تطور الوحدة السورية اللبنانية من نشوب الحرب العالمية الثانية إلى ما بعد الاستقلال 1939- 1950 - د. عبد الرحمن البيطار

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:19 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الخامس الوحدة السورية اللبنانية في مشاريع

الوحدة العربية 1941 - 1945‏

جاءت الحرب العالمية الثانية فأظهرت الاهتمام مجدداً بالشرق الأوسط والمنطقة العربية وأهميتها الاستراتيجية والاقتصادية. فجعلت الآمال تخطو خطوة جديدة في سبيل تحقيق الوحدة العربية(1)التي ضاعت بهزيمة الدولة العثمانية واقتسامها عقب الحرب العالمية الأولى.‏

1- جهود الأمير عبدالله لوحدة سورية 1940-1942 :‏

استغل الأمير عبدالله سقوط فرنسا في ربيع 1940، فجدد محاولاته وجهوده لوحدة سورية التي كانت قد توقفت بإعلان الحرب العالمية الثانية. فأرسل إلى الحكومة البريطانية (عن طريق المندوب السامي البريطاني)، مذكرة في 1/7/1940 لفت فيها النظر إلى اهتمام الرأي العام العربي بقضية البلاد العربية ومستقبلها. وطالب بإصدار تصريح بريطاني بهذا الشأن يحقق أمل العرب في بريطانيا. وأشار إلى استعداد شرقي الأردن للقيام بعمل ما في سورية ضد قوات فرنسا الفيشية، تأدية لواجبها نحو قوميتها وتحقيق آمالها.‏

كان رد المندوب السامي غير مشجع للأمير عبدالله. طلب منه فقط، عدم القيام بأي (عمل متسرع) قد يعرقل خطط الحكومة البريطانية. وطالبه بالتريث حتى تتضح بعض الأمور في الميدان الأوروبي. ولم يثن المندوب السامي الأمير عبدالله عن مواصلة سعيه لتحقيق هدفه، فأرسل مذكرة أخرى في 9/7/1940 إلى وزير المستعمرات البريطاني يؤكد عزم شرقي الأردن على تحقيق (الوحدة العربية). لكن الحكومة البريطانية لم تكن في ظرف يسمح لها بالعمل على تحقيق مطلب الأمير عبدالله.‏

واستعان الأمير بزعماء طبقة ملاك الأراضي في شرقي الأردن فأوصى لها بأن تبرق إلى السفارة البريطانية في القاهرة مطالبة بتحقيق وعد بريطانيا باستقلال سورية وسيادتها ووحدتها وضم شرقي الأردن إلى هذه الوحدة(2).‏

وكانت بريطانيا تعتذر وتطلب تأجيل البحث في الموضوع، ذلك أنها لم تكن على استعداد لإغضاب حكومة فرنسا الحرة وحكومتي مصر والسعودية وشعبي سورية ولبنان، في وقت كان جيش دول المحور يحتل حدود مصر، ولم يكن يبعد كثيراً عن سورية أو السعودية. ثم إن الحكومة البريطانية كانت تفكر في مشروع آخر يضمن استمرار مصالحها في الوطن العربي، في الحرب وفي عالم مابعد الحرب.‏

لذلك حاولت بريطانيا أن تتقرب من العرب للحاجة إلى الدعم العربي ضد دول المحور، فأعلنت في 29/5/1941 بلسان وزير خارجيتها (أنطوني ايدن Antony Eden) أنها : "تعطف كثيراً على أماني سورية في الاستقلال وإلى ماقد تقوم به، وأن على البلدان العربية ومن حقها تقوية الروابط الثقافية والاقتصادية والسياسية بينها، وأن الحكومة البريطانية سوف تبذل تأييدها التام لأية خطة تلقى موافقة عامة ....." (1)مكرر.. وهذا التصريح يظهر حرص بريطانيا على السيطرة على المنطقة العربية، ومنافستها لفرنسا .‏

وقد جاء هذا الإعلان في نفس اليوم الذي أنهت فيه القوات البريطانية، بالاشتراك مع القوات الأردنية، عملية تصفية ثورة رشيد عالي الكيلاني، (التي كان لمفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني صلة بها)، وبدأت تستعد لتحرير سورية. وهو توقيت محكم كاف لأن يفضح النية وراءه(2)مكرر.‏

كما أن الجنرال كاترو تأثر بالشعور العام، فأشار في بيانه الأول (8/6/1941) الذي خاطب فيه السوريين واللبنانيين في بداية الحملة الانكليزية الفرنسية لتحرير سورية من حكم فيشي، إلى أن لهم أن يؤلفوا دولة واحدة إذا شاؤوا. ولكن لم يدع أبناء الدولتين يعملون شيئاً لتحقيق ذلك. وفرنسا في مختلف أدوارها لم يكن يهمها إلا الحكم الفرنسي ومصالحه، وهي تعتقد أن سياسة التفريق والتجزئة أفضل وسيلة لتمكينه وتثبيته(3).‏

وكان العرب يعلمون أن هذه الوعود مزيفة، فالوثائق الألمانية المختصة بالسياسة تجاه الشرق الأوسط بين 1939-1945 تبين أن الحلفاء كانوا محظوظين لأن هتلر لم يأبه لهذه المنطقة من العالم، إذ أن عداءه للسامية (الذي اتهم به) شمل العرب واليهود على حد سواء، وكان مشغولاً بفتوحاته في ميادين أخرى، فترك هذه المنطقة وشأنها(4).‏

واستغل الأمير عبدالله قضية تحرير سورية من النفوذ الفرنسي الفيشي، فاشتركت بعض قواته إلى جانب الجيش البريطاني في عملية التحرير في حزيران وتموز 1941، أملاً في الضغط على بريطانيا لتحقيق هدف الأمير عبدالله في وحدة شرقي الأردن وسورية أو اتحادهما(5). أي تحقيق وحدة سورية الكبرى كجزء أساسي أولي للوحدة العربية.‏

وكان رد الفعل على تصريح ايدن (29/5/1941) سريعاً جداً في العاصمة الأردنية، فجمع الأمير عبدالله مجلس وزرائه في اليوم التالي (30/5/1941) وأصدر بياناً ناشد فيه العرب أن يعلنوا وحدة البلاد السورية، وأرفق بيانه بمذكرة رفعها إلى الحكومة البريطانية بهذا الخصوص. وفضلاً عن ذلك، فقد دعا في 16/7/1941 المستر اوليفر لتيلتون (Oliver Lyttelton) الوزير البريطاني المقيم في الشرق الأوسط، لزيارة عمان لتبادل الرأي ووجهات النظر حول المشكلات القومية للدول العربية (وكان قد تم تحرير سورية ولبنان من حكم فيشي وأصبحتا تحت سيطرة الحلفاء). ورد الوزير مبدياً استعداده للزيارة في أقرب فرصة ممكنة، ومعرباً عن عطف حكومته على النشاط القائم تحقيقاً للوحدة العربية كاملة أو جزئية. ولكنه أشار إلى أن "الظروف الحربية القائمة تدعو للتريث والتمهل قبل الإقدام على أي عمل خطير من هذا النوع".‏

وقام الوزير البريطاني بزيارة عمان في أوائل أيلول 1941، وصدر بلاغ في 13 منه عن تلك الزيارة جاء فيه : "إنه لاشيء يحول دون تنفيذ هذه الوعود (أي وعود الوحدة والاستقلال)، وايصال العرب إلى أمانيهم القومية، وأن الأمور تتمشى مع مراحلها الزمنية، وأن الخطوة الأولى في هذا السبيل يجب أن تقوم بها الدول العربية نفسها. وأن الحكومة البريطانية ستساعد العرب فعلاً وبكل طريقة ممكنة للوصول إلى مايصبون إليه، وأن مصلحتها ومصلحتهم واحدة " .‏

