الدكتور غازي حسين - القمم والمؤتمرات الاقتصادية والأمنية من التطبيع إلى الهيمنة

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:20 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية

ثانياً: قمة عمان الاقتصادية‏

انعقدت القمة الاقتصادية الثانية للتنمية في الشرق الأوسط وشمال افريقيا في عمان بتاريخ 29-31 تشرين الأول عام 1995. وبلغ عدد الدول المشاركة فيها (63) دولة، بينما اشتركت في قمة الدار البيضاء (60) دولة. وارتفع عدد الدول العربية المشاركة من (12) دولة في الدار البيضاء إلى (13)دولة في عمان، وذلك بانضمام موريتانيا بناء على رغبة إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية. بذلت الولايات المتحدة الأميركية جهوداً كبيرة لإنجاح القمة وتثبيت ما تم الاتفاق عليه في قمة الدار البيضاء وتأسيس آليات لتحقيقه.‏

تحدث كلاوس شفاب، رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي عن طبيعتها وقال: "إن قمة عمان الاقتصادية خطوة مكملة لقمة الدار البيضاء، حيث أن قمة الدار البيضاء شكلت البداية وقمة عمان ستقوم الآن بالخطوات العملية" (11)‏

اتسم الموقف العربي في القمة بين مؤيد بدون تحفظ، يؤيد التعاون الإقليمي الشرق أوسطي بديلاً عن التعاون العربي، ويحاول الحصول على رضى الولايات المتحدة الأميركية وبعض المنافع الاقتصادية من جراء هرولته نحو إسرائيل، وبين مؤيد بتحفظ طمعاً في الحصول على بعض المكاسب الاقتصادية.‏

قاطعت سورية ولبنان قمة عمان من منطلق رفض أي تعاون اقتصادي مع إسرائيل إلى أن تنصاع إلى تنفيذ قرارات الشرعية الدولية ومرجعية مدريد (الأرض مقابل السلام)، والمطالبة بوجوب التروي والحذر في التعاون مع إسرائيل إلى أن تنسحب من الجولان وجنوب لبنان والقدس العربية.‏

وكانت سورية حاضرة في المؤتمر على الرغم من غيابها، وذلك لموقفها من السلام العادل والشامل المتميّز برفض الشرق أوسطية والمفاوضات المتعددة الأطراف والتمسك بالهوية العربية. وجسّد عقد قمة عمان المضي في التطبيع قبل إقامة سلام عادل وشامل يعيد جميع الأراضي المحتلة والأماكن الدينية والحقوق المغتصبة، كما يعني عقدها التنازل عن آخر ورقة في يد العرب والقبول بوجهة النظر الإسرائيلية في بدء التعاون الاقتصادي بغض النظر عما يجري على الجانب السياسي، وبالتالي تمكين إسرائيل من تحقيق مخططاتها السياسية والاقتصادية والقضاء على فرص تحقيق السلام العادل والشامل.‏

إن قمة عمان رمت، كقمة الدار البيضاء، إلى فك عزلة إسرائيل السياسية وتحقيق مرحلة متقدمة من التطبيع والنفاذ إلى كل سوق وبيت عربي تحت غطاء خادع ومضلل وكاذب وهو تأمين الرخاء والرفاهية لشعوب المنطقة، بينما هدفها الحقيقي الحصول على الأسواق والثروات والأموال والعمالة العربية تحقيقاً لمصلحة إسرائيل ويهود العالم وفرض الهيمنة الإسرائيلية على الوطن العربي. وتعتبر امتداداً لقمة الدار البيضاء ولكن الفرق بينهما هو أن القمة الأولى أعلنت المبادئ العامة للتعاون الإقليمي والشرق أوسطية، بينما وضعت قمة عمان الآليات لتنفيذها، أي أوجدت المؤسسات التي تعيد تشكيل المنطقة من جديد وفقاً للمخططات الإسرائيلية.‏

الأردن والقمة‏

تحدث الأمير حسن في جلسة افتتاح القمة عن طبيعة القمة الاقتصادية الأولى والثانية وقال: "لقد بينت قمة الدار البيضاء التي استضافتها المغرب قيمة التعاون بين دول المنطقة، كما أنها أوجدت لشعوب المنطقة فرصة للتعرف على بعضها البعض، ونحن نأمل من خلال قمة عمان الانتقال إلى المستوى التالي من هذه العملية فهذه القمة تشكل فرصة للبدء في عملية إعادة بناء اقتصادات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بأفضل الأساليب العملية الممكنة."(12)‏

ومضى ولي العهد الأردني في القمة يقول: "يجب على حكومات الشرق الأوسط خلق. بيئة مناسبة للتعاون الإقليمي.. إن هدفنا بعيد المدى يجب أن يتركز على إزالة كافة القيود من المنطقة وتحررها سواء كان في إبعاد التجارة أو الاستثمار أو العمالة أو رأس المال أو الخدمات، فتجارة أكثر حرية في المنطقة تساهم في تعزيز السلام والازدهار"(13).‏

وأبدى الأمير حسن تصوره وما يسعى الأردن إلى تحقيقه من خلال القمة قائلاً:‏

"لقد تم طرح اقتراح (إسرائيل) بأن تبدأ هذه العملية باتفاقية تجارة حرة تضم دول المحور:‏

الأردن ومصر والفلسطينيين وإسرائيل والتي يمكن أن تتطور إلى اتحاد جمركي وسوق مشتركة في نهاية الأمر.. إن إمكانية إنشاء منطقة مزدهرة ذات حجم معقول وتجارة مفتوحة وقاعدة مهارات متنوعة يمكن أن تساعد في خلق سوق جديدة تجذب رأس المال الأجنبي والاستثمار لكل الشركاء وهو ما تحتاجه المنطقة كثيراً".‏

