| ثالثاً: مؤتمر
القاهرة الاقتصادي الثالث"(24)
مقدمة
انعقد
مؤتمر القاهرة الاقتصادي للتنمية في الشرق الأوسط
وشمال افريقيا في 12-14 تشرين الثاني 1996 في ظل تراجع
الحكومة الإسرائيلية عن اتفاق أوسلو، وتصعيد
الاستيطان والتهديدات المستمرة بإشعال الحرب على
سورية، وفي ظل تخلي إسرائيل عن مبدأ الأرض مقابل
السلام، وبالتالي انعقد المؤتمر في ظل تصاعد
ممارسة إسرائيل الإرهاب والتوسع والاستيطان
والتهديد بالحرب، مما أجبر بعض المسؤولين في الدول
العربية على المطالبة بعدم عقده.
وتُعقد
المؤتمرات الاقتصادية عادة تلبية لرغبة الولايات
المتحدة التي تحدد مسبقاً المكان والزمان ومن
يشترك فيها ومَنْ لا يشترك، وجدول الأعمال والبيان
الختامي.
وتعتبر
واشنطن أن مجرد انعقاد المؤتمرات الاقتصادية انجاز
كبير على طريق تحقيق الاستراتيجية الأميركية
والإسرائيلية في المنطقة العربية. وقد أشرفت على
المؤتمر المنظمات نفسها التي أشرفت على انعقاد قمة
الدار البيضاء وقمة عمان وهي منظمات معروفة
بخضوعها للمخابرات المركزية، وهي:
1-
المنتدى الاقتصادي العالمي (دافوس) بسويسرا.
2-
مجلس العلاقات الخارجية الأميركي.
ويمكن
تصنيف المشاركين في المؤتمر بناء على الدعوات التي
وجهت إليهم إلى ثلاث مجموعات رئيسية:
1-
الوفود الحكومية، ووجهت الدعوة إلى تسعين دولة.
2-
رجال الأعمال المهتمين بالمنطقة وعدد الذين تلقوا
الدعوات حوالي (1500) رجل أعمال.
3-
مجموعة من المفكرين والأكاديميين والكتاب وممثلي
الصحافة والإعلام.
وكان
الرئيس مبارك قد ألمح في آب 1996 إلى احتمال إلغاء
القمة لتوقف عملية السلام بسبب سياسة الحكومة
الإسرائيلية الجديدة الاستيطانية والتوسعية، وذلك
معاقبة لإسرائيل على تعنتها وإنكارها للحقوق
العربية ومبادئ القانون الدولي وقرارات الشرعية
الدولية.
وأعلن
الرئيس مبارك أن المؤتمر لن ينعقد إذا لم تنفذ
الحكومة الإسرائيلية التزاماتها تجاه عملية
السلام والاتفاقات التي وقعتها، إلاّّ أن إدارة
كلينتون ردت على الفور وأعلنت أن المؤتمر سوف ينعقد
في موعده. وانصاعت الحكومة المصرية للضغط الأميركي
دون أن تتعهد الحكومة الإسرائيلية بتنفيذ
التزاماتها التي ضمنتها الولايات المتحدة ووقعت
عليها.
وبالتالي
فإن مؤتمر القاهرة الاقتصادي عقد بضغط أميركي حيث
أجبرت الولايات المتحدة الأميركية الحكومة
المصرية على عقد المؤتمر في موعده المحدد لتسويق
الشرق أوسطية وتركيز دعائمها وآلياتها وتطبيع
العلاقات مع العدو الإسرائيلي.
وأظهر
تراجع الحكومة المصرية عن موقفها بإلغاء عقد
المؤتمر أو تأجيله عدم مصداقيتها أمام شعبها
والشعوب العربية.
إن
الاستمرار في عقد القمم الاقتصادية يصبُّ في خدمة
المصالح الإسرائيلية، فانعقاد مؤتمر القاهرة
الاقتصادي ذاته يظهر بجلاء أن سياسات الحكومة
الاسرائيلية المتطرفة وممارساتها التوسعية
والاستيطانية لم تؤدِ إلى وقف التسوية وأن بإمكان
إسرائيل اتخاذ خطوات أكثر تشدداً من الخطوات
السابقة دون أن تخشى ردة فعل عربية قوية مؤثرة.
وجاء
انعقاد المؤتمر الاقتصادي الثالث في القاهرة بشكل
لم يواكبه تقدم في المسار السياسي وخاصة الانسحاب
من الجولان وجنوب لبنان وبقية الأراضي الفلسطينية
المحتلة، وبعد نكوص العدو الإسرائيلي حتى عن تنفيذ
اتفاق الإذعان في أوسلو الذي صاغه بنفسه ووافقت
عليه قيادة عرفات ولا يلبي الحد الأدنى من المطالب
الوطنية للشعب العربي الفلسطيني.
الموقف
المصري الرسمي من عقد المؤتمر.
حاولت
مصر في القمة الاقتصادية الثانية في عمان الحد من
هرولة بعض العرب للتطبيع مع العدو الإسرائيلي
وابلغت إسرائيل في عشية عقد المؤتمر الاقتصادي في
القاهرة في الثاني من أيلول 1996 عقب لقاء وزير
الخارجية الإسرائيلي دافيد ليفي مع الرئيس مبارك
في الاسكندرية على لسان وزير الخارجية المصري أنه
:"لا يمكن التحدث عن التعاون الإقليمي إذا كانت
مسارات السلام مشلولة أو معاقة. إن عقد القمة في
نوفمبر يتوقف على توفير الأجواء المناسبة والتطبيق
النزيه والصحيح للاتفاقيات. المهم هو التنفيذ على
أرض الواقع فمن غير المتصور أبداً أن يعقد المؤتمر
الاقتصادي دون أن يتم الانسحاب الإسرائيلي من
الخليل، هذه مسألة مستحيلة غير معقولة ولا يكفي أن
يكون هناك اتفاق على الانسحاب دون تطبيق".(38).
وفي
العاشر من أيلول أكدت الخارجية المصرية أنه "لا
يجوز أن يعقد المؤتمر الاقتصادي ثم نسمح له بالفشل،
وإذا كانت مصر غير متيقنة من نجاح المؤتمر فإن
الأفضل ألاّ يعقد".(39).
وأعلن
د. أسامة الباز، مستشار الرئيس المصري في اليوم
التالي: "إن مصر لا تفكر في إلغاء القمة
الاقتصادية، وإنما تدرس تأجيلها إلى الربيع القادم
لإتاحة الفرصة لتقدم عملية السلام. فالتعاون
الإقليمي لا يمكن أن يتم دون تقدم ملموس في عملية
السلام".(40).
وأكد
دينس روس، المنسق الأميركي في عملية التسوية في
لقائه مع الرئيس مبارك بتاريخ 18/ أيلول /1996 فك
ارتباط القمة الاقتصادية عن عملية التسوية، ملمحاً
إلى ربط تنفيذ اتفاق الشراكة مع مصر الموقع في
أيلول 1994 بانعقاد القمة في موعدها، كما اتصل الرئيس
كلينتون وطلب عدم تأجيل عقد المؤتمر الاقتصادي،
مما اضطر الرئيس مبارك للتراجع عن فكرة الإلغاء أو
حتى التأجيل.
وسعت
القاهرة في الوقت نفسه إلى الحيلولة دون أخذ
إسرائيل حصة الأسد والموقع المتميز في المؤتمر
وإضفاء الطابع السياسي عليه وأدرجت بندين: الأول
يتعلق بالاقتصاد الفلسطيني، والثاني بالمخاطر
التي تواجه عملية السلام.
لقد
نجحت إسرائيل في تعميق الخلافات بين المواقف
العربية عن طريق التعامل السياسي والاقتصادي
والأمني مع كل بلد عربي على حدة في القمتين
الاقتصاديتين وكان ذلك من أهم الإنجازات التي
حققها العدو الإسرائيلي.
ولكن
المؤتمر الاقتصادي في القاهرة، كان أفضل من سابقيه
بسبب الموقف المصري الرسمي والشعبي.
لقد
ربطت مصر عقد القمة بالتقدم الحقيقي في عملية
السلام على المسار الفلسطيني.
