| الفصل الثالث:
الكيان الصهيوني والتطبيع
يعتبر
ابا إيبان، وزير الخارجية الإسرائيلي السابق أول
من أطلق كلمة "التطبيع" وتعني بمفهومه إقامة
علاقات طبيعية بعيدة عن أجواء الحرب والقتال وفي جو
من التعاون والسلام.
وكانت
قيادة فتح (اللجنة المركزية )، ممثلة بزعيمها ياسر
عرفات وسلطة الحكم الذاتي الفلسطيني المحدود من
أكثر الجهات العربية حماساً واستعداداً للتطبيع،
على الرغم من أن إسرائيل قامت على أنقاض فلسطين
العربية وعلى أنقاض الحقوق الوطنية والقومية
والدينية للفلسطينيين والعرب والمسلمين فيها،
وبالرغم من أن التطبيع سيقود في حال نجاحه إلى شطب
اسم فلسطين وطمسه من الصور والخرائط والكتب
المدرسية ومحطات الإذاعة والتلفزيون والصحف
والمجلات العربية.
وتسخر
إسرائيل التطبيع بمساعدة الولايات المتحدة إلى
إعادة تشكيل العقل العربي لحمله على:
أولاً:
القبول بالوجود اليهودي على حساب الحق والوجود
العربي.
ثانياً:
تبني الخرافات والأساطير والمطامع والأكاذيب
اليهودية.
ثالثاً:
القبول بالشروط والاملاءات الإسرائيلية لإقامة
إسرائيل العظمى اقتصادياً من النيل إلى الفرات.
رابعاً:
التخلي عن ثوابت النضال العربي والتشكيك بجدوى
التمسك بالهوية العربية.
خامساً:
التخلي عن مقاومة التوسع والاستيطان ووصف المقاومة
المشروعة بالإرهاب ونبذها.
سادساً:
الاعتراف بخطأ العداء لإسرائيل المعتدية
والمغتصبة والغريبة عن المنطقة وتاريخها وتراثها
وحضارتها.
لذلك
أرى أنه من المؤلم حقاً أن تهرول بعض الدول العربية
وسلطة الحكم الذاتي الفلسطيني إلى تطبيع العلاقات
مع إسرائيل، العدو التاريخي للعروبة والإسلام،
والذي يعلن باستمرار أطماعه في المقدسات والحقوق
والأراضي والثروات العربية.
خططت
إسرائيل استثمار انتصاراتها العسكرية لفرض
مخططاتها الاقتصادية والثقافية والسياسية
والأمنية على المنطقة العربية والانتقال إلى فرض
الهيمنة من خلال التعاون الاقتصادي والتطبيع.
فالتطبيع يحقق لها التفوق والهيمنة ويضع حداً
لأزماتها الاقتصادية وينقذها من المساعدات
الخارجية ويزيد الناتج القومي لها أكثر من 22% خلال
عشر سنوات من التطبيع. وستُحل مشكلة نقص المياه
المتزايدة لديها من جراء استمرار الهجرة اليهودية
والتوسع الصناعي في إطار التطبيع وعلى حساب
الأطراف العربية.
وتسخر
إسرائيل الولايات المتحدة الأميركية لإجبار الدول
العربية على الموافقة على مخططات التطبيع التي
تضعها. وتعمل الولايات المتحدة على أن تنفرد
إسرائيل بمزايا التطبيع وأخذ المصالح الاقتصادية
الإسرائيلية بعين الاعتبار وتنفيذ التصور
الإسرائيلي للتطبيع بواسطة المؤسسات الأميركية.
وتتوقع
إسرائيل أن تصبح من خلال التطبيع قاعدة للشركات
المتعددة الجنسيات وجسراً للتجارة بين البلدان
العربية والبلدان الصناعية، ويصل حجم هذه التجارة
إلى (200) مليار دولار سنوياً.
بدأت
إسرائيل بعد زيارة السادات للقدس تكشف عن مخططاتها
للهيمنة على الاقتصادات العربية. ووصلت أطماعها
حداً أعلنت فيه في المفاوضات استعدادها للتنازل عن
ثروات مصر الطبيعية في سيناء مقابل تطبيع العلاقات
بينها وبين مصر وكأن لها الحق في أرض مصر
وثرواتها.
ونجحت
إسرائيل بإخراج مصر من دائرة الصراع العسكري معها
بتوقيع اتفاقيتي كمب ديفيد ومعاهدة السلام المصرية
- الإسرائيلية. وربطت الولايات المتحدة الاقتصاد
المصري بالاقتصاد الرأسمالي ومؤسساته ورفعت
الدولة يدها عن الاقتصاد واعتمدت اقتصاد السوق مما
هيأ الأجواء لعملية التطبيع.
ويعتبر
التطبيع جزءاً من الاستراتيجية الإسرائيلية لخدمة
مصالح إسرائيل ويهود العالم الاقتصادية وتأتي
السيطرة على النفط والغاز والموارد المائية
والزراعية والأسواق العربية في مقدمة مشاريع
التعاون وذلك لحاجتها إلى المواد الخام لتشغيل
صناعاتها الحديثة.
وترمي
من جراء التطبيع مع كل بلد عربي على حدة إلى الحصول
على أكبر الأرباح والامتيازات ويمكن أن تصبح هي
المركز والقائد للاقتصاد في المنطقة مع أنها لا
تملك شيئاً من هذه الموارد. وتستخدم التطبيع
للاستفادة من العمالة العربية الرخيصة لزيادة
أرباح اليهود واستغلالها في التجسس على البلدان
العربية ولترويج المنتجات الإسرائيلية وتحويل
العرب إلى خدم وأجراء لليهود، مما يلحق الأضرار
بالأمن القومي العربي.
بدأت
المخططات الإسرائيلية بالظهور حول الشرق أوسطية
بشكل علني بعد إخراج مصر من دائرة الصراع
العربي-الإسرائيلي، وربطها بالولايات المتحدة.
وأخذت تستجيب بالتدريج إلى تطبيع العلاقات مع
إسرائيل حيث قال إبا إيبان عام 1987: "إن تعميق
اتفاق السلام الإسرائيلي - المصري ليشمل دول
المنطقة بأسرها، والذي يتضمن بنوداً صريحة بشأن
التطبيع ونشوء علاقات التعاون، سيكون عاملاً مهماً
في تعظيم دور إسرائيل الإقليمي وسيكون هذا الدور
على غرار الدور الذي تقوم به الولايات المتحدة في
أميركا اللاتينية على الصعيدين السياسي
والاقتصادي".(165).
وأخذت
أوساط إسرائيلية من السياسيين والمثقفين تقول إن
السلام يجعل إسرائيل تحتل مكانة سياسية واقتصادية
واستراتيجية هامة في العالم لتفوقها التكنولوجي
وتخلف البلدان العربية وتوفر المواد الخام فيها
التي تجتاحها إسرائيل ويحتاجها العالم. وأخذ بعضهم
يقول إن عملية السلام تصنع صناعة أي مثلها مثل
السلعة يمكن تفصيلها وضعها حسب المقاس الإسرائيلي
وبالشروط والاملاءات الإسرائيلية.
وأدى
التحالف الرسمي بين مصر وإسرائيل، والتحالف
الاستراتيجي بين إسرائيل والولايات المتحدة إلى
تعاون المؤسسات الأميركية والإسرائيلية في تحديد
أهداف وبرامج الأبحاث المصرية في اتجاهات معينة
تفيد إسرائيل وتطبيع العلاقات معها ولا تفيد
الزراعة المصرية.