وترأس الأمير الحسن جلسة العمل الرئيسية تحت عنوان "المجموعة الدولية في دعم ركائز الاقتصاد لبناء السلام وأعلن فيها كرئيس للمؤتمر التوقيع على تشكيل مجلس الأعمال الإقليمي، حيث وقعه عن الجانب الأردني، وزير الصناعة والتجارة علي أبو الراغب، وعن الجانب المصري وزير الاقتصاد محمود أحمد محمود، ووزير التجارة الإسرائيلي، وأحمد قريع عن سلطة الحكم الذاتي. وأعلن أيضاً عن مراسم التوقيع على تأسيس الهيئة الإقليمية للسياحة، ووقعها وزير السياحة الأردني عبد الإله الخطيب، ووزير السياحة المصري، ممدوح بلتاجي، ووزير السياحة الإسرائيلي عوزي برعام، ومدير التعاون الدولي في سلطة الحكم الذاتي، نبيل شعث، ووزير السياحة القبرصي اليكيس ميناليدس، ووزير الاستثمارات الخارجية التونسي، محمد غنوشي وأمين عام وزارة السياحة المغربي مصطفى علوي. وأكد الأمير الحسن، رئيس المؤتمر في مؤتمر صحفي عقده مع وزير الخارجية الأميركي وارن كرستوفر ووزير التجارة الأميركي رونالد براون "ان موضوع التجارة نال قسطاً كبيراً من مناقشات المؤتمر في اليوم الأول، وان مؤسسات بنك التنمية ومجلس قطاع رجال الأعمال وهيئة السياحة يمكن أن تعتبر نماذج للنهوض بالتعاون الإقليمي في الشرق الأوسط"(14)‏

وتحدث واصف عازار، أحد أبرز رجال القطاع المصرفي الخاص في الأردن عن أهداف القمة وقال: "إن من أهداف القمة توجيه اقتصادات المنطقة نحو التداخل لكي تصبح المنطقة مستقرة أمنياً"(15).‏

وأبدى د. رؤوف أبو جابر، رئيس شركة الاستثمارات العامة الأردنية رأيه في المؤتمر وقال إنه سيكون للمؤتمر فرصة كبيرة في قيام الدول في المنطقة بفتح حدودها مضيفاً " أن أسواق الضفة الغربية مغلقة بالكامل أمام المنتجات الأردنية وإن السوق الفلسطينية أسيرة لإسرائيل حيث الاقتصاديين ورجال الأعمال والمصانع الإسرائيلية يحصلون على حوالي 1.7 مليار دولار سنوياً من هذه السوق معرباً عن أمله في أن تسهم القمة باعتبارها تظاهرة كبيرة في تخفيف القيود المفروضة على التجارة في المنطقة وصولاً إلى حرية التجارة بشكل كامل(16). وتعتبر إسرائيل المستفيد الأكبر من المشاريع السياحية التي قدمها الأردن للقمة، لأنها في الأساس أفكار ومشاريع إسرائيلية وبشكل خاص ريفيرا البحر الأحمر على خليج العقبة، ومشاريع اخدود وادي الأردن وتوسيع مطار العقبة مما يزيد من التدفق السياحي إلى المنطقة والتي ستحصل منه إسرائيل على حصة الأسد. وتتطابق الكثير من المشاريع التي طرحها الأردن في القمة مع المخططات الإسرائيلية، فأعلن وزير النقل الأردني سمير قعوار أن مشاريع النقل تتركز في منطقة العقبة حيث سيتم طرح مشاريع لإقامة وتحسين خطوط السكة الحديدية لربط شمال الأردن بجنوبه وشرقه بغربه. أما في مجال ميناء العقبة فإن هناك العديد من المشاريع تشمل إقامة أرصفة متعددة الأغراض لشحن السلع بالإضافة إلى رصيف المسافرين. أما في مجال النقل الجوي فأشار الوزير إلى أن الحكومة الأردنية ستقوم بتوسيع مطار العقبة الحالي وتحديثه ليخدم منطقة خليج العقبة حيث اتفق مع الحكومة الإسرائيلية على أن يكون هذا المطار مطاراً دولياً مشتركاً" (17).‏

المواقف العربية في القمة‏

وضع القائمون على قمة عمان عنواناً اقتصادياً لها، ولكنها في حقيقة الأمر قمة سياسية واقتصادية تسعى إلى إلغاء المقاطعة العربية لإسرائيل وفك عزلتها وانفتاح العرب عليها لتحقيق أهدافها ومطامعها ومخططاتها في البلدان العربية.‏

وكان من أهم نتائجها انتهاك جميع القرارات السياسية والاقتصادية التي اتخذتها مؤتمرات القمم العربية وخاصة مؤتمر القمة العربي الاقتصادي في عمان.‏

تحدث الملك حسين عن أهداف قمة عمان فقال: "تهدف (القمة) إلى ضمان فكرة أن السلام الذي نبنيه سينمو ليحمل ثمار الرخاء والاستقرار لأنفسنا وللأجيال المقبلة"(18).‏

لقد تباينت المواقف العربية في قمة عمان، ففي الوقت الذي ركز فيه الأردن على أهمية التعاون الإقليمي والمشاريع المشتركة مع إسرائيل، وطالبت المغرب الدول العربية الإسراع في تطبيع علاقاتها الاقتصادية مع إسرائيل، وصلت الهرولة العربية غير المسؤولة حداً قال فيه وزير خارجية عُمان "إن ضغوط بعض الدول العربية لإبطاء عملية التطبيع مع إسرائيل مبالغ فيها ولا لزوم لها، وأضاف مؤكداً ضرورة التعاون مع إسرائيل لتشجيعها على المضي في المسيرة السلمية".(19) وأكدت مصر في المؤتمر أن السلام هو الأساس لتحقيق التنمية والتعاون، وإن الحل النهائي يجب أن يتضمن قيام الدولة الفلسطينية والانسحاب من الأراضي العربية المحتلة وإخلاء المنطقة من أسلحة الدمار الشامل.‏

وأعلن رجال الأعمال العرب عن موقفهم في المؤتمر قائلين إنهم جاؤوا من أجل (البزنس) وقال بعضهم "علينا أن نترك السياسة وراء ظهورنا ونعمل على تعظيم الربح(20)"، وبالتالي تبنوا الموقف الإسرائيلي القائم على المطالبة بفتح الحدود وإزالة الحواجز والعقبات أمام التجارة والموقف الأميركي المنادي بالإصرار على إنهاء المقاطعة العربية قبل تحقيق السلام العادل والشامل.‏