ولكن
عملية السلام وصلت إلى طريق مسدود بسبب سياسة
الحكومة الإسرائيلية التي حشدت قواتها في الجولان
وجنوب لبنان ولوّحت بأشعال الحرب ضد سورية، وصعدت
اعتداءاتها في لبنان. وتابعت مصادرة الأراضي
العربية وبناء المستوطنات اليهودية ورفضت تنفيذ
اتفاق انسحاب جيش الاحتلال من مدينة الخليل
العربية، وبالتالي فإن عملية السلام قد وصلت إلى
طريق مسدود، وبالتالي نسفت إسرائيل بذلك ربط مصر
عقد المؤتمر الاقتصادي بالتقدم في عملية السلام.
إن
الضغط الأميركي السافر هو الذي حمل مصر على تغيير
موقفها وعقدت المؤتمر الاقتصادي الثالث في موعده
المحدد. وكانت الولايات المتحدة قد هددت بأن تأجيل
عقد المؤتمر قد يؤدي إلى انعكاسات سلبية كبيرة على
برنامج الشراكة المصرية الأميركية وعلى إعفاء مصر
من جزء من ديونها. وقدمت في نفس الوقت وعوداً لدفع
عملية السلام وزيادة الاستثمارات الأميركية في
مصر.
لقد
ربطت مصر التعاون الإقليمي بالتقدم في عملية
السلام، إلاّ أنها قررت عقد المؤتمر وتجنبت في
الوقت نفسه الترويج لمشاريع إقليمية كبرى وإنما
حاولت جعله بمثابة منتدى للترويج لاستثمارات داخل
مصر وفي كل بلد مشترك في المؤتمر على حدة.
لقد
انعقد المؤتمر في ظل عدم حماس مصري وتحت ضغط أميركي
واضح بحجة إنقاذ مسيرة السلام، بينما يكمن السبب
الحقيقي في عقده لتحقيق المصالح الأميركية
والإسرائيلية. وحملت الإدارة الأميركية مصر على
عقده في ظل استعداد إسرائيل للحرب والتلويح بها ضد
سورية وفي ظل التنصل الإسرائيلي من الاتفاقيات
التي وقعتها. لذلك انفجرت في مصر والبلدان العربية
الدعوة لوقف التطبيع الفوري مع العدو التاريخي
رداً على سياسته الإرهابية والتوسعية العدوانية
والاستيطانية. وهنا يتساءل المرء لماذا تشترك
الدول العربية في مؤتمر هدفه إنقاذ إسرائيل من
أزماتها الاقتصادية؟!
لقد
أصبح من الواضح حتى لبعض الدول العربية التي كانت
تهرول إلى تطبيع العلاقات مع العدو الإسرائيلي أنه
من غير المنطقي بحث مشروعات إقليمية مشتركة
وإسرائيل تتمسك بالقدس العربية وتخرّب عملية
السلام وتغلق أراضي الحكم الذاتي وتتعمد تجهيل
الشعب الفلسطيني وإفقاره وتحويله إلى اجراء وعبيد
يعملون في خدمة الاقتصاد الإسرائيلي.
ففي
الوقت الذي جمدت فيه إسرائيل المفاوضات على المسار
السوري- اللبناني، وأبطلت مفعول المفاوضات
الثنائية وتخلت عن تنفيذ الاتفاقات التي وقعتها
رحب رئيس الحكومة الإسرائيلية بعقد مؤتمر القاهرة
وتابع في الوقت نفسه مصادرة الأراضي العربية
وإقامة المستوطنات اليهودية وذلك اعتقاداً منه أن
الأطراف العربية لها مصلحة في عقد المؤتمر.
إن
متابعة التطبيع والاستمرار في العلاقات مع إسرائيل
تزيد من تصلب إسرائيل وأطماعها التوسعية وستؤدي في
المستقبل إلى الهيمنة على الثروات العربية. وتطمع
حكومة إسرائيل في تحويل مرجعية مدريد إلى شعار
السلام، مقابل السلام، بعد أن تخلت عن الشعار الذي
رفعته بعد حرب حزيران العدوانية وهو "الأرض
مقابل السلام"، وبعد أن كرسته الولايات المتحدة
الأميركية في مرجعية مدريد.
الموقف
المصري الشعبي من عقد المؤتمر
عقدت
أحزاب المعارضة المصرية عشية افتتاح مؤتمر القاهرة
الاقتصادي مؤتمراً مضاداً تحت عنوان:"مؤتمر
المواجهة العربية لمخططات التعاون بين إسرائيل
والدول العربية" تحدث فيه قادة أحزاب المعارضة
وممثلوها، حيث أكدوا إدانتهم ورفضهم انعقاد مؤتمر
القاهرة في الفترة التي يطلق فيها رئيس الحكومة
الإسرائيلية تهديداته بإشعال حرب عدوانية جديدة ضد
سورية ولبنان والتنصل حتى من اتفاق الإذعان في
أوسلو الذي صاغه سلفهُ شمعون بيرس.
وأكدت
الأحزاب المصرية أن مشاركة الكيان الصهيوني في
المؤتمر تعتبر مكافأة للمعتدي، حيث سيقضي انعقاده
على السلاح الوحيد لدى العرب في مواجهة التوسع
والاستيطان والغطرسة والتعنت الإسرائيلي، وهو
سلاح المقاطعة العربية.
ودعت
الأحزاب المصرية إلى قيام جبهة شعبية ضد كل أشكال
التعاون مع العدو الصهيوني وإحياء المقاطعة
العربية.
وأوصى
المؤتمر بممارسة الضغوط على الحكومات العربية التي
تتعاون مع إسرائيل ووجوب الوقف الفوري لكافة أشكال
التطبيع والتصدي للمطبعين ومقاومة الاختراق
التطبيعي، والعمل على إحياء المشروع القومي،
ومساندة أبناء الأراضي المحتلة في فلسطين
والجولان، وتفعيل العمل العربي عبر المؤسسات
الشعبية والرسمية.
وقد
افتتح المؤتمر الذي انعقد بدعوة من اللجنة المصرية
لمقاومة التطبيع حسين عبد الرازق أمين اللجنة
السياسية في التجمع بكلمة أكد فيها رفض كل أشكال
الهيمنة الصهيونية والأميركية على مقدرات الأمة
العربية، داعياً جميع القوى السياسية المصرية
والعربية إلى التصدي لهذا المخطط الصهيوني
العالمي. وتطرق إلى خطورة السوق الشرق أوسطية (41).
وتطرق
الأمين العام للتجمع الدكتور رفعت السعيد في كلمته
أمام المؤتمر إلى حالة التردي العربي وقال:" نحن
نكافئ المعتدي الإسرائيلي على سفك دماء العرب
يومياً وتحديه السافر لكل الاتفاقات والقرارات
الدولية. وأعلن رفضه لمؤتمر القاهرة الاقتصادي"
(42).
ودعا
ضياء الدين داوود، أمين عام الحزب الناصري أحزاب
المعارضة المصرية إلى العمل على بناء جبهة شعبية
تبتكر أساليب للمقاومة المستمرة لمواجهة إسرائيل
والتردي العربي.
ودعا
إبراهيم شكري رئيس حزب العمل إلى مقاطعة المنتجات
الصهيونية والأميركية بعد أن أفقدنا المؤتمر
الاقتصادي في القاهرة الورقة الأخيرة لمقاطعة
التعاون الاقتصادي مع إسرائيل، بينما دعا إبراهيم
بدراوي، ممثل الشيوعيين المصريين أحزاب المعارضة
إلى عمل جاد وسط الجماهير وصياغة مشروع نهضوي عربي
شامل من أجل إفشال المخطط الإسرائيلي.
وأصدر
المشاركون في مؤتمر المواجهة العربية لمخططات
التعاون مع إسرائيل بياناً عرّى أهداف مؤتمرات
القمم الاقتصادية ومضامينها في الدار البيضاء
وعمان ومؤتمر القاهرة وتضمن عدداً من التوصيات،
هي:
"دعم
وتأكيد موقف القوى الشعبية والسياسية والمنظمات
الجماهيرية والهيئات المهنية الرافض للاشتراك في
أية مؤتمرات أو تجمعات أو لقاءات تحضرها إسرائيل أو
تدعو إلى التعاون معها واعتبار الخروج على هذا
الالتزام تحدياً للمشاعر الوطنية والقومية يستدعي
المواجهة والحساب.
-
ممارسة كل صور الضغط المتاحة على الحكومات
والقيادات العربية التي تتعامل وتتعاون مع إسرائيل
لكي توقف على الفور كل السياسات والأنشطة المتصلة
مع العدو الصهيوني.
