|
||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 02:18 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الرابع الوحدة السورية اللبنانية في معركة الاستقلال1943-1946 1- صدام الحكومة اللبنانية مع الفرنسيين في معركة تعديل الدستور لم يزر رياض الصلح ووزارته المندوبية الفرنسية كما جرت عادة الوزراء، ونبذ هذا التقليد يقيناً منه أنه يسيء إلى السيادة الوطنية. وترك هذا الحادث انطباعاً مزعجاً لدى المندوب السامي الفرنسي. وكان الفرنسيون هم الذين يحددون البيانات الوزارية، فلما استفسر (هللو) عما يتضمنه البيان أجيب : (تسعمعونه في المجلس). وأمام المجلس الملتئم في 7/ت1/1943 تلا رياض الصلح بيانه الوزاري (أو وثيقة الاستقلال كما دعاه) وبسط فيه مختلف القضايا التي تهم البلاد فأغضب الفرنسيين لما تضمنه من عبارات اعتبرها المندوب ماسة بالانتداب. مثل "فنحن في مطلع عهد يتطلب منا قلب أوضاع تأصلت مع الزمن"، و "لبنان ذو وجه عربي يستسيغ الخير النافع من حضارة الغرب"، و "تعلمون أن في الدستور اللبناني مواداً لايتفق وجودها وقيام الاستقلال.......". كما تضمن البيان عزماً على اعتماد اللغة العربية لغة رسمية. وبعد يومين من إلقاء البيان، تلقى الصلح في 9/10/1943 من السفير الفرنسي (اعتبرت الحكومة المندوب سفيراً كغيره). كتاباً يقول : "إن الحكومة اللبنانية تخالف صك الانتداب بإحلالها اللغة العربية محل الفرنسية وتخالف نصوص الدستور اللبناني، وإن صك الانتداب لايخول لبنان حق تعديل الدستور منفرداً". فأجابت الحكومة بصراحة وجرأة أنها تعتبر الانتداب غير قائم. فلقد زالت من الوجود عصبة الأمم ومعها الانتداب الفرنسي عملياً أثناء الحرب العالمية الثانية. وبادر الصلح إلى إصدار قرار (13/ت1) بأن جميع المخابرات والمعاملات بين الدوائر الرسمية يجب أن تحرر من الآن فصاعداً باللغة العربية التي هي اللغة الرسمية للبلاد". وتلا هذا القرار تعريب الأوامر العسكرية(1). وكانت قد جرت مفاوضات بين الحكومة السورية والحكومة اللبنانية حول استلام المصالح المشتركة من الفرنسيين واستثمارها، وقدمت الحكومتان السورية واللبنانية مذكرة إلى المسيو هيللو الذي خلف الجنرال كاترو، فاستمهلهما عشرة أيام ريثما يتسنى له حمل هذه المذكرة إلى الجزائر عاصمة الدولة حينئذ(2) للتشاور مع حكومته. وقد طلب هللو مقابل ذلك معاهدة على أساس معاهدة 1936، وأقلقه أن يكون كل من لبنان وسورية قد طلبا منه تحويل المندوبية إلى سفارة(3). ولتحقيق مضمون البيان الوزاري كان لابد من مواجهة مع سلطات الانتداب، وهذا ماتحقق من خلال تعديل الدستور. أما العلاقة مع البلاد العربية فقد تحددت ضمن إطار جامعة الدول العربية. وأدرك الشيخ بشارة الخوري خطورة المرحلة الجديدة بعد إلقاء البيان الوزاري، وخشي أن تلجأ فرنسا إلى تعميق الانقسام المسيحي الإسلامي لتعطيل مسيرة الاستقلال، لاسيما أنها تعتمد على رصيدها التقليدي في حماية المسيحيين وعلى شخصية اميل اده الفاعلة في الأوساط المارونية. ولذلك "حرص على أن يكون تعاونه والكتائب كاملاً، فكان يشرك بيار الجميل في كثير مما يتخذ من مقررات ويحدد من مواقف"(4). وانطلقت حكومة الصلح تخطو الخطوة الأولى في تثبيت دعائم الاستقلال فقررت تعديل الدستور، إلا أن هيللو تمسك بالانتداب ولم يقف مكتوف اليدين، فقابل رئيس الجمهورية في 22/10/1943 ولفت نظره إلى المقاطع التي وردت في البيان الوزاري وحذره من اتخاذ أي موقف يتناقض مع شرعية الانتداب. إلا أن الحكومة اللبنانية لم تأبه للتهديد معتمدة على التأييد البريطاني والعربي وعلى الدعم الشعبي لاسيما وأنها تمارس حقاً من حقوق السيادة. وذهب هللو إلى الجزائر للتشاور مع حكومته .... وفي 5/11/1943 جاء الجواب بصورة غير مباشرة على طلبات الحكومة السورية واللبنانية حول المصالح المشتركة وحول تعديل الدستور اللبناني، فإذا هو بيان صادر عن لجنة التحرير الفرنسية أذاعته المندوبية الفرنسية العامة في بيروت وقد جاء فيه : "إن السلطات الفرنسية لايمكنها الاعتراف بصحة أي تعديل يجري بدون موافقتها، تقيداً منها بالموجبات الدولية التي تعهدت بها فرنسا أمام عصبة الأمم". ومن المسلم به آنذاك أن عصبة الأمم لم يعد لها وجود عملياً(5). وغضباً من طريقة نشر البيان الذي أذاعته لجنة التحرير الفرنسية انتفض رئيس الوزارة للرد على هذه الإهانة، ودعا رئيس الجمهورية لعقد مجلس الوزراء وأحال مشروع تعديل بعض بنود الدستور إلى المجلس النيابي، وأخفقت كل محاولات السلطة الانتدابية لتأخير انعقاد جلسة التعديل. وقبيل انعقاد الجلسة بساعات وردت من هيللو الموجود في القاهرة عائداً من الجزائر، رسالة إلى وكيله (ايف شاتينيو Chataigneau) ليبلغها إلى المسؤولين الللبنانيين بضرورة تأخير الجلسة لأنه يحمل مقترحات هامة، فكان جواب الحكومة أن تعديل الدستور مسألة داخلية ولاشأن للمقترحات الهامة التي يحملها هيللو بها(6). وفي وسط جو من الحماس الوطني انعقدت جلسة المجلس النيابي بعد ظهر الاثنين 8/11/1943 فيما كان آخر وسيط يسلم رياض الصلح رسالة من (شاتينيو). وقرر المجلس تعديل الدستور بإلغائه أو تعديله عشرة مواد. وهي التي تنص على الانتداب أو تلك التي تحتفظ بصلاحيات وامتيازات للمفوض السامي. وانسحب من الجلسة نواب الكتلة الوطنية(7). ويذكر مسعود ضاهر أن النواب الذين كان جلهم من التقليديين ومن غير الراغبين أساساً في تحدي الفرنسيين، اضطروا إلى خوض المعركة الوطنية إلى