كما أعلن يوسف بطرس غالي، وزير التخطيط والتعاون الدولي المصري أن مؤتمر قمة عمان الاقتصادي يؤدي دوره الأساسي ويضع حجر الأساس للكيان الاقتصادي المتكامل في المنطقة. وقال إن مؤتمر الدار البيضاء وضع الحجر الأول ومؤتمر عمان جاء لتكملة مسيرة البناء مشيراً إلى أن مثل هذه المؤتمرات ستحدد الرؤيا الإقليمية المستقبلية في إقليم الشرق الأوسط. وبيّن أن الاندماج الاقتصادي بين هذه الدول شيء طبيعي(21).‏

كانت بداية قمة عمان سياسية جداً، حيث سمع العرب من الجنرال اسحق رابين وشمعون بيرس كلاماً أشد قسوة وفظاظة من الكلام الذي سمعوه عن القدس والتعاون الاقتصادي مع العرب في قمة الدار البيضاء، كلاماً ينم عن الاستعلاء والعنصرية ويقوم على الغطرسة والكذب والأطماع اليهودية. سمع العرب كلاماً قاسياً من رابين عن القدس والتاريخ والمستقبل وكلاماً أكثر قسوة من بيرس عن التعاون الاقتصادي ولم تصدر عنهم ردة فعل واحدة، بل قام ياسر عرفات وأعلن في القمة" أن سفاره أميركا لن تنتقل من تل أبيب إلى القدس، بعدما تلقى ضماناً من الرئيس الأميركي، أبلغه إليه شخصياً وزير التجارة الأميركي رون براون".(22) وطالب عرفات بضمان حرية انتقال السلع والأشخاص والخدمات كشرط أساسي لتحقيق أي نجاح اقتصادي، وبالتالي عبّر عن تبنيه للموقف الإسرائيلي.‏

وقال عمرو موسى، وزير خارجية مصر في المؤتمر:‏

"وجوهر القول هنا إن مبدأ الأرض مقابل السلام يظل هو المبدأ الحاكم على الساحة الفلسطينية السورية أو اللبنانية وبهذا نأتي إلى تصور المستقبل فلا يمكن لمصري أو لعربي ولا لمهتم بالسلام ومستقبل الشرق الأوسط أن يتصور حلاً نهائياً ولا سلاماً شاملاً دون قيام دولة فلسطينية مستقلة أو دون انسحاب شامل من أراضي سورية ولبنان أو دون اتفاقيات وإجراءات تضمن الأمن للجميع يأتي في مقدمتها إقامة منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل في منطقة الشرق الأوسط"(23).‏

وشهد المؤتمر خلافاً بين مصر والأردن حول كيفية التعامل مع إسرائيل وتطبيع العلاقات العربية معها، حيث أثارت كلمة هرولة التي وردت في خطاب وزير الخارجية المصري جدلاً سياسياً حامياً في المؤتمر عندما قال: "علينا أن نتفاعل مع التطورات وإن يكون تفاعلنا بكل عقل وثقة وحكمة وليس مظاهرة ولا هرولة".‏

وعقب الملك حسين على كلمة هرولة التي أطلقها وزير الخارجية المصري وقال:‏

"إن الأردن كان أول المهرولين لأن هذه العبارة قد استخدمت أكثر من مرة عندما تبع الأردن الشقيقة مصر وسلمها قيادة جيشه ومصيره قبل 28 عاماً وكان في طليعة المهرولين بالنسبة إلى كل لقاء عربي وأضاف يقول: "أما إذا كان التوجه نحو السلام هرولة فقد سبقتنا الشقيقه الكبرى في الهرولة قبل (17) عاماً. وإذا كان في البال محاولة جادة مخلصة للتعويض عن كل ما فاتنا من وقت فنحن لا نهرول فقط وإنما نركض باتجاه تعويض الوقت لنعطي إنساننا الحياة التي يستحق حرة كريمة"(24) وكانت مصر وقطر قد تقدمتا بطلبين لاستضافة القمة الاقتصادية الثالثة في القاهرة والدوحة. وتابع الملك حديثه وقال: "فيما يتعلق باللقاء القادم أرجو أن يوفق المؤتمر في انتخاب الموقع والمكان لأن هناك دعوة إلى اللقاء في القاهرة، لكن أيضاً هناك دعوة من دولة شقيقة في الخليج وقد يكون من المناسب أن يكون اللقاء بعد أن كان في افريقيا والمتوسط أن يكون في الخليج".‏

وجاء في البيان الذي ألقاه د. عاطف عبيد، وزير قطاع الأعمال والدولة للتنمية الإدارية باسم مصر التأكيد على التكامل داخل الاقتصاد العالمي والتعاون الاقليمي من أجل التنمية السريعة وتوافر الطاقة الكهربائية في مصر وكذلك الطرق والبترول وخطوط التلفونات اللازمة للمشروعات الاستثمارية، مشروعات الكهرباء والنقل والبترول والزراعة والصناعة والتجارة والسياحة والموارد البشرية والتكنولوجيا المتقدمة. وانطلقت وجهة النظر المصرية في القمة من أن عملية الهرولة الاقتصادية نحو إسرائيل غير مطلوبة في الوقت الحاضر لحين استعادة العرب أراضيهم المحتلة وتفكيك ترسانة إسرائيل النووية، بينما رأت الأردن أن تسرع إلى الاستفادة من الأوضاع الجديدة لتحقيق أكبر مكاسب اقتصادية ممكنة، واتهمت مصر بأنها كانت أول من هرول نحو إسرائيل عندما وقعت اتفاقيتي كمب ديفيد ومعاهدة الصلح المصرية الإسرائيلية. وكانت قطر وعُمان من أكثر بلدان الخليج هرولة نحو إسرائيل وتلبية شروطها وخدمة مصالحها ووقعت قطر اتفاقاً معها حول الغاز السائل.‏

وأعطى المؤتمر مشروعية للتعاون العربي مع إسرائيل عبر البوابة الأردنية إلى دول الخليج العربية.‏

