الدكتور غازي حسين - القمم والمؤتمرات الاقتصادية والأمنية من التطبيع إلى الهيمنة

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:20 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

البيان الختامي

اختتم المؤتمر الاقتصادي الثالث للشرق الأوسط وشمال افريقيا في 14/11/1996 أعماله ببيان حمل اسم "إعلان القاهرة" وتميز بلهجة دبلوماسية أكثر من اللزوم، إذ تعمد عدم ذكر الطرف الذي يعرقل التوصل إلى السلام وهو "إسرائيل".‏

كما تجنب البيان تحميل إسرائيل مسؤولية إغلاق المناطق الفلسطينية واكتفى بالنص على "رفع الإغلاق" بوصفه أساساً لوقف تدهور أوضاع الفلسطينيين وتحسين الأجواء المحيطة بعملية السلام ككل".(78).‏

وجاء فيه حول الاقتصاد الفلسطيني أيضاً" ويشدد المشاركون على الأهمية الكبرى لتطوير الاقتصاد الفلسطيني مع إبداء قلقهم لضعف الاقتصاد الفلسطيني بناء على القيود المفروضة والإغلاق مما يعرقل تحرك العمالة الفلسطينية وتجارتها"(79).‏

ويتضمن البيان دعوة واضحة إلى الالتزام بصيغة مدريد وقرارات مجلس الأمن الدولي وجاء فيه: "كما يعرب المشاركون عن التزامهم التام بتحقيق سلام عادل وشامل في الشرق الأوسط على أساس ماتم الاتفاق عليه في مؤتمر مدريد للسلام وعلى أسس قرارات مجلس الأمن خاصة رقمي 242 و 338" (80).‏

ورحب البيان بتأسيس "اتحاد السفر والسياحة في الشرق الأوسط" في العاصمة تونس وإنشاء بنك التعاون الاقتصادي ومقره القاهرة.‏

"وأعاد المشاركون في المؤتمر التزامهم بالاستمرار في إنشاء مجلس تجارة إقليمي ودفع هذا المطلب إلى الأمام".(81).‏

وقرر المشاركون في المؤتمر في بيانهم الختامي الاجتماع مرة أخرى في أواخر عام 1997 في مدينة الدوحة بقطر لعقد المؤتمر الاقتصادي الرابع هناك.‏

ويعتقد بعض المحللين العرب أن مؤتمر القاهرة قطع الصلة بينه وبين قمتي الدار البيضاء وعمان، بإخراج رهانات الشرق أوسطية من التمحور حول إسرائيل وتوجيهها نحو احتمالات لتعاون عربي- عربي.‏

واعتبر وزير الخارجية المصري أن المواقف الأخيرة لإسرائيل أغضبت الجميع، وندد بالحصار الإسرائيلي المفروض على الأراضي الفلسطينية وآثاره الضارة على الاقتصاد الفلسطيني، وقال إن الحكومة الإسرائيلية تتحدث عن التعاون الإقليمي في الوقت الذي تغلق أبواب فلسطين، وهذا كلام متناقض وبهذه السياسة لا يمكن أن تكافأ إسرائيل. وأشار إلى أن المؤتمر خصص جلسة رسمية للتعاون العربي- العربي وشدد عليه كركيزة أساسية للتعاون الإقليمي ثم التعاون بين أوروبا ودول المتوسط ورفض كلياً المقولة الإسرائيلية حول الأمن وقال: "نحن نرى أن مفهوم الأمن هو الأمن الشامل للجميع وليس الأمن الإسرائيلي فقط"(83).‏

وقال وزير الخارجية المصري في هذا الخصوص: كان هناك انطباع في مؤتمري الدار البيضاء وعمان يجعل من دولة معينة (إسرائيل) أساساً للتعاون الإقليمي، وأضاف أنه في القاهرة" تم تصحيح هذا المفهوم الخاطئ ولم يعد التعاون الإقليمي منصباً على دولة بعينها وأصبح التعاون العربي- العربي هو أساس التعاون الإقليمي من دون استبعاد أي دولة أخرى" (84).‏

وأشار عمرو موسى إلى أن الممارسات الإسرائيلية ولدت لدى شعوب المنطقة مشاعر من الإحباط واليأس تجاه مستقبل عملية السلام. وفي حال إصرارها على موقفها السلبي الحالي فسيكون لنا موقفنا الرافض للتعاون معها.‏