-
التصدي الفعال للقلة من المثقفين الذين أصابهم مس
التطبيع مع العدو الصهيوني، والداعين إليه صراحة
أو بالالتفاف.
-
العمل على إحياء المشروع القومي العربي الوحدوي
الذي يستهدف تحقيق تنمية عربية مستقلة.
-
تعبئة وتوحيد جهود الأحزاب السياسية العربية وكذا
المنظمات الجماهيرية والهيئات والاتحادات المهنية
والعمالية العربية لحث الحكومات على تفعيل كل
المنظمات والمؤسسات العربية القائمة.
-
تكوين جبهة من القوى والفعاليات والحزبية العربية
تقوم بوضع استراتيجية قومية تحقق الأماني والأهداف
القومية في ظل المتغيرات والظروف الدولية الجديدة
وتحدد الأساليب والوسائل العلمية لبلوغ هذه
الغايات.
-
تأسيس حركة تضامن مع أبناء الأراضي العربية
المحتلة في فلسطين وسوريا ولبنان.
-
الاستمرار في متابعة ورصد التطبيع في كافة
المجالات باستخدام الأساليب والأدوات العلمية
الحديثة وتشخيص المخاطر وتوظيف هذه المعلومات
لخدمة الأهداف السابقة ولخلق حركة مقاومة واعية
ورأى عام مدرك فداحة الخسائر الوطنية والقومية
التي تنجم عن التهاون في مقاومة التطبيع"(43).
إن
عقد مؤتمر المواجهة العربية لمخططات التعاون بين
إسرائيل والدول العربية في القاهرة، قبل يوم واحد
من انعقاد مؤتمر القاهرة يظهر بجلاء شعور القوى
السياسية في مصر بمدى خطورة المؤتمرات الاقتصادية
للتنمية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ويتطلب
بناء جبهة شعبية عربية لمواجهة إسرائيل والتطبيع
معها ومقاطعة المنتجات الإسرائيلية والأميركية
وتعرية مضمون المؤتمرات الاقتصادية وأهدافها التي
جاءت تطبيقاً لمخططات حزب العمل الإسرائيلي
وتجسيداً للشرق الأوسط الجديد الذي وضعه شمعون
بيرس، رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق.
وعبر
أحمد ماهر السيد، السفير المصري لدى الولايات
المتحدة في محاضرة ألقاها أمام مركز الحوار العربي
في واشنطن بحضور ممثلين عن الجالية العربية عن موقف
مصر من المؤتمر وقال:
"إن
مصر قررت تحويل هذا المؤتمر من مؤتمر قمة اقتصادية
إلى مؤتمر على مستوى أقل من مستوى القمة. وبذلك حرمت
إسرائيل من فرصة جعل رئيس حكومتها النجم الساطع في
المؤتمر بحكم أنه في حالة عقد المؤتمر على مستوى
القمة كانت إسرائيل ستلعب دوراً مركزياً فيه..
إن من
الثوابت الإسرائيلية أن اليهود قوم عمليون وأنهم
يريدون باستمرار أن يأخذوا دون أن يعطوا، ولهذا،
تحكمهم في الظروف الحالية مجموعة من الأوهام لابد
أن يتخلصوا منها. من بينها وهم الاعتقاد بإمكان
تغيير مفهومهم من عملية السلام ومن الاتفاقات التي
التزموا بها دون أن يقابل ذلك تغيير في موقف
الأطراف العربية وبالأخص مصر. كذلك وهم الاعتقاد
بإمكان الاستمرار في إخضاع الشعب الفلسطيني لسيادة
إسرائيلية وإنكار حقه في إقامة الدولة المستقلة،
ووهم الاعتقاد بإمكان التراجع عن الالتزامات
المتعددة في اتفاقات أوسلو بما فيها التزام
باعتبار القدس موضوعاً للتفاوض"(44).
واعتبر
رئيس حزب العمل المصري، إبراهيم شكري أن عقد
المؤتمر الاقتصادي "يضيّع على العرب فرصة ذهبية
للضغط على إسرائيل"(45).
وتابع
يقول إن أضرار المؤتمر على مصر والعرب أكثر من
منافعه، وأن دولة اليهود هي الرابح الوحيد من
المؤتمر الذي سيتيح لها فرصة للتغلغل الاقتصادي في
البلدان العربية.
جاء
انعقاد المؤتمر بعد حرب بيرس العدوانية على لبنان
في نيسان 1996 وارتكاب مجزرتي قانا والنبطية، وفي
ذروة تهويد القدس وتصعيد الاستيطان، وحرمان الشعب
الفلسطيني من المقومات الأساسية لحياته وبناء
المستوطنات على أرضه. وكاد أن يؤدي فشل المفاوضات
الفلسطينية الإسرائيلية وتهديد إسرائيل لسورية
ولبنان بالحرب إلى إلغاء أو تأجيل عقد المؤتمر لولا
التدخل الأميركي الصارم.
وجاء
انعقاده بعد أن حصل الكيان الصهيوني على كل ما
أراده وطالب به من الولايات المتحدة الأميركية
وضمانات القروض لعشرة مليارات دولار وإلغاء قرار
الأمم المتحدة 3379 الذي ساوى الصهيونية بالعنصرية،
وإلغاء المقاطعة العربية، وفتح مكاتب تجارية
للمغرب وتونس وقطر وعمان في تل أبيب..
وزاد
تنفيذ العرب والعالم لمطالب إسرائيل من أطماعها
وتعنتها وبطشها، فزادت تعنتاً في المفاوضات مع
الجانب الفلسطيني.
ودخلت
مشاريعها المشتركة وبضائعها إلى العديد من الدول
العربية كالأردن وبعض دول الخليج وشمال افريقيا،
كما قام بعض المستثمرين العرب بتوظيف الأموال
العربية لصالحها. إن المؤتمرات الاقتصادية خطأ
استراتيجي ارتكبته القيادات العربية استجابة
للضغوط الأميركية واليهودية. والمؤتمرات حلقة في
سلسلة المخططات التي وضعتها إسرائيل لإقامة
"الشرق الأوسط الجديد" لحل أزماتها
الاقتصادية على حساب الاقتصادات العربية. وتقلب
المؤتمرات أولوية الصراع العربي الصهيوني رأساً
على عقب حيث من المألوف أن أولويات التوصل إلى
تسويات بعد وقف القتال تبدأ بالقضايا العسكرية
أولاً ثم السياسية ثانياً، وأخيراً قضايا التعاون
الاقتصادي، وإن أي تجاوز لهذا الترتيب يضعف الموقف
التفاوضي للطرف الضعيف. فالقفز من الجوانب
السياسية إلى التطبيع يقود إلى وقف مسار التسوية
السياسية وتعطيلها ومتابعة التطبيع والتعاون
الاقتصادي.
انعقد
مؤتمر القاهرة في مرحلة تراجع الحكومة الإسرائيلية
عن المبادئ الأساسية التي أبرمتها مع الجانب
الفلسطيني ووقعت عليها الولايات المتحدة وروسيا.
وأقدمت الحكومة الإسرائيلية على مجموعة من
الممارسات العدوانية التوسعية والأرهابية من
شأنها خلق واقع جديد يقود إلى تدمير المصالح
والحقوق والثروات العربية، ومنها فتح النفق تحت
المسجد الأقصى وتقسيم الخليل كمقدمة لتهويدها
وإغلاق الأراضي الفلسطينية والتنقيب عن النفط في
الجولان والاستمرار في سرقة ثروته المائية.
وجاء
انعقاد المؤتمر كمكافأة للمعتدي الإسرائيلي على
حروبه العدوانية حيث أصبح من التقاليد الإسرائيلية
أن تكسب كلما أقدمت على الإضرار بالمنجزات
والمصالح والأرض والحقوق العربية وتربح مرتين، مرة
عند ممارستها القوة وتدمير القوات والمنجزات
العربية ومرة أخرى بالسياسة مقابل خسارة العرب في
المرحلتين الأولى والثانية. وجني الأرباح الطائلة
من التطبيع والتعاون الاقتصادي.
ويعني
عقد المؤتمر تقديم الاقتصاد على السياسة أي على
استرداد الأراضي العربية المحتلة والحقوق
المغتصبة ويمثل تخلي الجانب العربي عن ورقة السلاح
الاقتصادي.