ولم يترك الأمير عبدالله فرصة دون أن يدعو لمشروعه، فخطب في المجلس التشريعي الرابع في 6/11/1941 مشيراً إلى أنه سيتم توحيد سورية وشرقي الأردن مهما كان الثمن الذي سيتكبده. وكتب مذكرة إلى المستر (لتلتون) في 23/11/1941، انتقد فيها سياسة الفرنسيين في سورية. وعبر عن خشيته من أن تكون تلك السياسة تهدف إلى استمرار تمزيق وحدة سورية الطبيعية. وأكد حق العرب في وحدة بلادهم. ثم طلب منه نتيجة ماأســــفرت عنه محادثاتهما الأخيرة في عمان، فرد لتلتون على الأمير بمذكرة فـي 5/12/1941 يطمئنه بأن الأمور السياسية التي أشار إليها الأمير هي على الدوام موضع دراسة جدية من الحكومة البريطانية(6).‏

وفي 6/1/1942 أصدر مجلس الوزراء الأردني قراراً يطالب فيه برفع الانتداب عن شرقي الأردن لتصل إلى مرتبة البلاد العربية الأخرى، ولتتمكن من السعي للوحدة معها، تلك الوحدة التي صرحت الحكومة البريطانية بالعطف عليها. وأشار القرار إلى مضار وضع أي حاجز بين الأجزاء السورية على الحياة السياسية والاقتصادية. ثم انتهى إلى القول: "إن الوحدة العربية هي مطمع العرب الذين ينتظرون الوصول إليها مباشرة أو تدرجاً بحسب الظروف، واجتياز العقبات الإقليمية. أما الوحدة السورية فهي مطمع الأردنيين جميعهم " .‏

ودعا قرار مجلس الوزراء الأردني الحكومة البريطانية إلى أن تؤمن بالتعاون مع حكومة فرنسا الحرة، استقلال سورية ولبنان بشكل يجعل بالإمكان التفاهم مع سكانهما على ماتقتضيه المصالح المشتركة. و "أن تزال كل الصعوبات وتبذل كل التسهيلات في هذا السبيل، رعاية للوعود والتصريحات الرسمية التي تأمل حكومة شرق الأردن وأهله أن صديقتهم بريطانيا العظمى ستبذل كل جهد في سبيل تنفيذها "(7).‏

والواقع أن الحكومة البريطانية لم تكن في وضع يسمح لها بأن تصغي إلى دعوة الأمير عبدالله، ذلك أن الحرب في الجبهة الليبية كانت تجري على غير ماتوقعت. هذا بالإضافة إلى أن ظروف مصر الداخلية، دفعت الحكومة البريطانية إلى فرض مصطفى النحاس رئيساً للوزارة في 4/2/1942. أي فرضت حكومة موالية للحلفاء(8).‏

ويبدو أن النحاس باشا قد بدأ تحركاته العربية في إطار السياسة البريطانية في هذا الشأن، فقد دعا في 2/6/1942 كلاً من بشارة الخوري زعيم الكتلة الدستورية في لبنان وجميل مردم بك أحد زعماء الكتلة الوطنية السورية، لزيارة القاهرة. وتم اتفاق الثلاثة على الخطوط العريضة للسياسة اللبنانية المقبلة. وقد أبدى الخوري استعداده، في حالة وصوله إلى رئاسة الجمهورية، للتعاون مع الدول العربية شرط استقلال لبنان ضمن حدوده المعترف بها. ورأى أن ذلك قد يكون عقبة في سبيل إنشاء جامعة الدول العربية.‏

ومما قاله بشارة الخوري : " إننا نريد التعاون مع الدول العربية إلى أقصى حد على هذا الأساس، ثم استدركت أن عدداً من المسيحيين لايعتنق هذا المذهب، وقد يعاكسه لاعتقاده بضرورة حماية أجنبية لبلاده ".‏

وكان يهم النحاس باشا سماع رأي سورية بالموقف والسياسة اللبنانية المستقبلية، لأن سورية هي جارة للبنان، فقال جميل مردم : " نحن نثق بكلام الشيخ بشارة، وعندما تطمئن سورية لهذا الاتجاه في السياسة اللبنانية، فنحن مستعدون لأن ننزل عن أي مطلب لنا في لبنان. بل أن نوسع أراضي لبنان إذا لزم ".‏

وذكر الخوري أنه عندما كان في مصر راح البعض يخلق الشوائع بأن لبنان سيكون عضواً في وحدة أو اتحاد، وذلك لمجرد كوننا جعلنا من أهدافنا سياسة استقلالية بحتة يصبح بها لبنان سيد شؤونه ومقدراته. ولقد كان جميل مردم بك معنا في مصر حينذاك وكان يصرح أمام النحاس باشا وسواه بأنه لو كان جميع الناس في لبنان يفكرون كما يفكر بشارة الخوري لعدلنا عن المطالبة بشبر واحد من لبنان ولأعطيناه من أراضينا مايريد "(9).‏

وفي الوقت الذي كان فيه عبدالله يسعى إلى توحيد سورية (الكبرى) ويعارضه حكام سورية ولبنان، كان الصهيونيون في فلسطين يسعون إلى توسيع سيطرتهم وجعل حدودهم تمتد لتشمل نهر الأردن (أي بأخذ قسم من إمارة شرقي الأردن) ونهر الليطاني (أي بأخذ قسم من دولة لبنان) وأن حدود الدولة اليهودية يجب أن تكون مجاورة للبنان المسيحي(10).‏

2- مشروع نوري السعيد للوحدة العربية (الهلال الخصيب)‏

كانون الأول 1942 :‏

ومع استمرار الحديث عن الوحدة العربية وجهود الأمير عبدالله لتحقيق وحدة أو اتحاد سورية الطبيعية، قابلها نوري السعيد رئيس وزارء العراق بمشروعه المعروف باسم (الهلال الخصيب) (11). وقد قدم نوري السعيد مشروعاً وحدوياً من نوع جديد. وقد تضمن مفاهيم جديدة ونشره في عام 1943 في الكتاب المعنون (الكتاب الأزرق) استقلال العرب ووحدتهم، مذكرة في القضية العربية مع إشارة خاصة إلى فلسطين ومقترحات رامية إلى حل نهائي ومربوط معها نصوص جميع الوثائق المتعلقة بالقضية وضعها الفريق نوري السعيد" .‏

وتتصــدر الكتـــاب رســالــة مــن نوري السعيد إلى الـــوزيـــر البريطاني كيسي (Richard Cassy) في كانون الأول 1942 يبدأها كما يلي : " عزيزي المستر كيسي، على أثر الحديث الذي دار بيننا حول مستقبل الدول العربية، قررت العمل بمشورتكم فكتبت مذكرة في الموضوع باسطاً فيها رأيي الشخصي في المعضلات التي تجابهها ومقترحاتي لحلها. وقد وضعت المذكرة المربوطة بهذا الكتاب أنا نفسي بصفتي الشخصية. ومع علمي بأن غير واحد من زملائي وزعماء عراقيين آخرين يشاركونني في آرائي، لا أود اعتبار هذه الآراء بوجه من الوجوه بياناً معبراً عن سياسة الحكومة العراقية ".‏

وتتناول الرسالة شرح الأطماع الصهيونية في فلسطين، وتدعو بريطانيا وحلفاءها إلى العمل لوقف تلك الأطماع خيفة أن تسيء إساءة لاتعوض إلى العلاقات بين بريطانيا والعرب. ولعل توجيه الرسالة إلى بريطانيا لكونها صاحبة السيادة في المشرق العربي بعد تحرير سورية من حكم فيشي .‏