وأعلن رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي كلاوس شفاب أنه "إذا لم تسجل خطوات جديدة وأساسية في اتجاه تحقيق السلام في الشرق الأوسط فلن تكون لعقد المؤتمر أهمية. إنني أعتقد أن المؤتمر كان ناجحاً لمجرد أنه انعقد. إن الهدف من المؤتمرات إيجاد فئات من المستفيدين من عملية التسوية دولاً وحكومات وأفراداً وشركات. وكانت السنوات الأولى للسلام منعشة للاقتصاد الإسرائيلي، بحيث بدأوا يتحدثون عن عدم حاجتهم للمساعدات الأميركية"(85).‏

لقد تضمنت اتفاقات أوسلو وباريس وطابا والقاهرة التي وقعتها إسرائيل مع عرفات بنوداً اقتصادية، ولكن إسرائيل خرقت معظم تلك البنود وفرضت الإغلاق والحصار والدمار على الصادرات الفلسطينية إلى الأسواق الخارجية، مما عرّض المنتجات الزراعية للتلّف. وأغلقت في الوقت نفسه أبواب الرزق والعمل للعمال الفلسطينيين، كما منعت الضفة الغربية وقطاع غزة من استيراد الحاجات الضرورية للبنية التحتية وأعادت الشاحنات الضخمة إلى الأردن ومصر.‏

وواصلت الحكومة الإسرائيلية الإغلاق والحصار والتجويع ومنعت سلطة الحكم الذاتي من فتح مطار غزة ومن استكمال بناء ميناء المدينة .‏

وتضع العراقيل أمام الدول المانحة وتسعى جاهدة إلى أن تستحوذ على معظم الأموال عن طريق اصرارها على المشاركة في جميع المشروعات التي تنوي سلطة الحكم الذاتي تنفيذها في مناطق الحكم الذاتي. وعملت أحياناً على وقف هذه المساعدات لخنق الاقتصاد الفلسطيني والعمل على تدهور حياة أبناء فلسطين، سكان البلاد الأصليين وأصحابها الشرعيين.‏

وعملت مصر جاهدة خلال انعقاد المؤتمر الاقتصادي على كشف سياسة الإغلاق والحصار الإسرائيلي للاقتصاد الفلسطيني وأكدت أن ممارسات إسرائيل هي استمرار للاحتلال بصورة أخرى، وأن الدول العربية لن تفتح الباب أمام إسرائيل التي تغلق الأبواب أمام تطور الاقتصاد الفلسطيني وتقدمه؛ وذلك لفرض الفقر والجهل والتخلف على الفلسطينيين تحقيقاً لمقولة شعب الله المختار وعنصرية اليهودية والصهيونية.‏

لقد اختلفت التفسيرات العربية والإسرائيلية حول تقييم المؤتمر لاختلاف المصالح. ولكن البيان الختامي ركز على أهمية سرعة تنفيذ الاتفاقات المبرمة، ودعا إسرائيل إلى إنهاء إغلاق الأراضي الفلسطينية ومساندة الاقتصاد الفلسطيني، ونالت معاناة الشعب الفلسطيني حظاً وفيراً من المساندة العربية واعتبرت قضية أساسية في المؤتمر، وقال بعض الإسرائيليين إنهم عزلوا في المؤتمر.‏

لقد مهدت القمتان الاقتصاديتان الأولى والثانية لإجراء التعاون بين العرب وإسرائيل. ووضعتا الآليات لدفعها إلى الأمام، وتحسين صورة إسرائيل ومكانتها لدى بعض الحكومات العربية.‏

وسيطرت إسرائيل سيطرة تامة على القمتين، ولكن في مؤتمر القاهرة الثالث غابت زعامات إسرائيل عن المؤتمر وغاب الوجود الإسرائيلي المكثّف والفعّال والمميز.‏

يقول البعض إن المؤتمر أهدى الحكومة الإسرائيلية فرصاً لتصعيد مناورة العلاقات العامة للعالم أظهرت فيها أنها مستعدة للحوار للوصول إلى تسوية سلمية وأن حضور الوفد الإسرائيلي للقاهرة منح الحكومة الإسرائيلية فرصة لصرف الانتباه عن عدم التزامها بالاتفاقيات الموقعة مع السلطة الفلسطينية، قالت وزيرة الاتصالات الإسرائيلية لإذاعة لندن في 17/11/1996: أعتقد أن حضور المؤتمر والاجتماع برجال الأعمال من كل بلدان العالم مفيد جداً لإسرائيل ومصر والأردن والفلسطينيين، كما اعتقد أن الاجتماع بين الأشخاص يقود للتفكير في التعاون بينهم، وهذا هو السبيل الأمثل للتطبيع وإحلال السلام في المنطقة. ورحبت الوزيرة الإسرائيلية بعقد الاتفاقات بين رجال الأعمال العرب والإسرائيليين.‏