تبنت
الولايات المتحدة فكرة القمم الاقتصادية التي
طرحها بيرس ورابين وحملت العديد من الدول العربية
وبشكل خاص المغرب لتبنيها والتحمس لها.
وجاءت
الفكرة الإسرائيلية لفصل الاقتصاد عن السياسة
وتقديمه عليها، قبل التوصل إلى تسوية وقبل
الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة، وبالتالي
فصل قضية الأرض عن التعاون الاقتصادي مع العدو
التاريخي للعروبة والإسلام، وذلك لإدراج الكيان
الصهيوني في النسيج العربي وإعادة صياغة المنطقة
العربية بثوب جديد هو "الشرق الأوسط الجديد"،
وبالتالي فلا انسحاب من الضفة الغربية والقدس
العربية والجولان وجنوب لبنان وإنما هيمنة العدو
الإسرائيلي على الثروات العربية باعتباره أكبر قوة
عسكرية في المنطقة يتفوق على جميع البلدان العربية
ويتسلح بترسانة نووية، وبالتالي تقود القمم
الاقتصادية إلى جعل إسرائيل المركز والقائد
والمهيمن على المنطقة لتحقيق حلم اليهودية
العالمية بإقامة "إسرائيل العظمى" كمركز لها
طمعاً في فرض سيطرتها على العالم.
إن
أحزاب المعارضة المصرية كانت على حق في أدانتها عقد
مؤتمر القاهرة الاقتصادي لأن المؤتمر ليس في مصلحة
الوطن والمواطن العربي، لا في مصلحته ولا في مصلحة
وطنه، بل على حسابه لصالح الكيان الصهيوني
واليهودية العالمية والولايات المتحدة
الأميركية.
افتتاح
المؤتمر
انعقد
مؤتمر القاهرة الاقتصادي وسط قناعة راسخة لدى
المسؤولين ورجال الأعمال العرب بأن الضغط الأميركي
هو الذي أدى إلى عقده في موعده المحدد.
واعتقدوا
أن المؤتمر لن ينجح بسبب موقف إسرائيل الرافضة
للسلام.
واتخذت
الغرفة التجارية المصرية مواقف حذرة من عقده نابعة
من التمسك بالحقوق والمصالح العربية وإيماناً منها
بأنه لا يجوز مكافأة إسرائيل المعتدية على مواقفها
المتعنتة.
وزاد
من التشاؤم أن المستثمرين الأجانب لا يستثمرون في
مناطق مهددة بعدم الهدوء والاستقرار.
افتتحه
الرئيس حسني مبارك بتاريخ 12 تشرين الثاني 1996 بمركز
القاهرة للمؤتمرات وبحضور وفود من (78) دولة و 52
منظمة دولية وعربية وإقليمية و (4600) مشارك، منهم (2600)
من رجال الأعمال. وقال الرئيس مبارك في خطابه
الافتتاحي:-
"إن
المنطقة تمر بمفترق طرق صعب، يلزمنا بالاختيار بين
أن نبقى أسرى للماضي وبين التقدم صوب المستقبل؟
وأضاف أن هذه المنطقة تحتاج إلى إعادة بناء بعض
مؤسساتها، ومن أجل صياغة قوانين جديدة من أجل
المشاركة في مسيرة الاقتصاد العالمي. وإن مصر
اختارت السلام وهي تقود مسيرة السلام وتساعد
الأطراف الأخرى. وأضاف أننا نشهد مولداً جديداً
للشرق الأوسط وأن دول المنطقة تتوق إلى مستقبل
مشترك". (46)
وتابع
الرئيس مبارك خطابه الافتتاحي قائلاً:
"إننا
نشهد اليوم إعادة بعث وإحياء جديد لمنطقة الشرق
الأوسط يقوم بتوليد ديناميكية جديدة في المنطقة،
ديناميكية الرخاء والكفاءة والتعاون المشترك،
ومامن شك في أن هذا الجمع الدولي الحاشد الذي يلتقي
اليوم في القاهرة بعد لقائين مثمرين في الدار
البيضاء عام 1994 وفي عمان كان 1995، يشارك المنطقة
تشوقها العميق إلى غد أفضل لأبنائها". (47)
وأكد
الرئيس مبارك على ضرورة إرساء السلام الشامل من أجل
جني ثمار التكامل الاقتصادي وأنه لا اندماج
اقتصادي بدون سلام شامل. وأعرب عن توظيف موارد
المنطقة لمصلحة الشعوب مما يتطلب إقامة سلام عادل
وشامل وضرورة الالتزام بسلام قائم على الحق والعدل
والحرية. وشدد أيضاً على ضرورة "إرساء السلام
الشامل بجدية كاملة وعلى كل المسارات وبشكل لا رجعة
فيه". (48)
وألقى
وزير الخارجية الأميركي كلمة الولايات المتحدة في
افتتاح المؤتمر. وأشاد بمواقف الرئيس مبارك
واستضافة مصر للمؤتمر. وأكد التزام الولايات
المتحدة بتسوية النزاع في المنطقة على أساس
المبادئ التي اتفقت عليها الأطراف، وقال إنه بدون
أمن فلن يكون هناك سلام وبدون سلام لن يكون هناك
أمن.
وأشار
وزير الخارجية الأميركي إلى آليات التعاون
الإقليمي مثل اتحاد غرف السياحة، واتحاد رجال
الأعمال وبنك التنمية. وأشاد بإجراءات الإصلاح
الاقتصادي في مصر وقال إن الولايات المتحدة ستزيد
من تعاونها الاقتصادي مع مصر.
وقال
وزير الخارجية الأميركي:
"
هناك مكاسب تاريخية يجب الحفاظ عليها، مكاسب
تستطيع الأطراف البناء عليها، هناك اتفاقان
تاريخيان بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وهناك
محاولات لوضع حد للإرهاب، هناك اتفاقية سلام بين
إسرائيل و الأردن وسلسلة جديدة من الاتصالات
الدبلوماسية والتجارية بين إسرائيل وجيرانها
العرب، وهناك فرصة لإحلال السلام الشامل الذي يعم
سورية ولبنان". (49)
لقد
سعت الولايات المتحدة إلى التأكيد على عقد مؤتمر
القاهرة الاقتصادي معتبرة عقده مهمة أساسية في
ظروف المنطقة الراهنة، فليس مهماً لها أن تتقدم
عملية السلام وتلتزم إسرائيل بتنفيذ الاتفاقيات
التي وقعتها.
المهم
للإدارة الأميركية عقد المؤتمر بغض النظر عن نجاحه
أو فشله لجعله آلية دائمة مستمرة لخدمة مصالحها
ومصالح العدو الإسرائيلي. بالرغم من أن القاهرة قد
أعلنت أنها لا تستطيع استضافة المؤتمر ما دامت
الحكومة الإسرائيلية تزرع الألغام في طريق
التسوية.
تحدث
الصهيوني مارتن انديك، سفير الولايات المتحدة
الأميركية في الكيان الصهيوني أمام غرفة التجارة
الأميركية بالقاهرة عشية انعقاد المؤتمر وركز على
تنمية سياسات التعاون الاقتصادي بين العرب
وإسرائيل باعتبارها السبيل الأفضل لتحقيق السلام
الكامل في المنطقة وقال: "إن الحكومة
الإسرائيلية حكومة مسؤولة. إنني أعتقد أن كل من
تعاملوا معها خرجوا بإيمان فعلي بأنها حكومة تحترم
التزاماتها". (50)
وأشار
إلى أن الإسرائيليين قبلوا كل تلك المخاطر من أجل
السلام، ومع ذلك لم تتحسن العلاقات مع مصر. وتابع
انحيازه للعدو الإسرائيلي مبرراً سياسة نتن ياهو
الإرهابية والتوسعية والتي أوصلت العملية السلمية
إلى طريق مسدود قائلاً:
"إن
سياسة رئيس الوزراء الإسرائيلي نتن ياهو هي
الإبطاء من أجل تعزيز مسيرة السلام...
إن
إسرائيل لم تتخل عن السلام ولكنها تبحث عن السلام
الأكثر أمناً".(51)
إن
مارتن انديك الذي رسم مخططات السياسة الأميركية في
الشرق الأوسط، عندما كان عضواً في مجلس الأمن
القومي الأميركي ومدير مركز واشنطون لدراسات الشرق
الأوسط يهودي متطرف يؤيد اختزال رئيس الحكومة
الإسرائيلي لقضية فلسطين وشعبها في عملية إعادة
انتشار جيش الاحتلال اليهودي في الخليل كمقدمة
لتهويدها كما حصل في مدينة القدس.
