إلى مؤتمر سان فرانسيسكو يعني (كالوفد السوري) بتأمين ظروف مواتية لتحقيق جلاء قوات الاحتلال الفرنسية. ولذلك أيد الاقتراح المصري الخاص بإضافة فقرة إلى الفصل 11 من مقترحات (دمبرتون اوكس 20/8 - 7/10/1944 التي تقرر فيها إنشاء هيئة الأمم المتحدة) وهي : "إن الدول الأعضاء في المنظمة تتعهد باحترام سلامة أراضي جميع الدول الأعضاء في المنظمة واحترام استقلالها السياسي". وكانت الغاية من إدخال هذا التعديل تأمين انسحاب القوات العسكرية الفرنسية من سورية ولبنان وغيرها من البلاد العربية. ورفض هذا التعديل .‏

كما اعترض وفد لبنان وسائر الوفود العربية على فقرة خاصة بنظام الوصاية الدولية وفشل اقتراح التعديل. كما فشل لبنان والدول العربية الأخرى في تعزيز سلطة الجمعية العامة للأمم المتحدة مقابل مجلس الأمن الذي تسيطر عليه الدول الكبرى. كما فشل لبنان والدول العربية عند بحث البنود المتعلقة بنظام الوصاية الدولية، في إجراء تعديل على إحدى الفقرات لضمان حقوق أي بلد مالم يوفر أي تأكيد أو تطمين بأن قضية فلسطين وغيرها من القضايا العربية ستحل بصورة عادلة(114).‏

ومن الفوائد التي نجمت عن اشتراك سورية ولبنان في المؤتمر أن المستر (ستاسن) ممثل الولايات المتحدة صرح في اجتماع الدول الخمس العظمى أن الدول الممثلة في المؤتمر يجب ألا تدخل في نظام الوصاية أو مايشابهه. واتخذ اللورد كرامبون (اللورد سلسبري فيما بعد) موقفاً مماثلاً في تصريح له. ولما قوبل بيان المستر (ستاسن) بصمت في اجتماع الدول الخمس العظمى، أعلن أنه كان يقصد بما أدلى به ايضاح وجهة نظر أمريكية في شأن سورية ولبنان(115).‏

ولم يمارس مجلس الوصاية مهمته إلا في آذار 1947 ولم يكن له أي وظيفة بالنسبة إلى الانتدابات التي لم تكن خاضعة لاتفاقية الوصاية.‏

ووقع الوفد السوري واللبناني ميثاق الأمم المتحدة في 26/6/1945. وعاد الوفدان واستقبل الوفد السوري في بيروت استقبالاً رسمياً من قبل حكومة لبنان.‏

وفي أثناء مناقشة المجلس النيابي اللبناني لإبرام الميثاق، تباينت الآراء حوله حيث رأت فيه لجنة الشؤون الخارجية محاولة للسيطرة من قبل الدول الكبرى الخمس على العالم. ولكنهم ركزوا على أن لبنان كسب الاعتراف باستقلاله من قبل هيئة الأمم المتحدة البديلة لعصبة الأمم، إذ أنهت المادة (78) من الميثاق الانتداب الفرنسي وادعاءات فرنسا(116). وقد تم حل عصبة الأمم رسمياً في 18/4/1946.‏

10- شكوى سورية ولبنان إلى الأمم المتحدة من أجل الجلاء :‏

ولما كان اتفاق فرنسا وبريطانيا في 13/12/1945 قد أثار الحذر والخوف في سورية ولبنان، وكان أمر الجلاء الذي ينبغي تقريره سريعاً معلقاً في بعض نواحيه بحسب هذا الاتفاق على ماتقرر هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، فلا مناص للدولتين من الرجوع إليهما بحسب المادة(35) وغيرها حتى يبت في الموضوع بصورة تنطبق على الحق والعدل، وتثبت احترام المبادىء التي سجلها الميثاق(117).‏

ففي 28/12/1945 أعلن رئيس وزراء لبنان سامي الصلح أن وفد لبنان إلى الجمعية العامـــة للأمم المتحــــدة التي ســـتعقد اجتماعاتهــــا في لنــــدن في شهر كانـــون الثانـــي 14/1-18/2/46، قد خول السلطة لإثارة مسألة الاحتلال البريطاني الفرنسي لبلاده.‏

وفي 10/1/1946 سلمت الحكومتان السورية واللبنانية مذكرة مشتركة إلى كل من بريطانيا وفرنسا تطالبان فيها بسحب قواتهما بسرعة وبصورة تامة. وكان الاجتماع الأول للجمعية العامة للأمم المتحدة سينعقد في لندن 10/1/1946 .‏

وفي 19/1/1946 أخبر فارس الخوري ممثل سورية لدى الجمعية العامة أن الوفد السوري يكتفي في الوقت الحاضر بمجرد لفت انتباه الجمعية إلى هذا الأمر ويأمل الوفد أن يحل انسحاب مبكر للقوات الأجنبية .‏

وفي 4/2/1946 وجه رئيسا الوفدين السوري واللبناني رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة استنكرت إبقاء القوات الأجنبية بعد انتهاء الحرب واتفاق 13/12/45 ويعرضان النزاع على مجلس الأمن لإقرار انسحاب كامل وعاجل للقوات الأجنبية من الأراضي السورية واللبنانية(113). وأثناء الاجتماع الأول للجمعية العامة، جرت مفاوضات واتصالات (لبنانية فرنسية) و (فرنسية بريطانية) وتقرر أن يعقد اجتماع في وزارة الخارجية البريطانية في 13/2/1946 حضره المستر بيفن والكسندر كادوغان ومدير قسم الشرق الأوسط ورئيس الوفد السوري فارس الخوري وكميل شمعون وزير لبنان المفوض في لندن ووزير سورية المفوض نجيب الأرمنازي.. وقد بحث عن إمكانية الاتفاق بين السوريين واللبنانيين مع الفرنسيين على موضوع الجلاء وتحديد الزمن اللازم له. وانفض الاجتماع بانتظار تبليغ سورية ولبنان رأيهما النهائي إلى بريطانيا ليحمل إلى الفرنسيين. وفي نفس اليوم أبلغ السوريون واللبنانيون المبادىء الأساسية التي يوافقون عليها وهي الجلاء التام عن سورية ولبنان وأن لايكون معلقاً على أي قرار من الأمم المتحدة أو مجلس الأمن ولاعلى أي شرط. وأبلغ البريطانيون السفير الفرنسي بذلك .‏

وفي اليوم التالي 14/2/1945 عقد اجتماع حضره أيضاً حميد فرنجية وزير الخارجية اللبناني ووزير الخارجية الفرنسية (بيدو) والسفير الفرنسي (ماسيغلي) والكونت استروروغ. وأصر الفرنسيون على اتفاق 13/12/45 ولم يتم اتفاق على الموضوع(119).‏

وبدأت مناقشات مجلس الأمن في 14/2/1945-16/2/1945 بشأن طلب سورية ولبنان جلاء القوات الأجنبية. وتحدث ممثلا سورية ولبنان فأكدا أن لاحاجة لوجود قوات أجنبية لانتهاء الحرب، وهذا ضد إرادة الشعبين والحكومتين. وعارضا اتفاق 13/12/45. ورد وزير الخارجية الفرنسي فذكر أن سياسة فرنسا السير بالدولتين نحو الاستقلال التام وطلب موافقة المجلس على اتفاق 13/12/45. وكذلك برر وزير الخارجية البريطاني عقد الاتفاق من أجل الأمن والسلام. فرد حميد فرنجية (بالفرنسية) وزير خارجية لبنان فقال : "إن الأمن الداخلي من شأن الحكومتين وحدهما. والأمن الدولي مضمون لأن الجمهوريتين محاطتين بدول صديقة عقدت فيما بينها ميثاق الجامعة العربية. إن اضطراب الأمن الوحيد الذي يمكن أن ينشأ في تلك المنطقة هو نشوب قتال بين القوات الفرنسية والأهالي. كما ذكر أنه لن يكون أي امتيازات بموجب الانتداب الذي مات. وتكلم الخوري بالانكليزية فاستعرض القضية. وأخيراً تم تقديم مشروع قرار أمريكي فاز بسبعة أصوات، وامتنعت فرنسا وبريطانيا عن التصويت، ونقضه المندوب السوفيتي لأن التعديلات التي طلبها لم تقبل وهي تطلب سحب القوات فوراً. ومع ذلك فقد أعلن وزيرا خارجية فرنسا وبريطانيا عن عزمهما على تنفيذ القرار كما ورد عند التصويت(120).‏

وهكذا تبين أن بريطانيا غير متمسكة بالاحتلال، وعلى ذلك تحرج مركز فرنسا واضطرت للخضوع إلى قرار أغلبية المجلس.‏

وبعد انتهاء مجلس الأمن من بحث قضية الجلاء، عقد اجتماع في وزارة الخارجية البريطانية ضم رئيسا الوفدين السوري واللبناني ووزيراهما المفوضين في لندن. فتحدث البريطانيون عن الجلاء المقرر وأنه أمر مفروغ منه. وبحث (بيفن) عن شؤون لبنان وظروفه المختلفة، وذكر شيئاً عن اتجاهات الفرنسيين وحرصهم على أن تجري المفاوضات في باريس، وهي ستكون مباحثات بين الخبراء العسكريين ومقتصرة على الجلاء ..‏

وقد تعرض بيفن إلى موضوع نصارى لبنان ومايدعيه الفرنسيون في ذلك، فكان جواب رئيسي الوفدين السوري واللبناني قاطعاً. فذكر الأول أن دعوى حماية النصارى مضرة بالنصارى أنفسهم لأنها تجعل الأكثرية الإسلامية تنظر إليهم نظرة عداء باعتبارهم سبباً لتدخل الأجنبي في ديارهم. عدا عن أن هذه الحجة إنما هي لتبرير بسط الحكم والسيطرة، إذ لايوجد في كثير من البلاد التي احتلها الفرنسيون في آسيا وافريقيا نصارى لحمايتهم، ولكن الاستعمار هو الغاية الحقيقية.. وقال رئيس الوفد اللبناني مؤكداً أن محاولة إثارة الخلاف بين المسلمين والنصارى إنما هو ناشىء عن رغبة التفريق بين الطائفتين لمقاومة الفكرة الوطنية. وكان رأي بيفن ان لاتدخل المعتقدات في الأغراض السياسية(121).‏

ثم عقد اجتماعان في 26 و27/2/1946 في المفوضية السورية بلندن، حضره بريطانيون وأكدوا أن بريطانيا مرتبطة بقرار مجلس الأمن الذي نص على الجلاء. وأنه يمكن توفير وسائل النقل البري والبحري للفرنسيين لتأمين سرعة الجلاء.‏

وعلى إثر ذلك قدم رئيسا الوفدين السوري واللبناني كتاباً إلى الأمم المتحدة أعلنا فيه تمسكهما بقرار مجلس الأمن وأنهما سيدخلان في مفاوضات مع فرنسا وبريطانية بشأن الجلاء.‏

وبدأت المحادثات العسكرية بين الفرنسيين والبريطانيين حول الانسحاب في باريس في 1/3/1946 وأسفرت في ظرف ثلاثة أيام عن اتفاق بشأن انسحاب قواتهما من سورية أولا على أن يبدأ الانسحاب في 11/3/1946 وينتهي في 30/4/1946(122).‏

ولكن أعلن في 9/3/1946 أن البريطانيين سوف يغادرون لبنان خلال مدة لاتتجاوز 30/6/1946 وإن قيادة القوات الفرنسية ومعظم الجنود الفرنسيين سينتقلون إلى طرابلس خلال مدة لاتتجاوز 31/8/1946. فقد صرح ناطق بلسان وزارة الخارجية الفرنسية بأن جلاءهم قد لاينتهي إلا في أول نيسان 1947 كحد أقصى. وشدد الناطق الفرنسي على القول، مع شرح مفصل وبكثير من الإسهاب، بأن التأخر لمدة سنة نتج كلياً عن تفاصيل فنية تتعلق بنقل الجنود والمعدات. وأقر الناطق الفرنسي بأنه ليس هناك في لبنان سوى (8000) جندي فرنسي. ولكنه قال أن ماعناه عندما تحدث عن التأخير هو المنشآت الكبيرة ... ولم ترض الحكومة اللبنانية (والحكومة السورية أيضاً رفضت ذلك). وبعد مزيد من المحادثات بين ممثل لبنان والفرنسيين تم الاتفاق على أن تغادر القوات الفرنسية لبنان في مدة لاتتجاوز 31/8/1946 على أن تبقى في البلاد بعثة من (30) ضابطاً فرنسياً و(300) فني للإشراف على جلاء ماتبقى من مواد وأعتدة في مدة لاتتجاوز 31/12/1946(123). وأن يرتدي أفرادها اللباس المدني.‏

وتم الجلاء عن سورية (الجنود والمدنيون) في الساعة العاشرة من يوم 15/4/1946، وأقرت سورية اليوم التالي 17/4 عيداً وطنياً واحتفلت به. وتم الجلاء عن لبنان في 31/12/1946. ولكن اعتبر يوم 22/11/1943 الذي أطلق فيه سراح رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء والمعتقلين الآخرين هو يوم الاستقلال في لبنان. وانتقل البريطانيون إلى فلسطين.‏

وهكذا استطاع السوريون واللبنانيون بفضل وحدة مواقفهما من الوصول إلى الاستقلال التام بجلاء الجنود الفرنسيين والبريطانيين وعدم ارتباطهما بأية معاهدة تمنح امتيازات أو قواعد عسكرية لأية دولة. واتهم الفرنسيون البريطانيين بأنهم هم الذين أخرجوهم.‏

ولكن مع زوال السيادة الأجنبية اختفى الرابط الذي كان يربط البلدين أحدهما بالآخر، أي وحدة السلطة السياسية وماكان يتبعها في مختلف المجالات.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244