|
||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 02:19 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل السابع الوحدة السورية اللبنانية في مرحلة الانقلابات السورية حتى الانفصال الجمركي 1949-1950 1- الانقلاب العسكري الأول (حسني الزعيم) 30/3/1949-14/8/1949: وقعت كارثة فلسطين وفشلت الجيوش العربية أمام عصابات الصهيونية، ورأى بعض المفكرين أن المسؤولية تقع على عاتق رؤساء الحكومات العربية. فقام (الزعيم) حسني الزعيم قائد الجيش في 30/3/1949 بانقلابه العسكري، فكان ظاهرة جديدة في الحياة السياسية بالمشرق العربي. واستبشر الناس به خيراً. وظن الشعب أن الحكم العسكري يسنده النظام سوف يضع الأمور في نصابها فلايكون الحكم مستمداً من أهواء الساسة والأحزاب . وأشيع أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت من وراء الانقلاب لأن مجلس النواب السوري كان متردداً أمام مشروع التابلاين (نقل النفط السعودي إلى البحر الأبيض المتوسط). والذي كان يعد ضربة موجهة إلى بريطانيا التي كانت مصممة على أن تحول بكل ماتملكه من وسائل دون منعه والوصول إلى البحر. فلقد رأى الوطنيون في سورية ضرورة استخدام العرب للنفط كأداة ضغط على الولايات المتحدة التي منحت كل تأييدها لإسرائيل، ولذلك حثوا المجلس النيابي على رفض الاتفاق في شباط 1949. وأيد النواب المنتمون إلى حزب الشعب هذا الموقف لوجودهم في المعارضة. فلقد كانت شركة نفط العراق تدفع قليلاً من الرسوم لقاء مرور أنابيبها في سورية أيضاً. ولكن بعد الانقلاب تم توقيع اتفاق التابلاين بدون مجلس نيابي، وإبرامه بمرسوم تشريعي أصدره حسني الزعيم. وأصبح مرعي الإجراء منذ ذلك الحين. كما سبق الانقلاب تصريح من وزارة الخارجية الأمريكية بأنهم يؤيدون قيام كتلة اقتصادية من دول الهلال الخصيب(1). وكانت الولايات المتحدة الأمريكية عقب الحرب العالمية الثانية، قد ورثت مهمة حماية مناطق النفوذ الانكلوساكسونية في الشرق الأوسط. كما ورثت تلك الدول من الموالين التي أعطيت استقلالها إسمياً ضمن ذلك الإطار، وبدأت المحمية الأمريكية تتسع إلى أن قاربت سعة السلطة العثمانية التاريخية في المنطقة(2). واتهم حسني الزعيم بالتواطؤ مع بريطانيا أيضاً لميله في الأيام الأولى إلى مشروع الهلال الخصيب وفكرة الاتحاد مع العراق من خلال سعيه لاكتساب أصوات حزب الشعب في مجلس النواب. فلما عجز الحزب عن تكوين حكومة دستورية أصبح الزعيم في غير حاجة إلى مداراته. كما يذكر أنه قبل الانقلاب قام بعض رجال المخابرات البريطانية برحلات في بعض دول الشرق الأوسط ومنها سورية ولبنان والعراق وشرقي الأردن(3). فلقــد أزاح حسني الزعيم الخصم الرئيسي لمشروع الهلال الخصيب وهو شكري القوتلي(4). وقد أبرم الزعيم اتفاقية النقد مع فرنسا مع اتفاقية التابلاين، واتهمه الملك عبدالله بالتآمر مع فرنسا مستدلاً بوصول أسلحة فرنسية قبيل الانقلاب، وبالصلات الوثيقة التي توطدت بعد ذلك بين قائد الانقلاب وفرنسا(5)، وإن كانت فرنسا حقيقة قد قلقت قلقاً شديداً بانقلاب حسني الزعيم خوفاً من توجهه نحو مشروع سورية الكبرى الوحدوي الذي يشمل لبنان(6). وفي عهد الزعيم وقعت اتفاقية الهدنة مع اسرائيل بالشكل الفاضح المجحف بحق سورية وعرب فلسطين في 20/7/1949(7). ولعل من أسباب الانقلاب مناقشة ميزانية الدفاع في المجلس النيابي وانتقالها إلى موضوع المسؤولية عن كارثة فلسطين وتقصير الجيش في المعركة والتلاعب بأقوات الجند، مما دفع إلى التعجيل بقيام الانقلاب. خاصة وقد بدأ يظهر تنافر بين العسكريين والمدنيين ويلقي كل منهم المسؤولية على الآخر في كارثة فلسطين. ولم يكن شكري القوتلي (رئيس الجمهورية) وأعوانه من أعضاء الحزب الوطني (الكتلة الوطنية سابقاً) يتمتعون باحترام شعبي كبير. فقد كانوا زعماء في معركة النضال ضد فرنسا وتصوروا أنهم هم الذين جلبوا الاستقلال لسورية في نهاية الحرب العالمية الثانية، وأنه آن الآوان لكي يجنوا ثمار جهودهم باستلامهم الحكم. أما بعد مواجهة أعباء الحكم ومشكلات الإدارة وألا عيب السياسة العربية والدولية التي تعقدت بسبب قيام اسرائيل، فقد صاروا عاجزين عن مجابهة هذه المشكلات . ومنذ أن وقع الانقلاب والحكومات العربية المتنافسة تترقب باهتمام الوجهة التي سيتجه إليها نظام الحكم الجديد، فظل كل من لبنان ومصر يؤجل الاعتراف بالنظام الجديد إلى أن يتأكد من عدم تنفيذه لمشروع الهلال الخصيب. فلقد كانت مشروعات الاتحاد بين سورية والعراق تثير ردود فعل عنيفة في المشرق العربي وتزيد انقساماته حدة. فاتفقت