ويتألف الكتاب من (16) صفحة وقد اقترح فيه قيام وحدة بين سورية ولبنان وشرقي الأردن وفلسطين في دولة واحدة، وأن تنشأ جامعة للدول العربية يكون لمجلس الجامعة مهام عديدة منها : الدفاع والشؤون الخارجية وحماية الأقليات .... واقترح نوري السعيد في مشروعه بأن يمنح لليهود في فلسطين شبه حكم ذاتي، وأن يمنح الموارنة في لبنان - إذا طالبوا بذلك - نظاماً خاصاً مثل الذي كان لهم خلال العهد العثماني، على أن يرتكز الحكم الذاتي للموارنة واليهود إلى ضمان دولي.‏

ويبدأ الكتاب بالإشارة إلى أن عرب المشرق هم شعب واحد من حيث اللسان والثقافة والشؤون الاقتصادية وغيرها. " والرابطة الثقافية التي بين هذه الشعوب مستحكمة اليوم استحكامها مدة قرون مضت نظراً إلى التحسن الذي طرأ على المواصلات والتربية، وذلك على الرغم من تقسيمها في خلال عشرين سنة مضت إلى عدة دول مختلفة، وسن قوانين مختلفة لهذه الدول. وكانت هذه الأقاليم جميعاً جزءاً من الامبراطورية العثمانية، فلم تفصل بينها حدود دولية، وكانت طرق إدارتها واحدة، وقوانينها كذلك. وكانت عادات سكان هذه المناطق، مسلميهم ومسيحييهم، وتقاليدهم واحدة. وكان طعامهم واحداً وكذلك تفكيرهم ".‏

وذكر نوري السعيد تحت عنوان "المسيحيون والعرب" : "أجل يوجد في سورية وفلسطين عدد لايستهان به من المسيحيين، إلا أن هؤلاء عرب في الأصل، وهم على غرار جيرانهم تماماً في عاداتهم ولسانهم وطرق معيشتهم. وكثيراً ماكانت الطوائف المسيحية فيما مضى أشد عداء لبعضها البعض من معاداتها للمسلمين الذين عاملوا جميع الطوائف على السواء".‏

ويأتي نوري السعيد على ذكر لبنان فيقول : "وكان الموارنة الطائفة الوحيدة التي لها وضع خاص، إنما على أثر الاضطرابات التي وقعت بين موارنة لبنان ودروزه في سنة 1864، وُضع لهذه الولاية نظام ممتاز يتمتع اللبنانيون بمقتضاه بقسط وافر من الحكم الذاتي، مما مكن الموارنة من الحصول على حكومة يرأسها حاكم مسيحي. واستند هذا الطراز الإداري الخاص إلى ضمان دولي. وكان في ذلك العهد، كما في عهد الامبراطورية العثمانية القديمة (ملل) متنوعة متمتعة بحقوق خاصة، لأن فكرة وجود جماعات متمتعة بشبه حكم ذاتي في داخل الدولة فكرة مألوفة عند الدول المتخلفة، ومعتبرة على العموم سياسة صائبة منطوية على الإنصاف. وهذا النظام الممتاز الذي يتمتع به اللبنانيون جدير بالدرس الدقيق لأنه مما يمكن اتخاذه مثالاً يحتذى به لإنشاء ايالات يهودية متمتعة بحكم شبه ذاتي في فلسطين على ما سأشرحه فيما بعد ".‏

ويستطرد نوري السعيد فيتكلم عن كفاح العرب، وعن العرب والترك، وعن العرب في الحرب العظمى، وعن الوعود البريطانية وعن تمزيق البلاد العربية.‏

ويتكلم عن سورية ولبنان فيقول : "إن سورية ولبنان لبسا دون كثير من البلدان الأوروبية حضارة، إلا أن نظام الانتداب الغاشم المفروض عليهما قد أفقرهما وبذر بذور الانقسام بين سكانهما مما أدى إلى حدوث القلاقل والاضطرابات فيهما من حين إلى آخر. وقد اغتنم العرب السوريون كل فرصة للحصول على استقلال حقيقي حتى أنهم ضحوا برغبتهم في الوحدة في سبيل الحصول على الاستقلال المنشود. فعقدوا اتفاقاً مع الفرنسيين على تقسيم بلادهم إلى دولتين هما سورية ولبنان (لعله يقصد معاهدة 1936).‏

ثم يتكلم عن سورية الجنوبية أي فلسطين وشرقي الأردن.‏

ويستطرد فيتكلم عن سورية الكبرى وعن الكتاب الأبيض لفلسطين الصادر عام 1939 وعن العرب وميثاق الأطلسي، وعن اتفاق العرب لمكافحة دعاية المحور وعن شؤون عربية أخرى. ويصل نوري السعيد إلى الخاتمة يبدي فيها الآراء التالية :‏

1- أن يعاد توجيد سورية ولبنان وفلسطين وشرقي الأردن في دولة واحدة.‏

2- أن يبت سكان هذه الدولة أنفسهم في نوع الحكومة التي تتخذها هذه الدولة سواء أكانت ملكية أم جمهورية، وأيضاً سواء أكانت وحدة أم اتحاداً (كونفدراسيون).‏

3- أن تنشأ عصبة عربية ينضم إليها العراق وسورية فوراً على أن يباح للدول العربية الأخرى الانضمام إليها متى شاءت.‏

4- أن يكون لهذه العصبة مجلس دائم ترشحه الدول المنخرطة في سلك هذه العصبة، ويرأسه أحد رؤساء الدول الذي يتم اختياره اختياراً تقبله الدول ذات الشأن .‏

5- أن يكون مجلس العصبة العربية مسؤولاً عن الأمور الآتية : الدفاع - الشؤون الخارجية - العملة - المواصلات - الجمارك - حماية حقوق الأقليات - التعليم.‏

6- يمنح لليهود في فلسطين إدارة شبه ذاتية في المنطقة التي يكونون أكثرية فيها، مع منحهم الحق في إدارة مناطقهم الريفية والمدنية، ويشمل ذلك المدارس والمؤسـسات الصحية والشرطة، على أن تكون هذه المؤسـسات الصحية والشرطة تابعة لإشراف الدولة السورية بوجه عام .‏

7- تكون القدس مدينة يباح دخولها لأبناء جميع الأديان بقصد الزيارة أو العبادة، وتتألف لجنة خاصة من ممثلي الأديان الثلاثة السائدة لضمان ذلك.‏

8- أن يمنح الموارنة في لبنان - إذا شاؤوا - إدارة ممتازة (نظاماً خاصاً) على نحو ماكانوا يتمتعون به في خلال السنوات الأخيرة من عهد الامبراطورية العثمانية. وستستند هذه الإدارة الخاصة أسوة بالإدارات التي ستؤسـس وفق أحكام الفقرتين (6،7) السابقتين إلى ضمان دولي.‏

وإذا كان في الإمكان حسبما تقدم إنشاء حلف (كونفدراسيون) من الدول العربية يشمل العراق وسورية وفلسطين وشرقي الأردن في بادىء الأمر، مع إباحة الانضمام إليه للدول العربية الأخرى فيما بعد، يزول عندئذ كثير جداً من الصعوبات التي جابهتها بريطانيا العظمى وفرنسا في الشرق الأدنى في خلال العشرين سنة الماضية.‏

إن عرب فلسطين يتخوفون الآن من صيرورتهم أقلية في دولة يهودية، لذلك نراهم يعارضون أشد المعارضة في منح اليهود حقوقاً خاصة. إلا أن هذا العداء سيخف إذا أصبحت فلسطين جزءاً من دولة عربية قوية، وفي استطاعة اليهود أن يؤسـسوا وطنهم القومي في أنحاء فلسطين حيث هم الآن أكثرية. وبذلك يزداد اطمئنانهم إلى سلامتهم لأن جيرانهم العرب سيضمرون لهم حينئذ نيات طيبة، فضلاً عن ازدياد الفرص الاقتصادية السانحة لهم متى أصبحوا طائفة متمتعة بإدارة شبه ذاتية في دولة أكبر جهداً مما يأملونة(12).‏

