الدكتور غازي حسين - القمم والمؤتمرات الاقتصادية والأمنية من التطبيع إلى الهيمنة

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:21 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

ردود الفعل على إعلان كوبنهاجن

أظهرت ردود الفعل على إعلان كوبنهاجن أن المفكرين والمثقفين العرب يرفضون التطبيع مع العدو الإسرائيلي الذي تحاول الولايات المتحدة والدول الأوروبية فرضه على الأمة العربية بعد أن نجحوا في فرضه على العديد من الدول العربية.‏

لقد أثار إعلان كوبنهاجن بإقامة التحالف الدولي من أجل السلام العربي- الإسرائيلي ردود فعل عنيفة في الأوساط السياسية والفكرية والثقافية العربية وبشكل خاص في جمهورية مصر العربية.‏

وجاء ظهور التحالف المشبوه والخطير بعد أن طلب اليهودي هربرت بونديك ومن خلفه اللوبي اليهودي في الدانمارك والموساد أن تقوم الدانمارك باحتضان التحالف، وذلك أسوة بما قام به عملاء الموساد في النرويج في إغراء وترويض أبو العلاء لتوقيع اتفاق الإذعان في أوسلو.‏

واستغل الموساد أموال الدانمارك لإغراء هذه الحفنة من المثقفين الانتهازيين بتحقيق الهدف الإسرائيلي بإخراج التحالف إلى حيز الوجود وخلق آليات جديدة للوصول إلى التطبيع الشعبي مع العدو الإسرائيلي.‏

ورضخت هذه الحفنة من المثقفين ورجال الأعمال العرب للقبول بالأمر الواقع الذي فرضته إسرئيل في المنطقة العربية بالقوة والغطرسة والاستعلاء وأساليب الإبادة الجماعية وتدمير المنجزات العربية وقبلوا القيام بدور معقد وشائك ومشبوه لتحقيق ماعجزت بعض الحكومات العربية والولايات المتحدة الأميركية عن تحقيقه وهو الهرولة الشعبية لتطبيع العلاقات مع إسرائيل عدوة الوطن والمواطن والعروبة والإسلام.‏

قبلت هذه الحفنة من العرب بالهزيمة وتريد بمساعدة الدول الأوروبية وأموالها وإغراءاتها حمل الأمة العربية بأسرها على اللحاق بالطابور الرسمي للاستسلام والإذعان والتطبيع.‏

فكيف يتحالف شعب احتلت أرضه واغتصبت حقوقه وهدرت كرامته مع عدوه التاريخي؟ ومن هنا جاءت ردود الفعل في الأوساط الثقافية العربية عنيفة وقوية على إقامة هذا التحالف.‏

فاستنكر اتحاد المحامين العرب إعلان كوبنهاجن، ووصفه الأمين العام للاتحاد بأنه اختراق لحالة المقاطعة العربية والغضب الشعبي المتنامي ضد إسرائيل وسياستها العدوانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة وفي الجولان وجنوب لبنان(208).‏

وحذر اتحاد الصحفيين العرب في القاهرة جميع الصحفيين من التورط في محاولات التطبيع مع إسرائيل حتى يتم السلام العادل والشامل في الشرق الأوسط. وطالب الأمين العام للاتحاد صلاح الدين حافظ بـ محاسبة أي صحافي عربي يخرج على هذا الالتزام المهني والقومي. ودعا إلى مقاومة مايسمى التحالف العربي- الإسرائيلي باعتباره إحدى محاولات التطبيع مع إسرائيل، واعتبر بيان اتحاد الصحفيين العرب أن الذين شاركوا في التحالف من المثقفين والصحفيين العرب لا يملكون إلاّ أنفسهم وأن ذلك يواجه استنكار كل القوى النقابية والديمقراطية والشعبية في الوطن العربي. وأكد أن الاتحاد باعتباره منظمة نقابية قومية يقف بكل القوة ضد محاولات تفتيت الجبهة الشعبية العربية المقاومة للتعنت الإسرائيلي، سواء بالهرولة أو الاختراق بالتطبيع(209).‏