"إن إسرائيل ليست دولة عادية، لأسباب عدة، ولا يمكن أن ينظر إليها العرب كدولة عادية، هي أولاً مشروع، ففي الوقت الذي يذهب فيه العرب إلى قمة عمان تأخذ إسرائيل القدس، ومن هنا لا يمكن افتراض أننا ندخل في تعاون اقتصادي مع إسرائيل وكأننا في تعاون مع دولة ما كبلجيكا مثلاً. ثانياً إن مشروع إسرائيل هو استيعاب مهاجرين جدد ولو على حساب أهل المنطقة، فمشروعها لن ينتهي وهي لا تخفي ذلك. ثالثاً إنها قوة قوية ولا تريد أن تتنازل عن ذلك. ورابعاً، إننا حيثما نتعامل مع إسرائيل إنما نتعامل في حقيقة الأمر، مع الولايات المتحدة"(25).‏

الموقف الأميركي في القمة‏

بذلت الولايات المتحدة الأميركية جهوداً كبيرة لإنجاح القمة وتثبيت ما تم الاتفاق عليه في قمة الدار البيضاء. وتنطلق من فكرة أن السلام واتفاقيات أوسلو ووادي عربة لن تدوم دون منافع اقتصادية تجنيها شعوب المنطقة عن طريق فتح الحدود أمام التجارة والسياحة والعمالة والاستثمار. ويخدم تسويق هذه الفكرة الأميركية عدة أهداف إسرائيلية فهي تعمل أولاً على ترسيخ اتفاق الإذعان في أوسلو، وثانياً تجني إسرائيل من جراء ذلك الأرباح الاقتصادية الهائلة، لأن الفائدة الاقتصادية في المنطقة ستعود عليها وعلى يهود العالم بالدرجة الأولى والولايات المتحدة الأميركية بالدرجة الثانية. وصاحب قمة عمان قرار الكونغرس الأميركي بنقل السفارة الأميركية إلى القدس خلافاً للتعهدات الأميركية وقرارات الشرعية الدولية ومبادئ القانون الدولي. وماطلت إسرائيل في تحقيق التقدم على المسارين السوري واللبناني وزادت من ممارسة الإرهاب والاغتيالات والعقوبات الجماعية.‏

ألقى وارن كرستوفر، وزير الخارجية الأميركي كلمة باسم الرئيس الأميركي بيل كلنتون حددت سلفاً النتائج التي يجب أن تتمحض عنها القمة وقال: "إننا نعلم أن السلام يجب أن يصل إلى ما هو أبعد من الدبلوماسية والوثائق، وأن الاتفاقات هي أساس السلام لكن حقيقة السلام موجودة في الأفعال وليس الكلمات، السلام هو طفرة البناء في غزة وزيادة الاستثمار أربع مرات في إسرائيل. إن هذه الرؤية لسلام مزدهر جمعتنا للمرة الأولى في الدار البيضاء وهنا في عمان سوف نوفي ما حققناه هناك. وسنعلن إنشاء مجموعة من المؤسسات الإقليمية التي تشترك في هدف واحد هو تحسين قدرة القطاع الخاص للتجارة في الشرق الأوسط وترويج تنمية المنطقة وتعاونها: أولاً سننشيء بنك التعاون والتطوير الاقتصادي. ثانياً: القمة ستنشيء مجلس الشرق الأوسط للسياحة والسفر ثالثاً: سيتم إنشاء المجلس الإقليمي للأعمال بمشاركة القطاع الخاص والحكومات وسيكون المجلس مقراً دائماً لتبادل المعلومات وتطوير فرص الاستثمار. وهنا في عمان يجب أن نطوِّر ما بدأناه في الدار البيضاء. ويجب أن نؤكد على أهمية الشراكة بين القطاعين العام والخاص. فعلى الحكومات وضع الأسس للسلام والازدهار لكن للقطاع الخاص الفرصة لبناء سلام معزز بالازدهار المتنامي"(26).‏

ودعا كرستوفر الدول العربية إلى إلغاء مقاطعة إسرائيل وقال إنها تعيق الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق تكامل اقتصادي في الشرق الأوسط وإن الوقت قد حان لإلغاء المقاطعة تماماً.‏

وأكد رونالد براون، وزير التجارة الأميركي أن مشاركة (1600) شخص في افتتاح القمة ومن ضمنهم (160) شركة أميركية لهو دليل قاطع على مدى الاهتمام بها.‏

وقالت روت هاركين، رئيسة المؤسسة الدولية للاستثمار" إن المؤتمر أتاح فرصة لرجال الأعمال الأميركيين لبدء نشاطهم الاقتصادي في هذه المنطقة على المدى الطويل"(27).‏

وسعت الشركات الأميركية إلى حصاد أكبر الحصص وانتزاع أكبر نصيب من العقود مستغلة وجود نائب الرئيس الأميركي ووزير الخارجية ووزير التجارة والكثير من رجال الأعمال وممثلي الشركات الأميركية الكبرى.‏

إسرائيل والقمة‏

أصبحت القمم الاقتصادية آليات دائمة لتحقيق الشرق الأوسط الجديد كما خططت له إسرائيل. وفي الوقت الذي حققت فيه إسرائيل من خلالها التقدم على الصعيد الاقتصادي مع البلدان العربية، حدث تراجع على الصعيد السياسي.‏

لقد ألحقت إسرائيل الخراب والدمار والتخلف باقتصادات البلدان العربية من جراء حروبها العدوانية واعتداءتها المستمرة. وحصلت على الأموال الطائلة من الولايات المتحدة وألمانيا ودول أوروبية أخرى دعمت بها حروبها العدوانية واغتصابها الأرض العربية وتوطين المهاجرين اليهود فيها.‏

وتعمل حالياً بمساعدة الولايات المتحدة الأميركية على ابتلاع الأموال والأسواق والثروات العربية مقابل اتفاقات ذل وإذعان كاتفاقيتي أوسلو ووادي عربة.‏

ونشطت إسرائيل في قمة عمان لتصبح المركز الرئيسي للنقل البري والبحري والجوي مع البلدان العربية وبينها وبين أوروبا وافريقيا لشطب مؤسسات العمل العربي المشترك وفرض مواقفها ومصالحها على العرب المشاركين في القمة.‏

