| الفصل الرابع:
تحالف كوبنهاغن
المقدمة
بدأت
الولايات المتحدة الأميركية واليهودية العالمية
وأجهزتها الأمنية وخاصة المخابرات المركزية
والموساد بالتركيز على المثقفين العرب. فظهرت
ولأول مرة علناً وثيقة أميركية بعد كمب ديفيد تتضمن
أهمية الدور الذي يقوم به المثقف العربي في تمرير
المخططات والمشاريع الإسرائيلية والأميركية حول
"السلام الإسرائيلي" والشرق أوسطية، وذلك لأن
المثقف من صناع التوجهات العامة عبر الأجهزة
الإعلامية والثقافية.
ومن
هنا تأتي الأهمية التي توليها إسرائيل والولايات
المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي للتطبيع الثقافي،
وذلك لتغيير المفاهيم والقناعات لدى أبناء الأمة
العربية وتبني المفاهيم الإسرائيلية حول الوحدة
العربية والشرق أوسطية والتطبيع والهيمنة
اليهودية ليس فقط على المنطقة وإنما على العالم.
وبالفعل
أخذت حفنة من المثقفين العرب تعمل على هدم المقولات
والمبادئ الوطنية والقومية التي آمنت بها الأمة
العربية لتكريس وتخليد الاغتصاب اليهودي لفلسطين
العربيةبما فيها مدينة القدس قلب الأمة العربية
والإسلامية ومدينة الإسراء والمعراج وأولى
القبلتين وثالث الحرمين.
بدأت
هذه الحفنة من المثقفين العرب المتصهينين بتدمير
وهدم وتغيير أهم مبادئ ومنطلقات الصراع العربي
الصهيوني فحطموا مقولة أن الصراع صراع وجود ومصير
وأن فلسطين عربية ويجب أن تعود عربية، ومقولة "ما
أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة"، ومقولة الوحدة
العربية والنظام العربي وأحلوا محلها نظام الشرق
الأوسط الجديد والسوق الشرق أوسطية".
وأصبحت
الدعوة إلى الوحدة العربية والتكامل الاقتصادي
العربي والقومية العربية والنظام العربي واستعادة
الحقوق المغتصبة والتصدي للمزاعم والخرافات
والأطماع والأكاذيب اليهودية من مخلفات الماضي.
وأصبح الميثاق الوطني الفلسطيني واستعادة الأراضي
العربية المحتلة وتدمير وتفكيك المستعمرات
اليهودية في الأراضي العربية المحتلة من مخلفات
المرحلة الماضية التي عفا عليها الزمن.
وأصبحت
الشطارة والمهارة والذكاء هي أن نأخذ ما نستطيع
أخذه من "الكعكة" الشرق أوسطية ولا نتركها
لإسرائيل وحدها وبعض الأطراف الأخرى.
وفي
إطار الشطارة الجديدة و"الواقعية العلمية"
يصبح مفهوم الثقافة القومية من مخلفات الماضي الذي
تجاوزه الزمن والذي يجب أن يزول ويتجه المثقف
العربي إلى القبول بالأمر الواقع الجديد ونقبل
بالتطبيع مع إسرائيل.
لكن
السؤال الذي أطرحه على حفنة المثقفين العرب، دعاة
التطبيع، هل يمكن أن تتعامل معنا إسرائيل بنديّة
وهي تريد الهيمنة على الوطن العربي بالقنابل
النووية والتفوق العسكري والعلم وقوة اليهودية
العالمية وانحياز الولايات المتحدة الأميركية لها
وقد عملت وتعمل على تدمير ازدهار وتقدم البلدان
العربية المحيطة بها؟!
إن
إسرائيل تطلب من البلدان العربية المزيد من
التنازل عن الأرض والمياه والسيادة والحقوق
والمزيد من التطبيع والاندماج والذوبان. وتطلب حتى
عدم عقد قمة عربية، لأنها تريد الاستفراد بكل طرف
عربي على حدة للحصول على المزيد من الامتيازات
والتنازلات العربية كما حصل في دهاليز أوسلو
السرية.
وعلى
الرغم من شراسة الهجمة اليهودية والأميركية
واستسلام بعض الحكام العرب لها نستطيع أن نقول إن
المقاومة الصلبة التي يبديها المثقفون العرب
والأحزاب السياسية والنقابات واللجان الشعبية
لمكافحة الصهيونية ومقاومة التطبيع والنظام
الإقليمي الجديد والسوق الشرق أوسطية والهيمنة
الأميركية والإسرائيلية بتصاعد مستمر.
إن
المطلوب القيام بعمل شعبي واسع على مستوى قومي ضد
الاستسلام والتطبيع والمشروع الشرق أوسطي.
تحالف
كوبنهاجن الدولي
بالرغم
من الحقائق والوقائع المأساوية التي سببها الكيان
الصهيوني يطلع علينا بعض المثقفين العرب ويطلبون
منا أن ننسى الماضي الصهيوني وأن نصمت عليه وعلى
سياسة الإرهاب والعنصرية والمجازر الجماعية التي
يرتكبها الكيان الصهيوني.
فأي
مردود ثقافي تجلبه هذه الحفنة من المثقفين العرب
لأمتنا العربية ولقوافل الشهداء الذين رووا أرضنا
العربية بدمائهم الزكية.
عاش
بعض الملوك والأمراء والحكام العرب بعض الأوهام عن
اليهود ودولتهم ووجودها فهل تريد هذه الحفنة من
المثقفين أن تعيش أوهام هؤلاء الحكام الماضية
بأساليب جديدة؟!