جانب دعاة الاستقلال وزوال الانتداب الفرنسي(8). وأبرز مانصت عليه المواد المعدلة جعل "لبنان دولة مستقلة ذات وحدة لاتتجزأ وسيادة تامة". ضمن حدود ثابتة واعتبرت العربية "اللغة الوطنية الرسمية"، أما اللغة الفرنسية فتحدد الأحوال التي تستعمل بها بموجب قانون بعد أن كانت رسمية كالعربية فألغيت بذلك الازدواجية. وشددت مواد أخرى على الاستقلال في السياسة الخارجية، وعلى التوازن الطائفي. كما ألغيت كل المواد المتعلقة بالانتداب. وكان ذلك بالإجماع في غياب اميل اده. وصيغت مادة وحيدة تفرض العلم اللبناني الجديد (الحالي)، بدلاً من العلم الذي رفعه (لابرو) فوق سراي بعبدا(9). ووقع رئيس الجمهورية على التعديل في نفس اليوم ونشر في الجريدة الرسمية في اليوم التالي. اعتبر المندوب السامي، الذي وصل إلى بيروت في 9/11/1943، أن التعديلات الدستورية التي أقرها المجلس تشكل تحدياً لفرنسا فقرر العمل بسرعة. وتحسبت الحكومة اللبنانية لإجراءات انتقامية إلا أنها عادت فاطمأنت عندما أكد هللو للجنرال سبيرز "بأنه لن يقوم بأي عمل فيه مظهر من مظاهر العنف"(10). وفي اليوم التالي لوصوله 10/11/1943 أصدر قراراً ألغى بموجبه تلك التعديلات كما حل المجلس النيابي وعلق الدستور وعين اميل اده رئيساً للدولة والحكومة. وفي فجر 11/11/1943 اقتحم الجنود السنغاليون منازل رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وأربعة وزراء واقتادوهم إلى سجن راشيا. ثم اعتقلوا النائب عبدالحميد كرامي(11). ثم أذاع هيللو بيانـــاً أعلن فيه قراراته من راديو الشرق. أخطأ اده الحساب بقبوله المنصب، وأحجم الجميع عنه بمن فيهم أعضاء الكتلة الوطنية، فلجأ إلى تأليف حكومة مديرين، فخذله أكثر من انتقاهم وأذاعوا بياناً برفضهم الاشتراك في الحكم. وبقيت الأمور متأزمة على الصعيد الرسمي، ومتفاعلة على الصعيد الشعبي، فأدرك اده أنه أضحى في عزلة(12). وكان لعمل هيللو ردود فعل داخلية وخارجية. فقد عقد بعض النواب الذين لم يعتقلوا اجتماعاً وقرروا تغيير العلم الذي هو العلم الفرنسي وعليه أرزة، مما يدل على تبعية لبنان لفرنسا. ولكنهم جعلوا العلم يحمل الأرزة مما يعني أيضاً أن دولة لبنان أساسها جبل لبنان(13). ويذكر خالد العظم أنه سألوا مرة رياض الصلح لماذا لم يجعل ألوان العلم اللبناني الجديد أربعة (الأبيض والأسود والأخضر والأحمر) كسائر الدول العربية. فأجاب : "هاهو علمنا يحوي الأبيض والأحمر والأخضر". فقلنا : والأسود؟ فقال: "إن السواد موحش ولذلك استبعدناه". ولكن الحقيقة هي أن السيد هنري فرعون كان معارضاً في جعل العلم الجديد بالألوان الأربعة حتى يبعد عنه التشابه مع الأعلام العربية، فخضع له رياض وسايره(14). وتذكـــر زاهيـة قدورة أن اللونان الأحمر والأبيض يرمــزان إلى لوني علم الأمير فخــر الدين، الأحمر شعار القيسية والأبيض شعار اليمنية(15). كما صدمت مختلف فئات اللبنانيين بعد الاعتقالات وهتفوا بعودة بشارة ورياض ومزقوا صور ديغول، وسارت المظاهرات فسقط القتلى والجرحى، واتفقت (الكتائب) و (النجادة) على تنظيم إضراب شامل في البلاد. وأعلن منع التجول، وانعقد المؤتمر الوطني وباءت محاولات الفرنسيين لايقاظ الفتنة الطائفية، حيث أشاعوا أن العرب والمسلمين سيبتلعون لبنان المسيحي، وأن هناك خطراً جدياً على مصير المسيحيين في لبنان(16). واعتبر بعض الوزراء الذين لم يعتقلوا، أنفسهم مقام رئيس الجمهورية والحكومة(17). وعلى الصعيد الخارجي، كان لهذا الحادث وقع عظيم ليس في العالم العربي وحده بل في الأوساط الدولية ولاسيما الانكليزية والأمريكية، فردد (تشرشل) في مذكراته و (كردل هل): "مالهؤلاء الفرنسيين بينما يستعبدهم العدو إذا بهم يحاولون استعباد غيرهم". وطلب تشرشل من ديغول إطلاق سراح المعتقلين وتبديل هللو. وتحرك سبيرز أيضاً ووجه البريطانيون إنذاراً بإطلاق سراح المعتقلين قبل 22/11/1943. كما وجه عميد السلك الدبلوماسي في بيروت (سفير العراق) مذكرة احتجاج شديدة إلى هللو. ولكن برقية فاروق ثم احتجاج النحاس لدى ديغول كان لهما أثر أعمق في نفوس اللبنانيين والعرب عامة. ثم وصل كاترو إلى بيروت في 16/11/1943 موفداً من ديغول في الجزائر بعد أن زوده بتعليمات للتضامن مع المندوب الفرنسي مهما كان خطأه. وقد مر على مصر. وبدأ اتصالاته مع الخوري ثم مع الصلح وحاول التقرب من الخوري على حساب الصلح. ثم اتصل مع البطريرك. وتأكد كاترو أن فرنسا خسرت الكثير من رصيدها بين أصدقائها، فكيف بين معارضيها. وفي 21/11/1943 زار وزير الخارجية السورية الجنرال كاترو وأبلغه تضامن سورية مع لبنان، وطلب أن تعاد الأوضاع إلى ماكانت عليه. ويقول كاترو أن الحكومة السورية خرجت عن تحفظها بعد أن عرفت نبأ الإنذار البريطاني. وفي الواقع إن الحكومة السورية فوجئت بأحداث لبنان فاستمرت على مراقبة الموقف من جميع نواحيه ولم ينقطع اتصالها بالبريطانيين . واضطر كاترو إلى إطلاق سراح المعتقلين في 22/11/1943. وحل (شاتينيو) محل هللو، وقد كان يقوم بوظيفة سكرتير في المندوبية. وأعلن كاترو الرجوع عن كافة القرارات التي اتخذها هللو، وقدم كاترو اعتراف اللجنة الوطنية في الجزائر بالكيان اللبناني(18). لقد كان التيار السياسي المنتصر في معركة الاستقلال هو تيار لبنان الطائفي القديم الساعي إلى حكم لبنان بدون حماية أو وصاية أجنبية. التبدل الجديد هو التمسك بلبنان الكبير بحدوده الحاضرة لأن لبنان الصغير ليس قابلاً للحياة، وأن العودة إلى لبنان