وكانت أبرز نتيجة سجّلت من وجهة نظر رجال الأعمال الإسرائيليين هي القرار الذي اتخذه حوالي (50) رجل أعمال من مصر وإسرائيل والقاضي بتشكيل مجلس لرجال الأعمال من الجانبين.‏

وذكر أن المجلس يضم لجنة سياسية هدفها الضغط على الحكومة الإسرائيلية، من أجل مواصلة عملية السلام. وقال د. مصطفى السعيد، رئيس اللجنة الاقتصادية في مجلس الشعب المصري إن أي اتفاقية اقتصادية لابد وأن تمر عبر اتفاق سياسي لتحقيق السلام، وأن أهم النتائج أنه مرة أخرى جرى تأكيد أي محاولة لتحقيق التعاون الاقتصادي بين الدول العربية وإسرائيل لابد وأن تمر من خلال اتفاق كامل لتحقيق السلام الشامل والعادل وتنفيذ كافة الاتفاقيات التي وقعت،وأن نتيجة مسيرة السلام إحقاق حقوق الشعب الفلسطيني وحل مشكلة القدس.‏

وقالت الوزيرة الإسرائيلية إن إسرائيل وقعت اتفاقات سياسية مع الدول العربية وإن العلاقات الاقتصادية أصبحت ملحة الآن. توصلنا إلى اتفاق مع مصر قبل (17) عاماً لذلك كان يجب أن يعقد المؤتمر قبل الآن وقد آن الأوان لإقامة علاقات اقتصادية بين مصر وإسرائيل وأعتقد أنه إذا مشينا خطوة خطوة سواء في العملية السياسية أو التعاون الاقتصادي فإننا سنتوصل إلى تطبيع العلاقات وتحقيق السلام. وعلينا أن نتعاون وتكون لدينا مصالح مشتركة وتطبيع العلاقات.‏

وأكد د. مصطفى أن الجانب العربي أراد أن يوضح بأنه غير مسؤول عن عرقلة عملية السلام.‏

وقالت الوزيرة الإسرائيلية : "لدى إسرائيل الكثير مما يمكن أن تقدمه للمنطقة وخاصة في قطاع الاتصالات وأنه بإمكاننا أن ندخل في مشاريع مشتركة مع المصريين والأردنيين والفلسطينيين بهدف تطوير المنطقة ككل. إن مانريده هو العيش بسلام في ظل تعاون اقتصادي".‏

وقال د. السعيد: "إن الحديث عن التبادل التجاري دون أي مزايا أخرى يخدم الجانب الإسرائيلي"، وقالت الوزيرة الإسرائيلية عن الانطباع الذي خرجت به من مقابلاتها مع رجال الأعمال العرب:‏

"اكتشفت أن الأجواء كانت ودية وجيدة وقال البعض أنها أفضل من أجواء القمتين الأولى والثانية وأعتقد أن مؤتمر القاهرة كان أفضل مؤتمر اقتصادي عقد في هذه المنطقة حتى الآن. وأنه بيننا مصالح مشتركة واننا نتقاسم نفس المنطقة وأنه بإمكاننا أن نبرم الصفقات التجارية مع العرب وبإمكان العرب أن يبرموا الصفقات التجارية معنا. ورأيت أن الصحافة كلها في مصر ليست معادية لإسرائيل وأن رجال الأعمال في مصر يحبون التعاون وربط علاقات الصداقة معنا" .‏

وقال د. السعيد: "إنه يختلف معها لأنه لاحظ تحفظ كثير من رجال الأعمال العرب في الدخول بمناقشات جدية أو حوار بشأن مشروعات مشتركة مع إسرائيل في المرحلة الحالية".‏

وأكد أن إغلاق المناطق الفلسطينية يتعارض مع الحديث عن التنمية في المنطقة.‏

إن وجود العنف ضد الاحتلال... ليس مبرراً لمعاقبة شعب بأكمله واعزل وفي ظروف صعبة، وقال : الحكومة الجديدة في إسرائيل تريد أن تأخذ كل شيء دون أن تعطي أي شيء.‏

اتسم الموقف المصري الرسمي بالعزف على نغمة النجاح الباهر لمصر وصواب قرار عقد المؤتمر في موعده المحدد، وإجماع المؤتمر على وجود فرص هائلة للاستثمار في مصر وتهميش دور إسرائيل الإقليمي.‏