ووجدت
إسرائيل من خلال التجارة المتبادلة مع مصر والأردن
أسواقاً لها في بعض بلدان الخليج والسودان.
وأخذت
بعض الدول العربية تهرول إلى تطبيع العلاقات مع
إسرائيل فقام الجنرال رابين بزيارة سلطنة عُمان في
27 كانون الأول 1994 والتقى يوسف بن علوي، وزير
الخارجية العماني مع بيرس في العقبة بتاريخ 25 شباط
1995 ومع يوسي بيلين في القاهرة في 21 آذار 1995، ومع
بيرس في واشنطن في 31 أيار 1995.
وفتحت
عُمان مكتباً للتمثيل التجاري لها في تل أبيب وآخر
لإسرائيل في عُمان في الاول من تشرين الأول 1995.
وكانت
مسقط قد استضافت مجموعتي العمل الخاصتين بالمياه
والبيئة في 23 حزيران 1995.
وفتحت
المملكة المغربية في 27 آذار 1995 مكتباً لها في تل
أبيب وأرسلت بعثة مؤلفة من ثلاثة أشخاص.
واعتبر
الملك الحسن الثاني: "أن فتح مكتبي الاتصال بين
المغرب وإسرائيل يعد بمثابة اعتراف بإسرائيل من
الناحية الدبلوماسية".
وأبدت
قطر حماساً كبيراً لتطبيع العلاقات مع إسرائيل.
وأعلن الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني وزير الخارجية في 4
تشرين الأول 1995، أن قطر تؤيد إلغاء المقاطعة
الاقتصادية المباشرة لإسرائيل حتى لو لم يتحقق
السلام الشامل. وفتحت لها مكتباً في تل أبيب.
ولحقت
تونس بهذه الدول وفتحت مكتباً تجارياً لها في تل
أبيب وآخر إسرائيلي في العاصمة التونسيةووقعت
موريتانيا على هامش مؤتمر برشلونة المتوسطي في 26
تشرين الثاني 1995 اتفاقاً يقضي بفتح قسمين لرعاية
مصالح كل منهما في تل أبيب ونواكشوط.
وسارع
الأردن بعد توقيع وادي عربة إلى تطبيع العلاقات مع
الكيان الصهيوني وفتح سفارته في تل أبيب في 11 كانون
الأول 1994، وفتحت إسرائيل سفارتها في عمان في
التاريخ نفسه.
وأخذت
الزيارات والاجتماعات وعقد الاتفاقات تتوالى في
عام 1995، وتبين أن الأردن يهرول في تطبيع العلاقات
أكثر من أي بلد عربي آخر ويعطي الدفء في العلاقات
لإرضاء إسرائيل ويهود العالم والولايات المتحدة
الأميركية على حساب الحقوق العربية والإسلامية في
فلسطين وبيت المقدس.
وأظهرت
استجابة السلطات الأردنية لكل ماطلبته إسرائيل في
المجالات العسكرية والأمنية والمائية والاقتصادية
والسياحية مدى هرولة الأردن إلى التطبيع
والاستعداد لتغيير موقعه من الموقع العربي إلى
الموقع الإسرائيلي، ويؤكد استجابة الأردن للمطلب
الإسرائيلي بجعل السلام بينهما دافئاً.
وظهر
ذلك بوضوح في التأبين العاطفي الذي ظهر في جنازة
رابين وفي التعزية التي قدمها الملك حسين لأسر
الفتيات الإسرائيليات، وفي الطلعات المشتركة
لسلاح الجو الإسرائيلي في سماء عمان والأردني في
سماء تل أبيب، وموافقة الأردن على تدريب طياريه
وتحديث طائراته الحربية في إسرائيل.
وأخذ
بيرس ورابين يوهمان الأردن (كعادة اليهود في
تاريخهم القديم والحديث)، بأعطائه الدور الإقليمي
الهام في الشرق العربي وخاصة في العراق لقاء تمويل
مشاريع الشرق الأوسط الجديد مما أثار القلق في مصر
وسورية والسعودية.
ثارت
ثائرة اليهود العالمية والدولة اليهودية لعقد
القمة الثلاثية بين الرئيس الأسد والرئيس مبارك
والملك فهد في أواخر عام 1994، في مدينة الاسكندرية.
ودعمت الولايات المتحدة هذا الموقف اليهودي مما
أدى إلى عقد قمة رباعية بين الرئيس مبارك والملك
حسين وياسر عرفات والجنرال اسحق رابين في الثاني من
كانون الثاني 1995 لتهدئة اليهود وأميركا كرد على قمة
الاسكندرية العربية.
وعقد
الملك حسين في الرباط بتاريخ 28 أيار 1995 قمة أخرى
بينه وبين ياسر عرفات وشمعون بيرس للاسراع في عملية
التطبيع..
وتابعت
إسرائيل عقد القمم التي تقررها فتم عقد قمة خماسية
في واشنطن بتاريخ 28 أيلول 1995 ضمت الرئيس الأميركي
المتصهين، بيل كلينتون والرئيس مبارك والملك حسين
وياسر عرفات والجنرال رابين.
وأصدرت
بياناً أكد على الإصرار في مواجهة أعداء السلام أي
سحق المعارضة لاتفاق الإذعان في أوسلو.
المفاوضات
المتعددة الأطراف والتطبيع
استجابت
جميع الدول العربية ومنظمة التحرير الفلسيطينة
للاشتراك في المفاوضات المتعددة الاطراف باستثناء
سورية ولبنان حيث قاطعتا اجتماعات جميع لجانها.
وعلل وزير الخارجية السوري، فاروق الشرع مقاطعة
سورية لها قائلاً:
"إن
الموقف الذي اتخذته سورية بعدم المشاركة في
المفاوضات المتعددة الأطراف، إنما انطلق من هذه
المعطيات الواقعية ومن القناعة المبدئية أيضاً بأن
بحث مسائل التعاون الاقليمي بين الدول العربية
وإسرائيل قبل تحقيق الانسحاب الإسرائيلي لا يمكن
اعتباره إلاّ محاولة لاسترضاء المعتدي ومكافأة له
على عدوانه واحتلاله. إن هذا الموقف السوري هو في
حقيقته ترجمة لحرص سورية على حماية حقوق العرب
ومصالحهم".(166).
وتوالت
اجتماعات اللجان المنبثقة عن المفاوضات المتعددة
الإطراف في إسبانيا وكندا والنمسا واليابان وتونس
والمغرب وقطر وعمان والبحرين تلبية لرغبات إسرائيل
ولتحقيق ماعجزت العسكرية الإسرائيلية عن تحقيقه
وهو إجبار العرب على فتح حدودهم مع إسرائيل،
والسماح لها بالتغلغل في ميادين الحياة كافة، في
بلدان المشرق والمغرب العربي، مما أدى إلى تطور
العلاقات بين هذه البلدان وإسرائيل بشكل يلحق أفدح
الأضرار بموقف سورية ولبنان من استعادة أراضيهما
المحتلة واستعادة القدس العربية والحقوق الوطنية
للشعب العربي الفلسطيني.