الأسرتان الحاكمتان في مصر والسعودية على مناهضة الهاشميين وتطلعاتهم إلى الزعامة(8). وأخذت حكومة العراق زمام المبادرة فتباحث نوري السعيد مع الزعيم بحضور بعض العسكريين على أساس اتحاد سياسي وعسكري، ولكنه أبدى رغبة في أن يتم الاتفاق العسكري أولاً. وكانت بريطانيا توصي بإعادة الوضع الدستوري إلى سورية قبل الاتحاد. وطلب نوري السعيد إلى الحكومة المصرية أن تمنع الجامعة العربية من التدخل في شؤون سورية في الظروف الراهنة، وكانت الحكومة العراقية تعتبر الجامعة مجرد أداة بيد مصر. وقد أثارت حركة السعيد مخاوف مصر والسعودية. ولكن الزعيم أرسل مبعوثين إلى السعودية فأدرك السعيد أن حكام سورية الجدد يتصلون بجميع الأطراف المتنافسة في المشرق العربي، فقام السعيد بزيارة خاطفة إلى دمشق في 16/4/1949 وكرر الزعيم الرغبة في محالفة عسكرية، وأبدى استعداده للتعاون لمكافحة الشيوعية، وواجهه السعيد بمشروع توحيد الجمارك والمواصلات كخطوة أولى نحو اتحاد عسكري سياسي(6)مكرر. ثم زار الزعيم مصر فجأة في 27/4/1949 وقابل الملك فاروق مؤكداً عدم اتصال انقلابه بمشروع سورية الكبرى أو الهلال الخصيب. وعلى إثرها اعترفت مصر بالنظام الجديد. وتبين أن الميل الذي أبداه الزعيم نحو العراق إنما كان نوعاً من المناورة وقد صرح هو بذلك لبشارة الخوري رئيس جمهورية لبنان عندما قابله على الحدود بعد شهرين(7)مكرر. وإن كان قد صرح: " إننا قوميون عرب قبل كل شيء "(8)مكرر. وبعد عودته إلى دمشق من القاهرة، عقد اجتماعاً صحفياً صرح فيه بقوله : " إن رحلتي إلى القاهرة قد جاءت مباغتة غير سارة لشرق الأردن. وكان سادة بغداد وعمان يعتقدون أني سأقدم لهم تاج سورية على صينية من الفضة....... ولكنهم شعروا بخيبة الأمل..... ولا ترغب الجمهورية السورية لا في سورية الكبرى ولا في الهلال الخصيب وسوف نناضل بكل قوانا ضد المشروعين المذكورين الصادرين عن إلهام أجنبي ". وقال: " أما شرق الأردن الذي هو مقاطعة سورية وسيظل كذلك، فإنه سينضم من جديد عاجلاً أم آجلاً إلى الوطن وسيصبح المحافظة العاشرة في الجمهورية السورية(9). ولعل الزعيم فضل التعاون مع مصر والسعودية، ولذلك نفذ مشروع التابلاين الأمريكي على أمل أن يساعده في مشروعات التنمية ومنها مشروع بناء ميناء اللاذقية(10). في وقت كان فيه ميناء بيروت يحتكر تجارة سورية والدول العربية المجاورة . أما العلاقة مع لبنان فقد كانت سيئة منذ بداية الانقلاب لما ظهر من ميل الزعيم الى مشروع الهلال الخصيب الذي يضم سورية الكبرى بمافيها لبنان. وكان حسني الزعيم يعتقد بأن رياض الصلح صديق القوتلي الحميم يحيك له المؤامرات، لذلك رحب بأنطون سعادة رئيس الحزب القومي السوري لاجئاً من لبنان وهو يرجو أن يحدث انقلاباً هناك على نمط الانقلاب الذي حدث في سورية. ولعله تطلع إلى الاستعانة بقائد الانقلاب السوري. بينما أمل حسني الزعيم في أن يتخذ من انطون سعادة أداة لتهديد خصومه في لبنان. وبعد فشل محاولة انقلاب الحزب القومي السوري في لبنان ألحت حكومة لبنان في تسليمه. واستجاب الزعيم فاعتبر ذلك خيانة. ورأى بعض الكتاب أن القرار الذي اتخذه الزعيم بتسليم ضيفه انطون سعادة إلى الحكومة اللبنانية التي أعدمته، كان سبباً مباشراً للإطاحة بحكمه . وكان في الجيش السوري بعض الضباط المؤمنين بزعامة انطون سعادة(11). فلقد كان حلم الوحدة السورية يراود زعيم الحزب القومي السوري انطون سعادة وشجعه على ذلك عطف الحكومة السورية عليه بعد نجاح انقلاب حسني الزعيم. فاستغل القوميون السوريون حوادث شغب واصطدموا بالكتائب (حزب) في بيروت فعمدت السلطات اللبنانية إلى حل المنظمتين. إلا أن تغلغل القوميين السوريين في سلك الدرك والشرطة والجيش بدأ يقلق السلطات اللبنانية، وفي تموز 1949 صدر عن انطون سعادة أمر إلى محاربيه العسكريين (ليعتبروا أنفسهم من 3/7/1949 معبئين في صفوف الثورة القومية الاجتماعية في لبنان، فعليهم عرقلة جميع الأعمال والتدابير التي يأمر بها الطغاة القائمون على الحكم الحاضر في لبنان، والالتحاق بالمناطق المحتلة من قبل القوات القومية الاجتماعية عند أول فرصة تلوح لهم) . وفي اليوم التالي أعلن سعادة الثورة في بيان ختمه بمايلي : " ....... لذلك فإن الحزب القومي الاجتماعي يعلن الثورة الشعبية العامة : فإلى الثورة على الطغيان والخيانة أيها الشعب النبيل". وقامت في الحال أحداث الشغب في أنحاء مختلفة من لبنان، وذهب ضحيتها قتلى من أفراد قوى الأمن. ولكن ارتياب حسني الزعيم بانطون سعادة جعله يقبض عليه في سورية ويسلمه إلى لبنان، فأحيل