يجب
علينا أن نرسخ في أذهاننا وأذهان الأجيال القادمة
أن دولة اليهود، دولة المستعمرين اليهود دولة
غريبة دخيلة على منطقتنا العربية قامت على أنقاض
فلسطين العربية وشعبها العربي، وذلك لنغذي روح
المقاومة والتصدي للصهيونية أو الاستسلام لها
ولمخططاتها التدميرية.
إن
القول بأن شعبنا العربي يرفض التطبيع قول حق يراد
به باطل، وذلك بسبب هيمنة الحكومات العربية على
المؤسسات السياسية والاقتصادية والثقافية على
أجهزة الإعلام، مما يجعل خطر التطبيع قائماً
تماماً كما تعمل سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني
والتي نجحت ليس فقط في فرض التطبيع وتبني الشرق
أوسطية وإنما في صهينة أوساط فلسطينية واسعة.
والشعب العربي في ظل تسلط نظم الحكم لا يستطيع أن
يمنع التطبيع إلاّ في حدود ضيقة.
إن
أمتنا العربية لا مستقبل لها إذا وافقت على شروط
وإملاءات إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية،
إذا وافقت على الاستسلام والتطبيع والهيمنة للكيان
الصهيوني عدو العروبة والإسلام.
لا
طريق أمامنا إلاّ في دفع النضال الشعبي بتراثه
التاريخي والاستمرار في مقاومة العدو ومقاطعته
ورفض الصلح والاعتراف والتعايش معه ورفض كافة
أشكال العلاقات والتطبيع معه.
إن
الثقافة المقاومة هي الثقافة القومية التي تدافع
عن ثقافة الشعب العربي، عن قيمه ومبادئه وأفكاره
وتقاليده في وجه قيم وأفكار وتقاليد وافدة من
الخارج والتي تشكل غزواً ثقافياً ولا تتجاوب مع
تاريخ وتراث وروح الشعب العربي وتشكك بتقاليده
وتراثه.
وترافقت
الثقافة العربية المقاومة في التصدي للمحتل
والغريب والدخيل اليهودي والغرب ببعث الثقافة
القومية. فلا يمكن لأحد أن يتجاهل التمسك بتراثنا
في دفاعنا ضد المغتصب والدخيل والمحتل والعدو
لأمتنا وديننا وقوميتنا.
إن
الثقافة القومية تتصدى لغزو الصهيونية لفلسطين
العربية وسلب الأرض عن طريق عمليات عسكرية، حروب
عدوانية وإقامة مستعمرات يهودية، لذلك ستستمر
المقاومة حتى نحصل على الاستقلال والحرية
والهوية.
ويعتبر
الاستعمار اليهودي من أبشع أنواع الاستعمار الذي
شهده الوطن العربي وأخطره.
إن
آليات الغزو الثقافي الصهيوني تقوم على مخططات
جاهزة منظمة طويلة النفس، لذلك فمقاومتها والتصدي
لها تتطلب أن يرتكز النضال على خطط مدروسة ومنظمة
وطويلة النفس.
فالتصدي
لها يعني أننا نتصدى لمخططات وآليات ومعلومات
ومقولات يملكها العدو.
والمقاومة
الثقافية و الإعلامية حق للشعوب المقهورة للدفاع
عن الذات، عن الوجود والهوية والتراث والتاريخ
واللغة والدين.
الموساد
وتحالف كوبنهاجن
تحت
رعاية الحكومة الدنماركية والاتحاد الأوروبي عقد
اجتماع في كوبنهاجن بتاريخ 29و30 كانون الثاني 1997
شاركت فيه حفنة من المثقفين العرب من مصر والأردن
وفلسطين مع إسرائيليين وانتهى الاجتماع بصدور
إعلان كوبنهاجن وإقامة التحالف العربي
الإسرائيلي.
تعود
فكرة إقامة هذا التحالف إلى فترة ما بعد كمب ديفيد
ومعاهدة السلام المصرية-الإسرائيلية وتأسيس ما
يسمى بـ "حركة السلام الآن في إسرائيل"
لمواجهة القطاعات الشعبية المعادية لكمب ديفيد في
مصر وبقية البلدان العربية وإسرائيل. ولم تتجاوب مع
الفكرة الأوساط المثقفة العربية على الإطلاق.
نشطت
الأوساط اليهودية في أوروبا والولايات المتحدة
الأمريكية، ووكالة المخابرات المركزية، ومنظمة
الاشتراكية الدولية وحكوماتها ومؤسساتها وأحزابها
ومراكز البحث والدراسات فيها إلى عقد مؤتمرات
وندوات واجتماعات سرية بين مثقفين عرب ويهود، وبين
فلسطينيين وإسرائيليين، لاشراك المثقف العربي في
تعميم كمب ديفيد على بقية الجبهات العربية وتطبيع
العلاقات مع العدو الإسرائيلي ودفع التسوية
الأمريكية-الإسرائيلية إلى الأمام للتوصل إلى حل
نهائي للصراع بالشروط والإملاءات الإسرائيلية.
لقد
واجه المواطن العربي في مصر وبقية البلدان العربية
الاتفاقات التي فرضتها إسرائيل عن طريق الولايات
المتحدة الأمريكية والنتائج التي تمخضت عنها ومجمل
مسيرة الاستسلام والتطبيع بمعارضة ورفض شديدين.
ففشل التطبيع في مصر. ونظمت في الأردن الأحزاب
والنقابات والاتحادات والقوى والشخصيات الوطنية
صفوفها في لجان ومؤتمرات شعبية انبثقت عنها مؤسسات
دائمة لمقاومة التطبيع.