وحدد
الرئيس بوش التصور الأميركي في كلمته الافتتاحية
في مؤتمر مدريد لتسوية الصراع العربي الإسرائيلي
وتمكين إسرائيل من قيادة المنطقة في المجالات
التجارية والاقتصادية والأمنية وقال عن السلام إنه
"ليس إنهاء حالة الحرب في الشرق الأوسط فحسب
وإبدالها بحالة عدم اعتداء، إن هذا ليس كافياً ولن
يدوم لكننا نسعى للسلام الحقيقي، المعاهدات،
الأمن، العلاقات الدبلوماسية، العلاقات
الاقتصادية، التجارة، الاستثمار، التبادل
الثقافي، وحتى السياحة" (167).
وانطلاقاً
من كلمة الرئيس بوش الافتتاحية في مؤتمر مدريد ظهر
بجلاء أن الولايات المتحدة قد تبنت الأفكار
والمخططات الإسرائيلية حول مستقبل المنطقة
العربية وقررت العمل على إجبار العرب على
تحقيقها.
وأكد
ممثل الاتحاد الأوروبي في مؤتمر مدريد هانس فان دن
بروك، وزير الخارجية الهولندي دعم الاتحاد
الأوروبي للمفاوضات المتعددة الأطراف. وقال:
"إن
المفاوضات السياسية يجب أن تعزز بمفاوضات متعددة
الجوانب في شأن التعاون الإقليمي في مجالات
الاهتمام المشترك.. ومن البديهي أن التعاون
الإقليمي لا يمكن أن يسير أسرع من التحرك نحو
التسوية السياسية إلا أن القضيتين السياسية
والإقليمية يجب أن تتزامنا وأن تعزز كل منهما
الأخرى"(168).
تولى
الاتحاد الأوروبي رئاسة مجموعة عمل التعاون
الاقتصادي في المفاوضات المتعددة الأطراف وطالب في
أول اجتماع للمجموعة في موسكو في كانون ثاني 1992
بإقامة علاقات اقتصادية وطبيعية بين دول المنطقة.
وطالب الاتحاد في اجتماع لجنة التنمية الاقتصادية
في بروكسل في أيار 1992، بالإنهاء الرسمي للمقاطعة
العربية لإسرائيل، وتقدم بخطة حول التعاون
الاقتصادي الإقليمي أكد فيها أن التعاون الإقليمي
موازٍ للتسوية السياسية، وإن النواة الرئيسية
للتعاون هي إسرائيل والأردن وفلسطين مع انضمام
سورية ولبنان ومصر، وإن التعاون يجب أن يقود في
المدى الطويل إلى التكامل الاقتصادي، وإن التعاون
خطوة نحو الاندماج الاقتصادي في المنطقة ثم انخراط
اقتصادات المنطقة في الاقتصاد العالمي، وأكدت
الخطة على أولوية التعاون في مجالات السياحة
والنقل والزراعة والمواصلات.
وتطرق
اسحاق شامير، رئيس حكومة العدو الإسرائيلي في
كلمته أمام مؤتمر مدريد إلى المفاوضات المتعددة
الأطراف وقال:
"إن
المفاوضات المتعددة الأطراف، التي ستواكب
المفاوضات الثنائية، هي عنصر حيوي في العملية، ففي
هذه المحادثات ستناقش العناصر الأساسية للتعايش
والتعاون الإقليمي، ولا يمكن قيام سلام في منطقتنا
من غير أن تعالج هذه الموضوعات الإقليمية
وتحل"(169).
وعندما
انعقد المؤتمر الأول للمفاوضات المتعددة الأطراف
في موسكو بتاريخ 28/1/1992 أعرب شامير عن ارتياحه
لانعقاده وقال:
"تحصد
إسرائيل الآن الثمار الدبلوماسية والاقتصادية
لمحادثات السلام الخاصة بالشرق الأوسط التي
ساعدتها في الخروج من عزلتها الدولية".(170).
وعبر
وزير الخارجية الإسرائيلي عن ارتياحه لانعقاد
المؤتمر الأول للمفاوضات المتعددة الأطراف وأشار
إلى أن مشاركة وفود من بلدان الخليج تبعث على
الارتياح. ووصف المؤتمر بأنه انتصار لإسرائيل وقال:
"لقد اكتملت كل توقعاتنا وصمدنا في المهمة التي
أخذناها على عاتقنا".(171).
يقول
يوسي بيلين، نائب وزير الخارجية الإسرائيلي السابق
في كراس قدمه إلى الدول المشاركة في المفاوضات
المتعددة الأطراف عن تصور إسرائيل لمستقبل
المنطقة:
"إننا
نتصور انبثاق شبكة من الصلات الإقليمية. وتبدأ هذه
الصلات بالبنية التحتية: الطرق العريضة، الممرات
الجوية والبحرية، أنابيب المياه ومحطات الكهرباء
التي تمتد في شبكة توحدنا من الشرق إلى الغرب ومن
الشمال إلى الجنوب.. سيكون في إمكان سكان المنطقة
التنقل والتجارة والقيام بمشاريع مشتركة. كما
سيجري الاستخدام المشترك لطاقات المنطقة...... ستقود
التنمية المشتركة إلى نمو ثوري في سياحة الشرق
الأوسط، وإلى نمو في التجارة المتبادلة بين دول
المنطقة، وإلى توسع في التجارة مع بقية
العالم"(172).
أظهرت
حرب الخليج أن الولايات المتحدة هي المستفيد الأول
من دول النفط وهي التي تمسك بزمام الأمور في هذه
الدول، مما يجلب لها الكثير من الفوائد
الاستراتيجية والاقتصادية والسياسية. كما أنها
بعثت برسالة إلى أوروبا واليابان من جراء الانتصار
الذي حققته في حرب الخليج تتضمن إحكام سيطرتها على
منابع النفط وأسواقه وأمواله وأن العلاقات بينها
وبين الدول النفطية يجب أن تكون عبر أميركا
وبواسطتها.
ونجحت
في تجويف الأمم المتحدة وحرفها عن القيام بمهماتها
والدور المناط بها وسخرتها لخدمة المصالح
الأميركية.
لقد
احتوت عملية التسوية السياسية وفق صيغة مدريد على
نوعين من المفاوضات. الأول: المفاوضات الثنائية
المباشرة لتسوية جوهر الصراع وهو الاحتلال
الإسرائيلي للأراضي العربية الذي نتج عن حرب
حزيران العدوانية.
والثاني:
المفاوضات المتعددة الأطراف لإزالة أسباب الصراع
وتسوية القضايا المختلف عليها وإقامة روابط
التعاون بين الأطراف العربية وإسرائيل. وانعقدت
الجولة في موسكو بتاريخ 28 و 29 كانون الثاني 1992
وانبثق عنها خمس لجان:
1-
لجنة الحد من التسلح والأمن الاقليمي.
2-
لجنة التنمية الاقتصادية.
3-
لجنة الموارد المائية.
4-
اللاجئون.
5-
البيئة.
تمسكّت
إسرائيل وبدعم كامل من الولايات المتحدة بالفصل
بين المسارين. وأظهرت الولايات المتحدة الأميركية
انحيازها لإسرائيل تحت ذريعة كاذبة وهي أن التقدم
في المفاوضات المتعددة الأطراف يمثِّل إغراءً
لإسرائيل للسير في المفاوضات الثنائية، وذلك
لإلغاء المقاطعة العربية وفرض التطبيع على العرب
وحل أزمات إسرائيل الاقتصادية، بدون تحقيق
الانسحاب الشامل وتفكيك المستعمرات اليهودية.