على المحكمة العسكرية وحكم عليه بالإعدام مع ستة من أنصاره(12). لقد أساء انطون سعادة تقدير مدى انسجام لبنان المستقل مع رغبات اللبنانيين المسيحيين وخصوصاً الموارنة، فقام بانقلاب فاشل وهرب إلى سورية ولكنه أعيد إلى بيروت حيث أعدم رمياً بالرصاص بعد محاكمة سريعة(13). وكان الحزب القومي السوري منذ 1947 قد بدأ يُدخل العراق مع سورية في ماسماه (الهلال الخصيب السوري) ويقرر الوحدة الاقتصادية والاجتماعية والجغرافية والبشرية للقطرين. هذا في الوقت الذي بدأ الحديث فيه عن مشروع اتحاد العراق وسورية(14). ونشأت صلات وثيقة بين النظام الجديد وبين فرنسا. ولعل الزعيم اتجه ذلك الاتجاه باعتبار أن فرنسا تمنح تأييدها لجميع الذين يعارضون مشروع الهلال الخصيب (الذي يشمل لبنان)، غير أن هذا الاتجاه من شأنه أن يثير حساسية الوطنيين سيما وأن ذكرى الانتداب مازالت ماثلة في الأذهان. ولذلك فإن خصوم الزعيم شبهوه بأنه سلك مسلك حكومة الانتداب الفرنسية التي كانت تعتمد بالفعل على الأقليات سواء في الجيش أم في الوظائف. فقد صار الزعيم يعتمد على الأقليات العنصرية والطائفية فمنح بعضهم المناصب الحساسة في الجيش واتخذ منهم حرساً خاصاً وترك الضباط العرب في الجبهة مع اسرائيل، إلى جانب اختياره لمحسن البرازي الكردي الأصل رئيساً للوزراء. فلقد أغضب الزعيم البيئات الإسلامية المحافظة بسياسته العلمانية والسيطرة على الأوقاف وغيرها. كما أغضب الزعيم الأحزاب وحتى حزب البعث (حزب جديد في حينه وكان قد تزعم معارضة النظام السابق مع حزب الشعب) الذي رحب بالتغيير في بداية الأمر، ثم اصطدم بالزعيم بعد قليل حينما أخضع الصحافة للرقابة(15)، وأوقف بعض الصحف وحل الأحزاب السياسية . 2- في عهد الانقلاب العسكري الثاني (الزعيم سامي الحناوي) 14/8/49-19/12/1949: قام الزعيم سامي الحناوي بانقلابه العسكري في 14/8/1949. ولما كان في الجيش السوري بعض الضباط المؤمنين بزعامة انطون سعادة، فقد تصدى أحدهم ويدعى (فضل الله أبومنصور) للانتقام بنفسه من حسني الزعيم. فطلب أن يتولى هو بنفسه محاصرة قصر الرئاسة والقبض على رئيس الجمهورية (حسني الزعيم). وقد روى في مذكراته تفاصيل تلك الأحداث وكيف التقى بفريستيه حسني الزعيم ومحسن البرازي رئيس الوزراء ووجه إليهما الإهانات البالغة وأنفذ فيهما حكم الإعدام بروح ملؤها التشفي. وكان حكم الإعدام قد صدر بعد محاكمة عسكرية سريعة . وأعلن العقيد سامي الحناوي مبرراً انقلابه بأنه جاء لينفذ الأهداف التي تنكر لها حسني الزعيم، ولإعادة الأوضاع الدستورية للبلاد. فهل كان يقصد من ذلك مبدأ الاتحاد مع العراق ومايشمله من مشروع الهلال الخصيب الذي يشمل لبنان لمواجهة اسرائيل بالوحدة مع العراق. ويذكر أن الحناوي تلقى أموالاً من العراق، كما أن الصحف البريطانية بادرت إلى الترحيب بحركته. بينما وصفت الصحف الفرنسية الحركة بأنها مؤامرة اشتركت في تدبيرها كل من بريطانيا وحكومة نوري السعيد. فقد قلقت فرنسا أيضاً بقيام انقلاب الحناوي وعودة فكرة اتحاد سورية والعراق. وانتظرت الصحف المصرية حتى بدأت المباحثات مع العراق فوصفتها بأنها تهدف إلى بيع استقلال سورية(17). ويذكر العظم أن أمريكا وفرنسا اشترطتا للاعتراف بالحكومة السورية أن تقر اتفاقيتي النقد مع فرنسا والتابلاين الأمريكية(18). وسلم الحناوي الحكم للمدنيين ولم يتخذ أي إجراء لتحقيق مشروع الهلال الخصيب بل أفسح المجال للسياسيين من مختلف الأحزاب للاشتراك في حكومة مؤقتة ريثما تجري الانتخابات لجمعية تأسيسية يناط بها رسم مستقبل البلاد. ولعل ذلك طبقاً للخطة التي كان يميل إليها الانجليز ونوري السعيد. وكانت الأحزاب قد أجمعت على إسناد رئاسة الوزارة إلى هاشم الأتاسي في فترة انتقالية ريثما تعود الحياة الدستورية فقبل ذلك(19). ولما تشكلت الوزارة برئاسة هاشم الأتاسي، شغل أعضاء حزب الشعب معظم المناصب الوزارية الهامة، واشترك ميشيل عفلق وأكرم الحوراني في هذه الوزارة اليمينية. كممثلين لحزب البعث العربي، والحزب العربي الاشتراكي. ولعل اشتراكهما للفت الأنظار إلى حزبيهما الجديدين. ودلت الانتخابات النيابية (تشرين الثاني 1949) على ازدياد حزب الشعب نفوذاً وتراجع الحزب الوطني. ولم تحل الأحزاب اليسارية الجديدة محله، بل ازداد عدد النواب المستقلين المؤيدين لفكرة الهلال الخصيب . وبعد انتخاب هاشم الأتاسي للرئاسة المؤقتة للدولة في 14/12/1949 بالحقوق والصلاحيات المنوطة برئيس الجمهورية في دستور 1928، أثارت صيغة القسم الذي يتلوه مشكلة شائكة في المجلس النيابي، كانت مشكلة