ولكن
من المؤلم حقاً أن سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني
كانت وماتزال من أكثر الجهات العربية تطبيعاً مع
العدو وأكثرها حماساً للتحالف معه في اتحاد ثلاثي
على غرار اتحاد بنيلوكس حيث بلغت مشترياتها من
منتجات العدو الإسرائيلي عام 1996 مليار ونصف
المليار دولار.
وتتبنى
علناً المخططات الإسرائيلية "للشرق أوسطية"
وتعتبر نفسها ركيزة من ركائزها الأساسية، وبالتالي
غيرت موقعها من الموقع العربي إلى الموقع
الإسرائيلي.
ونجحت
في صهينة أوساط فلسطينية واسعة في الضفة والقطاع
باستخدام الترهيب والترغيب ودولارات الدول
المانحة التي تقوم إسرائيل بإستجدائها لياسر
عرفات.
لقد
ثبت لي من خلال عملي في فيينا كممثل لمنظمة التحرير
الفلسطينية أن المخابرات المركزية كانت ترعى وتمول
جميع اللقاءات العربية-اليهودية،
والفلسطينية-الإسرائيلية.
وكانت
الدول الاسكندنافية في طليعة الأدوات الأمريكية
والإسرائيلية لترويض القيادة الفلسطينية وحملها
على الموافقة على الشروط والإملاءات الإسرائيلية.
لذلك أصبحنا كمواطنين عرب ننظر بعين الريبة والشك
إلى كل تحرك يأتي من العواصم الاسكندنافية، وذلك
لوقوف المخابرات المركزية والموساد وراء تحركاتهم
التي تصب في خدمة العدو الإسرائيلي.
إن
العدو الإسرائيلي وعملاءه يعملون منذ توقيع
اتفاقات الإذعان في أوسلو ووداي عربة على تحويل
الهرولة الرسمية للتطبيع معه إلى هرولة شعبية
بمساعدة الولايات المتحدة والدول الاسكندنافية
بدءاً من السويد والنرويج ومروراً بغرناطة وحتى
كوبنهاجن.
وتشكلت
قوى ضغط عالمية هائلة لاختراق القوى السياسية
والجبهة الثقافية العربية ومنها:
زعماء
المؤتمر اليهودي العالمي وشخصيات يهودية قيادية في
منظمة الاشتراكية الدولية.
سياسيون
إسرائيليون منهم شمعون بيرس وموشي ديان والجنرال
ميتتياهو بيليد ويوري أفنيري. وحركة السلام الآن
الإسرائيلية.
واستجاب
لمساعيهم الملك المغربي وحسن التهامي ومصطفى خليل
والسرطاوي وأبو مازن وياسر عرفات وبعض القيادات
اليسارية الفلسطينية.
ولكنهم
فشلوا باختراق الجسد العربي وفشلوا باختراق الشعوب
العربية وبشكل خاص الجبهة الثقافية. ولكن توقيع
اتفاق الإذعان في أوسلو ووادي عربة أدى إلى انتعاش
مساعي التطبيع الشعبي مجدداً. فنظم شمعون بيرس في
إسبانيا لقاء غرناطة في الفترة الواقعة ما بين
9-12كانون الأول 1993. أي بعد توقيع اتفاق الإذعان في
أوسلو بتاريخ 13 أيلول 1993 حضره بيرس وعرفات ومجموعة
من المثقفين العرب والإسرائيليين لدعم اتفاق أوسلو
واختراق الجبهة الثقافية وفرض الاستسلام والتطبيع
على الأمة العربية ولمسح الذاكرة العربية وغسل
عقول بعض المثقفين العرب وتطويعهم للمزاعم
والخرافات والأكاذيب اليهودية. ويأتي إعلان
كوبنهاجن في هذا السياق.
اقترح
الدانماركي هربرت بونديك، المزدوج الجنسية
والولاء وعميل الموساد على وزارة الخارجية
الدنماركية رعاية اجتماعات عربية إسرائيلية
لتطبيع العلاقات بين المثقفين العرب والإسرائيلين.
ويرأس هربرت بونديك تحرير مجلة "بولتكين"
الدنماركية. وقَبِل رئاسة التحرير فيها على أن يقيم
ستة أشهر في إسرائيل وستة الأشهر الأخرى في
كوبنهاجن. ونجح بطبخ مخطط التحالف في إسرائيل
والدنمارك ثم توجه في نهاية 1994 إلى القاهرة بحجة
التعرف على رأي عدد من المثقفين المصريين. وكان
اولو الأمر في إسرائيل (الموساد) قد وضعوا له قائمة
بأسماء ستة وعشرين مثقفاً مصرياً واتصل بكل واحد
منهم على حدة.
وكان
يرافقه في بعض الزيارات الكاتب الإسرائيلي أموس
ألون، ورجل الموساد ديفيد كمحي والدبلوماسي
الدنماركي توريين بريل، مسؤول مكتب العلاقات مع
إسرائيل والبلدان العربية في وزارة الخارجية
الدنماركية.
وكان
الجانب الإسرائيلي يطرح في نقاشه مع بعض المثقفين
المصريين أن أنصار السلام في إسرائيل يعانون خطر
التمزق والإنعزال بسبب عدم تجاوب المثقفين العرب
معهم في مواجهة اليمين الإسرائيلي. وطرحوا فكرة
الحوار وإقامة التحالف مع مثقفين عرب. ووافق بعض
المثقفين المصريين على الفكرة.
ووجهت
وزارة الخارجية الدنماركية الدعوة إلى لطفي
الخولي، وأحمد فخر، ومحمد سيد أحمد، ود: منى مكرم
عبيد لإجراء الحوار مع الجانب الإسرائيلي: ديفيد
كمحي، واموس الون، واشر ساسر (مدير معهد ديان في تل
أبيب) وافيشاي مارجيليت.
وأعقب
هذا اللقاء لقاء آخر في كوبنهاجن في الثلاثين من
أيلول 1995 ووافق الحضور على رغبة إسرائيل بخلق آليات
لتنشيط التطبيع على المستوى الشعبي، أي تحقيق
الهرولة الشعبية نحو إسرائيل باسم العمل من أجل
السلام.
وجرت
الدورة الثانبة للحوار في شباط 1996 واشترك فيها من
الجانب المصري: لطفي الخولي، ود:محمد السيد سعيد،
ود: جمال عبد الجواد، ود: سميحة فوزي.
ومن
الجانب الإسرائيلي: دان ميريدور (وزير المالية)،
وديفيد كمحي، وشولاميت هاريفي ويوناثان ليرنر.
واعتبر لطفي الخولي اشتراك دان ميريدور (عضو قيادة
الليكود) اختراقاً له وزنه لجبهة اليمين ولمصلحة
قوى السلام الإسرائيلية.
وتقرر
أن تجري الدورة الثالثة للحوار في 13/5/1996 ولكن لطفي
الخولي وجماعته امتنعوا عن حضورها بسبب حرب شمعون
بيرس العدوانية في لبنان وارتكاب جيش العدو
الإسرائيلي لمجزرتي قانا والنبطية الجماعيتين.
وخلال
دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة التي بدأت في
أيلول1996 أخبر وزير خارجية الدنمارك عمرو موسى وزير
خارجية مصر عن مبادرة كوبنهاجن ورجاه أن يتدخل لدى
المثقفين المصريين للعدول عن موقفهم ومتابعة
الحوار مع الإسرائيليين.
وفي
نهاية عام 1996 وصل إلى القاهرة ديفيد كمحي وهربرت
بونديك والدبلوماسي الدنماركي توربين بريل. وبدأوا
مرحلة جديدة من الحوار مع لطفي الخولي وبعض
المثقفين المصريين. وبدأت الدورة الرابعة من
الحوار في التاسع والعشرين من كانون الثاني 1997
وانتهت في الثلاثين منه بإعلان كوبنهاجن.
إن
الدول الاسكندنافية معروفة بمشاعرها المؤيدة
لإسرائيل والحركة الصهيونية وانحيازها إلى مواقف
وممارسات إسرائيل دون أي اعتبار لمبادئ الحق
والعدالة والقانون الدولي ودون أي اعتبار للموقف
العربي والحق العربي والدول العربية.
ووصل
الانحياز الدنماركي حداً سفيهاً أجاب فيه رئيس
الوزراء الدنماركي بول شلوتر عن سياسته تجاه الدول
العربية بالحديث عن عمق العلاقات التي تربط
الدنمارك بإسرائيل، فلما ذكره الصحفي بأن السؤال
عن العلاقات مع الدول العربية، ضحك رئيس الوزراء
الدنماركي بصوت عال وقال له نريد التأكيد في كل
مناسبة على اهتمامنا بإسرائيل وأولويتها في الشرق
الأوسط.
لقد
لعب اليهودي هربرت بونديك الدنماركي والإسرائيلي
الجنسية الدور الأساسي في إعداد كوبنهاجن انطلاقاً
من يهوديته، حيث كانت أول خطوة قام بها أن توجه إلى
إسرائيل واتفق مع ديفيد كمحي على مضمونها
(وبالتأكيد مع غيره من الإسرائيليين). ثم طارا معاً
إلى القاهرة وعرضاها على لطفي الخولي وأقنعاه
بالتحرك من أجلها.
ويعتبر
هربرت بونديك من أكبر رموز اللوبي اليهودي المؤيد
لإسرائيل في الدول الاسكندنافية وأحد أبرز القادة
الصهاينة على المستوى الأوروبي، وله الكثير من
النشاطات لصالح إسرائيل ودعم سياستها الاستيطانية
والقمعية والعنصرية بقلمه وبمساهماته وعلاقاته
لحشد الدعم والتأييد لها.
لقد
طالب الإرهابي نتن ياهو خلال جولته في الولايات
المتحدة الأمريكية في شباط 1997 الحكومات والشعوب
العربية بأن يتعلموا التكيف مع السياسات
الإسرائيلية. وجاءت جماعة كوبنهاجن لتؤكد
استجابتها بالتكيف مع سياسات العدو الإسرائيلي
وأخذت على عاتقها المشاركة في التكيف والتأقلم مع
المزاعم والخرافات والأكاذيب اليهودية. لقد فشلت
محاولات الاختراق اليهودي للمجتمعات العربية في
المرحلة الماضية ولكنها للأسف أخذت بعد اتفاق
الإذعان في أوسلو ووداي عربة تلقى النجاح تلو الآخر
بسبب دعم الجهات الرسمية الفلسطينية والأردنية.
إننا أمام مرحلة جديدة خططت لها الصهيوينة
العالمية لاختراق مجتمعاتنا العربية عن طريق حفنة
من المثقفين الانتهازيين الذين يعملون على تنفيذ
المخططات الصهيونية بدلاً من القيام بتحصين الوطن
والمواطن وحمايتهم من سموم الصهيونية وأخطارها.
إن
المرحلة الجديدة التي تقودها الولايات المتحدة
الأمريكية والهيودية العالمية وأحزاب الاشتراكية
الدولية الحاكمة في الدول الاسكندنافية وبقية
الدول الأوروبية وترصد لها الأموال الطائلة
وتستخدم فيها أساليب الإغراء ستزيد من إمكانية
الاختراق اليهودي للجسد الثقافي والاقتصادي للأمة
العربية وتخريب المجتمعات العربية.
حاولت
إسرائيل وأحزابها المختلفة، كما حاولت الولايات
المتحدة ومؤسساتها الكثيرة والإتحاد الأوروبي
وأحزابه و منظماته، ومؤسسات اقتصادية وعلمية
دولية، والمنظمات اليهودية المنتشرة في كل أنحاء
العالم، حمل الشعب العربي على تطبيع العلاقات مع
إسرائيل، العدو التاريخي للعروبة والإسلام ولكنهم
فشلوا جميعاً..
واستفاد
حزب العمل الصهيوني وزعيمه شمعون بيريز من التجارب
الفاشلة في اختراق جسد الأمة العربية الثقافي
والإقتصادي التي قامت بها المخابرات المركزية
والموساد وعملائهما في البلدان الأوروبية
والعربية فوضع بيريز مخططات أفضل من المخططات
السابقة وعلى مراحل معينة لتفرض نفسها في نهاية
الأمر. واستفاد بيريز من نجاح تجربته مع قيادة
عرفات بإجراء اللقاءات السرية أولاً ثم إخراجها
إلى العلن في العواصم الأوروبية وفي تونس والمغرب
وبتمويل من المخابرات المركزية ووصل هذا النجاح
حداً تصهينت فيه العديد من الأوساط الفلسطينية في
الضفة والقطاع، من القيادات والكوادر حتى العديد
من أجهزته الشرطية والمخابراتية. وتنطلق إسرائيل
من أن التطبيع ضروري للسلام، بينما يرفض العرب هذا
المطلب وينفون مشروعيته الفكرية والسياسية
والواقعية، لأن مفهوم التطبيع هو مفهوم
"إسرائيلي يكرس مكافأة إسرائيل المعتدية على
حروبها العدوانية وسياستها العنصرية
والاستيطانية.
فالتطبيع
مطلب سياسي واقتصادي لإسرائيل يكلل انتصاراتها
العسكرية على العرب، ويعني القبول العربي به قبول
المهزوم بشروط واملاءات ومصالح المنتصر..
إن
إسرائيل التي فرضت كافة شروطها واملاءاتها على
العرب عن طريق الراعي الأمريكي المنحاز كلية
لإسرائيل لم تكتف بمعاهدات السلام التي أملتها على
الأطراف العربية بل خططت من خلال التطبيع كي تصبح
بوابة الاستيراد والتصدير للبلدان العربية مع
الولايات المتحدة وأوروبا واليابان.
إن
التطبيع الثقافي اختراع إسرائيلي، ابتكره قادة حزب
العمل ليحصلوا على الهرولة الشعبية بعد أن حصلوا
على الهرولة الرسمية، لأنهم لمسوا أن اتفاقات
الإذعان لا يمكن أن تلزم المواطن العربي بالتعامل
مع إسرائيل، فالعلاقات الدبلوماسية لا تشمل مثل
هذا الشكل من العلاقات.
ونظراً
لانحياز الولايات المتحدة الأميركية الكامل
لإسرائيل في عملية التسوية ضغطت وتضغط على كل الدول
العربية لتطبيع العلاقات مع إسرائيل. وانصاعت سطلة
الحكم الذاتي الفلسطيني المحدود والحكومة
الأردنية للمطلب الإسرائيلي-الأمريكي وتبنتا
سياسة الهرولة في تطبيع العلاقات مع العدو
الإسرائيلي، وفي الوقت نفسه اضطرت سورية ولبنان
إلى ربط التطبيع بالتقدم في العملية السلمية لعدم
توفر الخيارات الأخرى أمامهما "ولفرملة" بعض
الجهات العربية في التطبيع مع الكيان الصهيوني..
وأصبحت
معادلة التطبيع من جراء سياسة الضغط والابتزاز
والإغراء التي تمارسها إدارة الرئيس كلنتون على
الشكل التالي: "وافقت بعض الأطراف العربية على
الهرولة إلى التطبيع، بينما ربطت جهات عربية أخرى
التطبيع بالتقدم نحو السلام."
ومن
المتعارف عليه أن التوجه نحو السلام لا يفرض
التطبيع إلاّ في الحدود الرسمية..
"ولأن
التطبيع كان منذ البداية مطلباً إسرائيلياً، وأصبح
من وجهة النظر العربية الرسمية ورقة سياسية في إطار
عملية التسوية، فإن ذلك يكشف عن هشاشة الإرتباط
والتلازم بين السلام والتطبيع، فالتوجه للسلام لا
يفرض التطبيع إلاّ في الحدود الرسمية أي العلاقات
العادية بين الدول لكن لا يمنحه مشروعية شعبية...
إنه
ليس بمقدور أحد أن يحمل الناس على إقامة علاقات مع
من يرونه عدواً لهم حتى الآن، يحتل الأراضي ويهدد
بالويل وبالثبور وعظائم الأمور لمن يقاوم احتلاله
أو يطالبه بالجلاء عن الأراضي التي احتلها".
المصدر: عبد العيلم محمد، الحياة، في 25/2/1997.