لقد
حذّر ستيورات ايزينستات، وكيل وزارة التجارة
الأميركية إسرائيل من أنها تجازف بخسران الازدهار
الاقتصادي إن لم تواصل عملية السلام. وأكد المسؤول
الأميركي أن اتفاقات السلام هي التي خلقت المناخ
الدولي الذي أدى إلى إقبال دول العالم على شراء
المنتجات الإسرائيلية.
وأشار
أنه نتيجة لذلك بات الإسرائيليون يتمتعون بمستوى
معيشة أفضل يجب ألاّ يعتبروه أمراً مسلماً به.
وانتقد الطوق الذي فرضته إسرائيل على الضفة
والقطاع وقال إن تلك الإجراءات التي تقول إسرائيل
إن الغرض منها التصدي للمخاطر التي تهدد أمنها أدت
في واقع الأمر إلى خنق الاقتصاد الفلسطيني. (52)
إن
تراجع مصر عن تهديدها بتأجيل عقد المؤتمر وعدم
تنفيذ هذا التهديد الذي ينبع من خدمة المصالح
المصرية والعربية زاد من الغطرسة والتصلب
الإسرائيلي ومن استخفاف إسرائيل بموقف مصر
وبالموقف والحقوق العربية.
ولقيت
كلمة وزير الخارجية الأميركي استقبالاً فاتراً في
المؤتمر لأنه لم يتجرأ على توجيه اللوم إلى إسرائيل
خوفاً من اللوبي اليهودي ولالتقاء مصالح البلدين
في معاداة العروبة والإسلام، كما رفض المنسق
الأميركي الحديث عن إسرائيل بأنها الطرف المتعنت
في المفاوضات، لأنه يهودي أولاً وأمريكي ثانياً
يهمه بالدرجة الأولى خدمة إسرائيل واليهودية
العالمية.
كما
أعلنت وزارة التجارة الأميركية عن المشروعات
المطروحة للاستثمار في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
والتي تحتل المشروعات المشتركة بين الأردن
وإسرائيل مكان الصدارة فيها، وعلى الأخص في مجالات
المياه والري والاتصالات والسياحة، وذلك لتكوين
رابطة إسرائيلية- أردنية تلحق بها سلطة الحكم
الذاتي. وتتجه معظم المشاريع الأميركية لتدعيم
مركز إسرائيل القيادي في المنطقة. ووجهت المشروعات
الأميركية اهتماماً خاصاً بقطر والكويت في منطقة
الخليج وبتونس والمغرب في شمال أفريقيا.
وأكد
وزير الاقتصاد الروسي في كلمته أن روسيا تأمل في أن
يوجد مثل هذا المؤتمر مناخاً مواتياً في المنطقة
لتحقيق التسوية الشاملة وأن يسهم في تحويل المنطقة
إلى منطقة تعاون مفيدة لجميع الأطراف وإيجاد
الشروط الأساسية للتعاون الإقليمي.
وأكد
ديك سبرنج وزير خارجية إيرلندا، ورئيس الاتحاد
الأوروبي" أن الاستثمار والتعاون يتطلبان
الاستقرار والأمن. وأن الوقت قد حان لأن يقدم
الاتحاد الأوروبي الدعم لعملية السلام، مؤكداً أن
الدعم الأوروبي يستند إلى التجاور الجغرافي، وشبكة
من العلاقات مع دول المنطقة. وأضاف أن تحقيق السلام
الشامل يتطلب التنفيذ الكامل للاتفاقيات الموقعة
والقرارات الدولية، وإقرار مبدأ الأرض مقابل
السلام. وألحّ على استعادة "روح مؤتمر مدريد من
أجل سلام دائم وشامل استناداً إلى قرارات الأمم
المتحدة ومبدأ الأرض مقابل السلام ومن دون
تأخير"(53).
وأكد
أن دور أوروبا استكمالاً للدور المهم الذي تقوم به
الولايات المتحدة. وعبر عن قلق أوروبا من بطء
المفاوضات. وتحدث في الجلسة الافتتاحية كلاوس
شفاب، رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي (دافوس)
وأوضح أن هناك ثلاث قواعد ذهبية يجب الأخذ بها،
منها إضفاء الطابع الإقليمي وإيجاد البيئة
الملائمة لبناء المستقبل، وتوفير مناخ ملائم
للمستثمرين ونشر الأفكار الثقافية التي تدعو إلى
تحقيق أفضل إنتاج، وإيجاد الثقة عن طريق عدم التدخل
من قبل الحكومة.
وعقب
انتهاء الجلسة الافتتاحية للمؤتمر باشرت اللجان
الفرعية وورش العمل المنبثقة عن المؤتمر أعمالها
كلجنة السلام والتنمية الاقتصادية، ولجنة السلام
وتقويم مخاطر الاستثمار. وتقرر تخصيص جلسة عمل
مستقلة للاقتصاد الفلسطيني. وجرى بحث قضايا السلام
والاستثمار والتعاون الإقليمي والدولي في مختلف
اللجان.
وعبر
عمرو موسى وزير خارجية مصر في المؤتمر عن طبيعته
التي تختلف عن طبيعة القمة الأولى والثانية حيث
أكدتا مركزية إسرائيل في التعاون الإقليمي
ومنحتاها دوراً متميزاً وقال: "كان هناك مفهوم
خاطئ منذ البداية، وهو أن كل مشروع يجب أن يمر
بإسرائيل، إسرائيل ليست المحور ولا المركز، إنها
دولة مثلها مثل سواها، والتعاون الإقليمي لكي
يتحقق لابد من عمل إقليمي". (54)
وفي
مناخ سياسي غير صحي ملبَّد الغيوم، كما وصفه عمرو
موسى لابد أن يتأثر المؤتمر الاقتصادي في جوه
العام، بل أن يعبر أيضاً عن هذا الجو.
وكانت
ثمانية اتحادات صناعية فلسطينية في مناطق الحكم
الذاتي قد أعلنت مقاطعتها للمؤتمر احتجاجاً على
الممارسات الإسرائيلية الهادفة إلى عرقلة التطور
الاقتصادي عن طريق إجراءات الحصار والإغلاقات
المتكررة والحد من حرية تنقل الأفراد والسلع
وإعاقة عمليات الاستيراد والتصدير.
وقالت
الاتحادات الصناعية في بيان أصدرته في 4/11/1996: "إن
اتفاقات اوسلو لم تؤد إلاّ إلى زرع الحدود بين
مدننا وتعميق جذور التشتت بين أبناء شعبنا. وأصبح
من الصعب التنقل بين المدن والمناطق مما أدى إلى
زيادة تدهور الوضع الاقتصادي وارتفاع معدل البطالة
الذي تجاوز50%"(55).
المؤتمر
والاستثمار في المنطقة
يرغب
المستثمر في وجود استقرار لاستثمار أمواله وهذا
غير متوفر في المنطقة، فالمنطقة لن تعرف الهدوء
والاستقرار مادامت إسرائيل قوية وبسبب أطماعها في
الأراضي والثروات العربية وتمسكها بمزاعم وخرافات
وأساطير توراتية بالية معادية لأبسط المفاهيم
الإنسانية ومصالح شعوب المنطقة وحقوقها.
إن
سياسية إسرائيل وممارساتها بدءاً من مصادرة
الأراضي العربية وبناء المستوطنات واستقدام
المهاجرين تجعل المنطقة كبرميل بارود قابل
للاشتعال في أي وقت.
فأميركا
تعمل على أن تساعد الشؤون المالية تحقيق أطماع
إسرائيل في فلسطين العربية والثروات المائية في
لبنان والجولان.
لقد
قاطعت سورية ولبنان المؤتمر، وأقبلت عليه دول
الخليج دون حماس باستثناء قطر. وتحفظت بعض الدول
التي كانت تهرول في تطبيع العلاقات مع العدو. ولم
تحضره ليبيا والعراق والسودان وإيران لعدم توجيه
الدعوات لها، ولأسباب سياسية عند البعض منهم حتى لو
وجهت لهم الدعوات.
لقد
قام الموقف السوري واللبناني على رفض المفاوضات
المتعددة الأطراف ورفض الاشتراك في القمم
الاقتصادية ورفض النتائج التي تمخضت عنها، بينما
انصاعت مصر لعقده تلبية للطلب الأميركي، ولذلك فإن
مواقفها في المؤتمر لم تكن مع تطبيع العلاقات بين
العرب وإسرائيل وإنما جلب الاستثمارات العالمية
لمصر.
حيا
وزير الخارجية الأميركي في المؤتمر رجال الأعمال
العرب الذي أقاموا علاقات اقتصادية مع إسرائيل
ووصف الدكتور إبراهيم فوزي، الرئيس التنفيذي
للهيئة العامة للاستثمار في مصر مؤتمر القاهرة
بأنه "يعد تحويلاً نوعياً في سلسلة مؤتمرات
التعاون الإقليمي في المنطقة وإن ذلك التحول يكمن
في إلغاء فكرة كون إسرائيل محوراً لكل الأنشطة
الاقتصادية ذات الطبيعة الإقليمية في المنطقة، كما
كانت تحاول أن تروج لذلك في مؤتمر الدار البيضاء
وعمان". (56)
وأعلن
عدد كبير من رجال الأعمال المصريين المشاركين في
المؤتمر "رفضهم عقد صفقات تجارية مع نظرائهم
الإسرائيليين. وأجمع رجال الأعمال المصريون على أن
كل خطوة نحو تعاون إقليمي يشمل إسرائيل تعتمد على
تحقيق السلام الشامل بالمنطقة".
وأشار
محمود عبد العزيز، رئيس البنك الأهلي المصري
واتحاد البنوك المصرية إلى "أن رجال الأعمال لا
يعقدون صفقات أو يدخلون في مشروعات مشتركة إلاّ إذا
حظيت بموافقة القيادة السياسية وهو مالا يتوافر
حالياً بالنسبة للمشروعات المشتركة مع إسرائيل".
(57)
وحدد
د.كمال درويش، نائب البنك الدولي أمام المؤتمر
ثلاثة عوامل تؤثر في جذب الاستثمار إلى المنطقة:
الأول ضرورة دعم الاستقرار الاقتصادي وتهيئة
المناخ المناسب. والثاني: إيجاد المزيد من الثقة
لخفض معدل المخاطرة -والثالث: العمل على خفض
المخاطر السياسية. وصرح شريف غالب، مدير المؤسسة
الخليجية للاستثمار التي تملكها دول مجلس التعاون
الخليجي حول المشاركة وقال: "أعتقد أن دوافع
المشاركة سياسية وليست اقتصادية، وأوضح أن الدول
الست تولي التبادل التجاري مع إسرائيل أهمية
محدودة". (58)
وأبدى
المدير العام للصندوق العربي للتنمية الاقتصادية
والاجتماعية التابع لجامعة الدول العربية عبد
اللطيف الحمد رأيه حول العلاقة مع إسرائيل وقال:
"إن
بنك التنمية للشرق الأوسط يجب أن يكون ثمرة
السلام". (59) ويجسد هذا الموقف موقف السعودية
والكويت، حيث تعتبران أن الأولوية هي للسلام
الشامل في المنطقة وليس لإنشاء مؤسسات جديدة.
وتجلى
الموقف السعودي بعدم الإضرار بمؤتمر القاهرة وفي
نفس الوقت عدم الحماس له لأن السعودية تعارض إقامة
علاقات طبيعية مع إسرائيل قبل التسوية الشاملة في
المنطقة. شاركت الدول الخليجية بتحفظ باستثناء قطر
ولم تبد حماساً للاستثمار في مشاريع مشتركة أو
تمويل بنك التنمية. ولعبت السعودية دوراً لدعم
الموقف العربي سياسياً وليس لتنمية العلاقات مع
إسرائيل، إلاّ أن كلاً من قطر وسلطنة عمان قد وقعتا
اتفاقية مع إسرائيل لتبادل مكاتب التمثيل
التجاري.
وعلق
عبد الرحمن الزامل، رئيس مجلس إدارة شركة الزامل
على مشاركة دول التعاون الخليجي في مؤتمر القاهرة
موضحاً أن من الأفضل الاستثمار في منطقتهم وقال
"إن الاسثتمار الخليجي فيه نوع من التضحية في تلك
المنطقة، وإسرائيل لا تستحق التضحية ولا الاحترام
والتقدير لأنها نقضت كل العهود والمواثيق التي
وقعت عليها". (60)
وأدى
تعثر المسيرة السلمية إلى عدم رغبة الأطراف
الإقليمية في المشاركة في بنك التنمية.
وبالرغم
من الجهود المصرية لتحجيم المكاسب الإسرائيلية في
المؤتمر وخصوصاً الضغط على دول مجلس التعاون
الخليجي لتجاهل محاولات التقارب من قبل الشركات
الإسرائيلية "قام رجال أعمال معظمهم قطريون
وإماراتيون بزيارة الجناح الإسرائيلي في المؤتمر،
في حين تحدث رجال أعمال إسرائيليون عن صفقات أبرمت
مع رجال الأعمال الخليجيين ولكن على قاعدة
التكتم". (62)
"
وقد أثار موقف مصر حفيظة واستياء الوفد الإسرائيلي
الذي عبر عدة مرات عن خيبة أمله من سوء استقبال
المصريين وسوء تعامل الوفود العربية، الأمر الذي
حدا بالوفد الإسرائيلي إلى إلغاء كلمته".(63)
ويقول
الاقتصادي المصري الدكتور إبراهيم أباظة عن مؤتمر
القاهرة إنه "يأتي وسط تعثر سياسي لمسيرة السلام
وهو يهدف إلى دعم الأوضاع الاقتصادية الإسرائيلية
التي تتعمد تعطيل الخط السياسي الهادف للسلام... إن
المؤتمر وفقاً لتطورات الأوضاع الاقتصادية في
المنطقة وعلاقاتها بالعالم يحقق الرؤية
الإسرائيلية لإقامة علاقات اقتصادية متميزة يكون
لإسرائيل فيها نصيب الأسد وللعرب نصيب الفأر".
(63)
ولكن
تصدر بين الحين والآخر تصريحات ومواقف لرجال أعمال
مصريين تخدم هيمنة إسرائيل الاقتصادية حيث يقول
المهندس طاهر الشريف، مدير اللجنة التنفيذية
للقطاع الخاص "إن رجال الأعمال المصريين يضعون
أيديهم في أيدي رجال الأعمال الإسرائيليين لأنهم
يبغون السلام ويرفضون سياسة حكومة الليكود. ويضيف
طاهر الشريف من وجهة نظره أنه ربما يكون التعاون
الاقتصادي هو الطريق للتمهيد للسلام في الشرق
الأوسط مما يؤدي إلى التنمية".(64)
واجتمع
رجال استثمار يهود مع يوسف والي وزير الزراعة
المصري ورجال أعمال من مصر. وتضمنت الورقة المصرية
للمؤتمر أربعة أنواع من مشاريع التعاون الإقليمي.
الأول: مشاريع بُدئ في تنفيذها في إطار متابعة
نتائج قمة عمان الاقتصادية. والثاني: مشاريع قيد
الدرس كمشروع لإنشاء مجمع للطاقة لدول حوض البحر
الأبيض المتوسط. والثالث مركز رصد حركة الزلازل في
خليج العقبة. والرابع يتعلق بمشاريع ذات طابع
اجتماعي مثل إنشاء مركز إقليمي لرعاية المعوقين.
وخيمت
الأجواء السياسية المتوترة في المنطقة على
المؤتمر. وعقد وزراء دول مجموعة طابا اجتماعاً على
هامشه. وأصدروا بياناً ذكروا فيه أهمية تنمية
الاقتصاد الفلسطيني وأهمية إنهاء الإغلاق والحصار
الإسرائيلي باعتبارها خطوة ضرورية لتنمية
اقتصادات المنطقة ككل.
وأكد
المشتركون في الاجتماع وهم وزراء التجارة
والاقتصاد والمالية في الدول الخمس الأهمية القصوى
لتنمية الاقتصاد الفلسطيني.
وعقب
الاجتماع صرح ماهر المصري وزير الاقتصاد الفلسطيني
بأن الوضع السيء في الأراضي الفلسطينية هو نتيجة
للممارسات الإسرائيلية. وأكد أن السلام لايمكن أن
يأتي من خلال إجراءات الأمن وحدها ولكن من خلال
إعادة الحقوق لأصحابها والمضي في الاتفاقيات
المبرمة مع إسرائيل". (65).