الطائفي الوحيد الجانب أو الثنائي الوجه باتت مستحيلة. البديل إذا هو لبنان المتعدد الطوائف لا لبنان الطائفة الواحدة، لبنان على قاعدة وحدة الطوائف بزعامة الطائفتين الأكثر عدداً تبعاً لإحصاء 1932 المتحجر، لا لبنان الذي تسيطر فيه طائفة واحدة على باقي الطوائف. إن هذه المنطلقات السياسية تجد كامل ركائزها في مقررات مؤتمر بكركي حين وقف البطريرك خطيباً في حفلة الاقتتاح ليقول: " نريد مجلساً منتخباً انتخاباً حراً تتمثل فيه الطوائف والمناطق تمثيلاً عادلاً.. إن هذا الصرح ليس وقفاً على الطائفة المارونية فحسب، بل هو بيت جميع اللبنانيين ووقف للمصلحة اللبنانية لافرق فيها بين طائفة وأخرى.. نريد استقلالاً مبنياً على المساواة بالحقوق تأخذ كل طائفة فيه حقوقها بنسبة أهميتها"(19). لقد انتقلت السلطة والمصالح من الفرنسيين إلى اللبنانيين على نفس النمط الفرنسي الطائفي، وضمن الحدود التي رسمها الفرنسيون. ورضي المسلمون في عام 1943 بحدود لبنان وهو ماكانوا يرفضونه منذ خلق دولة لبنان الكبير عام 1920. واعتبر يوم إطلاق السجناء 22/11/1943 عيداً وطنياً للاستقلال. وهذا الاستقلال ناقص بمفهوم القانون الدولي ولم يكتمل إلا اعتباراً من 31/12/1946 عندما جلت الجيوش الفرنسية، فأصبح لبنان (واقعاً وقانوناً) دولة مستقلة وسيدة(20). وما أن حقق لبنان استقلاله السياسي حتى اجتمع برلمانه في كانون الأول 1943 ليشكر الدول والمؤسـسات والشخصيات التي أيدت لبنان في معركته وشكر الدول العربية للموقف النبيل الذي وقفته حيال لبنان (مصر والعراق وابن سعود وسورية الشقيقة والأمير عبدالله). إن تضامن الشعوب العربية مع شعب لبنان في معركته الاستقلالية كان له أثر واضح في الضغط على المفوضية الفرنسية ومن وراءها. ولكن أثره الأكثر أهمية يكمن في تحديد مسار هذا الكيان السياسي للبنان باتجاه هذه الدول العربية بالذات. إن معركة استقلال لبنان قد حملت في طياتها تأكيد الشعوب العربية وحكامها على عروبة لبنان شعباً وأرضاً ومصيراً ولكن ميثاق دولة الطوائف المستقلة عام 1943 جاء يسلب هذه العروبة وجهها الحقيقي ويبقيها عروبة لفظية رسمية واقتصادية، تلك هي عروبة الميثاق أو العروبة النفعية(21). ولعل تخوف بعض المسيحيين من اللغة العربية أو بصورة أعم من الهوية العربية، ناجم عن اعتقاد هؤلاء بأن العروبة والإسلام شيء واحد وأن العروبة تعني الإسلام وأن العروبة هي هوية المسلمين، فهل العروبة هي الإسلام؟ أم أن الإسلام أو الدين بصورة عامة هو عنصر من عناصر القومية فقط له ما للعناصر الأخرى من دور في خلق القومية(22). والتخوف من الإسلام نفسه له أسبابه ومواقفه الخارجية المعروفة. 2- سياسة فرنسا في سورية ولبنان بعد تحررها من الاحتلال الألماني 1944 : لاشك أن الضربة التي تلقتها فرنسا في تشرين الثاني 1943 قد أضعفت من قدرتها على المساومة، فاضطرت إلى التخلي عن كثير من الاختصاصات للحكومتين الوطنيتين دون عقد المعاهدة مقدماً. ومن ذلك إدارة شؤون البدو والرقابة على الصحف. وزالت الحجة القائلة : إن المصالح المشتركة بين سورية ولبنان مثل الجمارك، يجب أن تتولاها السلطات الفرنسية منعاً للخلاف، كذلك سلمت إدارة المناطق التي كانت تتمتع بالحكم الذاتي مثل جبل الدروز وبلاد العلويين إلى حكومة دمشق. وبقي موضوع تسليم الجند الخاص، وهي قوات تتكون من عناصر متطوعة مختلطة كالشركس والأرمن بالإضافة الى سكان البلاد الأصليين، (من طوائف معينة بشكل خاص)، وكانت تتبع قيادة الجيش الفرنسي وتقوم بأعمال الشرطة، وقدر عددها آنذاك بـ (25) ألفاً. وقد طالبت الحكومة السورية بتسليم الجند الخاص إليها، وبدأت المفاوضات لإلحاقها بالحكومتين السورية واللبنانية منذ نهاية 1943 بدون الوصول إلى نتيجة. وكانت سورية حقاً بحاجة ماسة إلى هذه الفرق لتكون نواة جيشها الوطني ولتواجه الأعباء المتزايدة بعد إدماج منطقة العلويين وجبل الدروز، وعلى أقل تقدير فإن الجند الخاص استخدم في قمع الثورة السورية سنة 1925 فلا يؤمن تركه بيد الفرنسيين حتى لايستخدم مرة أخرى في الصراع المرتقب، أو أن يكون أداة للضغط أثناء المفاوضات. وقد سلمت فرنسا في حزيران 1944 فصيلة من الجند الخاص إلى الحكومة اللبنانية، ولعلها كانت تقصد إلى إحداث تفرقة جديدة ولكن دون جدوى. أما في سورية فقد احتفظت به حتى وقع الصدام في العام التالي(23). ومن المعروف أن الأراضي الفرنسية قد حررت من الاحتلال الألماني خلال عام 1944 (إذ أن قوات الحلفاء باشتراك الولايات المتحدة التي دخلت الحرب، قد نزلت في فرنسا في 6/6/1944) ودخلت الحرب مرحلتها الثالثة وهي مرحلة فوز الحلفاء. واعترفت بحكومة ديغول المؤقتة بدلاً من لجنة التحرير الوطنية. ولاشك أن هذا الوضع الجديد هو الذي جعل الجنرال ديغول يتشدد مرة أخرى إزاء قضية استقلال سورية ولبنان، ولكنه كان مخطئاً في هذا التصور، فقد تحسن موقف القطرين العربيين خلال نفس الفترة من الناحية الدولية إذ اعترف باستقلالهما كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. وقد أعلنت الدولتان عند الاعتراف باستقلالهما أنهما ترفضان تفوق نفوذ أية دولة أوروبية في سورية ولبنان، وإن كان دافع كل واحدة منهما مختلفاً. فالولايات المتحدة اتخذت هذا الموقف لأنها ليست على علاقة طيبة بالحكومة الفرنسية المؤقتة. كذلك تأكد استقلال سورية ولبنان اقتصادياً عن فرنسا، فقد فضل الوطنيون استمرار الارتباط بالاسترليني حتى لايتعرض النقد السوري للتقلبات