إن هذا الموقف الرسمي خداع للرأي العام المصري والعربي وبيع الوهم للناس تماماً كما جرى في تسويق القيادة الفلسطينية لاتفاق أوسلو والحكومة الأردنية لاتفاق وادي عربة. لقد حاولت الحكومة المصرية تحجيم مكانة إسرائيل ودورها في المؤتمر، فأبعدتها عن منصة الرئاسة ولم تدرج كلمة لها في الجلسة الافتتاحية. وأكدت على رجال الأعمال المصريين عدم إبرام صفقات مع الإسرائيليين خلال انعقاد المؤتمر.‏

وركزت الحكومة المصرية على ثلاثة مواضيع جعلت مؤتمر القاهرة يختلف عن قمتي الدار البيضاء وعمان وهي كما أعلنت ذلك رسمياً:‏

الأول: وضع إطار جديد للتعاون الإقليمي ليس محوره إسرائيل وإنما يقوم على التعاون العربي العربي، إلاّ أن التعاون العربي العربي لا يحتاج إلى مؤتمر القاهرة الاقتصادي وإنما إلى تطبيق قرارات قمة عمان الاقتصادية وقمة القاهرة العربية.‏

الثاني: تهميش إسرائيل إقليمياً، إذ جرى التعامل معها كمجرد دولة من الدول المشاركة، ولم تحظَ بالوضع الخاص والمتميز الذي حصلت عليه في قمتي الدار البيضاء وعمان.‏

الثالث: تدفق الاستثمارات الأجنبية على مصر.‏

هكذا كان الموقف المصري الرسمي بعد انتهاء المؤتمر، ولكن القول بأن المؤتمر وضع إطاراً جديداً للتعاون الإقليمي ليست إسرائيل محوره، أمر لا دليل عليه.‏

إن مؤتمر القاهرة يصب في النهاية في التعاون الاقتصادي الإقليمي، حيث عقد تحت شعار: " البناء من أجل المستقبل.. إيجاد بيئة مؤاتية للاستثمار". وأشار البيان الختامي إلى أن المؤتمر أتاح الفرصة لتشجيع الاستثمار الدولي والإقليمي، وإبراز إمكانات المنطقة في مجالات الاقتصاد والتجارة والتبادل التجاري.‏

إن آليات التعاون الإقليمي تخدم إسرائيل والتطبيع معها والنظام الشرق أوسطي ودور إسرائيل القائد والمهيمن في المنطقة، واحتلت إسرائيل ومخططاتها للشرق أوسطية مكاناً بارزاً في المؤتمر. فالمؤتمر اعتمد رسمياً الموقف الإسرائيلي القائم على "أولوية الاقتصاد على السياسة"، وتنمية المصالح المشتركة، مما يجعل التطبيع والعلاقات مع إسرائيل والشرق أوسطية سابقة، على التسوية السياسية، فالمؤتمر ناقش التعاون الاقتصادي بين العرب وإسرائيل بعد أن أعلنت الحكومة الإسرائيلية تنصلها مما وافقت عليه ووصلت التسوية إلى حد الانهيار.‏

واحتلت آليات التعاون الإقليمي مكاناً بارزاً في المؤتمر. وأقام المؤتمر مصرف التنمية، ومؤسسة "الشرق الأوسط والمتوسط للسفر والسياحة".‏

وكانت إسرائيل أحد أعضاء لجنة التسيير في المؤتمر، وخصص الوفد الإسرائيلي جلسة خاصة في مقر المؤتمر في 13/11/1996 لطرح المشروعات الإسرائيلية، كما أعلنت جمعية رجال الأعمال المصريين عن تشكيل مجلس أعمال مصري- إسرائيلي. وعقدت المجموعة الوزارية لدول إعلان طابا وهي مصر وإسرائيل وسلطة الحكم الذاتي والأردن والولايات المتحدة اجتماعاً قررت فيه فتح الأسواق وضمان حرية للمستثمرين في أسواق هذه الدول.‏

كان الهدف من المؤتمرات الاقتصادية إرضاء إسرائيل وحل معضلاتها الاقتصادية المزمنة التي استنزفت الولايات المتحدة وألمانيا الاتحادية وجعل بعض الحكومات والشركات ورجال الأعمال يستفيدون حيث بنت الولايات المتحدة وإسرائيل قصوراً من الرمال للمهرولين من العرب إلى تل أبيب.‏