مستقبل سورية. وهل يجب أن تحافظ على النظام الجمهوري أم يفتح الطريق للاتحاد مع العراق. واقترح حذف التعهد بالمحافظة على النظام الجمهوري وأن تتضمن العمل لتحقيق وحدة الأقطار العربية. واصطدم التعديل بمعارضة شديدة لأن حزب الشعب لم يكن متفقاً على موضوع الهلال الخصيب ولايقبل بالتضحية بالنظام الجمهوري ولابسريان المعاهدة البريطانية العراقية على سورية. ويرى بعض أعضائه أن يقتصر الاتحاد مع العراق على اتحاد جمركي وبرلمان فدرالي. ونفى بشدة أن يكون حزب الشعب من أنصار الهاشميين(20). إلا أن المجلس أقر الصيغة المقترحة ولم يبق إلا تلاوتها من قبل الرئيس في الجلسة المقررة في 19/12/49(21). (والرئيس الأتاسي ممن أقسموا يمين الولاء للملك فيصل عام 1920 ومن العاملين على وحدة سورية العربية بكاملها). وصلته بحزب الشعب قوية. ولم تقف مصر جامدة، (فقد كانت متفاهمة مع السعوديين ضد الهاشميين)، إبان هذه الفترة العصيبة التي كان يتقرر فيها مصير سورية. فقدمت في تشرين الأول 1949 مشروع الضمان العربي الجماعي وفكرة الدفاع العربي المشترك، بهدف صرف سورية عن فكرة مشروع الهلال الخصيب، ويبررون المشروع الجديد بأنه الدفاع باشتراك جميع الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية. واستقال من الحكومة المؤقتة، عفلق والحوراني، حينما اقتربت من مشروع الهلال الخصيب. ولعل الرأي العام وخاصة أنصار البعث العربي والاشتراكي كان يشك في نوايا حزب الشعب وفي العديد من النواب المستقلين(22). ولم يكتمل تحقيق مشروع اتحاد العراق وسورية لقيام الانقلاب الثالث في 19/12/1949 وهو اليوم المقرر لاجتماع المجلس النيابي ليؤدي فيه رئيس الدولة وأعضاء الجمعية التأسيسية القسم بصيغته الوحدوية(23). 3- في عهد الانقلاب العسكري الثالث (أديب الشيشكلي) 19/12/1949 : قام العقيد أديب الشيشكلي بانقلابه العسكري في 19/12/1949 وقال إنه إنما أتى فقط لإنقاذ نظام سورية الجمهوري واستقلالها، ومنعها من الوقوع تحت النفوذ البريطاني أو النفوذ الملكي، أي منع مشروع الهلال الخصيب(24). ويقول فرنسيسكو كابريللي : " لقد كانت القضية المطروحة في هذه الانقلابات هي توجيه سورية مع أو ضد سورية الكبرى، مشروع الهاشميين، مع أو ضد المساعدة الاقتصادية الأمريكية، مع أو ضد الاقتراح الانكليزي المتعلق بدفاع موحد للشرق الأوسط، وبالتالي مع أو ضد الجبهتين الكبيرتين الدوليتين ". ولكننا نلاحظ أن الواقع هو كون الأمر متعلقاً مع أو ضد الاتحاد مع العراق أكثر منه بشأن قيام سورية الكبرى(25). ويعتقد الكثيرون أن الانقلابات العديدة التي حدثت في سورية كان من ورائها الصراع بين الشركات البريطانية والأمريكية حتى ربح نفط الدولار أخيراً جولته على نفط الاسترليني. ومما يذكر أن أديب الشيشكلي بعد انقلابه ناقش الأتاسي في موضوع مبايعته لفيصل وقال له لتضع الموضوع على الرف أي تأجيل الوحدة(26). ولقد عقدت سورية مع الحكومة السعودية في 10/4/1369 الموافق 29/1/1950 اتفاق قرض بقيمة (6) ستة ملايين دولار واتفاق تجاري(27). ولعل ذلك لدعم موقف سورية المناهض لمشروع سورية الكبرى ومشروع الهلال الخصيب. كما اشتد التواد والتواثق بين الشيشكلي وفرنسا(28). لقد كانت حركة الشيشكلي الأولى إصلاحاً في الجيش فقط. وبقي المجلس النيابي وأصر على بقاء رئيس الدولة هاشم الأتاسي. وتشكلت الوزارة برئاسة ناظم القدسي (حلبي من حزب الشعب لم يكن متحمساً للاتحاد الكامل مع العراق بل لإقامة اتحاد جمركي وبرلمان فدرالي فقط). إلا أنه استقال بعد ثلاثة أيام. وتولى خالد العظم 27/12/1949 رئاسة الحكومة وهو من المستقلين على أن يشرك معه أربعة وزراء من حزب الشعب تولوا وزارات ثانوية، بينما عهد إلى أكرم الحوراني بوزارة الدفاع(29). وخالد العظم كما يقول عن نفسه، من المعارضين لمشروع الهلال الخصيب ولمشروع سورية الكبرى بحجة أنهما من أطماع الهاشميين ومن ورائهم الانكليز. إلا أنه في مكان آخر مــن مذكراته يقول : " ولاريب أن مايسمى الهلال الخصيب مفيد لسورية وللعــراق وللأردن.." (30). وكان المجلس النيابي في ذلك الوقت حريصاً على تحقيق الوحدة العربية، لذلك عمل على وضع دستور أقره في 5/9/1950 نص على أن " الجمهورية السورية جمهورية عربية، وأن الشعب جزء من الأمة العربية ". فهو أسبق الدساتير العربية إلى هذا النص. ويعبر عن الرأي العام السائد في سورية منذ عهد طويل. كما نص على أن " دين رئيس الدولة الإسلام " كحل وسط لموضوع دين الدولة الذي أثار كثيراً من الجدل، إذ أن معظم أعضاء حزب الشعب كانوا يميلون إلى ضرورة النص على أن الإسلام دين للدولة. غير أنهم اصطدموا بمعارضة قوية وانتهى الجدل إلى الحل الوسط(31). وانتخب هاشم الأتاسي لرئاسة الجمهورية في 9/9/50. أما الانفصال الجمركي عن لبنان والقطيعة الاقتصادية فقد تمت في بداية هذا العهد وتولاها خالد العظم بصفته رئيساً للوزارة ووزيراً للخارجية حيث تم تنفيذها بمرسوم اشتراعي من مجلس الوزراء ورئيس الجمهورية المؤقتة. ويذكر العظم أن الرئيس هاشم الأتاسي أبدى ارتياحه لمقررات سورية هذه ووقع على المرسوم التشريعي. كما أن العظم قابل رشدي الكيخيا رئيس مجلس النواب وأطلعه على ماجرى(32). 