وأصرّت سورية ولبنان على الربط بين المسارين
وأكدتا على أنه على إسرائيل الالتزام بالانسحاب
أولاً من جميع الأراضي العربية المحتلة حتى خطوط
الرابع من حزيران ومن ثم يجري البحث في إزالة مظاهر
الصراع وتدشين علاقات التطبيع، ورفضتا المشاركة في
المفاوضات المتعددة الأطراف إلى أن يتحقق الانسحاب
الشامل.
قام
الموقف المصري على دخول المفاوضات المتعددة
الأطراف للوصول إلى اتفاقيات حول التعاون في
المجالات الخمسة. ولكن التنفيذ يبدأ بعد الاتفاق
على المرحلة النهائية في المفاوضات الثنائية
فالموقف المصري انطوى على انفصال شكلي بين
المسارين، وذلك بسبب توقيع مصر لاتفاقيتي كمب
ديفيد ومعاهدة الصلح والاتفاقات العديدة التي
انبثقت عنها وبسبب التدخل الأميركي الفج والمنحاز
لإسرائيل.
ونظراً
لأطماع إسرائيل ورغبتها في فرض هيمنتها على
البلدان العربية، ونظراً لانحياز الراعي الأميركي
للأطماع الإسرائيلية وصلت المفاوضات الثنائية
والمتعددة الأطراف في أيار 1997 إلى طريق مسدود لأن
إسرائيل تريد أن تفرض شروطها على جميع الأطراف
العربية.
قامت
دول الطوق العربية في الفترة التي أعقبت انعقاد
مدريد في تشرين الأول 1991 وحتى توقيع اتفاق أوسلو في
13/9/1993 بتنسيق المواقف والتشاور والتعاون خلال
المفاوضات.
وجاء
توقيع اتفاق أوسلو ليشكل ضربة قوية للتنسيق العربي
وليكرس مرحلة سيئة جديدة من المفاوضات في ظل غياب
التنسيق العربي ونجاح إسرائيل في التلاعب بمسارات
المفاوضات للحصول على المزيد من التنازلات عن
الأرض والحقوق والحياة العربية وتعميق الخلافات
العربية والضغط على المفاوضين السوري واللبناني
وفتح المجال أمام الهرولة إلى تطبيع العلاقات.
وجاءت
معاهدة وادي عربة في 14 تشرين الأول 1994 بعد أوسلو
لتمثل ضربة جديدة للتنسيق العربي وخروج الأردن
رسمياً من التحرك العربي تجاه إسرائيل وتغيير
موقعه من الموقع العربي إلى الموقع الإسرائيلي.
وأخذ الأردن يهرول في تطبيع العلاقات مع إسرائيل
بالرغم من إن إسرائيل لم تلتزم حتى بالقول
بالانسحاب من القدس العربية والجولان وجنوب
لبنان.
وأخذ
الأردن يمارس دوراً في خدمة المخطط الإسرائيلي -
الأميركي في المنطقة العربية. ويمارس الضغوط على
سورية ولبنان من خلال الاتفاق على قضايا تمس
المصالح الجوهرية لسورية والأمن القومي العربي.
والحق
اتفاق الإذعان في أوسلو ووادي عربة أضراراً فادحة
في الحقوق الوطنية والقومية والدينية للعرب
والمسلمين في فلسطين والقدس العربية، ودفعا بعض
دول الخليج إلى الهرولة لتطبيع العلاقات مع العدو
الإسرائيلي، ومكنا إسرائيل من صياغة سابقة للتسوية
ينبغي على سورية ولبنان اتباعها إن كانتا تريدان
السلام حقاً.
وحققت
إسرائيل في معاهدتي أوسلو ووادي عربة العديد من
السوابق الخطيرة على الأرض والحقوق والسيادة
للبلدان العربية، كسابقة تعمل جاهدة بمساعدة
الراعي الأميركي المنحاز وغباء وتخاذل بعض الحكام
العرب على فرضها على المسارين السوري واللبناني
وتطالبهما بـ:
* دخول
مفاوضات سرية للموافقة على الأسس والمخططات التي
تضعها إسرائيل.
* عدم
المراهنة على أي دور أوروبي أو أميركي لأن إسرائيل
تنطلق من مخططاتها للهيمنة على العرب.
*
استبعاد صيغة مدريد وبالتالي قرارات الشرعية
الدولية التي تمثل الحد الأدنى الذي يمكن أن تقبل
به الحكومات العربية والموافقة على الأسلوب والشكل
والمضمون الذي تريده إسرائيل.
*
تطبيق المبدأ الجديد الذي كرسته معاهدة وادي عربة
بالتنازل عن أجزاء من الأراضي الأردنية لإسرائيل،
بذريعة التأجير المجاني لمدة (25) سنة.
نجح
السادات في حمل إسرائيل على الانسحاب من جميع
الأراضي المصرية وتفكيك جميع المستعمرات اليهودية
مقابل الخروج من الصف العربي والاعتراف بإسرائيل
وتطبيع العلاقات معها.
أما
التسوية على المسارين الفلسطيني والأردني فأنها
قدمت لإسرائيل سوابق خطيرة وهي الموافقة على عدم
الانسحاب الكامل والتنازل عن أجزاء من الأراضي
وعدم تفكيك المستوطنات والتحول إلى حراس لحماية
إسرائيل وأمن المستوطنين اليهود، وقمع النضال
والجهاد العادل ضد الاحتلال.
رفضت
سورية ولبنان بمبدئية وعلمية وكرامة وعزة وطنية
وقومية وإنسانية سوابق المسارين الفلسطيني
والأردني.
تراجعت
الحكومة الإسرائيلية عن اتفاق أوسلو ونجحت في
ابتزاز القيادة الفلسطينية بتهويد مدينة الخليل.
كما تراجعت عن الاتفاق الذي وضعته حول حصة الأردن
من المياه. وتقوم بالتلاعب بين الطرف الفلسطيني
والأردني حول قضية القدس لتخليد توحيد المدينة
وتهويدها.
لقد
مهدّ اتفاق الإذعان في أوسلو الطريق للأردن لتوقيع
معاهدة وادي عربة وأخذ يهرول في تطبيع العلاقات على
المستويين الرسمي والشعبي.
وأصبحت
الأردن بمثابة بوابة عبور إسرائيل إلى دول الخليج
والعراق، وذلك في الوقت الذي لم يتم فيه تحقيق أي
تقدم ملموس في موضوع القدس، واللاجئين والمستوطنات
والانسحاب الشامل والمياه ونزع سلاح إسرائيل
النووي.
وبالرغم
من ذلك كله ركزت إسرائيل والولايات المتحدة على
"التنمية الاقتصادية".
أولت
إسرائيل وأميركا لجنة التنمية الاقتصادية
اهتماماً كبيراً لأسباب عديدة وفي مقدمتها حل
أزمات إسرائيل الاقتصادية لكي تتخلص الإدارة
الأميركية من تقديم المساعدات الاقتصادية الكبيرة
لإسرائيل بحجة مضللة وهي أن تنامي المصالح
الاقتصادية يجعل فكرة الحرب واستمرار الصراع مكلفة
الثمن، وذلك لحمل العرب على تناسي حقوقهم
التاريخية في فلسطين وتناسي حروب ومجازر اليهود
الوحشية والهمجية.