التي أصابت الفرنك في هذه الحقبة. وبعد أن قضت فرنسا معظم سني الحرب وهي تعاني من الاحتلال الأجنبي، وبعد أن أصبحت فرنسا محررة منذ أواخر 1944 وتتمتع باستقلالها (وسيادتها) اتبعت سياسة جديدة تجاه سورية ولبنان. وتتبين ملامح السياسة الفرنسية الجديدة من التصريح الذي أدلى به ديغول في مؤتمر صحفي في 25/1/1945 إذ قال : "كانت فرنسا أول دولة اعترفت باستقلال هاتين الدولتين اللتين فيهما مركز ممتاز يجب أن تحافظ عليه. وأن فرنسا مصممة على أن تمنح أصدقاءها السوريين واللبنانيين استقلالاً حقيقياً، ولكن التدخل الأجنبي هو الذي يزيد في تعقيد هذه المسألة"(24). أما جورج بيدو وزير الخارجية فهو يميني متطرف، ولذا كان تصريحه إزاء هذا الموضوع أشد صراحة في معارضة الاستقلال التام فقال : "إن فرنسا مسؤولة عن حفظ النظام في سورية وأنها تدافع عن امتيازاتها بالقوة المسلحة التي تحت تصرفها وأرسلت تعليمات بهذا المعنى إلى المقيم العام الفرنسي في المشرق"(25). وهكذا يبدو أن فرنسا لم تعد تخشى أخطار مغامرة جديدة كمغامرتها في لبنان سنة 1943 فالظروف تغيرت بعد نهايةالحرب. ولم يعد تأثير البريطانيين والأمريكيين على الفرنسيين كما كان من قبل. فقد أصبحت فرنسا مستقلة بأسطولها ومستقلة بجيشها تتصرف فيهما كما تريد. واعتقدت فرنسا أنها أصبحت قادرة على فرض سياستها بالقوة. وكل ماتستطيع أن تفعله وزارة الخارجية البريطانية هو السعي لتقريب وجهات النظر بين سورية وفرنسا، حتى أنها أصبحت خلافاً للماضي تتجنب توجيه سؤال للحكومة الفرنسية، كي لاتثير شكوكها التي لاتكاد تنقطع عن مطامع بريطانيا في المشرق(26). 3- الاستفزازات الفرنسية قبل حوادث 1945 في سورية ولبنان : لقد أرادت فرنسا النكول عن تعهداتها باستقلال سورية ولبنان، وندمت بعد أن سلمت قسماً كبيراً من (المصالح المشتركة) إلى الحكومتين قبل أن تعقد معاهدة تضمن لفرنسا مصالحها. ولم يبق إلا الجيش والأمن تتمسك به لتضع شروطها. وبينما كان وفد سورية في سان فرانسيسكو يعمل في سبيل استقلال سورية وتأييد حقوق الشعوب الضعيفة في الاستقلال، كان الفرنسيون يعملون في البلاد السورية على خلق الاضطرابات في بعض المناطق وجعلوا جنودهم يتحرشون بأبناء الشعب السوري بكل مناسبة لخلق جو من الاضطراب والفوضى تذهب معه معالم الاستقلال. وكانت الحكومة السورية على علم بما تبيته القوات الفرنسية من شر مستطير، وكانت الحوادث الاستفزازية قد تكررت بين قوى الأمن الداخلي السوري والقوى الفرنسية بشكل جعل حالة المدن السورية أشبه شيء بحالة الحرب الداخلية(27). كل ذلك بهدف إثارة المتاعب للحكومة السورية واللبنانية لتقبلا بعقد معاهدة مع فرنسا تعطيها مركزاً ممتازاً. ففي شباط 1945 ثبت أن الفرنسيين كان لهم ضلع في إثارة الاضطرابات بجبل العلويين مما أدى إلى حدوث توتر شديد بين الشرطة السورية وبين قوات الاحتلال(28). وخاصة أنه لم يكن بيد الحكومة السورية قوات مسلحة، فكانت مظاهرات الطلاب الصاخبة في مدن سورية تطلب الجيش الوطني. وكانت الحكومتان السورية واللبنانية تعبران عن إصرارهما في الحصول على الجيش الوطني(29). وفي لبنان استغل الفرنسيون فوز (يوسف كرم) في الانتخابات النيابية الفرعية عن زغرتا، وهو نائب موال للفرنسيين، فلما حضر إلى المجلس النيابي في 27/4/1945 مع عدد من أنصاره (بصحبة قوات الاحتلال)، اندس بينهم عملاء للفرنسيين وحاولوا رفع العلم اللبناني القديم أي العلم الفرنسي الذي تتوسطه الأرزة والذي يرمز إلى ارتباط لبنان بفرنسا، وذلك لرفعه على باب المجلس، كما حاولوا اقتحام القاعة التي يتواجد فيها النواب، وحدث صدام بينهم وبين أنصار الاستقلال، فأطلق الجنود الفرنسيون المتمركزون في بناء قريب النار بعد أن قطعت خطوط الهاتف عن مبنى المجلس وسقط قتلى وجرحى. إلا أن الحكومة سيطرت على الوضع، ودخل النائب كرم من دون أنصاره واستنكر ماحدث. كما حدثت استفزازات أخرى في الاحتفالات التي أقيمت بمناسبة الانتصار على ألمانيا. حيث توقفت الحرب فيها في 8/5/1945(30). 4- مساعي سورية ولبنان من أجل الاستقلال الكامل 1944-1945 ورفض المعاهدة مع فرنسا : بعد إنزال القوات الحليفة في فرنسا 6/6/1944 ويسبب تخوف بريطانيا من انتقال عدوى الاستقلال إلى المناطق التي تخضع لنفوذها في الشرق، حدث تقارب فرنسي بريطاني يضمن مصالح الدولتين في الشرق الأوسط، إذ عقدتا اتفاقاً تقاسمتا فيه مناطق النفوذ(31). وجرت مفاوضات كثيرة وتبودلت مذكرات عديدة بين الحكومة السورية والحكومة البريطانية حول هذا الاتفاق الذي عقدته بريطانيا مع فرنسا الحرة. وكانت الحكومة السورية تصر بأنها لا تريد أن تعترف لفرنسا بأي مركز استثنائي ولا أن تعقد معها أي عهد. وأبلغ رئيس الجمهورية ذلك بصراحة إلى الوزير البريطاني حينما حمل إليه وإلى الحكومة السورية تبليغاً شفوياً يتعلق بفتح باب المفاوضات. وكان مندوب فرنسا العام قد حمل إلى الحكومة السورية نبأ اجتماع عقده أخيراً المستر ايدن والمسيو مسيغلي حول هذا الموضوع، فكتب رئيس الجمهورية إلى المستر تشرشل كتاباً وصف فيه وضع سورية وتمتعها بالاستقلال الكامل القائم على حكم دستوري ديمقراطي والمعترف به من قبل الولايات المتحدة وروسيا والدول العربية وبريطانيا. واستلمت من فرنسا المصالح المشتركة. فحقوق سورية إذن تناقض المساعي التي ترمي إلى عقد معاهدة مع فرنسا، وأرسل وزير الخارجية السورية رسالة بهذا المعنى إلى المستر ايدن. وبعد ذلك بعثت وزارة الخارجية البريطانية