4- المجلس الأعلى للمصالح المشتركة منذ الجلاء حتى الانفصال الجمرك : استمر المجلس الأعلى للمصالح المشتركة بين سورية ولبنان في إدارة الجمارك (أي الوحدة الجمركية) والمصالح الأخرى حتى 13/3/1950. وكانت مدة السنتين الملحوظة في اتفاق 1/10/1943 تجدد المرة تلو المرة، ثم تجدد لمدة قصيرة حتى أواخر 1948 حين استمر تنفيذ ذلك الاتفاق دون تمديد مفعوله رسمياً. وكان التجديد الأول للاتفاق في بيروت في 29/1/1945 بين وزيري المالية في البلدين، وتم الاتفاق فيه أيضاً على توزيع واردات المصالح المشتركة المالية الصافية بين البلدين بنسبة 44% للبنان و56% لسورية بعد أن كانت 40% لكل من الدولتين. والواجب أن تكون حصة سورية لا أقل من 75%. فقد تساهلت سورية مع لبنان وفي حقوقها في المصالح المشتركة سواء من حيث نسبة تقسيم موارد الجمرك أو من حيث السكوت عن شذوذ لبنان في تنفيذ الخطط الاقتصادية المتفق عليها، أو في قبول زيادة نسبة عدد موظفي المصالح المشتركة بحيث بلغ عدد اللبنانيين فيها نحو 90% من المجموع، أو في غير ذلك من القضايا. وكل ذلك كان نتيجة جهود رياض الصلح مع زملائه السوريين . وفي اتفاق 10/7/1947 في شتورة قرر المجتمعون (سليمان نوفل وحميد فرنجية ورياض الصلح من لبنان وسعيد الغزي وجميل مردم بك ومحمد العبود من سورية) تعيين مدير عام ومفتش عام بطريق المناوبة لمدة سنة بين سورية ولبنان وإبقاء نسبة توزيع الايرادات 56% لسورية و44% للبنان. وعقدت الحكومتان السورية واللبنانية اجتماعاً في شتورة في 28/12/1947 وبحثتا في الأمور الاقتصادية والمالية واتفقتا على تمديد اتفاق شتورا (1/10/1943) وملاحقه لمدة ثلاثة أشهر اعتباراً من 1/1/1948 ريثما يتم الاتفاق على النصوص النهائية والأحكام التي تطبق على المستقبل. وتقرر إعطاء التعليمات المشتركة المتفق على صيغتها بين الفريقين إلى الوفدين المفاوضين في باريس بشأن (قضية النقد) والأمور الاقتصادية والمالية المعلقة مع الجانب الفرنسي. ووقع الاتفاق جميل مردم ورياض الصلح(33). وأصدر المجلس الأعلى للمصالح المشتركة في عام 1948 (مجموعة إحصاءات عن سورية ولبنان من 1943-1947) (34). وبما أن اتفاق 1/10/1943 سينتهي اعتباراً من 1/4/1948 ولذلك عقد اجتماع بشتورا في 30/3/1948 بين ممثلي الحكومتين السورية واللبنانية بحثوا فيه شتى الأمور التي تهم البلدين ونظروا في الوضع الناشىء عن انتهاء مفعوله. وفي اليوم التالي 31/3/1948 عقد اجتماع آخر في دمشق، ثم في 1/4/1948، بين جميل مردم بك ورياض الصلح. وذكر الاتفاق: " كانت الأبحاث مشبعة بروح الود والصفاء والإخاء. كما كان الجانبان حريصين على دوام الروابط الوثيقة التي تجمع بينهما ". ولذلك اتفقوا على استمرار المجلس الأعلى للمصالح المشتركة بممارسة الأعمال الموكلة إليه المتعلقة بإدارة الجمارك حتى 15/5/1948، ويستمر انتقال البضائع الأجنبية بين البلدين ضمن الشروط السابقة. كما نص الاتفاق على أن يكون للنقدين اللبناني والسوري خلال فترة التمديد قوة الإبراء للجمارك اللبنانية والسورية. وفي 5/5/1948 اتفق مردم والصلح في دمشق على تمديد الاتفاق حتى 30/6/1948 وعلى أن تنتقل البضائع الأجنبية بين البلدين بنفس الشروط السابقة وأن تقبل الجمارك اللبنانية والسورية النقد اللبناني والسوري على أن لايزيد النقد اللبناني في الجمارك السورية عن النصف والنقد السوري في الجمارك اللبنانية عن النصف أيضاً . وفي يوم الأحد 28/6/1948 اتفق مردم والصلح في شتورا وبحضور وزير الخارجية والمالية والاقتصاد الوطني، على تمديد الاتفاق ثلاثة أشهر أخرى من 1/7/1948 على أن يعهد إلى رئيس الهيئة السورية ورئيس الهيئة اللبنانية في المجلس الأعلى للمصالح المشتركة بإعداد الدروس على ضوء اختبارات الماضي للوصول إلى اتفاق نهائي يؤمن توسيع الوحدة الجمركية وتوثيق عرى الروابط الاقتصادية في جميع نواحيها "(35). وكما تساهلت سورية في حقوقها السياسية مع لبنان، تساهلت في حقوقها في المصالح المشتركة في عدة أمور نتيجة لجهود رياض الصلح الذي اعتاد الحصول على مايريده من زملائه السوريين. وكان في اعتقاده أنه يستطيع دائماً حل المعضلات والتوصل إلى نتيجة مؤتلفة مع رغباته. وكانت أهم مجالات التساهل السوري في المصالح المشتركة هي : 1- نسبة تقسيم موارد الجمرك 56% لسورية و44% للبنان، والواجب أن تكون حصة سورية لا أقل من 75%. 