إن
استمرار اغتصاب اليهود لأرض فلسطين العربية
واستمرار سياسة التهجير والاستيطان اليهودي
واحتلال الأراضي العربية وسرقة الثروات والمياه
العربية تجعل من العامل الاقتصادي غير أساسي في
معالجة أسباب الصراع. كما أن تناسي الولايات
المتحدة نشأة وطبيعة الصراع العربي اليهودي
وأساليب إسرائيل الإرهابية في التعامل مع المحيط
العربي وأطماعها لا يمكن أن ينهي الصراع ويعيد
الأرض والحقوق لأصحابها العرب.فالعامل الاقتصادي
ليس بأداة سليمة للقبول بإسرائيل في المنطقة وإنما
الحل العادل والشامل وتجريدها من السلاح النووي
والتقليدي ومعاقبتها على سياستها العدوانية
والتوسعية والإرهابية يقود إلى السلام العادل.
إن
إسرائيل والولايات المتحدة تريدان من العامل
الاقتصادي حلول العرب محل ألمانيا وأميركا في دعم
الاقتصاد الإسرائيلي ورفع مستوى حياة اليهود فيها،
ولذلك فأن معزوفة التنمية المشتركة، تهدف إلى
تحقيق التطبيع الرسمي والشعبي كمقدمة للهيمنة على
الاقتصادات العربية.
إن
العامل الاقتصادي (أي التعاون الاقتصادي بين العرب
وإسرائيل) يبقى غير ذي أهمية بالنسبة لقضايا رئيسية
في الصراع كالسيادة واسترجاع كامل الأراضي
المصادرة وهدم كافة المستوطنات اليهودية وعودة
القدس أولى القبلتين وثالث الحرمين إلى السيادة
العربية ومن هنا فإن الصراع صراع ديني وقومي ومصيري
وصراع حياة أو موت. ركزت إسرائيل ومعها الولايات
المتحدة على العامل الاقتصادي لتحقيق العديد من
الانتصارات منها إلغاء المقاطعة العربية ونسف
التنسيق العربي وتطبيع العلاقات مع دول المغرب
العربي والخليج لعزل الدول العربية الرافضة
للاملاءات الإسرائيلية والأميركية ثم محاصرتها
لإجبارها على القبول بالمخططات والمشاريع والشروط
الإسرائيلية.
وتعزز
الولايات المتحدة الأميركية في الوقت نفسه حصارها
الظالم على ليبيا والسودان والعراق وإيران وكوبا
لخدمة مصالح اليهودية العالمية والامبريالية
الأميركية.
مخططات
الهيمنة الإسرائيلية
خططت
الحركة الصهيونية منذ نشأتها إلى السيطرة على
المنطقة العربية الممتدة من النيل إلى الفرات، ولا
يزال هذا الهدف هو الجوهر الأساسي للصهيونية
كأيديولوجية وحركة وكيان ووضعت مرحلتين لتحقيق هذا
الهدف:
المرحلة
الأولى: تهجير اليهود إلى فلسطين العربية وترحيل
العرب منها، وتحقيق التوسع والاستيطان بالعنف
والإرهاب والمجازر الجماعية والحروب العدوانية.
المرحلة
الثانية: الانطلاق من الأمر الواقع الناتج عن
استخدام القوة بتسخير الدبلوماسية والمفاوضات
المباشرة لتحقيق السيطرة الاقتصادية على البلدان
العربية، أي الانتقال من مرحلة الغزو والتوسع
الإقليمي إلى مرحلة الغزو الاقتصادي والثقافي
باستغلال الاحتلال لفرض السلام الإسرائيلي.
خططت
إسرائيل والولايات المتحدة لحرب حزيران العدوانية
عام 1967، ولأهدافها العسكرية والسياسية، وحالت
واشنطن دون إجبار الأمم المتحدة اسرائيل على
الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة تطبيقاً
لأهداف ومبادئ وقرارات الشرعية الدولية.
وأنشأ
المليونير اليهودي روتشيلد بعد الحرب مباشرة
معهداً بالقرب من جنيف أطلق عليه اسم "معهد من
أجل السلام في الشرق الأوسط" جعل مهمته الأساسية
دراسة احتمالات التعاون الاقتصادي في الشرق الأوسط
بعد تسوية الصراع العربي الصهيوني والبحث عن وسائل
إقامة علاقات تجارية بين إسرائيل والبلدان
العربية. ونظمت إسرائيل عقد ثلاثة مؤتمرات لأصحاب
الملايين اليهود لوضع المخططات لاستغلال ثروات
الأراضي العربية المحتلة وأحكام سيطرتها
الاقتصادية عليها وعلى بقية البلدان العربية.
وتأسست
في إسرائيل عام 1968 جمعية اسمها "من أجل السلام في
الشرق الأوسط" مهمتها وضع مخطط لفرض هيمنة
إسرائيل الاقتصادية على الوطن العربي.
ويتضمن
المخطط الذي وضعته تخصيص 10% من عائدات النفط
للمشاريع الإقليمية المشتركة، وتحديد الصناعات
التي ينتجها كل بلد عربي، كما خططت لإنشاء سوق شرق
أوسطية مشتركة على غرار السوق الأوروبية
المشتركة.
وطرح
حزب العمل الإسرائيلي إقامة اتحاد إسرائيلي
-فلسطيني- أردني على غرار اتحاد البنيلوكس. لقد
اعتمدت الاستراتيجية الإسرائيلية على القوة
العسكرية لفرض أوضاع جديدة في المنطقة واستغلال
هذه الأوضاع التي نتجت عن استخدام القوة العسكرية
لتحقيق الأهداف السياسية التي من أجلها قامت
باستخدام القوة، وبالتالي تستغل النتائج العسكرية
لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية عن طريق دمج
العاملين العسكري والسياسي لتصفية قضية فلسطين
وتحقيق المخططات الصهيونية.
وتستغل
إسرائيل انتصاراتها العسكرية في الحروب العدوانية
التي شنتها، والمجازر الجماعية التي ارتكبتها،
والخسائر البشرية والمادية الفادحة التي أنزلتها
بالعرب، واستمرار الاحتلال والاستيطان لتفرض على
الفلسطينيين والعرب اتفاقات مذلة، اتفاقات إذعان
وإملاء تحقق من جرائها كافة أهدافها السياسية
والاقتصادية، والمزاعم والأساطير والخرافات
والأكاذيب والمطامع اليهودية. فالهدف من حروبها
وسلام الإذعان القائم على استغلال نتائج الحروب
العدوانية هو زيادة أرباحها وأرباح يهود العالم
مقابل تنازلات سياسية ومكاسب اقتصادية هائلة من
الأطراف العربية تنهي بها أزماتها الاقتصادية
المزمنة.
وتتناول
المخططات الإسرائيلية كافة المجالات بدءاً من
التجارة والمواصلات والطاقة والمياه ومروراً
بالزراعة وحتى السياحة، كما تشمل جميع البلدان في
المشرق والمغرب والخليج العربي.
وضع
جاد يعقوبي، وزير المواصلات في حكومة رابين في
نهاية 1975 مخططاً سرياً للتعاون الإقليمي في مجال
المواصلات بين إسرائيل والأردن ومصر. ويشير المخطط
إلى أن التعاون الإقليمي في مجال المواصلات في
المنطقة هو أمر ضروري للطرفين. ويتضمن التعاون بين
مطاري ايلات والعقبة، وإقامة مطار جديد مشترك بين
إسرائيل والأردن، وربط الأردن، بميناء حيفا بواسطة
سكة حديد الغور، وتطوير شبكة خطوط حديدية بين
إسرائيل والدول العربية المجاورة وتحويل إسرائيل
في نطاق التعاون الإقليمي إلى جسر برى بين مصر
ولبنان.