وكشف
كلاوس شفاب عن الهدف من عقد المؤتمرات الاقتصادية
وقال: "الهدف من المؤتمرات إبجاد فئات من
المستفيدين من عملية التسوية دولاً وحكومات
وأفراداً وشركات. وكانت السنوات الأولى للسلام
منعشة للاقتصاد الإسرائيلي بحيث بدأوا يتحدثون عن
عدم حاجتهم للمساعدات الأميركية. ويشدد على أن أي
تنمية اقتصادية في المنطقة باتت في أيدي رجال
الأعمال ولم تعد في أيدي الحكومات وحدها، وأن مجتمع
الأعمال مستعد للاضطلاع بدور متقدم في المنطقة".
(66).
حكومة
نتن ياهو والمؤتمر
أعلنت
مصر قبل انعقاد المؤتمر عن نيتها في تأجيل انعقاده
نظراً لتخلي الحكومة الإسرائيلية عن مرجعية مدريد
واتفاق أوسلو، مما أثار غضب الرئيس الأمريكي ووزير
خارجيته وإسرائيل. ومارس الرئيس كلنتون أقصى
الضغوط على مصر لعقده في موعده.
وانصاعت
مصر لرغبة إسرائيل عن طريق الضغط الأميركي المباشر
ولكنها أعلنت أن التعاون الإقليمي يأتي بعد
الاتفاق النهائي، بينما ظل العدو الإسرائيلي
محافظاً على أطماعه في التمسك بالتعاون الاقتصادي
والتطبيع أولاً ثم حل المشاكل السياسية فيما بعد
لكي يتسنى له تحقيق كامل المزاعم والخرافات
اليهودية في الأرض والثروات العربية.
ونظرت
حكومة نتن ياهو إلى مؤتمر القاهرة على أنه فرصة
لتنفيذ مشاريع إقليمية مع البلدان العربية
المجاورة، على "رغم تأكيد الحكومة المصرية
تكراراً أن الاجتماع لن يقر أي مشروع تكون إسرائيل
طرفاً فيه بسبب حال الجمود في مسيرة السلام في
الشرق الأوسط"(67).
وحض
نتن ياهو رجال الأعمال الإسرائيليين على المشاركة
في أعمال المؤتمر مؤكداً أن وزير خارجيته سيترأس
وفد إسرائيل الذي سيضم خمسة وزراء ومائة من رجال
الأعمال. وخاطبهم قائلاً:
"اذهبوا
إلى القاهرة لعقد الصفقات. هذا جيد لليهود وجيد
للعرب والسلام".(68)
وأكد
بيرس صاحب فكرة المؤتمرات الاقتصادية للشرق الأوسط
وشمال أفريقيا " الشرق الأوسط الجديد الذي يرتكز
على السلام والتنمية الاقتصادية الإقليمية لم يمت
وقال إن عملية السلام يجب أن تسير على قدمين
إحداهما سياسية والثانية اقتصادية". (69)
احتوى
الكتاب الإسرائيلي (الورقة الإسرائيلية) للمؤتمر
على ثلاث كلمات: الأولى لرئيس الوزراء نتن ياهو وهي
بعنوان التعاون الاقتصادي الإقليمي، مساندة
السلام في الشرق الأوسط.
والثانية
بعنوان: "السلام والتنمية البشرية في الشرق
الأوسط لدافيد ليفي وزير الخارجية.
والثالثة
بعنوان: "عملية السلام والتنمية الاقتصادية لدان
ميريدور، وزير المالية. وتضمنت الورقة الإسرائيلية
ثلاثة مواضيع زيادة على المواضيع العشرة التي
تضمنتها الورقة السابقة وهي: الصحة والمحميات
والموارد البشرية.
وجاء
في مقدمة الورقة الإسرائيلية التي كتبها نتن ياهو
مايلي:
"البعض
يعتقد أن السلام هوالقاعدة الأساسية للتنمية
الاقتصادية، وآخرون يعتقدون أن الروابط
الاقتصادية توجد المناخ الصحيح للسلام، ونحن أضفنا
أنه بدون الأمن لا يصبح الوضع ممهداً للاستثمار
الأجنبي".(70)
وقدمت
إسرائيل للمؤتمر ورقة بعنوان "برامج للتعاون
الإقليمي" وقسّموا مناطق التنمية إلى ثلاث: وادي
الأردن، ومنطقة طابا وإيلات والعقبة وجنوب شرق
المتوسط. وركّزت الورقة على الأردن وخاصة منطقة
وادي الأردن والعقبة وجعل الأردن مدخلاً لإسرائيل
إلى دول الخليج العربية.
وتضمنت
الورقة مشروع ريفيرا البحر الأحمر كمشروع إسرائيلي
-مصري -أردني مشترك، مع العلم بأن مساحة السواحل
الإسرائيلية على خليج العقبة صغيرة جداً وتبلغ
ثلاثة كيلومترات يشغلها ميناء إيلات، بينما تبلغ
السواحل المصرية (167)كم والأردنية 17كم، وبالتالي
تريد إسرائيل اغتصاب موقع مصر والأردن السياحي كما
اغتصبت موقع القدس العربية وبيت لحم وطبرية
والناصرة.
وتعتبر
الأحزاب المصرية المعارضة "إن فيزا خليج العقبة
وحصة البترول الإجبارية لإسرائيل مظاهر ماسة
بالسيادة ينبغي أن تختفي كلها". (71)
لقد
قام التصور الإسرائيلي للمؤتمر على تقديم مشاريع
مشتركة للتعاون مع الأردن ومصر وسلطة الحكم
الذاتي، وبرز فيها عدد من المشاريع الممكنة
التنفيذ في مناطق ثلاث، حيث تطمح إلى تنفيذ (13)
مشروعاً لربط شبكات الكهرباء ومد أنابيب الغاز،
وإنشاء طرق للسكك الحديدية ومشاريع سياحية.
أما
في منطقة الغور وخليج العقبة فعدد المشاريع
الإسرائيلية (28) وأهمها شق قناة تربط البحر الأحمر
والبحر الميت، ومشروع الريفيرا ومنطقة صناعية حرة
في وادي الأردن.
ويتجلى
الطمع والاستعلاء في نظرة إسرائيل المستقبلية
للسلام وممارساتها في المنطقة بحيث تضع التعاون
الإقليمي والأمن وانتهاك الحقوق والسيادة العربية
ومبادئ وقرارات الشرعية الدولية قبل السلام.
ويصر
نتنياهو على شعار "السلام مقابل السلام"
بديلاً عن شعار "الأرض مقابل السلام" معتقداً
أن بعض الدول العربية ستؤيد إسرائيل وتتعامل معها
أملاً في دعمها لاستقرار هذه الأنظمة عن طريق
الموساد وفتح الأبواب لها في الولايات المتحدة
الأميركية والتوسط لها لدى دوائر المال والأعمال
العالمية ولدى الشركات العالمية المتعددة
الجنسيات. وهكذا تحقق هذه النظم العربية بعض
عناصرالأمن لها مقابل التنازل عن استرداد الأراضي
العربية المحتلة بما فيها القدس والمقدسات
الإسلامية. وفي الوقت نفسه تحقق إسرائيل أمنها عن
طريق الاحتفاظ بالأراضي العربية المحتلة والتوسع
فيها وبناء المستوطنات عليها، وبالتالي تكون تلك
الدول العربية قد ساعدت الحكومة الإسرائيلية على
تحقيق الأمن الإسرائيلي مقابل أمنها وأمن العدو
الإسرائيلي.
وكرر
وزير المال الإسرائيلي دان ميريدور الشكوى من بطء
التطبيع مع مصر مقارناً إياه بالتقدم مع الأردن.
لقد
طلبت السعودية من المؤتمر توجيه رسالة إلى إسرائيل
بأن التعاون الإقليمي مرهون بانسحابها من كل
الأراضي العربية المحتلة. وهاجمت سياسات إسرائيل
ومحاولاتها تكريس الاحتلال.