عبر الوفد الإسرائيلي للقمة عن معظم أطماع إسرائيل التوسعية ومخططاتها الاقتصادية بدءاً من التمسك باحتلال القدس العربية ومروراً بفرض الاذعان السياسي على العرب وجني الأرباح الطائلة، فاعتبر الوفد الإسرائيلي أن السلام السياسي قد انتهى وأن حضوره المؤتمر هو من أجل صنع المال. ووضعت إسرائيل وبدعم وتأييد كاملين من الولايات المتحدة الدول العربية أمام خيار من اثنين: فأما التبعية لها أو التهميش والعزل، وكلا الخيارين مُر والواحد أكثر مرارة من الآخر.‏

بدأ الجنرال رابين حديثه في القمة وقال: "وصلت إلى عمان قبل ساعات من القدس، عاصمة إسرائيل وسأعود إلى داري بعد دقائق: "(28) وأكد أن مؤتمر الدار البيضاء كان الخطوة الأولى المهمة ولكن لقاء عمان يعتبر أوسع وأكبر مؤتمر دولي يعقد في الشرق الأوسط وأن إسرائيل تسعى ليكون لها دور مع دول المنطقة.‏

وشن شمعون بيريس من عمان هجوماً قاسياً على سورية واتهمها بأنها تعرقل عملية السلام. وهاجم بشكل وقح الدول العربية بسبب موقفها من القدس وقال بشكل مسرحي إنه ذهل من التصريحات التي صدرت عن وزير الخارجية المصري في الجلسة الافتتاحية لأنه انتقد القرار الأميركي حول القدس وقال بيرس بصلف منقطع النظير إن القدس ستظل عاصمة إسرائيل لمئات السنين ولن يتم تقسيمها أبداً.‏

إن الموقف الإسرائيلي الذي أعلنه بيرس في عمان أمام حضور معظمه من العرب يدل دلالة واضحة على عدوانية إسرائيل وأطماعها التوسعية ووقاحتها وتصميمها على الاستهتار بالعرب ومقدساتهم. وشجعها على ذلك سكوت الأردن على أطماع إسرائيل في القدس والتي كانت العاصمة الثانية للمملكة الأردنية الهاشمية إلى أن احتلها الجنرال رابين من الأردن في السادس من حزيران عام 1967.‏

ووصلت وقاحة قادة إسرائيل وأكاذيبهم ذروتها في المؤتمر الصحفي الذي عقده بيرس على هامش قمة عمان وقال إن إسرائيل ليست في حاجة إلى علاقات اقتصادية مع العرب وإنما تريد رفع مستواهم الاقتصادي وإنه ليس للدول العربية اقتصاد وإنما فقر وإن أحداً لا يرغب في الهيمنة على الفقر.‏

وعلقت سيدة عربية مشاركة في قمة عمان على تصريحات بيرس وسواه من المسؤولين الإسرائيليين وقالت: "لم يتعلموا بعد احترام الرأي العام العربي" وأضافت إنْ نعمل من أجل ترسيخ السلام شيء وأن نتبنى وجهات النظر الإسرائيلية شيء آخر".(29).‏

وعلق رجل أعمال مصري على تصريحات بيرس وقال إن بيرس تخلى عن دبلوماسيته وتخلى عن المنطق أيضاً وتابع بيرس تصريحاته الاستفزازية الوقحة في العاصمة الأردنية وقال إن إسرائيل ليست في حاجة إلى التجارة مع العرب بل مع الدول الغربية المتقدمة وإن الأدمغة الإسرائيلية ستدر هذا العام أكثر مما ستدر آبار النفط السعودية.‏

إن بيرس يكذب عندما يقول مثل هذا الكلام "فاليهود أساتذة في فن الكذب"، كما أنه يناقض نفسه ويحمل هذا التصريح في طياته العنجهية والصلف والعنصرية اليهودية، وخاصة إذا ما عاد المرء إلى التصريحات الإسرائيلية حول الخسائر التي سببتها المقاطعة العربية والمحاولات والضغوط الأميركية لإلغائها، كما أن الدول الغربية بما فيها الولايات المتحدة في أمس الحاجة إلى الأسواق العربية.‏

أما الأدمغة الإسرائيلية التي يتحدث بيريس عنها فهي في الأساس أدمغة أوروبية وأميركية جاءت إلى إسرائيل عن طريق الهجرة إليها إذ قام الموساد بسرقتها، ولم تدفع إسرائيل شيئاً في تعليمها.‏

إن إدعاء بيريس أن الهدف من التعاون الاقتصادي مع العرب هو خدمة العرب، وإن لا مصلحة لإسرائيل من وراء ذلك يظهر التضليل والرياء الإسرائيلي وغطرسة بيريس واستعلائه على العرب، لأن إسرائيل وحروبها العدوانية ومجازرها الجماعية هي سبب الخراب والدمار والتخلف الذي حل بالعرب، وهي المسؤولة عن التوتر وعدم الاستقرار في المنطقة.‏

وركزت الوثيقة التي وزعتها إسرائيل في القمة على موضوعين: الأول: ضرورة ان تعكس السوق الإقليمية نمط الحضارة الغربي وجو التنافس الحر بدلاً من وضع الحواجز في الطريق. والثاني: عدم ربط العلاقات الاقتصادية بعملية السلام، أي أن العلاقات الاقتصادية يجب أن تسبق الحل السياسي. وأكدت الوثيقة أن هدف إسرائيل الأساسي هو إنشاء سوق مشتركة على غرار السوق الأوروبية المشتركة. وتعطي منطقة الصدع الممتدة من سورية إلى البحر الأحمر لتتصل بمصر والسعودية أهمية خاصة. كما تولي شرق الأردن أهمية مميزة "من أجل إفشال إعادة بناء جبهة شرقية فعالة بمشاركة سورية وقوات يمكن إرسالها من العراق، أما عُمان فهي مهمة لإسرائيل كموقع على الخليج العربي والمحيط الهندي من أجل صد العراق وإيران"(30).‏