ويتضمن
المشروع أيضاً تطويراً إسرائيلياً أردنياً
مشتركاً لإيلات والعقبة في المجال السياحي.
ووضع
يعقوب ميريدور، وزير الاقتصاد في حكومة بيغن بعد
شهر واحد من زيارة السادات للقدس عام 1977 مشروعاً
للتعاون الاقتصادي في الشرق الأوسط ولتوطين
اللاجئين الفلسطينيين في البلدان العربية.
واقترح
شمعون بيرس في نيسان 1986 خلال زيارته للولايات
المتحدة اعتماد مشروع مارشال للشرق الأوسط لدمج
إسرائيل في المنطقة والهيمنة عليها وحل الأزمات
الاقتصادية المزمنة فيها. ووعدت الإدارة الأميركية
بدراسة اقتراحات شمعون بيرس بعناية مع حلفائها.
وجاء
في المخطط الذي وضعه صندوق ارمندهامر في جامعة تل
أبيب، في كانون الأول عام 1986 حول مشاريع التعاون
الاقتصادي الإقليمي مايلي:
"عندما
تعاود عملية السلام مسيرتها، ينبغي إعطاء القضايا
الاقتصادية الأولوية، فالعلاقات الاقتصادية هي
التي تصنع مضمون السلام وتضمن استقراره، والمشاريع
الاقتصادية المشتركة، تشجع السلام لأنها:
أ-
تشكل في حد ذاتها، أداة تفاوضية مؤثرة في الضغط نحو
السلام.
ب-
تقود إلى ترسيخ السلام وحمايته".(173).
وطرح
بيرس تصوراته حول الشرق أوسطية في تشرين الثاني 1992
أمام المعهد القومي لدراسات الشرق الأوسط في
القاهرة. وطالب العرب بنسيان الماضي والتركيز على
المفاوضات ووضع حد للنزاع لبناء الشرق الأوسط
الجديد.
وطرح
يائير هيرشفيلد (بطل مفاوضات أوسلو السرية) موقف
حزب العمل الإسرائيلي في اجتماع لجنة التنمية
المنبثقة عن المفاوضات المتعددة الأطراف في بروكسل
في أيار 1992، وشملت مقترحاته المشاركة في الموارد
الطبيعية والبشرية وتوسيع أسواق المنطقة، وجذب
الاستثمارات من الدول الأجنبية ودول النفط العربية
ومؤسسات التمويل الدولية وإقامة صندوق إقليمي
للتنمية.
نشر
بيرس تصوراته للنظام الإقليمي الجديد في كتابه
الذي صدر عام 1993 وانطلق فيه من أن التطبيع مع العرب
قائم، وإن إسرائيل ستقوم بدور المركز والقائد
والقوة الأساسية لتحويل النظام الإقليمي الجديد
إلى قوة عظمى على غرار الاتحاد الأوروبي وبالتعاون
والتنسيق معه. وطرح بديلاً لاقتصاد المنطقة القائم
على أساس الأرض والنفط والقومية، ووصفه بأنه عصري
يعتمد على العلم والتقنية والتعاون الإقليمي. وجاء
في الكتاب أن "هدفنا النهائي هو خلق أسرة إقليمية
من الأمم، ذات سوق مشتركة، وهيئات مركزية مختارة
على غرار الجماعة الأوروبية."
وحدد
بيرس معالم السلام القادم على أنه "أولاً وقبل كل
شيء هندسة معمارية ضخمة، هندسة تاريخية لبناء شرق
أوسط جديد متحرر من صراعات الماضي، ويعترف بأن فكرة
السوق الشرق أوسطية حلم إسرائيل. ويرى أن فتح
الحدود والتجارة وخفض النفقات الدفاعية وإقامة
نظام إقليمي للمياه وإعادة الحياة لسكة حديد
الحجاز وإنشاء طرق سريعة وموانئ موسعة جديدة وقناة
تربط البحر الأحمر بالبحر الميت كفيلة بتعزيز
النظام الإقليمي الجديد.
وتحدث
بيرس بكراهية منقطعة النظير عن الإسلام وقال إن
الأصولية هي الخطر الداهم الذي يهدد سلام المنطقة
واستقرار دولها. وبحسب رأيه فإن التهديدات
والمخاطر القادمة من الإسلام تفوق الخطر الشيوعي
السابق، وبالتالي يطالب بيرس بالقضاء على دور
الإسلام بعد أن نجح الغرب في القضاء على دور
الشيوعية في العالم. ويتناسى بيرس عن عمد أن الغبن
والظلم واغتصاب الأرض والحقوق العربية وممارسة
إسرائيل للإرهاب والعنصرية والحروب والمجازر
الجماعية كسياسة رسمية هي السبب المباشر في ظهور
حركة حماس والجهاد الإسلامي، في الضفة والقطاع،
وحزب الله في جنوب لبنان.
وتتجلى
عنصرية وعنجهية بيرس بأجلى مظاهرها في عدائه
للإسلام، وعدم تطرقه على الإطلاق إلى المنظمات
والعصابات اليهودية الإرهابية التي تقتل العرب
وتستولي على أرضهم وممتلكاتهم وحاولت اغتيال رؤساء
بلديات نابلس والبيرة ورام الله واغتالت حتى
الجنرال رابين. كما أنه لم يتطرق إلى فرق القتل
السرية التي ينظمها الجيش الإسرائيلي وفرق
المستعربين وعصابات المستوطنين. باختصار يتناسى
بيرس تفشي الفاشية والعنصرية والإرهاب في نفوس
اليهود داخل المجتمع الإسرائيلي ويصبّ جام غضبه
على الإسلام والمسلمين.
وكان
بيرس من مهندسي امتلاك إسرائيل السلاح النووي.
ويطرح الشرق الأوسط الجديد لتحويل إسرائيل إلى قوة
عظمى تهيمن على الاقتصادات العربية.
إن
الكوارث والمصائب التي ألحقتها إسرائيل بالبلدان
العربية ترجع إلى ممارستها الإرهاب والعنصرية
كسياسة رسمية ولاغتصابها فلسطين العربية وإشعال
الحروب العدوانية وارتكاب المجازر الجماعية
وإحضار المزيد من المهاجرين اليهود وترحيل المزيد
من العرب وتدمير المنازل ومحطات الكهرباء ومصافي
النفط والصناعة والزراعة كما حدث في الحرب التي
أشعلها الجنرال رابين في تموز 1993 على لبنان وحرب
"عناقيد الغضب" التي أشعلها بيرس في نيسان 1996،
وارتكب خلالها مجزرتي قانا والنبطية.
وبلغت
الخسائر البشرية التي ارتكبتها إسرائيل في حروبها
العدوانية واعتداءاتها المستمرة أكثر من (260) ألف
شهيد فلسطيني، و (90) ألف شهيد لبناني، و (39) ألف شهيد
مصري، وحوالي (50) ألف شهيد سوري بالإضافة إلى
الشهداء الذين قدمهم الأردن والعراق، ومئات الألوف
من الجرحى والمعاقين وملايين اللاجئين والنازحين
والمشردين.