وطالب
وزير التخطيط الفلسطيني بعدم إبرام عقود مع
إسرائيل في المؤتمر مالم تلتزم بعملية السلام
وقال:
"مازلنا
مؤمنين بعملية السلام ومن العدل أن تمارس كل الضغوط
من أجله".(72)
وأكد
دان ميريدور أن وفد بلاده من الرسميين ورجال
الأعمال لقي معاملة جيدة من الدولة المضيفة ومن
جانب بقية الدول العربية، وأن إسرائيل مرتاحة
لأعمال المؤتمر ونتائجه. واستطاع بسهولة الاجتماع
مع العديد من المسؤولين العرب، وأن هذه الاجتماعات
تمت بطلب من المسؤولين العرب. ونفى أن بلده تعرّض
إلى عزلة إقليمية في المؤتمر. ورفض تأكيد التزام
إسرائيل بمبدأ مقايضة الأرض بالسلام.
وأكد
دان ميريدور، وزير المالية الإسرائيلية أن حكومته
تركز في المقام الأول على التعاون الاقتصادي
الإقليمي، لأنه ركيزة أساسية في التسوية السلمية.
ومن ثم جئنا بمفهوم الاقتصاد أولاً حتى تنتهي كل
المشاكل السياسية... وأتمنى أن لا نجعل الاقتصاد
أسير السياسة". (73)
وأبدى
بعض رجال الأعمال العرب رأيهم في بنك التنمية الذي
طرحته إسرائيل وتبنته الولايات المتحدة الأميركية
وأكدوا "أن البنك لن يقوم في النهاية، وأنه كان
مرتبطاً بفكرة بيرس" أموال العرب وسواعد
المصريين وعقول الإسرائيليين"، والآن لم يعد
لبيرس ولا لفكرته ذات الوجود أو شبه القبول الذي
كان". (74).
وطالب
عضو الوفد الإسرائيلي الرسمي كانلاج كوجلر أنه:
"لا بد من أن ننأى بالأمور الاقتصادية بعيداً عن
السياسة. وأعتقد أن مؤتمر القاهرة الاقتصادي أفضل
من بقية المؤتمرات السابقة. فلقد تغيرت الظروف
المحيطة بنا. في المؤتمرين السابقين كنا نبحث عن
شركاء في شمال أفريقيا لكن اليوم نحن نريد شركاء
مصريين. فهم أقرب الناس إلينا الآن. وفي الماضي كنا
نعتمد على وسطاء أمركيين لتحقيق ذلك وأعتقد أننا لا
نحتاجهم في مؤتمر القاهرة الاقتصادي بقدر ما نحتاج
إلى رجال الأعمال المصريين. هذه فرصة للتحدث معهم
حول عقد الصفقات وإقامة المشروعات المشتركة".
(75)
وهاجمت
الصحف الإسرائيلية الرئيس مبارك ووزير الخارجية
عمرو موسى. وكتبت هآرتس تقول:
"فعقد
المؤتمر ومشاركة إسرائيل مشروطان بقبول إملاءات
القاهرة بالنسبة للسلام، وبإمكان إسرائيل أن تساهم
في الشرق الأوسط الجديد الذي تتزعمه القاهرة فقط،
إن هي عادت إلى حجمها الطبيعي. وقال كاتب المقال
بوقاحة لا يحسد عليها: "وكدجاجة تقف على كومة
قمامة انتصب الرئيس المصري حسني مبارك وقام
بالتنظير والتبشير بقوله: إن الأعداء المشتركين
للمسلمين والمسيحيين واليهود هي الفقر والأمية
وانعدام الصبر والتسامح والتعليم، وإن على إسرائيل
أن تطبق مبدأ الأرض مقابل السلام، وإلاّ فإنها
ستكون المتهمة بجريرة ضياع الحلُم". (76).
وكانت
إحدى الصحف الإسبوعية قد ذكرت أن الأميركيين قد
عبروا لرئيس مجلس الوزراء المصري عن رغبتهم في ألا
يروا عمرو موسى في التشكيل الوزاري القادم، وهذا
منتهى التدخل الوقح في شؤون مصر الداخلية.
واعتبرت
صحيفة جيروزاليم بوست الإسرائيلية أن مؤتمر
القاهرة كان فاشلاً بسبب الدور الذي لعبته مصر.
وقالت إن المؤتمر قد فشل في تحقيق هدفه الأساسي وهو
أن يظهر للعالم أن منطقة الشرق الأوسط مفتوحة
للاستثمار، وأحاطت مصر المؤتمر بأزمات شملت
تهديدات بإلغائه، كما أنها جعلت عربة السياسة تسبق
عربة الاقتصاد.
واختتمت
الجريدة مقالها بقولها: "لقد حان الوقت للعالم
العربي كي يفهم أنه لا يمكن أن ينال الثمار التي
يريدها من الاقتصاد العالمي بينما هو يواصل نزاعه
مع إسرائيل. وعلى العالم العربي أن يفعل ما بوسعه
لعدم الربط بين التعاون الاقتصادي وعملية السلام
لأن مثل هذا التعاون لا يمكنه بمفرده أن يجلب
السلام ولا يمكنه في انتظار السلام الكامل". (77).
ورفض
المؤتمر تبرير الإغلاق والحصار الذي فرضته إسرائيل
على الأراضي الفلسطينية بمعزوفة الأمن الإسرائيلي
الكاذبة. وأكد على أهمية رفع الحصار وتصحيح
الانطباعات الخاطئة في قمتي الدار البيضاء وعمان
بتكريس وجود إسرائيل كدولة مركزية ويتمحور حولها
التعاون الاقتصادي في الشرق الأوسط.
وأعاد
المؤتمر تعريف مفهوم التعاون الإقليمي باعتباره
يرتكز في الأساس على تعاون الدول العربية فيما
بينها أو تعاونها مع العالم الخارجي، لأنه لا يمكن
للعدو الإسرائيلي أن يغلق الأبواب أمام الشعب
الفلسطيني ثم يطالب بعد ذلك بفتح أبواب البلدان
العربية أمامه.
وتعتقد
بعض الأوساط العربية أن نتن ياهو قد تخلى عن
"الشرق أوسطية" التي بلورها بيرس إلاّ أنني
أعتقد بأن إسرائيل لم تتخل أبداً عن النظام الشرق
أوسطي بل تتمسك حكومة نتن ياهو بكل ما حققه بيرس
وتعمل لزيادة مكاسبها على حساب الوطن والمواطن
العربي.
حملت
الورقة الإسرائيلية إلى قمتي الدار البيضاء وعمان
عنوان" مقترحات التعاون الإقليمي" أما عنوان
الورقة التي قدمها نتن ياهو إلى المؤتمر الاقتصادي
الثالث في القاهرة فكان عنوانها "برامج للتعاون
الإقليمي" أي أنها تؤكد على تنفيذ ما تم اقتراحه
في القمتين السابقتين. وتركز حكومة نتن ياهو على
حرية التجارة، لأنها تعتقد أن التعاون الإقليمي قد
أقر ووافقت عليه الحكومات المشتركة في القمتين
الاقتصاديتين الأولى والثانية وعلى إسرائيل أن
تنتج وتصدر إلى الأردن ومنها إلى دول الخليج.
وجاء
في رسالة نتن ياهو إلى مؤتمر القاهرة حول الورقة
الإسرائيلية أن "هذا الكتاب الذي يحتوي مقترحات
متعددة للتنمية يؤكد على الأهمية التي توليها دولة
إسرائيل للتنمية الاقتصادية الإقليمية... السلام
والأمن هما محور وجودنا والأمن الاقتصادي لشعوبنا
يعني أيضاً الأمن "والأمن يعني أيضاً الأمن
الاقتصادي لشعوبنا".
وأكدت
كلمة نتن ياهو أن التنمية الاقتصادية ترتكز على
مسارين كبيرين: مشروعات "المدى القصير، ومشروعات
المدى الطويل التي تعتبر سياسة تأمينية وأنها خطاب
نوايا "لشعوبنا" لنعكس مدى التزامنا بطريق
السلام. وأن المشاريع الورادة في الورقة
الإسرائيلية تهدف إلى تحقيق المنطقة الاقتصادية
الإقليمية.
وعاد
نتن ياهو وأكد في كلمته "أن القاعدة الأساسية
للتنمية هي التعاون الإقليمي" واختتم كلمته
قائلاً: "دعونا نستمكل المشوار الذي بدأه (رابين
في افتتاح مؤتمر الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
الاقتصادي). دعونا نكافح لنكمل أعمالهم (السادات
-رابين) من خلال التعاون الاقتصادي الإقليمي". |