وكانت أهم المشاريع التي تم الاتفاق عليها في قمة عمان، هي مشاريع أردنية -إسرائيلية، ومنها إقامة مصنع لإنتاج البرومين من البحر الميت، ومصنع لإنتاج الأسمدة، ومشروع الربط الكهربائي، ومشروع "ريفيرا" الشرق الأوسط في العقبة وإيلات، على أن تكون الفنادق في إيلات والسياحة في المناطق العربية.‏

وتعطي الوثيقة الإسرائيلية أهمية خاصة لمشاريع إسرائيل الاقتصادية مع الأردن ومصر وسلطة الحكم الذاتي من خلال مشاريع شبكات الطرق البرية والسكك الحديدية والموانئ والقنوات البحرية والمطارات. وتعكس إصراراً إسرائيلياً على هيمنة إسرائيل الاقتصادية على البلدان العربية والقضاء نهائياً على فكرة السوق العربية المشتركة. وجاء فيها عنوان القضايا الأساسية حول جوهر الموقف الإسرائيلي من التسوية ما يلي:‏

"لا ينبغي أن نؤجل العلاقات الاقتصادية حتى تكتمل عملية السلام، وبالإمكان الشروع في تعاون اقتصادي في إطار تجريبي فقط لامتصاص المعارضة السياسية"(31).‏

لقد أدخلت قمة عمان التعاون الاقتصادي في الشرق الأوسط وشمال افريقيا مرحلة نوعية، إذ لأول مرة في تاريخ المنطقة تقام مؤسسات اقليمية دائمة ذات أهداف محددة للمحافظة على استمرارية الشرق الأوسط الجديد وترسيخها. وتم الاتفاق فيها على إقامة المؤسسات الشرق أوسطية التالية:‏

1-بنك التعاون والتنمية في الشرق الأوسط وشمال افريقيا ومقره القاهرة برئاسة إسرائيلية لدعم تنمية القطاع الخاص ومشاريع البنية التحتية الإقليمية وتعزيز أواصر التعاون الاقتصادي الاقليمي.‏

2-مجلس السياحة الإقليمي لتسهيل تسويق السياحة في المنطقة ويضم المجلس ممثلين عن القطاعين العام والخاص.‏

3-المجلس الإقليمي لدعم التعاون والتجارة لإزالة الحواجز والمعوقات لتدفق السلع والبضائع في إطار منطقة التجارة الحرة تحت السيطرة الأميركية والإسرائيلية.‏

4-الأمانة العامة التنفيذية ومقرها الرباط، ولجنة متابعة لمجموعة العمل الإقليمية.‏

وورد في الوثيقة أن الإقليم يعتبر بوابة لعبور السياح إلى المواقع الأثرية في القاهرة والقدس وأريحا، وبالتالي تريد إسرائيل اغتصاب مكانة مصر وفلسطين والأردن السياحية باسم التنمية المشتركة.‏

اغتصبت إسرائيل مكانة مصر السياحية في سيناء من خلال ما يسمى "فيزا خليج العقبة" التي اقترنت باتفاقية كمب ديفيد "وهذه الفيزا تتيح لكل القادمين من منفذ إسرائيل دخول سيناء دون تأشيرة أو رسم دخول لمدة أسبوع، مع حرية التنقل في سيناء حتى شرم الشيخ. ومن خلال فيزا خليج العقبة استمرت الأفواج السياحية الإسرائيلية في التدفق على سيناء، كما كان الحال في سنوات الاحتلال. واستفادت من هذه الفيزا في ترويج برامجها السياحية التي تضمنت زيارة سيناء ومواقع الشعب المرجانية في البحر الأحمر وخليج العقبة، حيث أتاحت الفيزا لكل القادمين من منفذ إسرائيل بغض النظر عن جنسياتهم، دخول سيناء"(32).‏

وتهدف الوثيقة الإسرائيلية إلى إقامة سوق إسرائيل العظمى المستفيد من جميع مزايا الدول العربية، دون الاكتراث بالمنافع المتبادلة بل بتهميش دور الأطراف العربية تحت ستار من العبارات المعسولة حول التنمية المشتركة والسلام والإزدهار.‏

ولتحقيق ذلك كرر بيريس دعوته في قمة عمان للكونفدرالية وقال: "إن الكونفدرالية التي اقترحها بين الأردن والفلسطينيين تشمل إسرائيل في شقها الاقتصادي، إلاّ أنها ليست من شأن إسرائيل في شقها السياسي. وإن الوحدة الاقتصادية التي اقترحها هي وحدة على غرار دول البنيلوكس في شمال أوروبا للعناية بالقضايا السياحية والمائية والتجارية والكهربائية".(33).‏

وحدد يوسي بيلين، نائب وزير خارجية إسرائيل مفهوم إسرائيل للشرق أوسطية وقال: "هذه هي رؤيانا للشرق الأوسط الجديد: حدود مفتوحة، تعاون اقتصادي يقود إلى نمو اقتصادي، حرية حركة الأشخاص والمنتوجات والخدمات عبر الحدود"(34).‏

لقد تخلت إسرائيل عن فكرة "إسرائيل الكبرى جغرافياً للمحافظة على النقاء العنصري لدولة اليهود ولإقامة إسرائيل العظمى انطلاقاً من حجم السوق الشرق أوسطية واتساعها وأهميتها للاقتصاد العالمي واستغلال الأسواق العربية والأموال الخليجية، وموقع مصر والأردن السياحي ومصادر المياه السورية واللبنانية والفلسطينية والأردنية.‏

"إن المشروعات الإسرائيلية المقدمة في عمان كانت تستهدف إجراء جراحة جغرافية في المنطقة، بحيث تحدث تغييرات في البيئة الاقليمية والطبيعية لا يمكن الرجوع عنها مطلقاً، ونحن عندما نرصد مشروعات مثل ريفيرا البحر الأحمر، ونقل عقد المواصلات في إسرائيل، ومد خطوط للسكك الحديدية والبحرية والبرية، وتوحيد الموانئ والمطارات.. الخ، فإن هذه المشروعات مجتمعة إنما تعني عمل جراحة جغرافية في المنطقة تحدث تغييراً طبيعياً واجتماعياً كاملاً حتى في التوازن الاستراتيجي، وفي رأيي أن هذه الجراحة الجغرافية مخططة لصالح دمج إسرائيل في المنطقة أو هيمنتها عليها من النواحي كافة"(35).‏