وأصدرت اللجنة التحضيرية للجبهة القومية للاتحادات المهنية والنقابية العربية بياناً نددت فيه بهذا التحالف، وأشارت إلى أن الجماهير العربية صاحبة الكلمة العليا في الحرب والسلم والدفاع عن أرضها ومكانتها وحقوقها وترفض رفضاً قاطعاً أن ينوب عنها نفر قليل مهما يكن وضعهم. وأكدت الجبهة على نسف أية محاولة لاختراق الصف الشعبي العربي ووحدة الجماهير العربية وتصديها ورفضها ومقاومتها للتطبيع مع إسرائيل أو الاستسلام لها(210).‏

وجاء في بيان الاتحاد العام للفنانين العرب: "إن هدف هذا التحالف هو تفتيت الإجماع الوطني للمثقفين المصريين في مواجهة العدو الإسرائيلي الذي تكسرت على صخرته كل محاولات الاختراق في السنوات الماضية. إننا نحذر هؤلاء المتعاطفين مع إسرائيل من أن يزعموا أنهم يمثلون مجموعة أو طائفة. وفي الوقت نفسه يدهشنا أن تقوم دولة كالدنمارك ليست طرفاً في أية من مشاكل الشرق الأوسط باستضافة هذا المؤتمر.‏

إن الاتحاد العام للفنانين العرب الذي يضم الفنانين في جميع البلدان العربية يستنكر هذه المحاولات للإساءة إلى المثقفين العرب والمصريين يؤكد موقفه الدائم برفض المفاوضة والتطبيع مع العدو الإسرائيلي حتى تتحقق عودة الأرض العربية لأصحابها وعودة حقوق الشعب الفلسطيني إليه وفي مقدمتها القدس الشريف.(211).‏

وجاء في بيان اتحاد كتاب مصر مايلي:‏

"في الوقت الذي تتضافر فيه جهود الدول العربية المعنية بعملية السلام في اتخاذ موقف موحد بشأن الاستمرار في مسيرة السلام وفق قرارات الشرعية الدولية ومبدأ الأرض مقابل السلام، خرجت علينا مجموعة من الأفراد تضم كتاباً ورجال أعمال مصريين وأردنيين وفلسطينيين وإسرائيليين لا يمثلون لا شعوباً ولا نقابات ولا اتحادات ولا حتى جمعيات بزعم الدفاع عن السلام وتكوين تحالف تحت عنوان: "تحالف من أجل السلام"، إن هذا التحالف يضم أفراداً على علاقات وثيقة بإسرائيل ويؤكد أن الهدف الحقيقي من هذا التحالف هو إيجاد مفهوم للتسوية علىالطريقة الأميركية - الإسرائيلية".(212).‏

وجاء في بيان رابطة المثقفين المصريين:‏

"ساعة وعشرين دقيقة فقط يحتاجها (40) من دعاة الاستسلام لإصدار بيانهم ،تحالف من أجل السلام وهو في الحقيقة تحالف من أجل الشيطان. فبعد مرور (20) عاماً من عملية التطبيع بين الكيان الصهيوني وبين الحكومة المصرية مازالت كل القوى الشعبية في مصر ترفض التطبيع على جميع المستويات الحزبية أو النقابية والجماهيرية أيضاً. من هنا كانت دهشة المثقف العربي بل والمواطن العادي من خروج قلة لا تمثل إلا نفسها بلا صفة لتشارك في التوقيع على هذا البيان الذي دعا إليه وزير خارجية الدانمارك في محاولة مكشوفة لاختراق الموقف الرافض للمثقف المصري للتطبيع مع الكيان الصهيوني، إننا نعلن أن استمرار تلك المساعي الفردية لا تعبر إلاّ عن موقف ووجهة نظر أصحابها وبدون أية تشنجات أو أية رغبة في إهالة التراب على أحد تمثل طريقاً خطراً على عملية السلام الشامل والعادل ذاتها".(213).‏

وأكدت الأمانة العامة لحزب التجمع المصري رفضها للقاء كوبنهاجن، ونفت أية علاقة للحزب به، واعتبرته انزلاّقاً إلى التطبيع مع إسرائيل. وجاء في التصريح أن الأمانة العامة تؤكد للرأي العام المصري والعربي والعالمي مايلي:‏

" 1- رفض أي تطبيع للعلاقات مع إسرائيل. مالم يتم التوصل إلى تسوية شاملة وعادلة على كل جبهات الصراع في إطار الثوابت العربية وطبقاً لقرارات وآليات الشرعية الدولية.‏

2- إن التفاوض من أجل التسوية السياسية منوط بالحكومات العربية وحدها، فهي المسؤولة أمام شعوبها و مؤسساتها الدستورية والسياسية ولا مجال هنا للهواة أو المتطوعين أو المدعين وبناء على ماسبق فإن الأمانة المركزية لحزب التجمع ترفض لقاء كوبنهاجن وتنفي أية علاقة لحزب التجمع به، وتعتبره انزلاقاً إلى التطبيع مع إسرائيل في ظروف غيرمناسبة وتوقيت غير مفيد وعلى أسس خاطئة، وبآليات غير مقبولة".(214)‏

ودعت الحركة الشعبية لمقاومة الصهيونية ومقاطعة إسرائيل القوى الوطنية إلى شن حملة ثقافية مضادة لبيان كوبنهاجن لتعرية رموز التطبيع الثقافي. ووصفت تحالف كوبنهاجن بأنه تحالف مشبوه، هدفه تفتيت الإجماع الوطني للمثقفين المصريين في مواجهة العدو الصهيوني وهو يتجه من ناحية أخرى إلى خدمة مخططات العدو الصهيوني بنشر ثقافة التطبيع والترويج لمفاهيم انهزامية"(215).‏

ووصف الحزب الشيوعي المصري وثيقة كوبنهاجن بأنها تدشن مرحلة جديدة وخطيرة في محاولة التطبيع مع العدو على المستوى الشعبي". وأشار بيان السكرتارية المركزية للحزب إلى أن هذا التحرك يأتي في وقت بلغ فيه التعنت الإسرائيلي الصهيوني الذروة وتوالت فيه التنازلات الرسمية العربية. ودعا الحزب المثقفين المصريين بوجه خاص والعرب بوجه عام إلى إدانة هؤلاء الذين لا يعبرون إلاّ عن ذواتهم، وكشف أهدافهم وعزلهم. كما دعا إلى تشديد النضال بكل الوسائل ضد الاستسلام والتطبيع مع العدو ومن أجل الحصول على الحقوق العربية كاملة".(216).‏

ودعا نقيب المحررين في لبنان، نائب رئيس اتحاد الصحفيين العرب ملحم كرم إلى "ضرورة التصدي لتحركات مشبوهة يقوم بها مايسمى التحالف الشعبي العربي-الإسرائيلي (تحالف كوبنهاجن)، من أجل السلام، وأضاف: "إن اتحاد الصحفيين العرب يدعو إلى عدم التورط في محاولات التطبيع مع إسرائيل وعدم كسر مبادئ المقاطعة العربية حتى يتم السلام العادل والشامل"(217).‏

وقال د. اسحق الفرحان، الأمين العام لحزب جبهة العمل الإسلامي في الأردن: "إن التحالف الدولي من أجل سلام عربي- إسرائيلي... يأتي ضمن مسلسل التطبيع الذي يسعى إليه اليهود وتسانده الدول الغربية وتهرول في قنواته دول عربية. إننا إذ نستنكر ونرفض هذا التطبيع فإننا ندعو أبناء أمتنا إلى مقاومته ورفض كل أشكاله. وإن الذين حضروا المؤتمر من الأردن وفلسطين لا يمثلون نبض الأمة وضميرها، وحضورهم يمثلهم فقط. بل يدعو المراقبين إلى وضعهم في دائرة الشبهة".(218).‏

وعلق د. يعقوب زيادين، الأمين العام للحزب الشيوعي الأردني وقال إن جوهر "هذا الإعلان السييء موضوع من قبل صهاينة خبثاء طرقوا المشكلة بشكل لبق ليؤثروا على الأوروبيين الذين لا يعلمون بحقائق الأمور. وهذا لا يخدم أي قرار دولي بل يطلب من العرب أن يتنازلوا أكثر".(219).‏

واعتبر النائب في البرلمان الأردني د. نزيه عمارين إعلان كوبنهاجن إحدى الخطوات المرسومة لتسريع عملية التطبيع، ولو على حساب المصلحة العربية. وتساءل عن سلام بدون سورية وبدون انسحاب كامل من الجولان المحتل وقال: "لقد كان على الوفد الذي شارك أن يدرك أن خطر إسرائيل ليس فقط على فلسطين بل على الأردن والأمة العربية ولم يتوقف عند حدود، ولهذا لا يجوز أن نشارك ونلتقي إلاّ لإدانتهم"(220).‏

ووقع أكثر من (300) من المثقفين العرب بياناً اعتبر أن ماتم في كوبنهاجن هو خطوة في عملية متصلة ومتصاعدة تخطط بدأب ودهاء لكسر إجماع المثقفين العرب على رفض المشروع الصهيوني ورفض كل أشكال التطبيع مع الإسرائيليين... إن العرب الذين أسسوا هذا التحالف "انطلقوا من الشروط الإسرائيلية واتفاقات الصلح التي أبرمت بين الحكومات، واتخذوا موقفاً حيادياً وأحياناً مؤيداً للموقف الإسرائيلي من كل القضايا الجوهرية في الصراع العربي- الإسرائيلي. من هنا شكل البيان تنازلاً واضحاً عن الموقف الشعبي العربي الذي يزعمون تمثيله، بل قبل بصياغات أدنى حتى من قرارات الشرعية الدولية. ودان البيان كل نشاط يترتب على إعلان التحالف".(221).‏

وأجرى الإعلامي حمدي قنديل مواجهة مباشرة بين مؤيدي ومعارضي بيان كوبنهاجن في محطة تلفزيون وراديو العرب (أ.ر.ت) بين ثلاثة من المثقفين المصريين الذين اشتركوا في المفاوضات التي سبقت إعلان كوبنهاجن واشتركوا في التوقيع عليه وهم :لطفي الخولي وعبد المنعم سعيد ومحمد رضا محرم، وأربعة من المعارضين وهم: سعد الدين وهبة، وعبد العظيم أنيس وصلاح الدين حافظ ومحمد سيد أحمد، كما دعا سعيد كمال، الأمين العام المساعد للجامعة العربية. وقال المؤيدون: إن بيان كوبنهاجن يقدم مساهمة جديدة على طريق التسوية السلمية للصراع العربي- الإسرائيلي اجتذب قطاعات شعبية واسعة.‏

وقال المعارضون: إن البيان خدمة لإسرائيل باختراقه لجبهة المثقفين المعارضين لقضية التطبيع. وعرض سعد الدين وهبة وجهة نظره في الندوة وقال: "ماهو وزن وثيقة لبعض المثقفين أمام عشرات القرارات التي أصدرتها الأمم المتحدة بإدانة إسرائيل ولم تنفذ؟! ومن هو الذي يعطي المثقف الحق في أن يفاوض؟! وباسم من؟!‏

إن دور المثقف هو أن يعرف حدود مطالب أمته القومية ويدافع عنها بالقلم. والسؤال الذي يطرح نفسه على المثقف المصري والعربي محايد بالنسبة للقضية التي تناقشها وثيقة كوبنهاجن؟!‏

وهل المثقف المصري محايد بين إسرائيل وبين العرب والفلسطينيين؟! وهل معنى كلام د. عبد المنعم سعيد أن الوثيقة لم تتكلم عن سورية لعدم مشاركة السوريين في الاجتماع، أن نعاقب سورية؟! وهل الدفاع عن الحقوق السورية يتطلب مشاركة السوريين في هذا التحالف؟! ألا نعرف ماهي الحقوق السورية للدفاع عنها؟!‏

إن مسألة تحييد مصر بين العرب والإسرائيليين مطروحة منذ رفض جمال عبد الناصر الدخول في حلف بغداد حتى اليوم، وهي سياسة فشلت، وجاء مؤتمر القمة العربي الأخير في القاهرة ليؤكد أن الدول والشعوب العربية تعتبر مصر قوة مضافة لصالح العرب أمام إسرائيل. ووثيقة كوبنهاجن تقول عكس ذلك تماماً. بجعل مثقفين عرب مراقبين محايدين، يناشدون الأطراف المختلفة الصلح، ويساوون فيما بينها. ما أود أن أعرفه! إنشاء تحالف ضد من؟! ونحن كمثقفين مصريين وعرب نرفض ماجاء في هذه الوثيقة، فهل ياترى يكون هذا التحالف موجهاً ضد العناصر الوطنية في الوطن العربي التي تطالب باسترداد الحقوق العربية كاملة بما في ذلك الجلاء عن الجولان وجنوب لبنان وإعادة القدس العربية التي احتلت عام 1967.‏

إن وثيقة كوبنهاجن لا تلبي المطالب العربية الدنيا، ولكنها بوضوح تقدم وجهة نظر إسرائيل وحلفائها من الأمريكيين في حل مايسمى بالصراع العربي-الإسرائيلي وجوهر الصراع في المنطقة إن إسرائيل تحتل أرضاً عربية وإن العرب يريدون حقوقهم وإسرائيل ترفض ذلك ودعوة الطرفين الإسرائيلي والعربي لتقديم تنازلات هي دعوة لصالح إسرائيل، فليس لدى العرب شيء يستطيعون التنازل عنه. وهذه الوثيقة لا تقدم أية مصلحة للطرف العربي بشكل عام ولا لمصر بشكل خاص التي قدمت مائة ألف شهيد دفاعاً عن القضية الفلسطينية، والتي اعتبرتها طوال الصراع العربي الإسرائيلي قضية مصرية في المقام الأول(222).‏

وقال محمد سيد أحمد في الندوة: "إنني غير معترض على مبدأ الحوار مع المثقفين الإسرائيليين في ظروف معينة وينصبُّ اعتراضي على اجتماع كوبنهاجن ونهجه لاعتراضي على كلمة تحالف.. إن استخدام كلمة تحالف ماهو إلاّ عملية إعلامية مشوهة للحقائق الموجودة بالفعل على أرض الواقع. أما النقطة الأخرى فإنني أعترض أن يكون هذا هو دور المثقفين. فليس من دور المثقفين البحث عن اتفاقيات فهذا دور المفاوضين، ولذلك فأنا مع كلام سعد الدين وهبة من أن هناك خلطاً متعمداً في هذه الوثيقة بين وظيفتين متميزتين فلا ينبغي أن نوظف مثقفينا في سبيل أن نصدرهم لتغطية عمليات في جوهرها هي عمليات تفاوض ، وهي اختصاص أجهزة الدولة وليست اختصاص أفراد مستقلين.. وعندما يقال إن دورنا وهو دور المراقب فهذا عمل المفاوضين لا المثقفين(223).‏

وقال صلاح الدين حافظ في الندوة: مايلي:‏

"أنا سأنطلق من أنني أرفض البيان والتحالف جملة وتفصيلاً من حيث الشكل والمضمون. ولكي لا يقال نحن أعداء السلام الذي قام هذاالتحالف لمحاربته، لا أحد منا ضد السلام، وإنما أي سلام نختار تلك هي القضية المحورية. الملاحظة الأخرى أنني أعتقد أن التركيز على فكرة إدماج المثقفين في عملية التطبيع قضية قديمة وتأججت أخيراً، ويمكن أن يكون بيرس من أبرز المنادين بها وبهرت عدداً من المثقفين والمفكرين العرب في فترة من الفترات، لكن الأمور اختلفت الآن.‏

وباختصار فلدي أربعة أسباب لمعارضتي لبيان كوبنهاجن ولتحالفه. النقطة الأولى هي الحديث حول التحالف من حيث المبدأ والتوقيت. فمن الخطورة بمكان في اعتقادي، أن نتحول من الحوار مرة قفزاً إلى المجهول وهو التحالف مع إسرائيليين انتماءاتهم السياسية والأيديولوجية واضحة، من الليكود يميناً إلى حزب العمل وغير ذلك ممن يسمون الليبراليين وفي هذا التوقيت الذي يصر فيه نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل حتى الآن على التصلب والتعنت بشكل مطلق تجاه الدولة الفلسطينية وقضية الاستيطان ومسألة القدس وأسلحة الدمار الشامل، أي تجاه كل القضايا الخلافية الرئيسية.. النقطة الثانية تتعلق بالأسلوب الذي تم به إعداد الوثيقة وإعلانها في كوبنهاجن وأعتقد أن إعداد وثيقة عمل أوتفاهم لإقامة تحالف بين أطراف معينة كالمثقفين فقد كان يفترض من هؤلاء المثقفين أن يجاهروا برأيهم إنما هناك ظروف غامضة وسرية تم بها إعداد الوثيقة ولأول مرة أسمع اليوم من عرض الأستاذ لطفي الخولي أن القضية يعد لها منذ فترة طويلة. وتثير هذه السرية الشك والريبة حتى لو كان الهدف صحيحاً فما بالك والهدف ملتبس وغامض بالنسبة لنا ثم إنه إذا كان التحالف صريحاً ويتسم بالشفافية والصراحة فلماذا يتم في كوبنهاجن ولا يطرح على الرأي العام ويدعى المثقفون لمناقشته؟!‏

أما النقطة الثالثة فهي تبرز إلى ذهني رداً على ماقاله د. عبد المنعم سعيد، وأتساءل ماذا يمكن أن يفعله هذا التحالف؟! وإلى أي مدى يمكن أن يؤثر على السياسات العنصرية المتطرفة في إسرائيل؟! هل يستطيع أن يغير موقف إسرائيل من القضايا الجوهرية في القدس والاستيطان؟.... وأعتقد أن هذا التحالف سوف يثير معركة شرسة، وخصوصاً بين المثقفين العرب ما أغنانا عنها. النقطة الرابعة والأخيرة، وتتعلق بدور المثقفين في القضايا القومية الأساسية، ود. عبدالمنعم سعيد يقول وهل أنتم جيوش القومية العربية، وأنا أتساءل وهل دور المثقفين أن يجروا الأمة إلى مزالق؟! أم أن دورهم هو تنبيه الأمة إلى خطورة هذه المزالق وحقيقتها؟!... ولقد كان من القضايا المحورية في عقل شمعون بيرس على مدى سنوات طويلة، قضية كيف يمكن أن ينجح التطبيع مع مصر وهي الدولة الأولى التي وقعت أول اتفاق سلام 1979، ومنذ ذلك التاريخ والتطبيع الشعبي لم ينجح في مصر. وأعتقد أن بيرس كان أول من طرح فكرة الاختراق والتطبيع مع المثقفين المصريين وصولاً إلى المثقفين العرب".‏

وقال د. عبد العظيم أنيس: " الوثيقة التي سأناقش بنودها، لا أهمية لها في الحقيقة، لافتقارها لأي ضمان لتنفيذها، فهي ليست أشطر من قرارات الأمم المتحدة المعطلة حتى الآن عن التنفيذ. لكن القضية الأساسية التي استفاد منها الإسرائيليون، أنهم وجدوا أن المثقفين المصريين وقفوا منذ معاهدة السلام عقبة أمام التطبيع، وبالتالي مطلوب البحث عن طريقة لاختراق هذه الجهة الصلبة من المثقفين التي قاومت التطبيع، وفي رأيي إن اجتماع كوبنهاجن كان أحد أساليب هذا الاختراق المطلوب وفقاً لإلحاح الإسرائيليين والغربيين، أن تكون مثل هذه الاجتماعات جسراً يعبر منه الإسرائيليون إلى المثقفين العرب عموماً والمصريين على وجه الخصوص. وتأتي الوثيقة لتقول "نحن الشعوب"، ثم وصف الاجتماع بأنه اجتماع شعبي ودولي، بينما هم لا يمثلون لا الشعوب ولا المثقفين المصريين من قريب أو بعيد... والدليل على التزييف أن يوصف الوفد الأردني بأنه شعبي، مع إنه وفد حكومي يضم رئيس الديوان الملكي، مروراً بقائد سلاح الجو الأردني السابق، انتهاءً بوزراء سابقين، وهذا لا يمثل الشعب الأردني... وإن محاولة تصوير أن الشعب الفلسطيني كله كان ممثلاً هي محاولة غير صحيحة على الإطلاق... والكلام حول أعداء السلام في هذا البيان لا يقصد به سوى المثقفين المصريين الذين عارضوا هذه الاتجاهات ليصبح المشاركون في كوبنهاجن هم أنصاره، فأعداء السلام هم: سعد الدين وهبة وصلاح الدين حافظ وعبد العظيم أنيس ومحمد سيد أحمد، وكثيرون غيرهم. خلاصة الأمر أن الوفد المصري لا هو شعبي ولا يمثل المثقفين المصريين. والكلام الوارد في البيان مؤكد إنه لن ينفذ لأنه لا آلية ولا ضماناً لتنفيذه، ولم يكسب منه سوى الإسرائيليين(224).‏

هذه أبرز الردود العربية على إعلان كوبنهاجن والآليات التي انبثقت عنه التي أطلعت عليها. ولكن حزّ في نفسي مشاركة الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين والقيادي البارز رياض المالكي من الجبهة الشعبية سابقاً بشكل رسمي في لقاء كوبنهاجن حيث أكد محمد جاد الله ، عضو اللجنة المركزية للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين بأنه حضر مؤتمر كوبنهاجن بصفته الرسمية، ودافع عن حضوره.‏

ومن المؤلم حقاً أن يشن الشاعر سميح القاسم حملة شعواء على رافضي التطبيع وقال في مجلة المصور مفتخراً : "أنا نفسي حاورت مائير كاهانا (أقذر عنصري في إسرائيل)، وقلت للمثقفين العرب من إذاعة إسرائيل خلوا لكم النقاء الثوري في الكافتيريا وسيبوا لنا وسخ الحوار. نحن نحتمل وسخه إذا كان به وسخ. نحن عندنا هواية قومية أن نتوهم فزاعة ثم نخاف منها والتطبيع فزاعة، وأرى كل حكاية التطبيع والخوف منها كلاماً فارغاً.(225)‏

لقد أصبحت جماعة عرفات وأبو مازن من أكبر الجماعات المتصهينة في الوطن العربي وخدمة إسرائيل في اختراق النسيج الاقتصادي والثقافي للأمة العربية.‏

بهذا المنطق: يهاجم سميح القاسم المثقف العربي الذي يؤمن بأن وطن سميح القاسم "فلسطين عربية"، ويتمسك بالحقوق الوطنية للشعب العربي الفلسطيني، والحقوق القومية والدينية للعرب والمسلمين والمسيحيين في فلسطين والقدس العربية، وبطبيعة الحال فإن سميح القاسم مسرور بتحالف كوبنهاجن، حيث وصفت صحيفة معاريف الإسرائيلية تحالف كوبنهاجن بأنه يشبه حركة السلام الآن الإسرائيلية.‏

وأضافت معاريف أنه تم تشكيل لجنة رباعية لتوجيه التحالف من ديفيد كمحي ولطفي الخولي وعدنان أبو عودة وسري نسيبة، وسوف تقدم حكومة الدانمارك الرعاية والتمويل"(226).‏

إن تحليل طبيعة الحفنة العربية المشاركة في إعلان كوبنهاجن تظهر بجلاء أنهم لا يمثلون ضمير الشعب والأمة ولا يتمسكون بالحقوق والثوابت العربية. بخلاف الجانب الإسرائيلي الذي هو أقرب إلى جانب المفاوض الإسرائيلي الرسمي الملتزم بأجماع تجمع العمل وتكتل الليكود وبالخطوط الحمر التي وضعتها حكومة نتنياهو.‏

وينفذ الفلسطينيون توجيهات ياسر عرفات، رئيس سلطة الحكم الذاتي المحدود. ويمثل الأردنيون الموقف الرسمي للحكومة الأردنية وهم مع الفلسطينيين يعرضون تصورات عرفات والحكومة الأردنية دون أن يعلن الطرفان ذلك لكي يتحملوا هم وحدهم عواقب الفشل كما لا يستطيعان الزعم بأنهما يمثلان أحداً حتى أن سلطة الحكم الذاتي والسلطات الأردنية لم تعلنا الدعم العلني لهما.‏

لقد أثبتت اتفاقات الإذعان في أوسلو ووادي عربة والخليل أن صراع الأمة العربية ودولة اليهود، الدخيلة على المنطقة والغريبة عنها والمغتصبة للأرض والحقوق والثروات العربية لا يمكن أن يتوقف بل سيتخذ أشكالاً وأساليب جديدة، فالصراع صراع وجود، والتطورات السياسية تكشف يوماً بعد يوم مدى عمق الأزمة، والمأساة والكارثة التي حلت بالأمة جراء اتفاق الإذعان في أوسلو وماتبعه من اتفاقات. لذلك علينا أن نتمسك بمقاومة الاحتلال أكثر من أي وقت مضى ووقف كل العلاقات والتطبيع معه الذي أقدمت عليه بعض الجهات العربية والإسلامية لتحرير الأرض واستعادة الحقوق والقضاء على الطابع العنصري والكولونيالي والإرهابي للصهيونية كأيديولوجية وحركة وكيان.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244