إن
هذه الخسائر البشرية الكبيرة والخسائر المادية
الهائلة التي ألحقتها إسرائيل بالدول العربية لا
تبرر على الإطلاق قبول بعض الحكام العرب السلام
الإسرائيلي وتوقيع اتفاقات الذل والإذعان
والاستسلام للإرادة والهيمنة الإسرائيلية عن طريق
الراعي الأميركي.
ويقترح
بيرس في كتابه إقامة المجموعة الإقليمية عبر ثلاث
مراحل:
المرحلة
الأولى: إقامة مشاريع ثنائية ومتعددة الأطراف.
المرحلة
الثانية: اشتراك هيئات دولية مالية في إنجاز مشاريع
تتطلب استثمارات ضخمة.
المرحلة
الثالثة: وضع سياسة موحدة للمجموعة الإقليمية.
إن
مخطط بيرس للشرق الأوسط الجديد يجسد لعبة سياسية
وإعلامية مضللة وموجهة بالأساس لتضليل المواطن
العربي ومحاولة يهودية لإعادة رسم مستقبل العلاقات
العربية- الإسرائيلية في ظل الهيمنة الإسرائيلية
والابتعاد عن قضايا الصراع العربي- الإسرائيلي
الرئيسية المتعلقة باحتلال الأرض العربية
وتهويدها وتطوير الاستيطان اليهودي فيها وحرمان
العرب من حق العودة وحقوق الإنسان وتقرير المصير
والاستقلال الوطني.
إن
بناء "الشرق الأوسط الجديد" لا يقوم على أساس
التكافؤ والمنفعة المتبادلة وإنما ينطلق من حل
أزمات إسرائيل الاقتصادية وسد الثغرة الهائلة
الناجمة عن توقف التعويضات الألمانية والمساعدات
الأميركية دون الأخذ بالاعتبار مصالح الدول
العربية في ظل تفوق إسرائيل العسكري على جميع الدول
العربية وامتلاكها السلاح النووي، والعمل بمساعدة
الولايات المتحدة والدول الأوروبيةعلى إضعاف
الدول العربية عسكرياً. بمايتيح لإسرائيل أن تصبح
قوة عظمى في المنطقة ويقود إلى هيمنة اليهودية
العالمية على العالم.
الولايات
المتحدة الأميركية والتطبيع
تبنت
الولايات المتحدة الأميركية المخططات الإسرائيلية
حول التطبيع والتعاون الإقليمي. وأقرّ الكونغرس
الأميركي مخططاً للتطبيع تحت عنوان : "التعاون
الإقليمي في الشرق الأوسط أعدته ومولته الوكالة
الأميركية الدولية للتنمية كمدخل لتطبيع العلاقات
بين مصر وإسرائيل لتنفيذ المخططات الإسرائيلية.
ووردت فيه الأفكار التالية:
*
سيكون الدور الأميركي حاسماً في مجال التعاون
الإقليمي، وعلى الولايات المتحدة أن تلعب دور
الوسيط.
* تقوم
فكرة التعاون الإقليمي على أساس شرق أوسطي وليس على
أساس عربي.
*
إعطاء أهمية لدور الأكاديميين ورجال الأعمال في
بداية التعاون الإقليمي وتطويره.
ووضعت
الوكالة الأميركية المخطط على أساس شرق أوسطي وليس
على أساس عربي لتجاوز الجامعة العربية ومؤسسات
العمل العربي المشترك ولكي تنخرط فيه إسرائيل
وتهيمن عليه.
ويتطرق
مخطط التطبيع الأميركي إلى الموارد المشتركة كنهر
الأردن والبحر الميت وخليج العقبة، والتعاون
العلمي والتكنولوجي والمواصلات والتجارة
والسياحة.
ويوصي
المخطط الأميركي في مجال النقل بربط خطوط
المواصلات لتعمل على تعزيز التجارة والسياحة في
المنطقة وتطبيع العلاقات بين العرب وإسرائيل عن
طريق:
* مد
خط سكة حديد من السويس حتى إيلات.
* ربط
شمال سيناء بإسرائيل عن طرق قطاع غزة.
* مد
طريق من إيلات ووصله بطريق لربط القدس وعمان
بالطريق الدولي.
*
إنشاء خط حديدي يربط البحر الميت بالضفة الغربية
وإيلات.
ويوصي
المخطط فيما يتعلق بموضوع المياه، بالبحث عن
المياه الجوفية في سيناء، وبيع مياه النيل
لإسرائيل واستخدام نظم الري الحديثة وتحلية مياه
البحر.
ويتضمن
بالنسبة للصناعة إقامة مشروعات صناعية مشتركة بين
إسرائيل والدول العربية المجاورة عن طريق:
أولاً:
تنمية الموارد المشتركة وحل مشاكلها...
ثانياً:
التركيز على المعاملات التجارية لفتح الأسواق
الإقليمية للسلع والمواد الخام.
ثالثاً:
إقامة مستودعات مشتركة..
ويؤكد
المخطط على الدور الذي يجب أن تلعبه الولايات
المتحدة في المرحلة الأولى من البدء في تنفيذه
بالاعتماد على مصر وتطبيع العلاقات بينها وبين
إسرائيل.
ونجحت
الولايات المتحدة وإسرائيل، وضع أسس التطبيع
والعلاقات الطبيعية بين مصر وإسرائيل بتوقيع
البلدين معاهدة السلام حيث يتضمن الملحق الثالث
الذي سمي "بروتوكول بشأن العلاقات بين
الطرفين" مايلي:
*
إقامة العلاقات الدبلوماسية والقنصلية وتبادل
السفراء.
*
إزالة جميع الحواجز ذات الطابع التمييزي القائمة
في وجه العلاقات الاقتصادية العادية.
*
إلغاء المقاطعة العربية.
*
إقامة علاقات ثقافية، وتبادل ثقافي في كافة
الميادين.
*
السماح لمواطني ولسيارات كل طرف بالمرور والانتقال
بحرية بين البلدين.
*
إعادة فتح الطرق وخطوط السكك الحديدية بين
البلدين، والنظر في إقامة طرق وسكك حديدية
إضافية.
*
إقامة طريق بري يربط مصر وإسرائيل والأردن قرب
إيلات.
وأكد
المحضر الخاص الملحق بالبروتوكول حق إسرائيل في
شراء النفط المصري. ونص البروتوكول على عقد ثلاث
اتفاقات في المجالات الاقتصادية والثقافية
والتجارية والطيران.
وتعمل
الولايات المتحدة على استغلال المنطقة والسيطرة
عليها لخدمة مصالحها الاقتصادية عن طريق القواعد
العسكرية الأميركية في بعض البلدان العربية، وعن
طريق إسرائيل كأداة عسكرية لاستنزاف العرب ودفعهم
أكثر فأكثر إلى الحظيرة الأميركية، والمحافظة على
تفوق إسرائيل العسكري على جميع الدول العربية،ونزع
السلاح غير التقليدي من أيدي العرب، والحد من
التسلح العربي، وبيع كميات هائلة من الأسلحة
للكويت والسعودية لتحسين وضع الاقتصاد الأميركي،
وإنهاء المقاطعة العربية، وإقامة نظام إقليمي
اقتصادي وأمني وتصفية قضية فلسطين.
واقترح
البروفسور الأميركي روبرت تاكر" أنه لمنع أميركا
من أن تنزف حتى الموت من جراء نفط الشرق الأوسط
عليها فرض السيطرة الأميركية على المنطقة الممتدة
من الكويت نزولاً على طول الإقليم الساحلي للمملكة
العربية السعودية حتى قطر".
وطرح
زينغو بريجنسكي، مستشار الأمن القومي في إدارة
الرئيس كارتر إقامة وجود أميركي في المنطقة
بمشاركة إسرائيل وبعض الدول العربية الصديقة
لأميركا للمحافظة على المصالح الأميركية فيها.
ونادى
اليهودي هنري كيسنجر بإمكانية التعاون بين مصر
وإسرائيل والسعودية وأميركا من أجل حماية أمن
المنطقة.
ودعا
الجنرال الكسندر هيج، وزير الخارجية الأميركي في
زيارته إلى تسعة بلدان في الشرق الأوسط في نيسان 1981
إلى إنشاء حزام أمني في المنطقة يضم عدداً من الدول
من باكستان إلى مصر ويستوعب السعودية وإسرائيل.
وتحدث الجنرال هيج أمام لجنة العلاقات الخارجية في
الكونغرس عن "الحاجة إلى جمع تركيا وإسرائيل
وعدد من الدول العربية في حلف مشترك".
وتابعت
الولايات المتحدة وضع مخططاتها للشرق الأوسط،
فوضعت مجموعة الدراسات الاستراتيجية في معهد
واشنطن للسياسة في الشرق الأدنى في صيف 1992 تقريراً
حول الاستراتيجية الأميركية المقترحة في مفاوضات
الشرق الأوسط تحت عنوان "مواصلة البحث عن
السلام"، وجاء فيه أن: "نهاية الحرب الباردة
أوجدت فرصة واحدة للسير في اتجاه إقامة تسوية سلمية
شاملة بين العرب وإسرائيل، والمصالح الأميركية لا
تزال مرتبطة بشكل حيوي بتلك المنطقة المضطربة،
والاتفاقات العربية الإسرائيلية يمكن أن تساعد على
حماية تلك المصالح وتوسيعها.. لدى الولايات المتحدة
حليفان مهمان، مصر والسعودية، يمنحانها إضافة إلى
إسرائيل وتركيا غلبة في السيطرة على المنطقة..
أوروبا واليابان وبلدان أخرى في المنطقة يمكن أن
تقدم دوافع سياسية ومالية للتقدم"(174).
ونشرت
مجلة "فورن افيرز" الأميركية في خريف 1992
مخططاً للشرق الأوسط وضعه البروفسور برنارد لويس
تحت عنوان:"إعادة النظر في الشرق الأوسط"،
انطلق فيه من التخلي الرسمي عن حلم القومية العربية
الذي طال تقديسه والمتعلق بدولة عربية موحدة أو حتى
بكتلة سياسية متماسكة(175) ويقول برنارد لويس،
الخبير الأميركي في شؤون الشرق الأوسط إن العالم
العربي يسير بحالة تشبه أميركا اللاتينية. ويرسم
شرق أوسط جديداً تصل حدوده الجغرافية إلى
الجمهوريات الإسلامية المستقلة حديثاً، ويقول
باحتمال إلغاء دور العرب في التاريخ الجديد
للمنطقة لمصلحة قوى إقليمية أخرى وفي طليعتها
إسرائيل وتركيا.
وتشجع
الولايات المتحدة إقامة سوق شرق أوسطية للمحافظة
على استقرار مصالحها. وتعتبر الشرق الأوسط شريكاً
تجارياً هاماً لها حيث بلغ حجم التبادل التجاري
بينها وبين الدول العربية عام 1992 حوالي 32 مليار
دولار.
ووضعت
جامعة هارفارد تقريراً حول "اقتصاد السلام في
نهاية الثمانينات" وتقريراً آخر في حزيران 1993
حول العلاقات الاقتصادية الإسرائيلية- الفلسطينية-
الأردنية وتتطابق المقترحات الموجودة فيه مع
المخططات التي وضعتها إسرائيل لمستقبل علاقاتها مع
الدول العربية. وتلتزم واشنطن بالحفاظ على تفوق
إسرائيل العسكري والدفاع عن ممارساتها الإرهابية،
ومن الواضح أن المشروع انتقل، عبر المؤسسات
الأكاديمية والبحثية الإسرائيلية، إلىالمؤسسات
الأميركية المماثلة، ومنها أعيد تصديره إلى
المنطقة باعتباره مشروعاً أكاديمياً أميركياً.
وتشدد
الولايات المتحدة على أن التسوية السياسية وتوسيع
العلاقات الاقتصادية في المنطقة يخدمان الاقتصاد
الأميركي.
وطرحت
الولايات المتحدة الأميركية في المباحثات متعددة
الأطراف في نيسان 1994 مشروعاً أميركياً دعا الدول
العربية وإسرائيل إلى السعي من أجل تحقيق علاقات
كاملة ودائمة من السلام والمصالحة والصراحة والثقة
المتبادلة والأمن والاستقرار والتعاون والتقدم
الاقتصادي والاجتماعي في كل أنحاء المنطقة(176).
واعتبر
المشروع الأميركي أن هدف المباحثات المتعددة
الأطراف هو تعزيز التعاون الإقليمي والتنمية
الاقتصادية بمشاركة إسرائيل والعرب من خلال مشاريع
ملموسة تشارك فيها الأطراف في المنطقة.
إن
الموجه الأساسي للسياسة الأميركية هو ضمان استقرار
مصالحها وتشمل تدفق النفط بالأسعار والكميات التي
تريدها الولايات المتحدة. وتشمل مصالح سياسية
وأمنية واستراتيجية تدور حول الحفاظ على الأنظمة
الموالية لها والحريصة على مصالحها وإضعاف وتغيير
الأنظمة المعادية لها. ودعم أميركي مطلق لإسرائيل
والمحافظة على تفوقها العسكري وتأييد ممارساتها
الإرهابية والعنصرية.
وتعمل
الولايات المتحدة على إقامة أمن إقليمي تقوده
إسرائيل وتركيا لتقوية مكانتها الاقتصادية في
المنطقة والمحافظة عليها أمام العملاقين
الاقتصاديين أوروبا واليابان وتحسين أوضاع
إسرائيل المالية والاقتصادية للتوقف عن تحمل أعباء
إسرائيل المالية بسبب أوضاع الاقتصاد الأميركي
المتردية.
إن
الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط تتماشى
جنباً إلى جنب مع الاستراتيجية الإسرائيلية، حيث
تعتبران المنطقة مجالاً حيوياً للمصالح الأميركية
والإسرائيلية، وتعملان على تصفية قضية فلسطين
والحقوق الوطنية والقومية والدينية للعرب
والمسلمين فيها وإخضاع المنطقة للهيمنتين
الأميركية والإسرائيلية.
وقاد
اعتماد الاستراتيجيتين على القوة العسكرية
الإسرائيلية إلى توقيع اتفاق التحالف الاستراتيجي
بينهما، وإلى حروب إسرائيل العدوانية والتوسعية
واستغلال نتائجها ونتائج حرب الخليج الثانية
للتحرك نحو التسوية بالشروط الإسرائيلية. وتبنت
الولايات المتحدة المخططات والمشاريع الإسرائيلية
حول مستقبل المنطقة العربية، ودمجها في
استراتيجيتها لخدمة مصالحها في المنطقة وتأمين
السيطرة الأميركية على منابع النفط وممراته
وأسعاره وأمواله وأسواقه. |