تأسيس المصرف الإقليمي‏

يعتبر شمعون بيرس أول من نادى بفكرة إنشاء "بنك الشرق الأوسط". وتبنت الولايات المتحدة الفكرة وضمنتها في التقرير الذي وضعته مجموعة هافارد الاقتصادية حول الشرق الأوسط بحجة أن البنك سيؤدي إلى توطيد دعائم السلام في المنطقة ونجحت في فرضها على قمتي الدار البيضاء وعمان.‏

عارضت بعض دول الخليج العربي فكرة تأسيس البنك في قمة الدار البيضاء لسببين:‏

الأول: اقتصادي وهو افلاس دول النفط العربية من جراء دفع تكاليف حرب الخليج الثانية ونفقات صفقات السلاح الباهظة من الولايات المتحدة وأوروبا.‏

والثاني: سياسي يتعلق بعدم التوصل إلى الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي العربية المحتلة في القدس والجولان وجنوب لبنان، إلاّ أن القمة أوصت بضرورة تأسيس البنك وأحالت الموافقة إلى قمة عمان لتنفيذها. وتبلور في قمة عمان اتجاهان حول بنك التنمية..‏

الأول: وتتزعمه الولايات المتحدة وإسرائيل وتؤيده الأردن ومصر وسلطة الحكم الذاتي ويطالب بإقامة البنك.‏

والثاني: يتكون من دول الاتحاد الأوروبي وبعض الدول الخليجية. وترى هذه الدول أن المنطقة لا تحتاج إلى مؤسسات مالية جديدة بسبب كثرة المؤسسات المالية القائمة وإفلاس دول النفط العربية.‏

وتعتقد بعض الأوساط الأوروبية والخليجية أن هدف المصرف أمران:‏

الأول: إدخال إسرائيل بين الدول المنتفعة من التمويل الأوروبي والخليجي.‏

والثاني: تحقيق نوع من الهيمنة الأميركية على التمويل الأوروبي الخليجي، حيث يتذمر الأوروبيون من الاستمرار في دفع الأموال الطائلة لبعض دول المنطقة خدمة لعملية التسوية التي تسيطر عليها الولايات المتحدة الأميركية، فالمطلوب منهم دفع الأموال فقط، أما المكاسب السياسية والاقتصادية فتجنيها الولايات المتحدة وإسرائيل.‏

وكانت إسرائيل قد اشترطت على لسان وزير المالية إبراهام شوحات ألاّ تكون المساهمة الأميركية في البنك على حساب المساعدات الأميركية المباشرة لإسرائيل، وأن يتم هيكل البنك بموافقة إسرائيل.‏

وأكد جدعون تسور نائب محافظ بنك إسرائيل على أن الحاجة للبنك ليست اقتصادية فقط، ولكنها سياسية. ويستنتج المرء المتتبع للأهداف التي تم تأسيس البنك من أجلها ووظائفه وشروط الاقتراض منه أن الهدف من تأسيسه هو إدخال إسرائيل بشكل مؤسسي داخل الإطار العربي دون فائدة تعود على البلدان العربية أو الإسهام في تنمية حقيقية للمنطقة.‏

وعبّر فالتر ديكسورت، وزير الاقتصاد الألماني ورئيس الوفد الألماني في قمة عمان عن موقف ألمانيا من تأسيس البنك وقال: "إن ألمانيا ليست لديها النية في الاستثمار أو المساهمة في البنك الإقليمي، مشيراً إلى أن ألمانيا لا تمانع في إقامة مثل هذا البنك، وذلك لوجود مؤسسات عالمية وعربية قادرة على تمويل المشاريع المنوي إقامتها"(36).‏

وخلاصة القول إن الخلافات في قمة عمان حول تأسيس البنك تركزت في نقطتين:‏

الأولى: ترى أنه لا جدوى من إقامة البنك لوجود العديد من البنوك العربية والعالمية في المنطقة.‏

والثانية: حول أسلوب عمل البنك إذ يرى بعضهم ضرورة أن يقوم البنك على أسس تجارية، ويرى البعض الآخر أن يقوم البنك بالتمويل وفق أسس ميسَّرة:‏

ويرجع حماس الولايات المتحدة لتمويل البنك من الدول الخليجية والأوروبية إلى رغبتها ورغبة إسرائيل في الحصول على حصة الأسد من الصفقات التي تعقدها مع الدول المقترضة من البنك ولكي تدعم التسوية التي تقودها الإدارة الأميركية بالشروط الإسرائيلية.‏

ويرى الأوروبيون أنهم يدفعون الأموال، بينما تحتكر الولايات المتحدة عملية التسوية وتستأثر بالامتيازات، كما يعتقدون أن البنك الدولي، وبنك الاستثمار الأوروبي والبنك الإسلامي بجدة والصندوق العربي للانماء يقومون بمهمة البنك، لذلك لا داعي لتأسيسه. ولكن قمة عمان وافقت على تأسيس البنك، مما دفع الاتحاد الأوروبي إلى التعليق على إنشائه وقال إن إنشاء البنك ليس شأناً خاصاً بالاتحاد الأوروبي ككل وإن أمر المشاركة في تمويله متروك لكل حكومة.‏

إن إسرائيل هي صاحبة فكرة تأسيس البنك والمستفيد الأول منه نظراً لكونها أكثر تأهيلاً واستعداداً لاستغلاله أكثر من غيرها وبسبب تطورها الصناعي والتكنولوجي وعلاقاتها الدولية وانحياز الولايات المتحدة وأوروبا لها.‏

إنني أرى أن قيام هذا البنك ومجيء الاستثمارات ورؤوس الأموال إلى المنطقة سوف يتأثر بالعوامل التالية:‏

1- إن تدفق الاستثمارات ورؤوس الأموال مرتبط بشكل وثيق بالسلام والاستقرار والهدوء بشكل عام، ومع السلام العادل والشامل بشكل خاص، ولم يتحقق حتى الآن سلام مدريد بل أصبحت عملية السلام على حافة الانهيار بسبب سياسات وممارسات ومواقف الحكومة الإسرائيلية.‏

2- إن الصراع لم ينته وسيتخذ أشكالاً أخرى، ومايجري في الخليل والقدس وغزة والجولان وجنوب لبنان أدلة واضحة على ذلك.‏

3- إن أوسلو (1) وأوسلو(2) من وضع إسرائيل وصياغتها وقد أذعنت لها قيادة عرفات وقبلت بها وتحولت إلى أداة لقمع المناضلين واضطهادهم وأداة في يد إسرائيل للمحافظة على أمنها وأمن المستوطنين والمستوطنات.‏

4- إن العرب والمسلمين لن يقبلوا أبداً مهما طال الزمن باحتلال القدس وجعلها عاصمة للكيان الصهيوني.‏

5- إن الأمة العربية تصرّ على حق عودة اللاجئين وتحقيق الانسحاب الشامل وتفكيك المستوطنات.‏

6- إن العرب والمسلمين يرفضون التطبيع مع إسرائيل ويصرون على مقاطعتها ومقاطعة منتجاتها لذلك تخشى الاستثمارات المجيء إلى المنطقة مما يؤثر على عمل بنك التنمية الاقليمي..‏

بيان القمة الختامي‏

أدخلت قمة عمان التعاون الاقتصادي في المنطقة في مرحلة جديدة، إذ لأول مرة في تاريخها تقام مؤسسات إقليمية دائمة ذات أهداف محددة للمحافظة على استمرارية "الشرق أوسطية" وترسيخها. كما أن التوصيات والقرارات التي تم اتخاذها والمؤسسات التي أُنشئت كانت جاهزة قبل انعقاد المؤتمر، حيث أن إسرائيل بتنسيق كامل مع الولايات المتحدة أعدتها سلفاً، وحملت الولايات المتحدة الدول المشاركة في القمة على تبنيها، فحضور القمة لم يكن إلاّ مجرد جلسات احتفالية للموافقة على ما أعدته إسرائيل وأميركا مسبقاً.‏

برزت العديد من الآليات الجديدة لتحقيق الأهداف التي وافقت عليها القمة، وتنظيم التعاون الاقتصادي في المنطقة. وترتكز هذه الآليات على تنفيذ المحاور الرئيسية التالية:‏

* المشاريع المشتركة وخاصة في مجالات المياه، والسياحة، والنفط والغاز والنقل.‏

* المؤسسات الإقليمية، كالبنك الإقليمي ومنظمة السياحة الإقليمية.‏

* التبادل التجاري.‏

"إن الغرض من المؤتمر ليس مجرد تعاون اقتصادي مع إسرائيل، وإنما ترتيب المنطقة اقتصادياً لصالح إسرائيل والولايات المتحدة. ويتم ذلك بالنسبة لإسرائيل من خلال مدها بسوق واسعة لمنتجاتها، وحل مشكلة ندرة المياه فيها، وتوفر لها مصادر المواد الأولية الرخيصة وخصوصاً النفط والغاز الطبيعي، وأيضاً مصادر جديدة لعمالة رخيصة، وتوفير الأموال، عن طريق البنك بنفقة رخيصة نسبياً وبأسعار فائدة مخفضة، وكل هذا يسمح لإسرائيل بمزيد من تدفق رؤوس الأموال الأجنبية عند فتح المنطقة أمامها كما يسمح لها باستيعاب موجات أخرى من المهاجرين".(37).‏

لقد أنشأت القمة خمس مؤسسات إقليمية، لربط الاقتصادات العربية بالاقتصاد الإسرائيلي، كما شكلت هذه المؤسسات الآليات لفرض هيمنة إسرائيل الاقتصادية على البلدان العربية، والتي ستكون معززة بقوة الولايات المتحدة السياسية والاقتصادية والعسكرية وبالوجود العسكري الأميركي في البلدان العربية وتفوق إسرائيل العسكري التقليدي والنووي على جميع البلدان العربية مجتمعة.‏

وكرست القمة تجزئة الوطن العربي إلى منطقتين جغرافيتين واحدة في شمال افريقيا والأخرى في الشرق الأوسط، وذلك لنزع الهوية العربية عن المنطقة.‏

وتميز اليوم الأخير في القمة بتوقيع صفقة أنبوب الغاز القطري مع إسرائيل.‏

وجاء في بيان القمة أن قطر ستستضيف القمة الاقتصادية عام 1997 وأعلن وزير خارجية قطر أن بلاده ستشارك في البنك الذي يعارضه حلفاؤها أعضاء مجلس التعاون الخليجي.‏

ووقع الأردن خلال القمة مع مصر وقبرص وتركيا وتونس والمغرب وسلطة الحكم الذاتي على ميثاق تأسيس منظمة الشرق الأوسط / البحر المتوسط للسياحة والسفر، وذلك للتعاون بين دول المنطقة وبينها وبين العالم.‏

وركز البيان الختامي للقمة على خلق الأسس والحوافز لتشجيع التجارة والاستثمار، بغية الوصول إلى حرية تبادل البضائع والرأسمال واليد العاملة عبر الحدود، وعلى إقامة آليات تنفيذية ومشاريع محددة وعقد صفقات ثنائية.‏

لقد كانت قمة الدار البيضاء وقمة عمان وسائل يهودية ذكية بمباركة أميركية لتمرير مشاريع إسرائيل ومخططاتها الاقتصادية، وفرضها على العرب وتحقيق مالم تستطع إسرائيل تحقيقه عن طريق الحرب.‏

لقد ذهب العرب إلى قمتي الدار البيضاء وعمان وهم في حالة كبيرة من الانهيار والتمزق والضياع، فاستغلت الولايات المتحدة هذه الأوضاع وحملتهم على الهرولة نحو إسرائيل. وخدم الحضور الكبير لها وللاتحاد الأوروبي دعم الشرعية وإضفائها على التعامل بين العرب وإسرائيل.‏

وتؤكد الاستنتاجات أن أية مشاريع إقليمية وافقت عليها قمة عمان لن تخرج إلى الوجود ولن يكتب لها النجاح مالم تكن إسرائيل مشاركة فيها، فإسرائيل تعمل جاهدة للتحكم في معظم الصادرات العربية والهيمنة عليها.‏

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244