2- سكتت سورية عن شذوذ لبنان في تنفيذ الخطط الاقتصادية المتفق عليها. 3- سكتت سورية عن قبول زيادة نسبة عدد موظفي المصالح المشتركة بحيث بلغ عدد اللبنانيين فيها نحو 90% من المجموع ونسبة السوريين 10% أو 15% عدداً ومراتب حتى نهاية الوحدة الجمركية. 4- كانت تحصل خلافات عديدة بين مندوبي الدولتين أدت إلى تعقيد الأمور وتوقيف بعض المصالح الحيوية عن سيرها المستقيم. وكان الخلاف الأصلي بين المندوبين في جوهر الأمر. هو أن اللبنانيين باعتبارهم متمسكين بمبدأ التجارة الحرة والباب المفتوح وفقاً لمصلحة بلدهم التجارية، كانوا دائماً يتصادمون بآرائهم هذه مع آراء المندوبين السوريين القائلين بلزوم السير في سياسة الحماية الاقتصادية وتحديد الاستيراد في الكماليات وزيادة تعرفات الجمرك للحد من دخول البضائع الكمالية، ولحماية الصناعة والزراعة في البلاد. وأدى اختلاف الآراء بين المندوبين السوريين واللبنانيين إلى ركود شؤون عديدة. 5- كانت دوائر الجمارك التي يرأسها موظف لبناني لاتنفذ الكثير من القرارات المتخذة من قبل الحكومة السورية بالاتفاق مع الحكومة اللبنانية والقاضية بمنع إدخال بعض الأصناف أو منع تصدير بعض المحصولات الزراعية التي يرى لزوم إبقائها داخل البلاد لكي لاترتفع أسعارها فتزيد كلفة المعيشة. وعبثاً كانت تذهب احتجاجات الحكومةالسورية ومندوبيها في مجلس المصالح المشتركة، مما اضطر سورية إلى الإلحاح في تنفيذ اتفاق تناوب سوري ولبناني في وظيفة مدير عام الجمارك. ولكن لبنان كان يماطل. واستمرت المديرية العامة للجمارك بعهدة موظف لبناني منذ أوجدت الوحدة الجمركية حتى زالت(36). 6- انفردت الحكومة اللبنانية بتوقيع الاتفاق النقدي مع فرنسا، وألغت قوة النقد السوري في لبنان منذ 3 شباط 1948 والذي كان أمراً مهماً لاستمرار التبادل التجاري. مما تسبب بخسائر للسوريين. كما انفردت بتوقيع اتفاق التابلاين (نقل النفط السعودي). ويمكن القول أن الحرية الاقتصادية والتجارة الحرة التي كان يطالب بها اللبنانيون لم تكن ناتجة عن سياسة اقتصادية عامة للدولة، وإنما هي مطلب للطبقة البرجوازية المسيحية لاستمرار هيمنتهم عن طريق اتصالهم المستمر بالغرب، فأصبحت مطلباً مرتبطاً بالطائفية(37). ويبرر أحد اللبنانيين الخلافات بقوله : " لقد اعترضت على هذه الوحدة الجمركية بين البلدين صعوبات ناجمة عن طبيعة الاقتصاد في كل من البلدين. فسورية بلد واسع الأرجاء ذو إمكانيات زراعية كبيرة، وهو يسعى لإنشاء صناعات وطنية لكي يبقى ارتكاز اقتصاده كله على الزراعة. ولذا تعمل سورية على تقييد حرية التجارة لحماية زراعتها وصناعتها. بينما لبنان بلد ضيق ذو إمكانات زراعية محدودة وإمكانات صناعية قليلة. ولذا يرى مصلحته التوسع في الإمكانات التجارية وفي تأدية الخدمات على أساس حرية التجارة والتبادل. فكان لابد من اختلاف المصالح والاتجاهات الاقتصادية بين البلدين. واستمر التباين في وجهات نظر البلدين لمدة سنوات، وكانت تعالج الخلافات بينهما خلالها بمسكنات وتدابير آنية لاتتصدى لجوهر الواقع "(38). وبالطبع فهذا الواقع ناتج عن التجزئة التي عزلت المناطق المكملة لبعضها البعض. هذه الأوضاع في قضية المصالح المشتركة، حملت من تولى وزارة المالية من الوزراء السوريين على التذمر المستمر من مواقف لبنان. وإلى سعيهم لتحسين الحال بمالديهم من وسائل لم تكن ناجحة. ذلك أن الرئيس القوتلي كان حريصاً على التمسك بالتفاهم مع لبنان بأي شكل كان، فيحول دون التهديد بقطع الصلات الاقتصادية واتخاذ موقف حاسم، فالصداقة والزمالة القوية قائمة بين القوتلي والصلح ومردم. وفي عهد حسني الزعيم الذي استلم السلطة بانقلاب عسكري (وانتهى حكم شكري القوتلي صديق رياض الصلح)، بعث حسن جبارة وزير المالية والاقتصاد الوطني بمذكرة إلى وزير الاقتصاد اللبناني مؤرخة في 5/6/1949 يقترح فيها ايجاد (وحدة اقتصادية) بين سورية ولبنان. وقد عرضت المذكرة عدم العدل في المصالح المشتركة وأن الاختلاف ناشىء عن رغبة سورية في الحد من الاستيراد وحماية إنتاج البلدين الصناعي والزراعي والمحافظة على ثروتها. ويقابلها في لبنان سياسة الاستيراد الحر لتوسيع أفق التجارة في لبنان وإبقاء سورية سوقاً حرة لها. وأشارت المذكرة إلى انفراد الحكومة اللبنانية بتوقيع الاتفاق النقدي مع فرنسا ومايتبعه من فصل النقدين وأضراره. وأوضحت المذكرة أنه يلزم اتخاذ قرار نهائي قبل نهاية حزيران 1949، وقدمت ثلاثة حلول هي : 1- وحدة اقتصادية على أساس المشروع المرفق طياً. 