3- مشروع الأمير عبدالله لوحدة سورية الكبرى أوائل 1943 :‏

لما وضح أن النفوذ الفرنسي سيتقلص من الشرق نهائياً، عاود الأمل الهاشميين في تحقيق مشروعهم القديم. ولعل الأمير عبدالله علم بمشروع نوري السعيد، فحاول أن يضع مشروعاً مفصلاً لما كان يطالب به من وحدة أو اتحاد بين شرق الأردن وسورية، فأرسل الأمير عبدالله مذكرة سياسية جديدة إلى الحكومة البريطانية في أوائل 1943 فصل فيها رأيه في حل (المسألة السورية) بوجه خاص، و (المسألة العربية) بوجه عام(13).‏

وجاء في مذكرة الأمير عبدالله إلى الحكومة البريطانية، أنه "بناء على وعود بريطانيا للعرب سابقاً ولاحقاً، ونظراً لعجز الحكومة الفرنسية الشرعية عن القيام بوكالتها المؤقتة (أي انتدابها) عن عصبة الأمم في سورية، وزوال تلك الوكالة حكماً بسقوط أهليتها القانونية نظراً لتمتع سورية باستقلال ودستور شرعيين، وبالإشارة إلى ماصرح به وزير الخارجية البريطانية المستر (ايدن)، بشأن الوحدة العربية"، فإنه يرى أن من "مقتضيات تسهيل مهمة الديمقراطيات في الشرق الأدنى، وإعادة توثيق الصداقة العربية البريطانية التقليدية، وضمان الثقة والاستقرار في البلاد السورية" أن ينفذ أحد المشروعين التاليين :‏

المشروع الأول : إنشاء دولة سورية موحدة واتحاد عربي. ومن أهم أركان هذا المشروع :‏

أ - اعتراف الحلفاء باستقلال سورية بحدودها الطبيعية وسيادتها واعتبار وحدتها القومية والجغرافية أساساً لنظام الحكم فيها. على أن يكون نظام الحكم ملكياً دستورياً، ويتمتع (لبنان القديم) بإدارة خاصة.‏

ب- تضم الدولة السورية الموحدة، سورية الشمالية ولبنان وشرق الأردن وفلسطين وتحكمها حكومة مركزية واحدة.‏

جـ- إلغاء وعد بلفور أو الاكتفاء بالوضع الراهن ومنع الهجرة اليهودية أو تفسيره تفسيراً يزيل مخاوف العالمين العربي والإسلامي.‏

د- تصان المصالح البريطانية والأجنبية في الدولة السورية الموحدة بمقتضى معاهدة كالمعاهدتين المصرية والعراقية.‏

هـ- يدعى الأمير عبدالله بن الحسين لرئاسة الدولة السورية لاعتبارات مفصلة في المشروع.‏

و- بمجرد إعلان تأسيس الدولة السورية الموحدة يؤسـس اتحاد عربي تعاهدي من أراضي الهلال الخصيب (الدولة السورية الموحدة والعراق) وتوحيد التنسيق السياسي والدفاع والثقافة والشؤون الاقتصادية. ويفسح المجال للدول العربية الأخرى للانضمام إليه. وفي حالة عدم تطبيق هذا المشروع يتم تطبيق المشروع الثاني .‏

المشروع الثاني : إنشاء الدولة السورية الاتحادية واتحاد عربي: وأهم أركانه :‏

أ - قيام اتحاد سوري مركزي يضم حكومات شرق الأردن وسورية الشمالية ولبنان وفلسطين وتكون دمشق عاصمة الاتحاد. وإذا تخلفت حكومة لبنان عن الانضمام إلى الاتحاد السوري المركزي لأسباب خاصة بها فيجب أن تعاد الأراضي السورية، الملحقة بلبنان (حاصبيا وراشيا والبقاع وبعلبك) دون رغبة من السكان، إلى سورية.‏

ب - ينظم الاتحاد المركزي شؤون الدفاع والمواصلات والاقتصاد الوطني والسياسة الخارجية والثقافة العامة والقضاء الاتحادي مع بقاء الاستقلال الذاتي لكل من الحكومات الإقليمية الأربعة.‏

جـ- يكون للاتحاد مجلس تشريعي بالانتخاب، ويمثل الأقاليم المتحدة، وينتخب رئيس الوزراء الاتحادي وأعضاء السلطة التنفيذية طبقاً لأحكام الدستور.‏

د - يتم الاتحاد تبعاً لمفاوضات بين الحكومات الإقليمية الأربعة ويبدأ ذلك باتفاق حكومتي سورية الشمالية وشرقي الأردن.‏

هـ- يدعى الأمير عبدالله بن الحسين لرئاسة الاتحاد السوري المركزي لنفس الاعتبارات الواردة في المشروع الأول، على أن ينيب عنه من يدير شرقي الأردن.‏

و - تصان المصالح البريطانية والأجنبية في الاتحاد السوري المركزي بمقتضى معاهدة كالمعاهدتين المصرية والعراقية.‏

ز - بمجرد إعلان تأسيس الاتحاد السوري يؤسـس اتحاد عربي من العراق والاتحاد السوري (الهلال الخصيب).‏

حـ- يشترط لانضمام فلسطين إلى الاتحاد تحقيق الأمور التالية :‏

1- قيام حكومة وطنية دستورية في فلسطين بحدودها الحاضرة .‏

2- العمل بالكتاب الأبيض لسنة 1939 مؤقتاً إلى أن يحل محله تفسير رسمي لوعد بلفور من الجانب البريطاني يزيل مخاوف العرب والمسلمين.‏

3- تبادل التعاون الاقتصادي بين الاتحاد العربي والمواطنين اليهود.‏

4- تعلن الهيئات اليهودية المسؤولة موافقتها على هذا الحل بإخطار الحكومة البريطانية بذلك. وإذا لم تحل مشكلة فلسطين على هذا النحو تظل خارج نطاق الاتحاد، وبعد قيام الاتحاد السوري يصار إلى تأسيس الاتحاد العربي(14).‏

4- الوحدة السورية اللبنانية في مشروع جامعة الدول العربية 1943 :‏

استمر الحديث عن إمكانية قيام وحدة عربية بين الأوساط العربية والأجنبية وفي مختلف الصحف لاسيما بين عامي 1942-1943(15).‏

وقد يظهر للوهلة الأولى أن مشروع سورية الكبرى يتعارض مع مشروع الهلال الخصيب ولكن الحقيقة أن كلا المشروعين مكمل للآخر ومتمم له ولاتعارض بينهما. وقد سارا جنباً إلى جنب، مع اصطدامات ظاهرية أوائل عام 1943. واجتهد صاحباهما في إقناع بريطانية تبنيهما. لكن بريطانيا رفضتهما معاً، لأنهما كانا يتعارضان مع مخططها بإدخال مصر في الجامعة العربية، بعد أن وضعت السلطات البريطانية على مصر حكومة موالية للحلفاء (حادث 4/2/1942)، والظروف لم تكن مواتية لتحقيق أحدهما لأن الحرب لم تنته بعد، ولذلك وضعا على الرف. وفضلت بريطانيا فكرة الجامعة على المشروعين المذكورين لأن الجامعة تؤمن لها النفوذ في سبع أو ثمان دول. بينما انحصر المشروعان في نصف هذا العدد. ولأن فكرة الجامعة كما وضعتها بريطانيا كانت مطاطة جداً وشكلية، بينما يدعو المشروعان إلى وحدة كاملة لاتريدها بريطانيا بأي شكل من الأشكال(16).‏

وكررت بريطانيا تقربها من العرب ودغدغة أحلامهم في الوحدة. وحمل المخطط البريطاني خطاباً جديداً لانطوني ايدن في 24/2/1943 (تصريح ايدن الثاني) أطلقه في مجلس العموم البريطاني جاء فيه : " إن الحكومة البريطانية تنظر بعين العطف إلى كل حركة بين العرب لتعزيز الوحدة الاقتصادية والثقافية والسياسية. ولكن من الجلي أن الخطوة الأولى لتحقيق أي مشروع يجب أن تأتي من العرب أنفسهم ". وختمه ايدن بقوله : " لم يوضح حتى الآن مثل هذا المشروع الذي سينال استحساناً عاماً ".‏

وفهم الهاشميون من خطاب ايدن الأخير أنه يعني الرفض لمشروعي الهلال الخصيب وسورية الكبرى من جهة، وإصراراً على إدخال مصر الجامعة وتسليمها الزعامة فيها من جهة أخرى. يؤيد هذا ماذهب إليه عبدالله بقوله في مذكراته "بأنه كان على جهل تام من درجة تحقيق أماني الوحدة أو الاتحاد، ومايملكه رئيس وزراء مصر مصطفى النحاس، من وعود سرية يعلمها هو من لدن انجلترا "(17).‏

وبادر النحاس باشا وأعلن في 30/3/1943 أمام مجلس الشيوخ المصري، أنه باشر المباحثات مع المسؤولين العرب بشأن الجامعة وأنه دعا نوري السعيد إلى مقابلته في القاهرة(18).‏

وعارض الأمير عبدالله دعوة مصطفى النحاس بعنف، وأصدر في 3ربيع الآخر1362 8/4/1943 بلاغاً بعنوان : "من عبدالله بن الحسين إلى أهل الشام" حاضرة وبادية ومن خليج العقبة إلى البحر الأبيض المتوسط إلى أعالي الفرات". دعا فيه " جملة أهل الحل والعقد في بلادالشام إلى مشروع وحدة أو اتحاد سوري شامل ووطن كامل، يناقشون أمره في مؤتمر سوري خاص". ورحب بعقده في عمان "عندما يختارون وقته وزمانه، أو يؤيدونه بعد إنعام النظر في مراميه، هيئات وفئات، زعماء وعلماء". ومنع هذا البلاغ في فلسطين وسورية ومصر. وأتبع هذا البلاغ بمذكرة إضافية في 18/5/1943 قدمها إلى المندوب السامي البريطاني ليرفعها إلى حكومته، مشيراً " بضرورة استقلال سورية بحدودها الطبيعية"، ومطالباً بإصدار "تصريح رسمي مشترك بريطاني فرنسي بتأييد استقلال سورية بحدودها الطبيعية، أو تأييد اتحاد حكوماتها الوطنية الشرعية اتحاداً مركزياً، مع التحفظات اللازمة لضمان المصالح البريطانية الفرنسية، التي لاتتعارض مع استقلال البلاد التام ووحدتها أو اتحادها". وقدم عبدالله مذكرة ملحقة في 31/5/1943 ولم ترد الحكومة البريطانية على مذكرات الأمير عبدالله المتعددة بشأن سورية الكبرى .‏

وتبادل الأمير عبدالله مع فارس الخوري في 1943 عدة رسائل بشأن سعيه وجماعته إلى الدعوة إلى وحدة أو اتحاد سوري برئاسة الأمير عبدالله وقد وافق الخوري على مبدأ الوحدة والاستقلال(19).‏

وفشل الأمير عبدالله في محاولاته مع (الشعب العربي في سورية) الذي لم يكتف برفض دعوة الأمير والإعراض التام عن المؤتمر الذي دعا إليه، بل حمل شكري القوتلي، وكان زعيم الحركة الوطنية وخصماً تقليدياً للأطماع الهاشمية، إلى رئاسة الجمهورية في 17/8/1943(20). وقد كانت سياسة الكتلة الوطنية تعارض السياسة الهاشمية .‏

بدأت الحكومة المصرية مشاورات الوحدة مع الأقطار العربية المستقلة ومنها لبنان وسورية في صيف 1943 للتفاهم. وتوجهت سورية بعد أن بدأت في إنشاء أوضاعها الاستقلالية، إلى هذه المشاورات بكل ماتشتمل عليه نفوس أبنائها من حماسة للفكرة العربية. وكان معظم زعماء العهد الجديد الذين عرفوا مصر من قبل وشاهدوا هذا الاتجاه فيها، أكثر الناس ابتهاجاً(21).‏

ولقد لبى نوري السعيد دعوة مصطفى النحاس، تحت ضغط السلطات البريطانية، وعقدت مباحثات بينهما امتدت من 31/6 إلى 5/8/1943 وانتهت إلى اتفاقهما على التشاور مع بقية الدول العربية على شكل الاتحاد أو الوحدة العربية(22).‏

وأخيراً أسقط في يد الأمير عبدالله عندما عقدت جولة المحادثات بين السعيد والنحاس في القاهرة، وخاف أن ينعزل سياسياً، فاضطر إلى أن يلبي تحت ضغط نوري السعيد، دعوة مصطفى النحاس للاجتماع بممثله في القاهرة للمباحثة بشأن الوحدة العربية. فأوفد (توفيق أبو الهدى) بتعليمات خاصة، ضمنها مذكرته المؤرخة في 24/8/1943(23). الموجهة إلى الحكومة العراقية.‏

وقد طالب الأمير في مذكرته بأن " تتحد البلاد الشامية (سورية الكبرى) أو أن تتوحد". وأنه إذا بقيت هذه البلاد منقوصة السيادة تحت انتدابات أجنبية أو تشتت محلي، فأمر تمشيها مع مصر والعراق يكون من الضعف وعدم التماسك بصورة تجعلها تعجز عن القيام بما يجب عليها في هذا المضمار". وختم الأمير عبدالله تعليماته إلى أبي الهدى بأنه يؤيد كل جهد ومساعي مصر والعراق ويصر على أن " على مصر والعراق السعي لوحدة سورية أو اتحادها قبل أي اتحاد عربي آخر ". وذكرت المذكرة أن للبنان الخيار بين الوحدة أو الاتحاد، على أن مسألة لبنان الكبير هي من جملة حقوق سورية التي لاينبغي إغفالها .‏

وامتدت المشاورات بين النحاس وتوفيق أبي الهدى من 28/8 إلى 1/9/1943. وقد شرح فيها أبوالهدى (رئيس وزراء الأردن) وجهة نظر أميره في موضوع سورية الكبرى. وطالب مصطفى النحاس بمد يد العون والتأييد لتحقيق ذلك المشروع(24).‏

وحاول الأمير عبدالله أن يتصل بقيادة الحركة الوطنية في سورية، فكتب إلى شكري القوتلي رئيس الجمهورية وإلى فارس الخوري رئيس مجلس النواب، وإلى سعد الله الجابري رئيس الوزراء، وأكد في كتبه لهم ضرورة توحيد سورية الكبرى "التي متى اتحدت فالعرب متحدون". وكانت ردودهم تشير إلى أن سورية ماضية في سبيل قصدها عاملة على تحقيق غاياتها، وكل مؤازرة لها هي تعزيز للقضية وإعلاء شأنها. وأنها " لن تقتصر في جهد حتى تصبح قوية عزيزة وتكون داعية للانسجام والتعاون والتضامن بين سائر الأقطار العربية التي آن لها أن يجتمع شملها وتدرك أمانيها"(25) وهذه الردود، بهذه الدبلوماسية المعتدلة، لاتعبر عن رأي محدد.‏

واستغل الأمير عبدالله توقيف فرنسا لرجال الحكومة اللبنانية في تشرين الثاني 1943 وأرسل إلى الشيخ محمد توفيق خالد مفتي لبنان، رسالة مؤرخة في 21/11/1943 يرجوه إبلاغ مواساته لرجالات الدولة ويبشره بقرب الإفراج عنهم، ويرجوه التوسط لإقامة علاقات بين البلدين(26).‏

وقد اختلفت الآراء (في مشاورات الوحدة العربية 1943) في أمر التعاون السياسي الذي يشمل الدفاع والشؤون الخارجية، اختلافاً كبيراً، فوافقت سورية والعراق وشرقي الأردن على التعاون السياسي، لكن لبنان رأى الانفراد بمسألتي الدفاع والشؤون الخارجية، ورأت المملكة العربيةالسعودية تأجيل البحث في موضوع التعاون السياسي حتى تتغير الظروف(27). فقد تحفظ وزير خارجية المملكة العربية السعودية، يوسف ياسين (السوري الأصل)، ممثل الملك عبدالعزيز، في 10/10/1943 عندما اجتمع مع النحاس باشا فأوضح بأن السعودية تتحفظ حيال الوحدة السياسية الاندماجية، وأنها مع التعاون الاقتصادي والثقافي بين العرب(28).‏

وقد قدم سعد الله الجابري رئيس الوفد السوري في اجتماع 30/10/1943 في القاهرة فيما عرف باسم (مشاورات الوحدة العربية) مذكرة(29) بسط فيها وجهة النظر السورية في شأن الوحدة السورية، التي تؤلف بين ربوعها على أن تكون دمشق عاصمتها والجمهورية نظام الحكم فيها، وفي الوحدة العربية الشاملة فقال : "كنا دائماً نطالب بأن يكون لبنان بالنسبة إلى سورية في وضع طبيعي. فإما أن تكون الصلات بيننا وبينه قائمة على أسـس الاتحاد، وإما أن ترد إلى سورية الأجزاء التي انتزعت منها ويعود لبنان إلى ماكان عليه من قبل. ولكن الآن وقد أخذ يتخلص من كل نفوذ يعترض سبيله، ويحول دون ممارسته لخصائص الاستقلال والسيادة وصلاحياتهما، فإننا رأينا أن ننهج خطة جديدة، فنقيم الصلات بيننا وبينه علــى قاعدة التعاون في تثبيت الاســـتقلال وتسوية المشكــلات التي أحدثها الماضي بالتعاون والاتفاق" .‏

وهكذا أعلن الجابري تنازل سورية عن الوحدة السورية لحساب الوحدة العربية وهو تنازل مشروط .‏

وقد أشارت المذكرة إلى تقسيم الدولة العثمانية واتفاقية سايكس - بيكو بقولها :‏

" الحرص على إزالة التجزئة التي أوجدتها القوة الغالبة والمطامع الدولية والمنافسات السياسية، حتى يتحقق الاتحاد الذي تنشده سورية، وتطمس آثار تلك الظلامة التاريخية التي مزقتها وعاقت سيرها ونموها " .‏

وعندما بحثت المذكرة في الوحدة العربية ومداها وأداة تحقيقها، فإنها أكدت " رغبة سورية في إنشاء اتحاد عربي يشمل التعاون السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي وأنها تؤثر أقوى أداة له وهو الحكومة المركزية أو نظام آخر من الاتحاد أو الاتفاق أو الحلف. وأن يضم الاتحاد مصر والشام والمملكة العربية السعودية واليمن ولبنان وفلسطين وشرق الأردن. أما الأقطار العربية المحمية أو بعض الأقطار في شمال أفريقيا فلاشك أنه ينبغي أن تمد لها يد المعونة، وأن تؤازر في رفع مستواها وتكوين وجدانها القومي " .‏

وختمت المذكرة ايضاحها بهذه الكلمات : " لايسع الذين يحملون عبء المسؤولية في ديار الشام إلا أن يعربوا عن شعور بلادهم وأمانيها بالدعوة الصريحة إلى اتحاد البلاد العربية ....... " .‏

وهكذا تتجنب المذكرة ذكر كلمة (سورية) ذات المدلول السياسي والجغرافي المحدود، وتستعمل كلمة (الشام) ذات المدلول العربي التاريخي. وكأن المذكرة تتحدث بلسان الشام كلها بحدودها الطبيعية وبأجزائها المحدثة (سورية ولبنان وشرقي الأردن وفلسطين) بل وبقية أجزائها المتوزعة في الدول المجاورة.‏

أما موقف لبنان (الذي تشكل فيه حكم دستوري استقلالي منذ 21/9/1943) من مشروع جامعة الدول العربية، فيتضح من بيان رئيس الوزراء رياض الصلح الذي ألقاه قبل سفره إلى مصر للاشتراك في مفاوضات 1943، في مجلس النواب اللبناني والذي جاء فيه : " إنه لايمكن بحال من الأحوال أن نقبل انتقاصاً من استقلال لبنان ".‏

وتكلم النائب عبد الحميد كرامي قائلاً : " نحن الذين حاربنا لبنان في الماضي لأنه لم يكن عربياً، ونحن الذين طلبنا الوحدة السورية، أتينا اليوم إلى هذه الندوة نعترف باستقلال لبنان ونناضل في سبيل هذا الاستقلال ضد أي كان لأن لبنان أصبح الآن عربياً "(30). هذه العروبة المقيدة بالاستقلال لم تكن في الحقيقة إلا تطبيقاً لعروبة الميثاق الوطني، العروبة اللفظية والمصلحة. ومنذ أن تبوأ الرئيس بشارة الخوري رئاسة الجمهورية (1943) واجهته معضلة (الوحدة العربية). ومما صرح به لمراسل مجلة (الإثنين) المصرية، بأنه من مؤيدي التعاون العربي الاقتصادي والثقافي. ومما قاله : أن بعض اللبنانيين اتهموني علناً بأنني أعطيت وعداً أنه في حال انتخابي رئيساً للجمهورية سأسعى إلى تحقيق الوحدة العربية كأنها شر مستطير". ولكنه نفى حدوث ذلك. مع تأييده لنجاح الفكرة الوحدوية بين البلدان العربية على أن يبقى لبنان مستقلاً، ويترك لكل شعب كيانه السياسي، وأضاف بأنه أفصح عن هذه السياسة لنوري السعيد، "وهو يتفق معي في أن من الممكن أن تتحد البلاد العربية في الشؤون الاقتصادية والثقافية " .‏

ومن هنا يلاحظ بأن هناك توافق سعودي وعراقي ومن ثم مصري وبريطاني حول واقع لبنان ومستقبله (إضافة إلى الموقف السوري). وكان لهذا التوافق الأثر البالغ في الاتفاق الداخلي اللبناني، وفي ايجاد صيغة الميثاق الوطني، فالميثاق هو توافق دولي عربي وتوافق عربي - عربي. ومن ثم توافق لبناني - لبناني(31).‏

وكانت القوى الاستقلالية تلقى الدعم الكامل من الدول العربية وبشكل خاص من سورية بسبب التوافق المصيري والمصلحي بين الشعبين السوري واللبناني والعمل سوياً للتخلص من الاستعمار الفرنسي.تضاف إلى ذلك أهمية العامل التاريخي في هذا المجال حيث ارتبط تاريخ البلدين باستمرار إلى حد التدامج. وكانت الدول العربية التي تدعم نضال سورية تدعم أيضاً نضال القوى اللبنانية المتحالفة معها. وكان هدف القوى اللبنانية هو إخراج لبنان من عزلته الداخلية، وربط مصيره بالمحيط العربىالذي يعيش فيه وضمان حدوده واستقلاله ضماناً عربياً دون أية ضمانات أخرى، أي بتعبير آخر التأكيد على عروبة لبنان شعباً وأرضاً واستقلالاً(32).‏

وكثرت في لبنان شعارات (استقلال لبنان وحياده عن الشرق والغرب) و "لبنان الوطن ذو الوجه العربي الذي يستسيغ الخير النافع من حضارة الغرب". وخطاب النائب أسعد البستاني في المجلس النيابي (23/9/1944) يعتبر دليلاً حياً على تطور مفهوم جماعة لبنان اللبناني نحو الإقرار بعروبة الميثاق. فيقول : " ولبنان هذا يتنافى والإدماج ويتناقض والوحدة العربية الشاملة ... إننا لانستأنس الآن في الضم ولا في الوحدة وقد أجمع الجميع على أن يبقى لبنان طليقاً بعيداً عن كل قيد " .‏

وهكذا دعا دعاة لبنان الانعزالي إلى عروبة المصلحة والعروبة الروحية، وعملوا على تعزيز دور لبنان المستقل في وجه أية وحدة عربية أو اتحاد عربي من أي نوع كان، حتى وصل بهم الأمر إلى دعم (القومية اللبنانية) وغيرها من المفاهيم لإلغاء دعوة القومية العربية(33) التي يروا فيها صورة أخرى من الإسلام.‏

المهم أنه في الوقت الذي كانت البرجوازية اللبنانية تندفع فيه أكثر فأكثر نحو تعميق صلاتها الاقتصادية بالوطن العربي، كانت تسعى في الوقت ذاته إلى الحفاظ على استقلالها السياسي الذي يحميها من الذوبان في مشاريع الوحدات المطروحة ... وفي هذا الإطار يمكن فهم التصريحات الكثيرة لجميع ممثلي البرجوازية اللبنانية، المعارضة والموالية، بالدعوة للالتفاف حول عروبة الميثاق أي (لبنان ذو الوجه العربي) وتمتين علاقات لبنان الاقتصادية إلى حدودها القصوى مع الميحط العربي بكافة أسواقه التجارية ... إن هذا تشبث بمكتسبات هامة حصلت عليها هذه البرجوازية خلال الحرب وليس بمقدورها التخلي عنها، كقطاع الاصطياف العربي شديد الأرباح مثلاً التي يستفيد منها مراكز تجمع التيار الانعزالي في الجبل. فشعار الاستقلال عن الغرب والشرق معاً كان في الواقع محاولة البرجوازية اللبنانية لتشديد ارتباطها التبعي بالغرب وتعميق ارتباطها الاقتصادي فقط بالشرق. والشرق هنا تعبير اصطلاحي يعني سورية والداخل العربي. فالبرجوازية اللبنانية كانت تخشى الحدود الجمركية مع سورية لما تعنيه هذه الحدود من تقلص حجم أرباحها(34).‏

وكانت حركة المطالبة بالوحدة العربية نشطة في عام 1944 واصطدمت بالنزعات الانفصالية والإقليمية. وتعرض الاستقلال اللبناني لهذه الحركة الوحدوية. ولقد نشرت مجلة (Times) وغيرها مقالات طويلة حول مشاريع الوحدة العربية في بدايات 1944 : " فإذا بفريق كبير من اللبنانيين، رجال دين وفكر وسلطة، يقلقون ويتلكأون ويتخوفون أن يكون استقلال لبنان مرحلة لضمهم إلى الوحدة العربية التي يتوهم بعض الذين يشتغلون بهذه القضية، دون أن يفهموا كنهها تماماً، أنها ستكون دينية كالامبراطورية العباسية أو الأموية الماضية، بيد أن الوحدة ستكون قومية وإما ألا تكون ... ومن جهة أخرى إذا ببعض اللبنانين يعتبرون لبنان مرحلة ووسيلة في تحقيق الوحدة العربية المنشودة.. ويكاد الخرق بين الفريقين يتسع وتكاد الفتنة تقع حتى أصبحنا نتوقع مشهداً مزعجاً يقوي نزعة الاتقسام..." (35).‏

وبدأت بوادر الوحدة في المؤتمرات العربية التي عقدت منذ ذلك الحين، ومن أهمها مؤتمر المحامين العرب الذي انعقد في دمشق (12-17/8/1944) وتوافد إليه المحامون من كافة الأقطار العربية(36).‏

وفي مباحثات الاسكندرية (25/9 - 7/10/1944) أوضح رئيس الوفد السوري سعدالله الجابري فكرة السوريين ودعوتهم إلى الوحدة العربية الشاملة واعتقادهم بالوحدة السورية التي تؤلف بين ربوعها، على أن تكون دمشق عاصمتها والجمهورية نظام الحكم فيها.‏

ولما آن توقيع بروتوكول الجامعة العربية في الاسكندرية، واقترح إطلاق اسم (الجامعة) على هذه الهيئة الدولية الجديدة، بذل الوفد السوري جهد طاقته لتكون روابط الدول العربية أشد وثوقاً وأكثر انسجاماً وأمتن عرى، كما صنع في أثناء المشاورات الماضية، فاقترح أن يكون تأسيسها على قواعد حلف اتحادي أو تسمى بهذا الاسم. وصرح بأن سورية لاتقصر في بذل جزء من سيادتها القومية في سبيل هذه الغاية وحدها. ولكن معظم ممثلي الدول العربية عارضوا بصراحة هذا الاقتراح ووافقوا على تسمية (الجامعة) وتوقيع البروتوكول في أسـسه التي أعدت له.‏

وفي الاجتماع الكبير في الاسكندرية الذي تكلم فيه رؤساء وفود الدول العربية ووقعوا فيه (بروتوكول الاسكندرية) في 20 شوال 1363 - 7 تشرين الأول 1944، الذي تضمن إنشاء (جامعة الدول العربية)، خطب سعد الله الجابري فأيد ماورد في مذكرة السنة الماضية، وأشار إلى صلات الإخاء الدائم التي لاتنفصم عراها بين الأقطار العربية التي يكتفى ببعضها في توثيق الروابط بين الأمم، فكيف بها مجتمعة متراصة. وتكلم أيضاً باسم (الشام) بقوله: "فالشام التي تحمل إلى هذا الجمع الحافل أمانيها وآمالها، لاتزال منذ القِدم عاملة على خدمة القضية العربية...." (37).‏

ولم يتم توقيع بروتوكول الاسكندرية إلا بعد اتخاذ قرار خاص في شأن لبنان : " تؤيد الدول العربية الممثلة في اللجنة التحضيرية مجتمعة احترامها لاستقلال لبنان وسيادته بحدوده الحاضرة، وهو ماسبق لحكومات هذه الدول أن اعترفت به بعد أن انتهج سياسة استقلالية أعلنتها حكومته في بيانها الوزاري الذي نالت عليه موافقة المجلس النيابي بالإجماع في 7/10/1943(38). وكان هذا القرار لطمأنة العناصر المتخوفة من العروبة. فبعد أن اعترفت الدول العربية باستقلال لبنان منفردة، اعترفت به جماعياً.‏

" وقد أرادت اللجنة بهذا النص تأكيد استقلال لبنان وسيادته تطميناً للخواطر التي كان قد ساورها بعض القلق بسبب ماأشيع عن الوحدة أو الضم "(39).‏

" وهكذا فإن لبنان رغم موافقته على المواثيق العربية الفضفاضة بقي يحتفظ بعلاقاته مع الغرب. وتجدر الإشارة هنا إلى أن رياض الصلح سارع إلى تطمين الدول العربية بأن لبنان المستقل لن يكون عقبة في وجه الوحدة العربية، ولن يكون موطىء قدم للاستعمار عامل التجزئة الأكبر. فالدول العربية كانت تخشى أن يبقى لبنان المسيحي مرتبطاً بأوروبا فيصبح وكراً للتسلل الاستعماري إلى المنطقة." (39)مكرر.‏

وبذلك تنازلت سورية عن مطالبها في لبنان لصالح الوحدة العربية (المأمولة) تنازلاً مشروطاً. وبهذا تنازلت سورية عن الأقضية الأربعة وغيرها من المناطق. ولعل ذلك كان بتأثير جهود رياض الصلح لدى زملائه السوريين حيث أصبح مناصراً لاستقلال لبنان بحدوده المعلنة(40) من قبل الفرنسيين. وهذه هي مقاولة الميثاق الوطني التي ربطت الاستقلال عن فرنسا بعدم الاندماج مع سورية مع التعاون مع البلدان العربية. وهذا التعاون لايضير الاستقلال ولاينتقص منه(41).‏

وبناء على طلب لبنان جرى تعديل أحد بنود بروتوكول الاسكندرية، فلقد اعترضت أوساط لبنانية على تسمية محادثات القاهرة عام 1943 باسم (مشاورات الوحدة العربية)، لأنها ضد لفظة الوحدة. كما اعترض لبنان على النص الوارد في الفقرة (7) من البند الأول من البروتوكول الذي يقول : " لايجوز في أية حال اتباع سياسة خارجية تضر بسياسة جامعة الدول العربية وأية دولة فيها ". فقد رأت تلك الأوساط في هذه الفقرة مايمكن أن يمس السيادة الوطنية، فألغي النص ولم يرد في الميثاق الذي وقع بعد ذلك في 22/3/1945(42) من قبل الجمهورية السورية وإمارة شرقي الأردن والمملكة العراقية والمملكة العربية السعودية والجمهورية اللبنانية والمملكة المتوكلية اليمنية.‏

ولما وقع بروتوكول الاسكندرية (7/10/1944) وصفه يوسف السودا (من دعاة الانعزالية) بأنه: "يشكل خطراً على استقلال لبنان"، مع أنه لم يكن أكثر من صيغة تعاون ولايمكن أن يطلق عليه ميثاق وحدة أو اتحاد. وقد بدا واضحاً من خلال تلك المحادثات في الاسكندرية حرص الوفد اللبناني على تأكيد استقلال لبنان بإصراره على مفهوم السيادة الذي نجم عنه مبدأ الإجماع الذي لايلزم الدول التي لاتقبل بقرار من القرارات. وهاجم رجال الدين المسيحي هذه السياسة العربية وطالبوا بالحماية الأجنبية، إلا أن السياسة التوفيقية نجحت وأقنعتهم بعدم خطر هذه السياسة العربية، فرضوا حتى عام 1948.‏

وعلى قاعدة هذه العروبة (عروبة الميثاق) التي تحتفظ بالسيادة كاملة غير منقوصة، وقع لبنان في 22/3/1945 على ميثاق جامعة الدول العربية(43).‏

المهم أنه " وافق لبنان على ميثاق الاسكندرية وعلى الانضمام إلى جامعة الدول، واضعاً بذلك سياسة الميثاق الوطني موضع التطبيق العملي ألا وهي التعاون الوثيق مع الدول العربية. هذا في الظاهر. أما في الواقع فإن التيار التوفيقي الذي تسلم السلطة بعد الاستقلال كان على علاقة حميمة بالانكليز الذين يعطفون على شبه تجمع عربي يدور في فلكهم. ولما كان حكام مصر والعراق وشرقي الأردن صنيعة الانكليز. فقد تأسـست جامعة الدول العربية بزعامة مصر وانضم إليها لبنان وسورية مكافأة لانكلترا على اعترافها باستقلالهما وإرضاء للجماهير العربية في سورية التي ماانفكت تطالب بوحدة عربية، وممالأة للمسلمين اللبنانيين، وإظهار الانضمام إلى الجامعة وكأنه تحقيق لمطالبهم الوحدوية. لقد قبل المسلمون في لبنان بهذا الانضمام وسارعت البرجوازية المسيحية في لبنان التي كانت ماتزال ترتبط بالرأسمال الفرنسي، فقد تخوفت من هذا الاتفاق العربي بادىء الأمر، فهب المسيحيون وعلى رأسهم رجال الدين لمعارضة هذه السياسة "العربية" وللمطالبة بالحماية الأجنبية.‏

" ونشطت في هذه الآونة الأحزاب الطائفية، منها من عارض ومنها من أيد هذه السياسة الخارجية اللبنانية. إلا أن المسيحيين عادوا عن موقفهم لما علموا أن الانضمام إلى الجامعة العربية لايمس استقلال لبنان وهو لايعني الانضمام إلى وحدة عربية. وكانت البرجوازية المسيحية قد بدأت تتحول عن فرنسا لضعفها الاقتصادي بعد الحرب، وإن بقيت مرتبطة بها ببعض المصالح منذ عهد الانتداب. وكان على رأس المدافعين عن الجامعة العربية مجموعة المتمولين المسيحيين الذين ساعدوا بشارة الخوري للتوصل إلى الرئاسة وأهم هؤلاء ميشال شيحا وهنري فرعون الذي كان وزيراً للخارجية في حينه(43)مكرر.‏

وقد صدر قانون سوري في 31/3/1945 أقر بموجبه المجلس النيابي السوري ميثاق الجامعة وملاحقه(44).‏

ومع أن فكرة الجامعة العربية لم تكن تروق للأمير عبدالله، إلا أنه استمر في مباحثاته مع مصر والدول العربية الأخرى، وأوصى سمير الرفاعي رئيس وزرائه، قبل اشتراكه في مباحثات اللجنة السياسية في القاهرة، في مذكرة مؤرخة في 12/2/1945 بأن يسعى لتحقيق مشروع سورية الكبرى، وأن يطلب من مصر أن تقف موقف الأخ المحايد الجامع الناس للخير". وبالنسبة لذلك المشروع، وبالرغم من كل ذلك، فقد وقع عبدالله على ميثاق الجامعة في 22/3/1945، تلك الجامعة التي قال عنها إنها " اسم كبير ودعاية فارغة ". وأنها " جراب أدخلت فيه سبع رؤوس بسرعة عجيبة "(45).‏

ولقد كان قيام الجامعة بهذا الترابط الضعيف ضربة لإمكانية الوحدة السورية اللبنانية أو وحدة الشام لأنها ستكون اللبنة الأساسية لإنشاء وحدة أو اتحاد أو جامعة بين الأقاليم العربية والدول التي أنشئت فيها.‏

وقد يكون للايحاء الانكليزي أثر ما في ولادة نظام الجامعة بالشكل الذي ولد به، لأن الانكليز كانوا حينئذ أصحاب الحول والطول في البلاد العربية، ولأنهم ليسوا من الطيبة وحسن النية بما يجعلهم يرضون بقيام اتحاد عربي قوي(46).‏

وهكذا فإن جامعة الدول العربية روضت طموح العرب للوحدة وأثبتت أن الوحدة لاتتحقق عبر الحكومات المستندة للنفوذ الأجنبي(47). بل كانت الإقليمية الممتزجة بالاعتبارات الطائفية والشخصية والأسرية أساس نظامها الفضفاض فأضاعت على العرب فرصة ذهبية للوحدة أو الاتحاد(48).‏

5- مشروع الوحدة لدى الحزب القومي السوري وغيره من الأحزاب :‏

كان عدد من الأحزاب العقائدية يؤمن بوحدة سورية ولبنان كجزء من وحدة أكبر للأمة كالأحزاب الإسلامية والقومية ومنها حزب البعث العربي. إلا أن الحزب القومي السوري كان يحصر الوحدة في نطاق سورية الطبيعية التاريخية. ويصف فيليب حتي هذا الحزب بقوله : " كان الحزب القومي السوري الاجتماعي حزباً متطرفاً ينادي باتحاد لبنان مع سورية ويسعى نحو الاتحاد في النهاية مع جيرانه المسلمين "(49). فقد كان هذا الحزب ينادي بالوحدة السورية وبالأمة السورية(50) وبالوطن السوري ذي الحدود الواضحة من جبال طوروس شمالاً وحتى صحراء العرب جنوباً. ومن الفرات والبادية السورية شرقاً وحتى البحر الأبيض غرباً. ويدخل ضمنها صحراء سيناء وجزيرة قبرص .‏

وليس المجال هنا للحديث عن أفكار هذا الحزب أو نشاطه والأحزاب الأخرى إذ هو مقتصر على المشاريع الرسمية وآثارها في الواقع.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244