لقد
رفض محمد السيد أحمد الذي شارك في دورات الحوار
توقيع إعلان كوبنهاغن ووضح أسباب رفضه بقوله:
"يعود
اعتراضي إلى أن لقاء كوبنهاغن قد خصص لإصدار بيان
بعنوان تحالف من أجل السلام" وهو بيان معد سلفاً،
ومطلوب من المشاركين توقيعه دون مناقشة. المصدر
الحياة 28/1/1997. ويمضي محمد سيد أحمد متسائلاً: "كيف
يمكن مطالبة مثقفين بتوقيع بيان دون أن تتاح لهم
فرصة مناقشته مناقشة مستفيضة؟ كيف يتسق ذلك مع
مفهوم المثقف أصلاً؟ ثم كيف يتسق هذا المنطق مع
قضايا الشرق الأوسط العويصة بالذات؟ ويمضي الكاتب
المصري قائلاً: لا أتصور ممكناً أن يكتب النجاح
لعملية تطالب المثقفين العرب بالقفز دفعة واحدة من
مقاطعة إسرائيل مقاطعة تكاد تكون شاملة إلى
التحالف مع مثقفيها وبدلاً من بلورة "قوى
سلام" في إسرائيل كفيلة بالتصدي لسياسات نتن
ياهو المناهضة للسلام، سيفضي إلى تعميق الإنقسام
في الصفوف العربية "الحياة 24/1/1997.
ولم
يلب محمد سيد أحمد الدعوة لحضور إعلان كوبنهاغن
لاحتجاجه أيضاً على عدم تضمين الوثيقة أية إشارة
إلى الحقوق الفلسطينية المشروعة، وكذلك امتنعت عن
الحضور د.منى مكرم عبيد، والدكتور محمد السيد سعيد
والسفير تحسين البشير.
وفي
الثلاثين من كانون الثاني 1997 أعلن في العاصمة
الدانماركية عن تأسيس التحالف العربي الإسرائيلي
من أجل السلام "كهيئة عالمية-إقليمية شعبية بهدف
إشراك الشعوب في توجيه ورقابة مسار الصراع العربي
الإسرائيلي والمفاوضات المتعثرة وقيام التحالف
كآلية لدفع ورقابة الحكومات المراوغة في
التفاوض..
وضم
الوفد المصري.. لطفي الخولي، حسن الحيان، د.عبد
المنعم سعيد، علي الشلقاني، رمسيس مرزوق، د. مراد
وهبة، أحمد شوقي، السفير صلاح بسيوني، ود. رضا
محرم.
وتكون
الوفد الأردني من عدنان أبو عودة وزيرالإعلام
السابق، واللواء إحسان شردوم، رئيس سلاح الجو
الأردني السابق، وتيسير عبد الجبار الوزير السابق،
ومروان دودين، وزياد صلاح، وجورج حواتمة ورامي
ضرري.
وضم
الوفد الفلسطيني: مروان البرغوثي (حركة فتح-اللجنة
المركزية) -وجواد الطيبي، وحامد عبد القادر، ورياض
المالكي، وحنا سنيورة، وخالد العسلي، وسري نسيبة،
ومحمد حوارني وغسان الشكعة، ومحمد جاد الله.
وضم
الوفد الإسرائيلي أربعة من أعضاء الكنيست: مكسيم
ليفي وأيهود لانكري من حزب جيشر، واثنين من حزب
العمل باثيل ديان ودافيد كمحي، وناديا هيلو، وامون
ايلون، واوري برنستن، واديت فوبرتال،ومايكل أور،
وايهود يائيري، ويورام كينوك ورون بونديك.
وتشكلت
سكرتارية دائمة من دافيد كمحي، لطفي الخولي، عدنان
أبو عودة، وسري نسيبه.
فما
هي حقيقة هذا التحالف؟ وما هي أهداف إعلان
كوبنهاغن؟
يتبين
للمرء من قراءة الإعلان أنه:
*لايشير
إلى الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي
العربية المحتلة..
*وأسقط
حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى وطنهم الذي
كرسته وتكرسه مبادئ وأهداف وقرارات الشرعية
الدولية التي تمثل الحد الأدنى الذي قبلته الدول
العربية..
*تنازل
الإعلان عن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة
وعاصمتها القدس وعن الحقوق الوطنية للشعب العربي
الفلسطيني...
*أهمل
الإعلان المطالبة بوجوب إزالة المستعمرات
اليهودية التي غرستها سلطات الإحتلال الإسرائيلي
في الضفة الغربية وقطاع غزة والجولان..
ولم
يتطرق الإعلان إلى طبيعة الاستعمار الاستيطاني
اليهودي حتى أنه لم يذكر كلمة الاحتلال الإسرائيلي
ولو مرة واحدة..
ويعني
الإعلان إقامة التحالف المشبوه مع عدو غاصب وعنصري
وكذاب والزج بالعرب في مستنقع التطبيع معه، ويعني
التخلي العربي عن آخر ورقة بيد المفاوض السوري
واللبناني وهي تطبيع العلاقات قبل التوصل إلى
السلام الشامل والعادل، وبالتالي يعني انفراد
إسرائيل بسورية ولبنان وتهديد الأمن القومي
العربي...
وأسقط
الإعلان القناع عن وجوه دعاة التطبيع الفلسطينيين
والعرب، دعاة السلام الكاذب، السلام الإسرائيلي
الذي يعني الهيمنة الإسرائيلية السياسية
والإقتصادية والعسكرية والثقافية على الأمة
العربية...
وعند
التحليل الدقيق للإعلان ولدورات الحوار يتبين أن
عملاء الموساد وضعوا شروطاً على حفنة المثقفين
العرب الذين قبلوا ووافقوا عليها بدون تردد وهي:
*لايجوز
اشتراط إزالة المستعمرات اليهودية من الأراضي
العربية فهي قضية منتهية..
*لايجوز
التحدث عن الانسحاب الإسرائيلي من القدس العربية
التي احتلتها إسرائيل فهي أيضاً قضية منتهية،
فالقدس الموحدة عاصمة إسرائيل الأبدية..
*لايجوز
التحدث عن عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم
تطبيقاً لقرارات الأمم المتحدة، ومبادئ القانون
الدولي والإعلان العالمي لحقوق الإنسان...
*لايجوز
المطالبة... بنزع سلاح إسرائيل النووي...
*لايحوز
التحدث عن وقف الهجرة اليهودية التي تهدد أمن
واستقرار المنطقة العربية بشكل دائم وتنذر باندلاع
حروب جديدة لاستيعاب المزيد من المهاجرين
اليهود..
*لايجوز
انتقاد عنصرية الصهيونية وعنصرية القوانين
الإسرائيلية وممارسة إسرائيل للإرهاب والعنصرية
والإبادة الجماعية كسياسية رسمية..
*يجب
محاربة الاتجاهات الوطنية والقومية والإسلامية في
البلدان العربية...
*يجب
محاربة القومية العربية والوحدة العربية والتكامل
الاقتصادي العربي ويجب التخلي عن مقاومة الاحتلال
ونعتها بالإرهاب..
*إن
إعلان كوبنهاغن محاولة يهودية لاختراق السياسة
والاقتصاد والثقافة العربية لجر الشعب العربي
للقبول بالأكاذيب والأساطير والخرافات والمزاعم
اليهودية وإن هدف التحالف الجديد إعلان الحرب على
كل المثقفين العرب الذين يرفضون الصلح والاعتراف
بالعدو التاريخي للأمة ويرفضون تطبيع العلاقات معه
وهيمنته على الوطن العربي.
ويطالب
الإعلان مضاعفة جهود الشعوب لإقامة الآليات
المناسبة لتدشين التحالف من أجل السلام ويعتبر
الكفاح المسلح ضد الاحتلال عدو السلام ويجب
التعامل معه على هذا الأساس.
يتحدث
الإعلان عن "السعي الحثيث للاستقرار والأمن
والتنمية في المنطقة؟ فأي استقرار في المنطقة
يقصده الإعلان؟
هل
الاستقرار والأمن لإسرائيل الكبرى أم لهيمنة
إسرائيل العظمى على الاقتصادات العربية؟ هل الأمن
والاستقرار لتهويد القدس العربية والخليل وبقاء
المستعمرات اليهودية في الأراضي الفلسطينية
والسورية المحتلة؟
هل
الأمن والاستقرار الذي يريده هؤلاء الحفنة من
المثقفين العرب لاستمرار إسرائيل في نهب المياه
العربية في لبنان والجولان والضفة الغربية وحتى في
الباقورة الأردنية؟
إن
خطورة إعلان كوبنهاغن في كونه لا يمثل صيحة من
مثقفين حول السلام والأمن في المنطقة وإنما يرمي
إلى إيجاد واقع سياسي ثقافي عربي يخدم المطامع
والأكاذيب اليهودية في الأرض والثروات العربية
والقضاء على أي شكل من أشكال استمرار الصراع حتى
ولو بالكلمة وبيت الشعر والكتاب..
"إن
المزدوجات الثنائيات والتناقضات تزخر بها ممارسات
إسرائيل، وحتى توجهها للتطبيع مع العرب يبدو
متناقضاً مع الصلف والعسف، فالعلاقات الطبيعية
تقوم بين أنداد وأكفاء، وليس مع طرف يتميز
بالاستعلاء ويشعر بالتفوق وتحقير المحيط الذي يوجد
فيه ". (المصدر: عبد العليم محمد الحياة في
25/2/1997..)
ويعلق
عبد العليم محمد، رئيس برنامج البحوث الإسرائيلية
في مركز دراسات الأهرام في القاهرة على إعلان
كوبنهاغن والمثقفين الذين اشتركوا فيه ويقول:
"إن
هذه الفئة من المثقفين أفسدها التطلع إلى النفوذ
والسلطة، فالمثقف متحرر من القيود التي يعاني منها
السياسي، فالأخير تكتنف ممارساته قيود علاقات
القوى والمعطيات القائمة في اللحظة. " (المصدر:
عبد العليم محمد الحياة 25/2/1997م)
ويمضي
رئيس برنامج البحوث الإسرائيلية في مركز دراسات
الأهرام ويستنتج من إعلان كوبنهاغن أن الصراع
العربي الإسرائيلي في تقديرهم لم يعد صراعاً بين
إسرائيل والدول العربية وإنما صراع بين أنصار
السلام وأعدائه في الجانبين ويؤكد أن هذه المقولة
لا تتفق ومجريات الوقائع والأحداث، وفي هذا
الإطاروضع إعلان كوبنهاغن الفاعليات الفكرية
والسياسية في إطار جدول أعمال مفروض من الخارج، من
إسرائيل والدول التي تناصرها في حين إننا بحاجة
لجدول أعمال قومي نابع من حوار عربي حول القضايا
الكبرى التي تواجه أمتنا..
إن
جماعة كبونهاجن حفنة من المثقفين الذين لا يمثلون
إلا أنفسهم وكشفوا عن حقيقة دورهم الانتهازي
المشبوه، فهذه الفئة المنحرفة والانتهازية تدعو
إلى إقامة منظمة للتحالف العربي الإسرائيلي
وإسرائيل ترتكب المجازر الجماعية ومصادرة الأراضي
العربية وإقامة المستعمرات اليهودية عليها وترفض
الإنسحاب من القدس والجولان وجنوب لبنان..
إن
إسرائيل التي يريدون إقامة التحالف معها هي
إسرائيل دير ياسين وبحر البقر وأبو زعبل وداعل
وقانا، وهي التي اغتصبت أرض فلسطين وحقنت أطفال
الإنتفاضة بفيروس الإيدز، وأجرت وتجري التجارب
الطبية والجرثومية وغازات الأعصاب على الأسرى من
الفدائيين..