2- نظام للتبادل الحربين البلدين ..... 3- إصلاح النظام الحالي وإدخال التعديلات عليه ضمن حدود المشروع المقدم طياً(39). وعلى إثر المذكرة عقد اتفاق اقتصادي مالي بتاريخ 8/7/1949 كحل مؤقت بتوقيع وزير الاقتصاد الوطني وزير المالية بالوكالة فيليب تقلا ووزير المالية والاقتصاد الوطني السوري حسن جبارة في بلودان. كما اتفق الطرفان بشأن العملة السورية المتبدلة في لبنان بتاريخ 2/2/1948 ومقدارها (44599082) ليرة سورية(40). وكان هذا الاتفاق بمثابة تمهيد لوحدة اقتصادية لو أنه تم تطبيقه. وعندما تولى خالد العظم رئاسة الوزارة بعد الإطاحة بالحناوي (27/12/1949-4/6/1950)، استمر وزير المالية عبدالرحمن العظم بأبحاثه مع لبنان، وتلقى منه سابقاً مذكرة مؤرخة في 10/12/1949 حول قرار مجلس الوزراء السوري بمنع شحن القمح السوري ومشتقاته إلى لبنان بدون رسوم وغيرها. وبحثت المذكرة الأمور الاقتصادية والنقديــــة المشتركة بين لبنان وسورية(41). وكانــت بالطبع من وجهة النظر اللبنانيــة. وفــي 14/1/1950 بعثت وزارة الخارجية السورية بمذكرة حول الموضوع إلى لبنان. ودارت مباحثات بين وزيري المالية في شتورا في 29/1/1950. ورغبت الحكومة السورية قبل أن تقدم على عمل حاسم مع لبنان أن تستـنير برأي الخبراء في الاقتصاد وأعضاء الغرف التجارية والصناعية والزراعية. ولبت هذه الهيئات دعوة وزير الاقتصاد الوطني السيد معروف الدواليبي واجتمعت في أحد أبهاء الجامعة السورية يوم الثلاثاء 1/3/1950. واستمرت هذه الاجتماعات بضعة أيام، فانتهت بإقرار المشروع الذي قدمته اللجان. وقد جاء فيه بشأن العلاقة مع لبنان : " إما وحدة جمركية واقتصادية ونقدية تقرر فوراً ويخلص لها الفريقان. وإما انفصال عاجل يكون فيه كل من سورية ولبنان حراً باتباع السبيل الذي يتوافق مع هواه ومصلحة بلاده الحقيقية ". فلم يعد ثمة مجال للتردد فيما يجب على الحكومة اتباعه والإسراع لدى الحكومة اللبنانية لإعطاء رأيها الصريح في الوحدة الاقتصادية. ودرس مجلس الوزراء السوري الحالة من جميع وجوهها ووجد أنه من الخطأ الاستمرار على الوضع الحاضر المنافي للمصالح السورية بصورة خاصة وللمصالح السورية اللبنانية المشتركة. وبنتيجة البحث العميق قرر تكليف لبنان بقبول (الوحدة الاقتصادية الشاملة بين البلدين). وإذا رفض لبنان هذا المبدأ فالأفضل لسورية أن تعيش لوحدها بمعزل عن لبنان من أن تبقى مصالحها الاقتصادية على هذا الشكل المؤدي للانهيار. وتقرر إرسال مذكرة جديدة وأن يخير لبنان بين قبول " الوحدة الاقتصادية الشاملة وبين الانفصال الجمركي ". وأن تحدد مهلة حتى 20/3/1950، لأن العادة جارية عند الحكام اللبنانيين المماطلة بالجواب. لذلك أرسل خالد العظم بصفته وزيراً للخارجية، المذكرة في 7/3/1950 التي استعرضت فيها القضية وتضحيات سورية وأن الحل هو "وحدة اقتصادية تامة". وطلب أن لايتأخر الجواب عن 20/3/1950(41). وثارت ثائرة اللبنانيين بشكل عنيف، وبدأت حملاتهم الخطابية والصحفية على الحكومة السورية، وأعلنوا أنهم يرفضون الخضوع للإنذار. لكن حماس بشارة الخوري ومسايرة رياض الصلح له ولزمرة التجار اللبنانيين، أدى إلى مجيء رد لبنان سريعاً قبل انتهاء سلطة الحكومة السورية التشريعية التي كانت ستنتهي في 14/3/1950. ففي 13/3/1950 وردت مذكرة الحكومة اللبنانية الجوابية التي بررت فيها موقفها السابق، وأنها كانت حريصة على التعاون الوثيق بسبب (روابط الإخاء والجوار). واعتبرت أن مذكرة سورية على شكل إنذار. وذكرت أنه لايمكن للحكومة اللبنانية التسليم بالاقتراح الوارد في مذكرة الحكومة السورية، ذلك أنه إذا كان البلدان مكملين لبعضهما في الشؤون الاقتصادية فلايمكن أن يتجاوز هذا الواقع حد انتهاج سياسة ترتكز على تنسيق اقتصادي يحفظ لكل من البلدين طابعه واختصاصه ووضعه الطبيعي. وذكرت المذكرة أن الحكومة اللبنانية مستعدة للتشاور في سبيل إصلاح ماأثبتت السنوات الستة المنقضية وجوب إصلاحه ". وبذلك رفضت الحكومة اللبنانية اقتراح " الوحدة الاقتصادية التامة ". وسارعت الحكومة السورية في اليوم التالي 14/3/1950 إلى إصدار نصوص القوانين والمراسيم التشريعية (التي يبدو أنها قد جهزتها لتوقعها رفض لبنان للوحدة الاقتصادية)، بفصل الجمارك عن لبنان وايجاد مديرية عامة لها مربوطة بوزارة المالية. وإحداث إدارة حصر التبغ والتنباك والخط الحديدي السوري. وأصدرت بلاغاً وقعه رئيس الجمهورية هاشم الأتاسي كما يقول العظم وأنه أطلع رئيس مجلس النواب رشدي الكيخيا عليه. وتحقق لمجلس الوزراء أن في مقدمة العوامل المؤدية إلى تدني الليرة السورية بالنسبة لليرة اللبنانية هو عرض النقد السوري في الأسواق اللبنانية لتبديله بالعملة اللبنانية لأجل تسديد قيمة البضائع التي تشتريها سورية من لبنان، سواء كان منشؤها لبنانياً أو أجنبياً. أو لتسديد نفقات السوريين الذين يؤمون لبنان للنزهة أو الاصطياف. فاتخذ المجلس المقررات الآتية : 1- تطبيق أنظمة القطع على العمليات التجارية بين سورية ولبنان وعدم السماح للأشخاص المسافرين إلى لبنان أو القادمين منه أن يخرجوا أو يدخلوا أكثر من خمسين ليرة سورية. 2- منع نقل البضائع من لبنان إلى سورية باستثناء البضائع العابرة والمعفاة من الجمرك والمحروقات. 3- إقامة المراكز الجمركية ومراكز مراقبة على الحدود السورية اللبنانية. 4- منع سفر السوريين إلا بإجازة عند الضرورة. وفي اليوم التالي 15/3/1950 أصدرت الحكومة السورية بياناً مفنداً لما جاء من مغالطات في المذكرة اللبنانية المؤرخة في 10/3/1950. وأكد البيان أن الوحدة الاقتصادية التامة بين البلدين كانت قائمة منذ القدم واستمرت في العهد الفرنسي وهي لمصلحة البلدين(42). ولقد اعترف خالد العظم بأن سياسته أضرت بمصالح لبنان، إذ حرمت التاجر المستورد اللبناني من الأرباح التي كان يتقاضاها من الصفقات التجارية مع تجار سورية. وقل عدد المصطافين السوريين في جبال لبنان وعدد الذين كانوا يترددون على بيروت للنزهة والتسلي(43). ويتحدث محمد عزة دروزة عن موقف بعض اللبنانيين من الوحدة الاقتصادية السورية بقوله : " لقد كان عهد الانتداب يجنح إلى سياسة الباب المفتوح ولايهتم لحماية صناعات البلاد وغلاتها. وكانت هذه السياسة تضر باقتصاديات البلدين ضرراً فادحاً. وكانت سورية أشد ضرراً. فأخذ السوريون يفكرون في وضع تشريعات لتحديد الاستيراد وحماية صناعاتهم وغلاتهم. ولكن لبنان، أو بتعبير أصح، بيروت التي يتكاثف فيها نصف سكان لبنان، لم تتجاوب مع سورية وفضلت أن تظل الحال على ماهي عليه، ولاسيما أنها كانت في ظل الانتداب الفرنسي وقبله، ماسكة بزمام التجارة الخارجية لبلاد الشام. وكان معظم وكلاء الشركات الأجنبية والتجارية والصناعية فيها، وكانت مركز الاستيراد والتصدير، وذات مرفأ بحري كبير صالح. وكانت سورية عالة عليها في كل ذلك، فقام تشاد وتجاذب بين البلدين لهذا السبب ". " لقد كانت جمهرة الموارنة والكاثوليك راضين بالوحدة الاقتصادية التامة بين سورية ولبنان القائمة في عهد الانتداب حتى الجلاء 1946 لأن زمام هذه الوحدة إدارياً وتشريعياً ومالياً في يد ممثلي الانتداب وأنصاره المنتفعين. فلما جلت فرنسا ولم يعد هنالك ضابط مشترك يبعد عنهم مايتوهمونه من خطر الاتحاد الاقتصادي، انقلب الأمر وصاروا ضد هذه الوحدة على طول الخط ". لقد رفض لبنان العرض السوري بالوحدة الاقتصادية في 5/6/1949 بتأثير المتخوفين من الوحدة الذين يخشون من تطورها إلى وحدة سياسية، أو كما يحلو لهم أن يسموها سيطرة سورية أو عربية أو إسلامية، لأن سورية أكثر من لبنان بثلاثة أضعاف، وأكثرية سكانها مسلمون، والفكرة العربية أساسية فيها، وسيكون لكل هذا تأثير في الحال والاستقبال على وهمهم ". " وقد أخذت سورية (بعد الانفصال الجمركي والقطيعة الاقتصادية) تشجع ميناء اللاذقية ليكون بديلاً من بيروت، وأصلحته وأخذت تهيئه ليكون كافياً للحاجة". " لقد كانت فرنسا تقاوم اتحاد سورية ولبنان وأي حركة في سبيل الوحدة أو الاتحاد العربي أو اتحاد دول الهلال الخصيب لأنها تعرف أن مثل هذا الاتحاد حصانة قوية ضد رجوع لبنان وسورية إلى منطقة نفوذها "(44). المهم أنه تم ماسمي بالانفصال الجمركي في عام 1950. ولكن حصل ماهو أخطر وهو (القطيعة الاقتصادية) بين البلدين التي جاءت كرد فعل للانفصال وعانى البلدان كثيراً منها إلى أن خفت حدتها واتفق البلدان على تعامل اقتصادي عادي(45). بعد أن جرت اتصالات بين الحكومتين وقدمت مشاريع اقتصادية مختلفة خلال السنوات التالية لم تؤد إلا إلى حلول مؤقتة(46). ولم يبق من الوحدة السورية اللبنانية سوى أنه لايوجد تمثيل دبلوماسي بين الدولتين. كما أن أبناء الدولتين يتنقلون بينهما بدون جوازات سفر مع حرية الإقامة. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |