تطور الوحدة السورية اللبنانية من نشوب الحرب العالمية الثانية إلى ما بعد الاستقلال 1939- 1950 - د. عبد الرحمن البيطار

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:19 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

خاتمة

بعد هذا الاستعراض الموجز لتطور الوحدة السورية اللبنانية في مراحلها المختلفة منذ بداية الاحتلال الفرنسي وحتى نهايته، يمكننا أن نسجل الملاحظات التالية:‏

1- لم يكن الاحتلال الفرنسي الانكليزي لسورية العربية وغيرها من أراضي الدولة العثمانية نتيجة الحرب العالمية الأولى ذاتها.وإنما كان استمراراً لسياسة العداء الصلبيي للشرق والصراع التاريخي بين الشرق والغرب، فقد كانت القوى الاستعمارية تخطط لهذا الاحتلال وتعمل على تنفيذه، وخاصة النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي، واعتمادها على ادعاءات وحجج منها حجة حماية الأقليات الدينية والمذهبية والجنسية من الأكثرية العربية الإسلامية.‏

2- عمل الفرنسيون على إحلال كلمة (سورية) بدلاً من (الشام) ذات المدلول العربي. بل وقصر الكلمة ذاتها على منطقة محدودة من سورية الطبيعية التاريخية. وعلى جعل كلمة (لبنان)التي هي اسم لجبل في سورية (الشام) لتصبح اسماص لمنطقة لها حدودها.‏

3- خلال الفترة من 1918-1920 كان الفرنسيون يسيطرون على المنطقة الساحلية من شمالي سورية، بينما كانت المنطقة الشرقية منها وحتى العقبة تحت إدارة الأمير فيصل. وبينما كان الفرنسيون يعملون للسيطرة على المنطقة الشرقية وتنفيذ سياستهم الطائفية حتى يحكموا قبضتهم عليها، كان فيصل يعمل على إقبامة دولة سورية عربية، وكانت النتيجة فشل مشروع الدولة العربية السورية ونجاح الفرنسيين في السيطرة على المنطقة الداخلية من سورية الشمالية واتباع سياسة التجزئة حتى أقاموا فيها سبع دويلات.‏

4- لم يستسلم الشعب للسياسة الفرنسية الطائفية، بل قاوم وناضل بكل الوسائل العسكرية والسلمية لإفشال سياسة التجزئة وإعادة الوحدة بين هذه الدويلات، مما اضطر الفرنسيين إلى تعديل سياسة التجزئة حتى استقروا على إقامة كيانين منفصلين هما (سورية ولبنان) وقاموا بإدارتهما كسلطة اتحادية، لأن التاريخ والواقع الاجتماعي والاقتصادي والجغرافي يحتم ارتباطهما وتعاونهما.‏

ومع ذلك استمرت مقاومة وجود هذين الكيانين وضمن إطار كل منهما لإعادة وحدتهما.‏

5- وفي عام 1936 قامت انتفاضة شعبية في إطار (سورية ولبنان) مطالبة بالوحدة والاستقلال، وشارك فيها أبناء (دولة لبنان). بل إن البطريرك الماروني، الذي وجد أن السياسة الفرنسية الاستعمارية أضرت بمصالح من ادعت فرنسا حرصها على مصالحهم وأقامت دولة لبنان من أجلهم اشتكى من السياسة الفرنسية. وبرزت الدعوة إلى الإخاء الإسلامي المسيحي لإفشال حجة فرنسا في حماية الأقليات وسياستها في التجزئة.‏

6- رضخت السياسة الفرنسية نتيجة المقاومة الشعبية لسياستها ولظروف دولية، حتى تم توقيع معاهدتي 1936 مع سورية ولبنان اللتين تربطان الدولتين المنشأتين بفرنسا، بدلاً من الاحتلال الفرنسي المسمى انتداباً. وأقرت دولة سورية بكيان لبنان ضمن حدودها المعلنة من قبل الفرنسيين عام 1920 كخطوة نحو الاستقلال عن فرنسا وأملاً في العودة إلى الوحدة بعد ذلك، ولدفع دولة لبنان للسير في طريق الوحدة العربية.‏

7- إلا أن فرنسا عدلت عن المعاهدتين لما تغيرت ظروفها وبحجة الحرب العالمية الثانية. وكان للصهيونية دور في تعطيل المعاهدة السورية وفي سلخ لواء الاسكندرون من دولة سورية وتسليمه إلى تركيا ثمناً لعدم وقوفها مع ألمانيا في الحرب.‏

8- رغم كل سياسة التجزئة الفرنسية، كانت الوحدة الاقتصادية والاجتماعية بين دولتي سورية ولبنان قائمة تحت إدارة الفرنسيين التي كانت بمثابة اتحاد سياسي بينهما.‏

9- بقيام الحرب العالمية الثانية عادت فرنسا لتحكم دولتي سورية ولبنان كإقليم واحد وبسياسة واحدة. ولكن بعد وعود الحلفاء لهما بالاستقلال حتى يتمكنوا من تحريرهما من سيطرة فرنسا الفيشية دغدغ الفرنسيون آمال الوحدة بالوعد بها مع الاستقلال. فقد قال بيان كاترو: "ستصبحون من الآن فصاعداً شعباً حراً ذا سيادة، سواء بقيتم منفصلين أو كنتم في دولة واحدة، وستتمكنون من أن تؤلفوا لأنفسكم دولاً منفردة أن أن تتحدوا في دولة واحدة.....".‏

10- ولكن أعلن الفرنسيون، بضغط من الانكليز، استقلال دولتي سورية ولبنان منفردتين، فسارتا في طريق الاستقلال وإنشاء كيانيهما المنفصلين وبناء مؤسساتهما.‏

11- ورغم إعلان الاستقلال، حاول الفرنسيون إبقاء سيطرتهم عن طريق فرض معاهدة على كل من الكيانين وإبقاء المصالح المشتركة بين الدوتين بأيديهم كي تقوم بها السلطة الفرنسية بدلاً منهما. ولكن سارت الدولتان في طريق الاستقلال والانفصال في النقد والجيش والمؤسسات الأخرى.‏

12- واتجهت الدولتان وهما في طريق الاستقلال، النعت الفرنسي حتى كان الصدام مع الفرنسيين في لبنان عام 1943 في معركة تعديل الدستور اللبناني لإلغاء مظاهر السيادة الفرنسية باسم الانتداب، بعد أن سادت في لبنان سياسة توفيقية بين الكيان اللبناني والعروبة.واصطدمت سورية عام 1945 مع الفرنسيين أيضاً لرفضها الخضوع لطلبات الفرنسيين في عقد معاهدة تضمن نفوذ فرنسا.‏

13- انتسبت الدولتان إلى الأمم المتحدة، وأصبح وجودهما المنفصل معترف به دولياً.‏

14- واجهت الدولتان مشاريع وحدة سورية الطبيعية (الكبرى) والهلال الخصيب وعارضتاها، كما عارضها الفرنسيون والانكليز، للوقوف في وجه احتمال سيطرة الهاشميين في شرقي الأردن والعراق عليها، وبحجة أن الهاشميين مرتبطون بالانكليز. فتعطل بذلك قيام وحدة عربية في المنطقة تكون نواة لوحدة عربية أكبر.‏

15- استطاع الاتجاه المعارض للهاشميين بزعامة مصر والسعودية، السير في مطلب الوحدة العربية بعد موافقة الانكليز، إلى إقامة جامعة دول عربية فقط، على أساس اعتماد الكيانات العربية القائمة واحترم حدودها وسيادتها، فكان مشروعاً قاصراً لم يحقق الكثير من آمال العرب.‏

16- واستمر النضال الشعبي لوحدة عربية أقوى عبر الأحزاب ذات المبادئ القومية العربية أو الأحزاب الدينية أو الحزب القومي السوري وغيرها من التنظيمات الشعبية.‏

17- بعد قيام جامعة الدول العربية وفشلها في وقف العدوان الصهيوني والاستيطاني التوسعي المدعوم من الغرب. قامت سلسلة انقلابات عسكرية في سورية لم تنجح آمال الوحدة، بل تم تدعيم استقلال دولتي سورية ولبنان وإلغاء الوحدة الجمركية عام 1950 وهو آخر مظهر من مظاهر الوحدة السورية اللبنانية القائمة عبر التاريخ كله، لتبدأ مرحلة جديدة مازالت مستمرة حتى الآن وغنية بالأحداث والشواهد على أنه لا غنى لقطر عربي عن الآخر، وأنه لابد من وحدة تعود بالخير على أمتنا في هذا العالم الذي يجب أن نثبت فيه وجودنا.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244