ولقد نجحت مصر في تحجيم التعاون الإقليمي أي التعاون بين العرب وإسرائيل، وطرحت فكرة التعاون العربي-العربي. وعاملت الكيان الصهيوني معاملة عادية بلا امتيازات وبلا وضع خاص، وبلا كلمة في الجلسة الافتتاحية وربما لأن مؤتمر القاهرة جاء في مناخ مغاير للمناخ الذي ساد في مؤتمري القمة في الدار البيضاء وعمان.‏

وعلى الرغم من ذلك أبقى المؤتمر على فكرة التعاون الإقليمي الشرق أوسطي واجتمعت دول إعلان طابا. واتفقت على رفع القيود التجارية بين هذه الدول مما يشكل مكسباً كبيراً لإسرائيل وخسارة للعرب باستمرار التعاون الاقتصادي بين هذه الدول كقاعدة أساسية "للشرق الأوسط الجديد".‏

لقد تجنبت الوفود العربية إلى حد ما الوفد الإسرائيلي وتناقص عدد المهرولين لعقد الصفقات والتطبيع معه، حيث لم يعد مفهوم الهرولة القائم على أساس أن المصالحة ستشجع العدو على استكمال مسار التسوية على الجبهات السورية واللبنانية يلقى صدى يذكر، بل إن المقولة التي تقوم على ضرورة الامتناع عن توفير الثمار الاقتصادية والتطبيع بوصفها آخر ماتبقى للضغط على إسرائيل هي التي بدأت تسيطر على الموقف العربي.‏

وأظهرت ممارسات إسرائيل القمعية والاستيطانية وعدم رغبتها في الانسحاب الكامل من الأراضي العربية المحتلة خطأ المهرولين الفادح بخصوص الحقوق الوطنية والقومية والدينية للعرب والمسلمين في فلسطين وبيت المقدس، إذ لا يمكن على الإطلاق الجمع بين مصالح العدو الإسرائيلي والمصالح العربية، فإذا تعاونت دولة عربية مع إسرائيل فإن مثل هذا التعاون سيوجه لغزو البلدان العربية وسيسخر في خدمة الهيمنة الإسرائيلية على الثروات العربية.‏

لقد أثبت مؤتمر القاهرة أن الاقتصاد لا يزال تابعاً للسياسة، وبالتالي فشلت السياسية الأميركية القائمة على عقد المؤتمرات الاقتصادية مع تجنب التسوية السياسية، حيث حاولت الولايات المتحدة دفع التعاون الإقليمي لينأى عن الحل السياسي. وربطت مصر في المؤتمر التعاون الإقليمي بالتقدم في عملية السلام.‏

ولكن إسرائيل أرادت تغيير المعادلة بتقديم التعاون الاقتصادي على السياسة والتمتع بفوائد التعاون الاقتصادي قبل تحقيق السلام العادل والشامل. ونجحت بذلك في الدار البيضاء وعمان وفشلت في مؤتمر القاهرة، حيث تفوق دعاة تقديم السياسة على الاقتصاد.‏

إن ماتم إحرازه في المنطقة من اتفاقات إذعان أجبرت الولايات المتحدة الأميركية العرب على توقيعها مع العدو الإسرائيلي بالترغيب والترهيب والتضليل والمناورة لم ولن توفر أي فرصة للتطور والتقدم والإزدهار في المنطقة، ولا توجد آفاق لتأمين الهدوء والاستقرار والعدالة فيها مادامت إسرائيل قوية.‏

إن المرحلة الراهنة وحقيقة أطماع إسرائيل في الأرض والثروات العربية لم تعد تسمح لأحد بإطلاق الرهان على أحلام النمو والإزدهار الإقليميين.‏

والمطلوب عربياً ألاّ نقبل باتفاقات الإذعان التي صاغتها إسرائيل وسوقتها الولايات المتحدة،وأن نرفض الخضوع والذل والهوان، ونقاوم التسلط والهيمنة والغطرسة الإسرائيلية، ونقاوم التطبيع والتعايش ونعيد المقاطعة العربية. ونعمل على توحيد الكلمة والموقف العربي. فالاستسلام للعدو الإسرائيلي خيانة وطنية وقومية ودينية لا تغتفر.‏

والمطلوب إزاء ذلك إقامة النظام العربي كبديل "للشرق الأوسط الجديد". وإقامة السوق العربية المشتركة كبديل عن السوق "الشرق أوسطية". والاستمرار في الصراع بأساليب وأشكال جديدة إلى أن تعود الأرض والحقوق المغتصبة لأصحابها.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244