إن
جماعة كوبنهاغن يريدون أن ينهزم العرب سياسياً
ومعنوياً وثقافياً، فالهزائم هذه مدمرة للوطن
والمواطن لأنها تقر بشرعية إسرائيل الغاصبة
والمعتدية، ويرمون إلى تحويل الهرولة الرسمية إلى
هرولة شعبية بمساعدة اسكندنافية وأمريكية
وفلسطينية وأردنية لذلك نحذر من الهرولة والتطبيع
مع العدو، كما نحذر من الدعوات المشبوهة لإقامة
التحالف العربي الإسرائيلي الذي رافق تصريحات رئيس
وزراء العدو المعادية للعرب والتي وصلت إلى حد
مطالبتهم بترك أوطانهم ومغادرة المنطقة إن لم
يقبلوا بسياسية القوة والردع والهيمنة
الإسرائيلية. ويتبين من تحليل الإعلان أن لا قيمة
سياسية له على صعيد التسوية السياسية، وإنما يهدف
إلى توريط المثقف العربي في التطبيع مع العدو أسوة
بالنظم العربية، وبالتالي يهدف إلى تحقيق التطبيع
الثقافي، لحمل المثقف العربي على إعادة النظر في
صورة إسرائيل الكريهة والبغيضة لديه ويقبل بسلام
القوة والهيمنة والأمر الواقع..
إن
عبارة التحالف العربي الإسرائيلي تحتوي على معاني
ومدلولات في منتهى الخطورة فالتحالف ضد من؟ إنه ضد
كل عربي يدافع عن الحقوق الوطنية للشعب العربي
الفلسطيني والحقوق القومية للأمة العربية، ويدافع
عن المقدسات الإسلامية والمسيحية ويتصدى للإرهاب
والعنصرية والاستيطان اليهودي، فالتحالف الجديد
موجه ضد كل مثقف عربي يحب وطنه وأمته ودينه ويرفض
هيمنة إسرائيل على المقدرات العربية.
وتزعم
جماعة كوبنهاغن أن هدفهم دفع مسيرة السلام
المتعثرة على أبواب القرن الحادي والعشرين فهل
يعتقد القارئ بأن هذه الحفنة من المثقفين ورجال
الأعمال بمقدورها القيام بذلك بعد أن عجز العالم
بأسره عن القيام بمثل هذا الدور؟
لذلك
يرى المفكر المصري صلاح الدين حافظ أن التوقيع على
وثيقة كوبنهاغن له رد فعل مماثل لزيارة السادات
للقدس وغزو العراق للكويت، وحرب عاصفة الصحراء
التي خاضها التحالف الدولي، وبالتالي فإن إقامة
تحالف كوبنهاغن الدولي والآليات التي انبثقت عنه
ستثير حرباً طاحنة بين المثقفين العرب وستعمل
وكالة المخابرات المركزية والموساد على تسعير
أوارها، وفي أهدأ الأحوال سيقود هذا إلى شق صفوف
المثقفين ويبعدهم عن مخاطر الاستيطان والتهويد
والاحتلال وممارسة إسرائيل للإرهاب والعنصرية
والاستيطان والإستعلاء وكراهية العرب واستباحة
أرضهم ومياههم وثرواتهم كسياسة رسمية تلقى الدعم
والتأييد الكاملين من الولايات المتحدة وأموالها
وأموال ألمانيا وسويسرا لتغطية تكاليف الهجرة
اليهودية والاستيطان اليهودي في فلسطين العربية..
ويؤكد
جمال الغيطاني أن بعض إخواننا الفلسطينيين يدفعون
بعض المثقفين للتعامل مع إسرائيل ولهم أصدقاء
يلعبون دوراً خطيراً..( الحياة 5/3/1997).
اسمحوا
لي أن أضع النقاط على الحروف واستنتج من كلام
الغيطاني أن المقصود هو لطفي الخولي والذي حسب
معلوماتي التي استقيتها من شخصيات فلسطينية كان
يتلقى شهرياً ولسنوات عديدة عشرة آلاف دولار من
ياسر عرفات..
إن
التطبيع يخدم مصلحة إسرائيل واليهودية العالمية
ويقود إلى التنازل العربي الرسمي والشعبي عن
الحقوق والأرض والمطالب العربية، والمطبعون
يقدمون خدمات مجانية لإسرائيل على حساب الوطن
والمواطن والمقدسات الإسلامية والمسيحية في مدينة
الإسراء والمعراج وأولى القبلتين وثالث الحرمين..
ولقد
قبلت بعض الجهات الرسمية بالتطبيع تنفيذاً لأوامر
الولايات المتحدة الأمريكية، وبعضها الآخر قبل
بالتطبيع أملاً في الحصول على بعض الفوائد
الاقتصادية، وتناسى هؤلاء العرب الفوائد الهائلة
التي يجنيها العدو من الاندفاع في التطبيع
ومساعدته في تجاهل الحقوق العربية والقفز فوقها
ومتابعة الاستيطان والغطرسة والاستهتار بالعرب
وحقوقهم وثرواتهم وأراضيهم ومن هنا أستنكر وأرفض
بشدة إعلان كوبنهاغن الذي وقعته حفنة من المثقفين
العرب الذين وقعوا تحت تأثير إغراءات الدنمارك
المادية والترفيهية وشباك الموساد السرية فالمال
والجنس وحب السياحة والنجومية والمصالح المادية
دفعتهم للموافقة على الإعلان فوقعوا في فخ الموساد
وعملائه لشق صفوف المثقفين العرب واستقطاب بعضهم
لتكوين جبهة يهودية-عربية-أوروبية لخدمة الأهداف
الإسرائيلية.. |