إلى الوزير المفوض في سورية الجنرال سبيرز ببرقية جاء فيها أنه من الأمور الضرورية التي لامفر منها أن تعقد معاهدة بين الدولة المنتدبة والبلاد التي كانت تحت الانتداب لتوضيح العلائق المستقبلية بين الفريقين بعد الاستقلال التام حسب وعد الاستقلال الذي أعطي لسورية ولبنان في عام 1941. وأنه ليس هنالك اتفاق سري تشمل أحكامه دول المشرق. وأن بريطانيا لاتحاول فرض أي شكل معين على الحكومة السورية. وهذه الرسالة البرقية توضح نواحي كثيرة من الأساليب التي كانت تتبعها بريطانيا في محاولاتها للتوفيق بين السوريين والفرنسيين. فلقد بحث سبيرز من قبل مع رئيس الجمهورية والوزارة السورية هذه الأمور وأعرب عن حرص حكومته على دوام علاقاتها الحسنة مع فرنسا تلك العلاقات التي تقضي بها ضرورات الحرب المشتركة وتستلزم بأن يتم التفاهم بين فرنسا وسورية بما فيه فائدة مشتركة للجميع(32). وكان رئيس الجمهورية لايبرح هو وحكومته يبذلان المساعي الدبلوماسية لايضاح وجهة نظر سورية التي تمسكت بها في عدم الاعتراف لفرنسا برجحان سياسي واقتصادي أوثقافي أو عقد معاهدة معها. وبعث برسائل عديدة إلى الرئيس روزفلت وإلى الماريشال ستالين فضلاً عن المستر تشرشل لتأييد ذلك(33). وفي أوائل شباط 1945 سافر رئيس الجمهورية السورية إلى القاهرة واجتمع بالمستر تشرشل والمستر ايدن وفصل لهما وجهة النظر السورية. وكانت فرنسا تريد أن تتقدم بمقترحات، كما أن سورية تستعد لترى في هذه المقترحات مايمكن قبوله ومالايمكن، فتلقى الرئيس التأكيد من رجال الحكومة البريطانية أنه لن يكون هناك إكراه(34). كما اجتمع القوتلي مع الملك فاروق والملك عبدالعزيز في 16/2/1945 قرابة خمس ساعات وكان وجود عبدالعزيز في مصر ولقاءاته سرياً(35). ثم ألقى المستر تشرشل بياناً في مجلس العموم في 27/2/1945 ذكر فيه اجتماعه بزعماء العرب فقال : " بذلنا غاية الجهد لتأمين اتجاه ودي نحو فرنسا وتشجيع المفاوضات معها للوصول إلى تسوية مرغوبة ليس في سورية وحدها بل في لبنان أيضاً. وموقف بريطانيا فيما يتعلق بسورية ولبنان بالنظر إلى علاقاتنا مع حلفائنا الفرنسيين، قائم على بيانات 1941 بشأن استقلال دولتي المشرق، وإن بريطانيا لاتعمل على أن يحل نفوذها محل نفوذ فرنسا فيهما. ونحن مصممون على أن نبذل جهودنا للمحافظة على وضع فرنسا الخاص بسبب ماأسـسته في سورية مدة عهد طويل من صلات ثقافية وتاريخية...". وذكر أنه لايسلم بالتعارض بين وجود مركز متفوق وبين الاستقلال. وألمح إلى أن مثل هذه الموضوعات المعقدة يحسن طرحها على مؤتمر الصلح، كما أكد أن بريطانيا لاتستطيع وحدها أن تتحمل مسؤولية المبدأين الأساسيين اللذين وضعهما للقضية وهما (احتفاظ فرنسا بمركز متفوق واستقلال سورية ولبنان، ولفت النظر إلى أن دول الحلفاء الكبرى قد اعترفت باستقلال سورية ولبنان، ولذا توقع أن يتوطد استقلالهما بفعل سلطات الهيئات العالمية(36). وهكذا يتضح أن موقف بريطانيا إزاء استقلال سورية ولبنان قد تبدل وتعددت التصريحات بشأنه. وتحملت بريطانيا وحدها المسؤولية لمجابهة التدخل الفرنسي في أيار 1945. وإن كان كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي قد أبدى تأييده لموقف الوطنيين السوريين. لقد كان البريطانيون يعللون موقفهم دائماً بالرغبة في المحافظة على الأمن لأن الحرب في الشرق الأقصى لم تـنـته بعد. كما تظاهروا بمراعاة مبادىء ميثاق الأطلسي الخاصة بحق الشعوب في تقرير المصير. وربما كان ذلك تبريراً للنزاع الخفي الذي ظل قائماً بين بريطانيا وفرنسا في الشرق الأوسط رغم توزيع مناطق النفوذ. ومع أن الانجليز كانوا ينفون دائماً أنهم يريدون أن يحلوا محل فرنسا في سورية ولبنان، فمن المحتمل أنهم رسموا خططهم على أساس التسلل بواسطة نفوذ غير مباشر وهو إلحاق سورية ولبنان بجامعة عربية يتمتعون لدى أغلبية أعضائها بالنفوذ. وثمة عامل أثر على توجيه السياسة البريطانية وهو عدم الاطمئنان إلى مستقبل فرنسا السياسي حيث بدأ الشيوعيون يكتسبون نفوذاً فيها ويخشى البريطانيون من وصولهم إلى السلطة(37). وكان تشرشل يعتقد بنتيجة جهوده أن لابقاء لفرنسا في سورية(38). 3- قضية (المصالح المشتركة) منذ الاستقلال حتى الجلاء : لقد استمرت منطقتا سورية ولبنان مشمولتين (بالوحدة الاقتصادية الكاملة) في ظل الاحتلال الفرنسي إلى أن انفصمت عراها من قبل الحكومتين إثر تمتع سورية ولبنان باستقلالهما في 1943. فقد عقد ممثلو البلدين الاتفاق المسمى باتفاق 1 تشرين الأول 1943 الذي أوجد (الوحدة الجمركية) بدلاً من الوحدة الاقتصادية والذي وقعه رياض الصلح وسليم تقلا عن لبنان وسعدالله الجابري وجميل مردم بك عن سورية الذين قضوا على الوحدة الاقتصادية القائمة منذ مئات السنين وحصروا علاقاتهما المشتركة بالشؤون الجمركية فحسب. وأنشأ الاتفاق مجلساً أعلى للمصالح المشتركة أنيط به التشريع الجمركي بموافقة مجلس الوزراء في كلا البلدين. وفصلت سائر المصالح التي كانت موحدة تحت إدارة الفرنسيين، فبدأت كل من الحكومتين تشرع في الأمور الاقتصادية بالاستقلال عن الأخرى. ويذكر خالد العظم(39). قصة عقد هذا الاتفاق بقوله : " تتلخص القصة في أن الجانب الفرنسي كان بتمسكه بإدارة المصالح المشتركة السورية اللبنانية، يزعم أن الحكومتين لم تتفقا على كيفية إدارتها، فاضطر هو للقيام بهذا العمل نيابة عنهما. وأول محاولة للاستيلاء على تلك الإدارة قامت بها الحكومتان السورية واللبنانية كانت في عهد الرئيس اللبناني ألفرد نقاش والرئيس السوري تاج الدين الحسني. إذ عقدتا اتفاقاً أحسن من اتفاق أول تشرين الأول 1943 وأوثق للعلاقات الاقتصادية بين البلدين. وطلبتا من الجنرال كاترو المندوب العام الفرنسي تسليم الحكومتين إدارة المصالح المشتركة، فغضب الجنرال مما أدى إلى إقصاء الحكومتين واستمرار الإدارة على ماكانت عليه " . " وبعد أن تألفت حكومتان وطنيتان، (في بيروت اجتمع المجلس النيابي المنتخب في 21/9/1943). وفي دمشق (اجتماع المجلس النيابي المنتخب في 17/8/1943)، جددت المساعي للاتفاق. فاجتمع المندوبون مرات عديدة ولم يعلنوا عن الغرض الحقيقي من اجتماعهم. وسعى الجابري ومردم لتحقيق الوحدة الاقتصادية، إلا أن رياض الصلح رفض ذلك وأصر على قصر هذه الوحدة على الشؤون الجمركية. فكان هذا الاتفاق الأبتر الذي جر على البلاد السورية المضار الكثيرة " . وقد حدد اتفاق تشرين الأول 1943 المصالح المشتركة بأنها كل ماكان يدار من قبل المندوبية الفرنسية وتنقسم إلى قسمين : القسم الأول: ويشمل مايجب أن تستمر إدارته مشتركة لمدة غير معينة كمصالح الجمارك ومراقبة الشركات ذات الامتياز (وهي التي تشمل منطقة عملها أراضي الدولتين)، ومراقبة إدارة حصر التبغ والتنباك (الريجي). والقسم الثاني: ويشمل مايجب أن تترك إدارته فوراً لكل من الحكومتين ضمن أراضيها، كمصلحة البارود ومصلحة حماية الملكية الصناعية والتجارية والفنية والأدبية والموسيقية، ومصلحة الأشغال العامة وإدارة البرق والبريد ودار الآثار والدفاع السلبي والأمن العام ومراقبة الشركات ذوات الامتياز التي لاتتجاوز منطقة عملها أراضي إحدى الدولتين، وحراسة أموال الأعداء، وكل المصالح الأخرى التي لم تعين في القسم الأول. وحدد الاتفاق طريقة إدارة المصالح المشتركة في القسم الأول بتشكيل (مجلس أعلى للمصالح المشتركة) من ثلاثة ممثلين لكل دولة ولهم الحق أن يستعينوا بالخبراء والاخصائيين الذين يرون لزوماً لهم. ويتخذ المجلس مقرراته باتفاق الآراء، ويكون لمجموع ممثلي كل دولة رأي واحد. ويزاول المجلس عمله ستة أشهر في دمشق وستة في بيروت ويرأسه رئيس الممثلين في الجانب في هذه الحالة، ورئاسته بالتناوب، وله صلاحيات محددة بشأن إدارة المصالح المشتركة. وبالنسبة لمصلحة الجمارك فإن الاتفاق نص على : " إن سورية ولبنان تؤلفان منطقة جمركية واحدة ذات وحدة جمركية تنتقل البضائع ضمنها بحرية تامة وبدون أية ضريبة أو رسم جمركي ". وعلى هذا الأساس يكون للدولتين إدارة جمركية واحدة تمارس عملها على أساس وحدة النظام الجمركي. وقرر الاتفاق توزيع واردات الجمارك بحسب نفقات المصالح المشتركة، وحدد الاتفاق توزيعاً مؤقتاً لباقي الايرادات الصافية بنسبة 40% لكل من الدولتين والباقي معدة للتوزيع. وجعل الاتفاق مدته سنتين وأن يسعيا مشتركين لاستلام هذه المصالح من فرنسا، ويجب أن يبرم الاتفاق من الدولتين(40). ويتحدث خاللد العظم عن موقف رياض الصلح بقوله : (41) " وجدير بالأسف موقف رياض الصلح السلبي، فهو المناضل في سبيل استقلال سورية الكبرى بما فيها لبنان وشرق الأردن، والمعارض لتفريق لبنان من سورية. غير أن هذا الرجل تنازل عن خطته هذه وأصبح زعيم استقلال لبنان منفرداً عن سورية في سبيل الحصول على تأييد الأكثرية المارونية. وأمسى في كل مناسبة تتعارض فيها مصالح سورية ولبنان يعمل جهده لدى رفاقه الأقدمين متولي الحكم في دمشق، ليؤمن للبنان منافع على حساب سورية. وحتى يعطي بذلك دليلاً مستمراً على دفاعه عن حقوق لبنان . وكان من جهة ثانية يوهم حكام سورية بأنه إذا زال عن الحكم تولاه من هم أبعد منه عن سورية وأقرب إلى الفرنسيين. لكن الحقيقة هي أن زعيم استقلال لبنان والمجابه الحقيقي للنفوذ الفرنسي كان رئيس الجمهورية الشيخ بشارة الخوري، فلولا تصلبه ولولا كونه مارونياً، لما استطاع رياض الصلح الوقوف في وجه الانتداب الفرنسي ذلك الموقف الشهير (تشرين الثاني 1943) بإلغاء بعض نصوص الدستور اللبناني القاضية بجواز تدخل الفرنسيين في شؤون الحكم في لبنان، ولما استطاع الوقوف في وجه الموالين لفرنسا من الموارنة " . " وكان رياض الصلح يدعي في جلسات خاصة بأن سياسته الرامية إلى إبقاء الأقضية الأربعة ضمن أراضي الجمهورية اللبنانية كانت مستندة إلى رغبته في إبقاء التوازن النسبي بين المسلمين والمسيحيين في لبنان على ماهو عليه واستبعاد تضاؤل عدد المسلمين في لبنان الصغير، إذا ما ألحقت تلك الأقضية الأربعة التي يقطنها المسلمون بسورية. هذه النظرية صحيحة من حيث الأرقام. ولكنها ككل القضايا يتداخلها عنصر الاحتمال، فهل كان لبنان قادراً على الاحتفاظ باستقلاله لو سلخت عنه الأقضية الأربعة؟. وهل كان هذا البتر يؤدي إلى انصهار لبنان في المجموعة السورية بطبيعة الحال وبمضي السنيين؟. أم إلى ارتمائه في أحضان فرنسا وصيرورته مستعمرة فرنسية؟. إنه ليصعب على المرء أن يحكم حكماً قاطعاً على نتائج الحوادث. فكثيراً ماتؤول الأمور إلى مصائر غير منتظرة وغير معقولة. وعلى أي حال، إذا جاز للمرء أن يقدر بالأرقام حظ كل واحد من هذين الاحتمالين فإنني أقدر أن تسعين بالمائة من الاحتمالات كانت إلى جانب انضمام لبنان الصغير إلى سورية في المستقبل القريب أو البعيد" . " صحيح أن رياض الصلح لم يكن قادراً في عام 1943 على توجيه مصير بلاده نحو الانضمام إلى سورية، فهناك بشارة الخوري الحريص على استقلال لبنان وعلى كرسيه بنفس الوقت، لكن ألم يكن بمقدرة رياض الصلح، وهو المشهور بحذاقته وأساليبه، أن يجعل لبنان يتدرج في طريق الانضمام رويداً رويداً حتى يصل يوماً من الأيام إلى هذه النتيجة؟ أحسب أن ذلك لم يكن عسيراً عليه. لكن إذا تمت الوحدة السياسية وانضم لبنان إلى سورية، فمن يضمن لرياض الصلح رئاسة الحكومة في الدولة الموحدة؟. ومن يؤمن له فيها مايتمتع به من نفوذ في لبنان؟ ودمشق بلد لم يستطع الأجنبي بجيشه القوي أن يسيطر عليها وأن يبسط نفوذه فيها. فأنى لرياض الصلح ذلك؟ ". " تلك العوامل التي جعلت من رياض الصلح زعيماً لانفصال لبنان عن سورية بعد أن كان في جملة المنادين بوحدة البلاد العربية والعاملين في سبيل تحقيقها. أما القوتلي والجابري ومردم فإني أجد لهم بعض العذر في مسايرة رياض لأنهم كانوا يعرفون رياضاً ويعلمون حق العلم ماهو مجبول عليه من الانتهازية. فهم حسبوا حساباً لإمكان تطور رياض، وكان لابد لهم من التكاتف معه في جهودهم لقلع جذور الانتداب الفرنسي. وكانوا يخشون أن يرجع رياض عن قوله المأثور "لاأسمح أن يكون لبنان للاستعمار مقراً ولاممراً". فتثبت أقدام الانتداب ويمسي الخطر قريباً من سورية. وكان رياض بعقلية التاجر اللبناني، يبيع زملاءه السوريين هذه المؤازرة فيقبض ثمنها منافع مادية لا لنفسه لكن للبنان"(42). ولعل ميل لبنان إلى إلغاء الوحدة الاقتصادية والاكتفاء بالوحدة الجمركية، يرجع إلى أن جمهرة الموارنة والكاثوليك كانوا راضين بالوحدة الاقتصادية لأن زمامها إدارياً وتشريعياً ومالياً في يد ممثلي الانتداب الفرنسي. فلما بدأ الاستقلال وتقرر الجلاء ولم يعد هناك ضابط مشترك يبعد عنهم مايتوهمونه من خطر الاتحاد الاقتصادي، انقلب الأمر وصاروا ضد هذه الوحدة على طول الخط(43). المهم أنه بعد عقد اتفاق (1/10/1943) دارت بين الحكومتين السورية واللبنانية أبحاث غير مثمرة مع الجانب الفرنسي لاستلام المصالح المشتركة من الفرنسيين(44). وقدمت الحكومتان خلال شهر تشرين الأول إلى المسيو (هيللو) الذي خلف الجنرال كاترو، طلباً للتفاوض حول استلام هذه المصالح، فاستمهلهما عشرة أيام ريثما يتسنى له حمل هذه المذكرة إلى الجزائر عاصمة الدولة الفرنسية حينئذ(45). ورد الفرنسيون بوضع شرط المطالبة بعقد معاهدة على أساس مضمون معاهدة 1936 مع البلدين تمنح فرنسا بموجبها مركزاً ممتازاً في كل منهما(46). وبسبب تعديل الدستور اللبناني (8/ت2/1943) وقع الاشتباك بين الوطنيين والفرنسيين. وقد يبدو غريباً أن يقع هذا الاشتباك قبل سورية، وذلك نظراً للصلات التقليدية التي تربط بين فرنسا وبين بعض العناصر في لبنان. ولعل ذلك لأن فرنسا كانت تخطط للاعتماد على لبنان(47). وحسب تعبير كاتب لبناني : " فمع تعديل الدستور برهن المسؤولون اللبنانيون عن كفاءة وتصرفوا حسب ذهنية السيادة الوطنية الكاملة وقامت المطالبة بتسليم مقاليد أمور الدولة بدءاً بالمصالح المشتركة(48). ويقول خالد العظم : " وقد استغلت الحكومتان السورية واللبنانية تضعضع مركز الفرنسيين بعد قضية الدستور اللبناني وإعادة الحكومة الشرعية (22/11/1943)، فبدأتا بالمباحثات مع الجنرال كاترو على نحو جديد لاستلام صلاحياته. عند ذلك دعيت للاشتراك بهذه المداولات الرسمية. وعقد للمرة الأولى اجتماع في القصر الجمهوري بدمشق حضره عن سورية الرئيس القوتلي والجابري (رئيس الوزراء السوري) ومردم (وزير الخارجية) وأنا (وزير المالية). وعن لبنان رياض الصلح (رئيس الوزارة) وسليم تقلا (وزير الخارجية) والأمير جميل شهاب (وزير المالية). وعن الجانب الفرنسي الجنرال كاترو ومسيو شاتينيو. " وانتهت الأبحاث بعد مذكرة طويلة بتسطير محضر (في دمشق) تعهد الفرنسيون فيه بتسليم المصالح المشتركة فيما بعد، عدا الجيش، على أن يجري ذلك في محاضر خاصة تستلم الحكومتان بموجبها كل مصلحة على حدة. ونشر هذا الاتفاق في 22/12/1943"(49). ووقع الاتفاق كاترو ورياض الصلح وسليم تقلا وسعد الله الجابري وجميل مردم وخالد العظم. " تم الاتفاق في تاريخ هذا اليوم بين الجنرال كاترو مفوض الدولة المكلف بالمهمة، وبين ممثلي الحكومتين السورية واللبنانية على تسليم هاتين الحكومتين الصلاحيات التي تمارسها الآن السلطات الفرنسية باسمهما، وستنتقل بحسب هذا الاتفاق المصالح المشتركة وموظفوها إلى الدولتين السورية واللبنانية مع حق التشريع والإدارة منذ أول كانون الثاني القادم (1/1/1944). وستكون الأساليب المتعلقة بانتقال هذه الصلاحيات موضع اتفاقات خاصة". وقال الجنرال كاترو في مذكراته بعد أن بحث هذا الاتفاق : لقد أصبحت الأزمة منتهية ولكن نهايتها كانت أن تخلينا عن كل مابقي لنا من سلطات انتدابية، بل إننا اعترفنا ضمناً باستقلال سورية ولبنان(50). وبعد اتفاق 22/12/1943 بين الحكومتين السورية واللبنانية والجانب الفرنسي بدأت عملية استلام المصالح المشتركة. ويقول العظم : " انتدبت للاشتراك عن سورية في الاجتماعات التي تقرر عقدها في بيروت بحضور مندوبي لبنان وفرنسا لإنجاز استلام وتوقيع المحاضر. فعقدنا عدة اجتماعات في القصر الجمهوري ببيروت، تولى فيها الرئيس الخوري وأنا عن سورية، ومسيو اوستروروغ عن فرنسا، وضع صيغة المحاضر. فأثار المندوب الافرنسي قضية المستشارين والموظفين الفرنسيين في تلك الدوائر، فتم الاتفاق على إبقائهم مدة ستة أشهر يسرحون بعدها ويقبضون تعويضاتهم القانونية. فكان أول محضر وضعناه هو المتعلق بالجمارك وذلك في 2/1/1944، فاستلمنا تلك الدوائر بحفلة خاصة . " وأقر مجلس النواب اللبناني اتفاق 1/10/1943 مع الكتب التي تبودلت مع رياض الصلح في 3/2/1944. وأصدرت الحكومة السورية مرسوماً تشريعياً بذلك. ثم صدر مرسوم بتعيين الأعضاء السوريين في المجلس الأعلى للمصالح المشتركة وهم إحسان الشريف ومحسن البرازي وليون مراد. كما عينت الحكومة اللبنانية ممثليها وهم الأمير جميل شهاب وموسى مبارك وباسيل طراد. وبدأ هذا المجلس أعماله متخذاً بيروت مقره نصف السنوي وفقاً للاتفاق السابق. " ثم استمر استلام الدوائر من الفرنسيين تباعاً، ولم تخل عملية الاستلام من الخلافات، وألحقت كل واحدة منها بالوزارة المختصة ماعدا الجمارك ومراقبة حصر التبغ التي بقيت تحت سلطة المجلس الأعلى للمصالح المشتركة"(51). وكان الفرنسيون لاينقطعون عن المساومة في أمر تسليم هذه المصالح، عسى توافق سورية على عقد المعاهدة التي أصبحت غاية الغايات عند الفرنسيين ليجدوا بواسطتها وسيلة للبقاء في هذه الأقطار. ولما تم انتقال صلاحيات المصالح المشتركة من السلطات الفرنسية إلى سورية ولبنان، أصدرتا بياناً مشتركاً في 5/6/1944 جاء فيه : " عملاً بالاتفاق المعقود في 22/12/1943 مع الجنرال كاترو مفوض الدولة المكلف بمهمة، جرت بين ممثلي الحكومة الفرنسية وممثلي الحكومتين السورية واللبنانية، مفاوضات بشأن تسليم إدارة المصالح المشتركة، فتم الاتفاق على وضع إدارة كافة الدوائر التي انتقلت فعلاً إلى الجمهوريتين السورية واللبنانية، تحت سلطتهما وحدهما " . وبعثت وزارة الخارجية السورية بتاريخ اليوم نفسه مذكرة إلى ممثلي الدول العربية والأجنبية وأرفقتها بقائمة تتضمن الاتفاقات التي عقدت بين الجانبين السوري والفرنسي والتي بموجبها استلمت حكومة سورية عملياً وبصورة نهائية جميع الصلاحيات التي كانت تمارسها باسمها السلطات الفرنسية، وقالت : " تنتهي بهذا الاستلام العملي مرحلة المفاوضات التي بدأت بتوقيع اتفاق 22/12/1943 بين الجانبين السوري واللبناني من ناحية والفرنسي ممثلاً بشخص الجنرال كاترو من ناحية ثانية. فاستكملت بذلك سورية أسباب استقلالها وأصبحت سيادتها على أراضيها أمراً حقيقياً(52). وحسب قول كاتب لبناني : " أضحى بإمكان مجلسنا النيابي أن يشترع فيما يتعلق بهذه المصالح ليحولها إلى لبنانية صرفة منفصلة عن سورية(52). وانتهى بهذا الاتفاق آخر ماكان يشير إلى الوحدة الاقتصادية الكاملة بين الدولتين بانتهاء السلطة السياسية الواحدة (وهي الفرنسية) التي كانت تديرها وتقوم بدور اتحاد فدرالي بين الدولتين. وبقيت العلاقات فقط في (الوحدة الجمركية) مع إدارة حصر التبغ والتنباك والتي كان يديرهما المجلس الأعلى للمصالح المشتركة إضافة إلى قضية الجيش . واستمر المجلس الأعلى للمصالح المشتركة بين سورية ولبنان في إدارة الجمارك (أي الوحدة الجمركية) والمصالح الأخرى حسب اتفاق 1/10/1943 والذي ينص على مدة سنتين. لذلك تم الاتفاق في بيروت في 29/1/1945 بين وزيري المالية في البلدين على تجديد الاتفاق وعلى توزيع واردات المصالح المشتركة المالية الصافية بين البلدين بنسبة 44% للبنان و56% لسورية بعد أن كانت 40% لكل من الدولتين. وفي هذه النسبة يلاحظ تساهل سورية في حصتها والتي يجب أن لاتقل عن 75% وكذلك تساهلها في أمور أخرى(54). ويلخص مسعود ضاهر موقف البرجوازية اللبنانية بقوله : " كانت الفائدة الاقتصادية قبل الحرب حتى 1939 تذهب بمعظمها إلى جيوب الفرنسيين لكن فترة الحرب ستبقي هذه الأموال داخل سورية ولبنان وستتوزعها بورجوازية البلدين، وبدأت الدولة السورية المستقلة تسعى لنيل حصتها من هذه الأرباح. لكن البرجوازية اللبنانية عرفت كيف تتوزع الأدوار بين المعارضة والموالاة لارتباط لبنان بمحيطه العربي والتهديد المستمر بالحماية أو الضمانة الأجنبية دون أن تكون هناك قاعدة أساسية لمثل ذلك التهديد. فالبرجوازية اللبنانية كانت تخشى الحدود الجمركية مع سورية لما تعنيه هذه الحدود من تقلص في حجم أرباحها. لكن نهاية الحرب العالمية الثانية حملت معها أيضاً تطوراً هاماً وملحوظاً للبرجوازية السورية نفسها، تلك التي بدأت تفكر جدياً بالاستغناء عن مرفأ بيروت واعتماد مرفأ اللاذقية كبديل له. لذا كانت تصر على نيل حصتها من الأرباح الجمركية. وإن زوال الانتداب وبقاء المصالح المشتركة بين البلدين دفعا الدولة السورية المستقلة إلى المطالبة بالأرباح الجمركية تبعاً لحجم مشاركتها في إنتاج السلع المعدة للتصدير واستهلاك السلع المستوردة. وبدأت أصوات البرجوازية اللبنانية ترتفع منددة بما أسمته (بالتدخل السوري في شؤون لبنان والعمل على خنق اقتصاده). فالنظام اللبناني الذي تربع على كراسي الانتداب باسم الاستقلال كان يرغب في استمرار السياسة الاقتصادية الانتدابية دون تغيير. ويعمل على امتصاص خيرات الشعبين اللبناني والسوري لصالح مجموعة قليلة من التجار اللبنانيين. وكان الصراخ يرتفع بحدة أكثر كلما حاول السوريون تقليص حجم الأرباح اللبنانية والمطالبة بحصتهم. وكانت الأزمات تتكرر بين البلدين حتى أدت إلى الانفصال الجمركي واستقلالية النقد في كل من البلدين. وكان مقدراً لهذه التدابير أن تؤثر سلباً على أرباح التجار اللبنانيين. ولكن ذلك لم يحصل لأسباب أهمها الانقلابات العسكرية في سورية(55). ولقد كانت الحرية الاقتصادية وفوائد النظام الاقتصادي في لبنان ناتجة عن الامتيازات الأجنبية لطائفة معينة كان منها الوسطاء التجاريون مع الغرب الذين سيطروا على التجارة والاقتصاد تحت رعاية الفرنسيين(55)مكرر. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |