|
||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 02:21 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الخامس تعود فكرة عقد المفاوضات المباشرة والمتعددة الأطراف والقمم الاقتصادية والأمنية واللقاءات والتحالفات الثقافية، كلقاء غرناطة وتحالف كوبنهاجن إلى حزب العمل الإسرائيلي وزعيمه شمعون بيرس. وترجع جذورها إلى تيودور هرتسل، مؤسس الحركة الصهيونية، والذي تخيّل في يومياته قيام "كومنولث شرق أوسطي يكون لدولة اليهود فيه شأن قيادي فاعل ودور اقتصادي قائد". وانبثقت عن أفكار ومخططات بيرس القمم والمؤتمرات الاقتصادية والأمنية. لذلك يواجه النظام العربي في مطلع القرن الحادي والعشرين مخاطر قيام النظام الإقليمي الجديد والسوق الشرق أوسطية بزعامة "إسرائيل"، العدو التاريخي للعروبة والإسلام، حيث بدأ السرطان الإسرائيلي يتفشى في قلب الجسم العربي، ليشكل تحالفات مع أطراف عربية وأقليمية يسهل عليه بواسطتها السيطرة على المنطقة وقيادتها لتصبح إسرائيل دولة عظمى ومركز اليهودية العالمية لفرض سيطرتها على العالم. ويعتقد بعض خبراء الشرق الأوسط في الولايات المتحدة الأميركية أن هناك العديد من الدول العربية التي تحاول إقامة نوع من العلاقة بينها وبين إسرائيل. ويشير الخبير الأميركي روبرت ستفالو إلى"أن بعض الدول العربية تريد في هذه المرحلة إدخال إسرائيل كلاعب رئيسي مباشر، وعلى المكشوف في لعبة توازن القوى والخلافات بينها. وإن ما نراه ليس سوى مقدمة لموجة سيشهدها الشرق الأوسط تتمثل في قيام الدول العربية ببناء تحالفات بمستويات مختلفة بينها وبين إسرائيل تستخدمها هذه الدول لمساعدتها في صراعاتها وخلافاتها التقليدية والمعاصرة بين بعضها البعض. " ويرجع الخبير الأميركي ستفالو هذه الظاهرة الجديدة إلى حقيقتين: "الأولى: إن إسرائيل هي القوة العسكرية المهيمنة في المنطقة القادرة على ترجيح ميزان قوى بين دولة عربية ضد أخرى. والثانية: إن الكثير من الدول العربية تدرك أن مفتاحها إلى واشنطن موجود في أحيان كثيرة في إسرائيل، وبالتالي على تلك الدول أن تحسن علاقاتها مع إسرائيل ما أمكن لتضمن علاقة سلسة مع واشنطن القوة العظمى الوحيدة في العالم". إن النظام الإقليمي المطروح نظام متعدد الأمم والأعراق والطوائف تقوده دولة اليهود العنصرية والفاشية، الغريبة عن المنطقة والدخيلة عليها، المتعددة الأعراق على حساب الوطن والمواطن العربي، بمساعدة الولايات المتحدة الأميركية لخدمة المصالح الأميركية والإسرائيلية، وتخليد السيطرة الأميركية على منابع النفط وممراته وأسواقه وأمواله وتصفية قضية فلسطين وفرض التطبيع على الحكومات والشعوب العربية. وبالتالي عانى العرب حتى الأمس واليوم من حروب إسرائيل العدوانية والتوسعية وممارساتها الإرهابية والعنصرية والاستيطانية وسيعانون في المستقبل من توسعها الاقتصادي وهيمنتها الاقتصادية والثقافية. إن للوطن العربي تاريخه وثقافته وتراثه الحضاري والديني الممتدة في أعماق الأرض والإنسان، لذلك لا يجوز إطلاقاً أن تأتي إسرائيل والولايات المتحدة لتفرضا صيغة جديدة عليه لكي يتغير طابعه، لأنه من المستحيل القفز على ذلك كله وشطبه لأن اليهود يريدون ذلك، فالتفاعلات العربية والإسلامية الأكثر عمقاً ورسوخاً وجذوراً في المنطقة أهم بكثير من رغبة إسرائيل ومخططاتها. إن إسرائيل لا تنجح ويجب ألاّ تنجح في تكييف المنطقة العربية بما يتناسب ورغبات اليهود ومصالحهم، والتي هي في الأساس ضد رغبات ومصالح العرب. إن السوق الشرق أوسطية التي يعمل العدو الإسرائيلي على تأسيسها من خلال القمم الاقتصادية والمفاوضات الثنائية والمتعددة الأطراف تمثل النقيض للسوق العربية المشتركة، وتعني الإلغاء العملي للوحدة الاقتصادية العربية. وترتكز على تصفية قضية فلسطين وإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي، واستغلال إسرائيل للثروات والأموال والأسواق العربية في مشاريع كبرى تحقق الازدهار الاقتصادي للعدو الإسرائيلي وتخفِّض من البطالة في الولايات المتحدة وأوروبا، وتكون إسرائيل بوابة العبور للبلدان العربية، وتضمن بالدرجة الأولى مصالح إسرائيل والدول الغربية وتفتح المجال لهيمنتها على اقتصادات البلدان العربية وتربطها بالاقتصاد الغربي لتحقيق الاستغلال المزدوج للبلدان العربية. فالسوق الشرق أوسطية مقامرة خطيرة بمستقبل العرب الاقتصادي، لأنها سوق مشتركة بين العدو الإسرائيلي الغريب عن المنطقة والدخيل عليها والمغتصب للأرض والحقوق والثروات ويريد أن يهيمن ويسيطر ويتسلط وبين جماعات عربية مهزومة وممزقة فرضت عليها اتفاقات إذعان في كمب ديفيد وأوسلو ووادي عربة ومحظور عليها تحقيق الوحدة والتقدم والازدهار وامتلاك مصادر القوة. فكيف يمكن أن تكون هناك مصالح مشتركة في ظل امتلاك العدو الإسرائيلي لأسلحة الدمار الشامل، القنابل والرؤوس النووية والتفوق العسكري التقليدي؟! كيف يمكن أن تكون هناك منفعة متبادلة وشراكة عادلة بين طرف معتد وغاصب ويمارس الإرهاب والعدوان والعنصرية والاستيطان كسياسة والطرف العربي الذي ألحقت به الهزيمة عن طريق استخدام القوة وأجبر على توقيع اتفاقات إذعان صاغتها إسرائيل وسوقتها الولايات المتحدة الأميركية؟! إن استمرار تدفق المهاجرين اليهود، وتصاعد قوة إسرائيل العسكرية، وتنكرها لأهداف ومبادئ وقرارات الشرعية الدولية والقانون الدولي تنبئ عن عدو خطير يتحفز بالعرب وموجات جديدة من المهاجرين اليهود تحتاج مجالاً حيوياً جديداً والمزيد من الأرض والمياه والثروات العربية، وتسخير القوة الإسرائيلية ونفوذ اليهودية العالمية لاحتلال المزيد من الأرض لتهويدها وإقامة المستعمرات اليهودية عليها. يشير المفكرون الإسرائيليون إلى فشل الصليبيين في المنطقة ويطرحون درساً على إسرائيل للاستفادة منه لتجنب المصير المحتوم الذي حل بالصليبيين. ويتلخص الدرس في ضرورة السيطرة الإسرائيلية على المقدرات الاقتصادية العربية حتى تتمكن إسرائيل من البقاء. ويطالبون بسيطرة إسرائيل على الموارد العربية إذا ما أرادت الاستمرار في الوجود، ويتوقعون أن تصبح إسرائيل في ظل السلام مركزاً للأموال العربية وبوابة العبور لأميركا وأوروبا إلى البلدان العربية. إن مايسمى بنظرية "الأمن الإسرائيلي" المسخَّرة لتبرير الاستعمار اليهودي، وتحقيق المجال الحيوي لإسرائيل في المنطقة العربية لا تزال تعتمد على التفوق العسكري والردع النووي وتأديب العرب بالقوة العسكرية ولم يطرأ عليها أي تغيير حتى بعد اعتماد العرب "السلام" كاستراتيجية مع إسرائيل وبالرغم من توقيعهم لاتفاقات الإذعان معها. لقد اعتادت إسرائيل على استخدام القوة لفرض مخططاتها وسياساتها التوسعية والاستيطانية والاقتصادية والأمنية، مما يجعل المواطن العربي يخشى من السلام الذي تفرضه إسرائيل عن طريق التسويق الأميركي، لانها لم تتخل بعد عن الخرافات والمزاعم والأساطير والأكاذيب والأطماع التي وردت في التوراة والتلمود، بل تريد من العرب الاعتراف بها وتكريسها في اتفاقات إذعان كاتفاق أوسلو ووادي عربة. إن مخاطر النظام الإقليمي الجديد والسوق المشتركة لاتنحصر في الأبعاد الاقتصادية فقط وإنما تمتد لتشمل البعد الثقافي والحضاري للصراع، حيث ستحاول إسرائيل التي تعتبر نفسها جزءاً لا يتجزأ من العالم وامتداداً للغرب في المنطقة غرس الأبعاد الثقافية الغربية والتي ستؤدي حتماً إلى التصادم الحضاري والثقافي في المنطقة. إن التعاون الإقليمي المطروح سيقوم على أنقاض التعاون العربي وسيضعف دور مصر، لأن إسرائيل ستحل محل مصر، ولأن مصر ستأتي في المرتبة الثالثة بعد إسرائيل وتركيا، بينما تكون مصر الدولة الأولى في النظام العربي. وسيقود النظام الجديد إلى تصاعد الدور الإسرائيلي في الوطن العربي وتوسيع الصادرات والواردات الإسرائيلية حتى تشمل البلدان العربية من النيل إلى الفرات، ومن القدس حتى مكة المكرمة والمدينة المنورة. وستكون هيمنتها الاقتصادية بديلاً عن توسعها الجغرافي، وذلك لإقامة "إسرائيل العظمى". خططت إسرائيل لإقامة النظام الإقليمي الجديد لخدمة مصالحها ومصالح يهود العالم بالدرجة الأولى، ومصالح الولايات المتحدة بالدرجة الثانية وأوروبا الغربية بالدرجة الثالثة. وتعمل لفرض مخططاتها على البلدان العربية بتسخير الوزن السياسي والاقتصادي لأميركا وأوروبا واستغلال طاقاتها الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية والإعلامية لفرضها على العرب فإسرائيل هي المخطط والموجه الأساسي والمستفيد الأول من النظام الجديد، وبالتالي فإن صياغته ستقوم على حساب العرب وثرواتهم ومؤسساتهم ومستقبلهم ومستقبل الأجيال العربية القادمة.. فالنظام الإقليمي الجديد يقوم على أساس شرق أوسطي وليس على أساس عربي وعلى حساب الجامعة العربية ومؤسساتها. وجرى تجاهل المصلحة العربية في التخطيط له تجاهلاً كاملاً. وأخذت الحكومات الأميركية والأوروبية والمؤسسات والوكالات الدولية مصالح إسرائيل ومصالحها دون أخذ المصالح العربية بعين الاعتبار. وتنطلق إسرائيل من انتصاراتها في حروبها العدوانية واحتلالها للأراضي العربية وابتزاز اليهود للإدارات الأميركية والحكومات الأوروبية وبعض الحكومات العربية لفرض مخططاتها وإجبار العرب على اتخاذ مواقف جديدة ومقولات جديدة تستجيب للهيمنة الإسرائيلية على الوطن العربي وتهويد العقل العربي وجعل بعض المثقفين العرب يفكرون بعقل صهيوني لترسيخ المزاعم والخرافات والأكاذيب اليهودية. وتعمل ليس فقط على اعتراف العرب بمخططاتها وموافقتهم عليها وإنما أيضاً على اعتراف العرب بأن النضال ضد سياستها التوسعية والاستيطانية والعنصرية كان زائفاً وعليهم الاعتراف بالعجز الأبدي أمام اليهودية العالمية والتسليم بأن الوطن العربي هو المجال الحيوي لإسرائيل ويهود العالم. وتطالب إسرائيل بتربية جديدة للأجيال العربية تحقق لها قبولهم بمخططاتها وممارساتها. وتفرض على العرب تغيير البرامج الدراسية وعدم تلاوة بعض الآيات القرآنية في محطات الإذاعة والتلفزيون العربية، وذلك لصهينة الفكر العربي وإجبار العرب على نسيان عروبة فلسطين وحروبها العدوانية ومجازرها الجماعية وممارستها للاستعمار والاستيطان والإرهاب والعنصرية كسياسة رسمية. ويتضمن المخطط الإسرائيلي لإقامة النظام الجديد العديد من الاتفاقات والآليات منها: أولاً: عقد اتفاقات ثنائية بين إسرائيل والدول العربية المجاورة لفلسطين في المجالات الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية والأمنية والتجارية. ثانياً: عقد اتفاقات متعددة الأطراف بين إسرائيل والدول العربية بما فيها دول الخليج العربي والمغرب العربي بدعم وتأييد كاملين من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. ثالثاً: التركيز على المحور الثلاثي الإسرائيلي- الفلسطيني- الأردني، بالتعاون مع مصر وتوسيعه في مرحلة لاحقة. رابعاً: مؤتمرات القمم الاقتصادية للتنمية في الشرق الأوسط وشمال افريقية والمؤسسات واللجان الدائمة التي انبثقت عنها. خامساً: قمة شرم الشيخ والنتائج والآليات والاتفاقات الأمنية التي تمخضت عنها، والتعاون الأمني بين أجهزة الأمن الإسرائيلية والفلسطينية والاتفاقات الأمنية التي وقعت بين إسرائيل والأردن. سادساً: إجبار العرب عن طريق الضغط والابتزاز والإغراء بمساعدة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على إلغاء المقاطعة العربية وتطبيع العلاقات وإقامة علاقات متميزة مع إسرائيل بحجة الأمن الإسرائيلي وخلق مصالح مشتركة تحول دون نشوب حرب قادمة، وامتيازات مائية وأخرى في مجالات النقل الجوي والبري والبحري والمواصلات والطاقة والسياحة. ويلاحظ المرء عند التدقيق بالمخططات الإسرائيلية والاتفاقات التي عقدتها إسرائيل مع الدول العربية أنها ترمي إلى جعل إسرائيل المركز والقائد والمستفيد الأول من المشاريع الإقليمية المطروحة. وتتضمن الاتفاقات الموقعة إقامة علاقات غير متكافئة مع الأطراف العربية. وترمي جميع المخططات الإسرائيلية ومساعي الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ومؤسسات النقد الدولية إلى إقامة العديد من الآليات التي ترسخ وتعزز النظام الجديد على أساس شرق أوسطي ومنها: أولاً: جعل إسرائيل المركز والقاسم المشترك لجميع المشاريع التي تساهم فيها الأطراف العربية والدولية. ثانياً: جعل إسرائيل المركز الأساسي للنقل البري والجوي بين الدول العربية في آسيا وافريقيا وبين هذه الدول وأوروبا. ثالثاً: جعل إسرائيل من أهم المراكز في المنطقة لنقل المياه والنفط والغاز. رابعاً: إقامة القنوات المائية من البحرين المتوسط والأحمر إلى البحر الميت بالتعاون مع سلطة الحكم الذاتي والأردن. خامساً: إحياء الطرق البرية وسكة حديد الحجاز وإقامة طرق وخطوط جديدة تعزز من مكانة إسرائيل الاستراتيجية. لقد ذهب العرب إلى القمم الاقتصادية وهم في حالة كبيرة من التمزق والضياع. فاستغلت الولايات المتحدة هذه الأوضاع وحملتهم على الهرولة باتجاه العدو الإسرائيلي. وكان الحضور الأميركي والأوروبي الكبير في القمم الاقتصادية يهدف إلى دعم وإضفاء الشرعية على هيمنة إسرائيل على الاقتصادات العربية. لقد كانت القمم الاقتصادية خطوات عملية لإنشاء النظام الإقليمي الجديد الذي طرحه حزب العمل الإسرائيلي وله دلالتان: الدلالة الأولى: إن الشرق الأوسط الجديد ما هو إلا ستاراً لدمج إسرائيل في المنطقة وتوليها دور المركز والقائد. والدلالة الثانية: إن المحرك الرئيسي للنظام الشرق أوسطي هو محرك من خارج المنطقة، ولولا تبني الولايات المتحدة الأميركية له وحماستها لتحقيقه لما خرج إلى حيز الوجود. كانت قمة الدار البيضاء الاقتصادية هي القمة الأولى من نوعها في تاريخ المنطقة والصراع العربي... الصهيوني. وكان الهدف المعلن لعقدها هو إيجاد آلية دائمة للتعاون الاقتصادي بين إسرائيل والدول العربية، وإلغاء المقاطعة، وتطبيع العلاقات. أما الهدف غير المعلن فهو إعطاء إسرائيل دوراً متميزاً ومحورياً في علاقاتها مع البلدان العربية وتحويلها إلى المركز والقائد وبوابة الاستيراد والتصدير من وإلى البلدان العربية، وخزان لتجميع النفط والغاز العربي، وأهم عقدة للمواصلات وجعل التعاون الإقليمي بديلاً عن التعاون العربي والسوق الشرق أوسطية بديلاً عن السوق العربية المشتركة. ووصلت الوقاحة الإسرائيلية في الدار البيضاء حداً طالب فيه الجنرال اسحق رابين من الدول العربية أن تترك إسرائيل تقود العرب خمسين عاماً بدلاً من مصر التي قادت العرب خمسين عاماً إلى الخوف والتخلف. وطالب دول النفط العربية بأن تدفع دولاراً عن كل برميل نفط تبيعه لصالح صندوق التنمية في الشرق الأوسط. وأكد رابين من على منصة قمة الدار البيضاء وأمام الملك الحسن، رئيس لجنة إنقاذ القدس: إن القدس الموحدة هي العاصمة الأبدية لإسرائيل". وبالتالي يمكن القول إن قمة الدار البيضاء نقطة سوداء في تاريخ الوطن العربي، وأسفرت عن نتائج هامة جداً للعدو الإسرائيلي منها الاعتراف الرسمي بالدور الإقليمي الجديد لإسرائيل وإلغاء المقاطعة العربية والهرولة في تطبيع العلاقات. وكان العدو الإسرائيلي المستفيد الأول من القمة ونتائجها. وجاءت قمة عمان الاقتصادية كامتداد لقمة الدار البيضاء، حيث أعلنت الأولى المبادئ العامة للتعاون الإقليمي، بينما اتخذت قمة عمان الخطوات العملية لتنفيذها وإقامة الآليات اللازمة لتحقيقها، بالرغم من أن قمة عمان انعقدت في جو سياسي متوتر بسبب مواقف الكونغرس الأميركي من نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس وبناء مقر السفارة على أرض تعود ملكيتها للوقف الإسلامي، وبسبب تصريحات رابين حول القدس واغتيال إسرائيل للدكتور فتحي الشقاقي، الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي في مالطا. وأدخلت القمة التعاون بين العرب وإسرائيل في مرحلة نوعية جديدة، إذ أقيمت لأول مرة خمس مؤسسات إقليمية لتنفيذ وترسيخ مخططات النظام الإقليمي وفتح المجال أمام الاقتصاد الإسرائيلي إلى الأردن ومن خلالها إلى دول الخليج، وبالتالي المساهمة العربية في تحقيق إقامة "إسرائيل العظمى" المدججة بالسلاح التقليدي والنووي والأيديولوجية الصهيونية العنصرية والتوسعية، والهجرة اليهودية، وتهويد الأراضي العربية وترحيل العرب والتحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الأميركية. وانعقد مؤتمر القاهرة الاقتصادي وسط أجواء سياسية مشحونة بالتوتر خلقتها حكومة الليكود لفرض المزيد من التنازلات المذلة على الفلسطينيين والعرب، مما أدى إلى وصول عملية التسوية إلى الطريق المسدود على جميع المسارات. وجاءت القمة العربية في القاهرة في حزيران 1996 وأقرت بالإجماع تجميد علاقات التعاون والتطبيع الثنائي والإقليمي مع إسرائيل إلى أن تقوم بتنفيذ الاتفاقات الموقعة ومقولة "الأرض مقابل السلام" والانسحاب من الجولان وجنوب لبنان. انصاعت مصر إلى عقد مؤتمر القاهرة الاقتصادي في موعده المحدد تلبية للطلب الأميركي والرغبة الإسرائيلية ولكنها أكدت أن التعاون الإقليمي يأتي بعد الاتفاق النهائي. كان الهدف من المؤتمرات الاقتصادية تنفيذ رغبات ومخططات إسرائيل وحل معضلاتها الاقتصادية التي استنزفت الولايات المتحدة الأميركية وألمانيا، ولكن مصر عاملت إسرائيل في المؤتمر معاملة عادية بلا امتيازات وبلا وضع خاص، إلاّ أن المؤتمر أبقى على فكرة التعاون الإقليمي مما يشكل مكسباً كبيراً لإسرائيل. إن الهدف الأساسي من عقد القمم الاقتصادية هو بلورة مشاريع مشتركة وضعتها إسرائيل وإيجاد الآليات والتمويل لتحقيقها لطمس الهوية العربية والإسلامية للوطن العربي وتجاوز الآليات العربية القائمة لحل أزمات إسرائيل الاقتصادية واستيعاب المزيد من الهجرة اليهودية وتهويد المزيد من الأراضي العربية المحتلة. وحدد البيان الختامي لمؤتمر القاهرة الاقتصادي عقد القمة الاقتصادية الرابعة في قطر. وهنا يبرز السؤال التالي: هل تستطيع قطر كدولة صغيرة أن تقف أمام مخططات إسرائيل والولايات المتحدة والشركات المتعددة الجنسيات؟! هل تستطيع قطر أن تقف أمام رغبات هذه الأطراف التي تعمل لمصلحة إسرائيل على حساب المصالح العربية؟! إن المخططات الإسرائيلية للتطبيع ماهي إلاّ استعمار جديد من نوع جديد بل أبشع أنواع الاستعمار الذي عرفته البشرية، لأنها قامت وتقوم على اغتصاب فلسطين العربية وتدمير المنجزات العربية، وابتلاع الأرض والمياه والثروات، وتجهيل الفلسطينيين واضطهادهم وقهرهم وتجويعهم، والحيلولة دون وحدتهم وتقدمهم وحقهم في تقرير المصير والاستقلال الوطني وتحويلهم إلى خدم وأجراء وعملاء لخدمة المصالح الإسرائيلية في الوطن العربي. إن رفضنا ومقاومتنا للتطبيع تستند إلى قيمنا الوطنية والقومية والدينية الرافضة لأطماع اليهود، أعداء الله وأنبيائه، وأعداء الرسول العربي (صلعم)، لذلك لا يستطيع أحد أن يلغي كلام الله ورسوله ويدخل في صدورنا قبول التطبيع. فالتطبيع هبط من تل أبيب وتبنته واشنطن وسوقته لبعض الأطراف العربية والدولية. وأصبح التطبيع مخططاً إسرائيلياً وأميركياً للهيمنة على الثروات العربية، فالغزو الاقتصادي والثقافي هو المدخل الأساسي للهيمنة الإسرائيلية. ويمكن الإشارة إلى هدفين أساسيين لإسرائيل من عملية التطبيع: الهدف الأول: إنهاء جوهر الصراع وهو قضية فلسطين بالشروط والاملاءات الإسرائيلية عن طريق سلطة فلسطينية تابعة لها تحافظ على أمنها وتخدم تغلغلها في الجسم العربي. والهدف الثاني: فرض هيمنة إسرائيل الاقتصادية على الثروات العربية، فإسرائيل لا تقبل من التطبيع إنهاء حالة الحرب وتحقيق الأمن وإنما تريد أن يعطيها المركز والدور القائد والمهيمن في المنطقة لإقامة إسرائيل العظمى. إن زرع الكيان الصهيوني في الوطن العربي واغتصابه لفلسطين العربية واعتياد اليهود فيه على العيش على حساب العرب والشعوب الأخرى واستخدام التطبيع لتحقيق الهيمنة وهو يرفض الانسحاب الشامل والحل العادل ويتلكأ في التسوية يظهر بجلاء مدى خطورة تطبيع بعض الدول العربية علاقاتها معه. إن الشعب المصري لم يُقبل على التطبيع، لأنه لم ينس ماضي إسرائيل وحاضرها ولا يشعر بالاطمئنان تجاه سياساتها ولم يكن مستعداً للسلام الدافئ معها إلى أن جاء اتفاق الإذعان في أوسلو فازدادت التجارة والتبادل الثقافي بين مصر وإسرائيل. ولكن سرعان ماظهرت حقيقة الأطماع التوسعية والاستيطانية والإرهابية لإسرائيل مما أبطأ في تطبيع العلاقات معها. إن الطبيعة العنصرية والاستعمارية للصهيونية والكيان الصهيوني، والتعاليم التوراتية والتلمودية، ووجود ثلاثة أعراق في المنطقة، تجعل من المستحيل على النظام الإقليمي الجديد، والتطبيع أن يُعمرِّ طويلاً إذا نجحت إسرائيل في فرضه، وليس أمامه فرصة ليدوم ويصمد طويلاً. فالمخاوف العربية من النزعة العدوانية للعسكرية الإسرائيلية ومطامعها الاقتصادية في البلدان العربية ستبقى حتى بعد التوصل إلى تسوية. فالصهيونية وإسرائيل لن تتخلى أبداً عن الخرافات والمزاعم والأساطير وعن استخدام القوة لتحقيق أطماعها وتأديب وردع المعارضين لها من العرب. إن أمام الحكومات العربية خيار وطني وقومي وديني ولكنه جدي ومصيري وهو التوقف عن التطبيع مع العدو التاريخي للعروبة والإسلام والاستمرار في اعتبار الصهيونية خطراً على الأمة العربية واعتبار العدو الإسرائيلي عدواً غاصباً ومحتلاً ودخيلاً لا يجوز التطبيع والتعايش معه مهما طال الزمن. إننا مطالبون جميعاً حفاظاً على ثرواتنا وثقافتنا ومعتقداتنا ألاّ نشتري أو نتاجر في أية بضائع من صنع إسرائيل وأية بضائع تقوم بتسويقها، وذلك تعبيراً عن تصدينا ورفضنا للتطبيع. ولتحصين الوطن والدفاع عنه والتمسك بالثقافة العربية الإسلامية وبالحقوق القومية والدينية للعرب والمسلمين في القدس وفلسطين العربية. إن التطبيع يجب استحالته في منطقة أشعلت فيها دولة اليهود الحروب العدوانية والمجازر الجماعية ودمرت كيان الشعب العربي الفلسطيني والكيان اللبناني وأهم المنجزات في سورية ومصر والأردن والعراق، وقتلت مئات الآلاف من العرب، وسرقت وتسرق الأرض والنفط والمياه، وعرقلت التقدم والتطور والازدهار والاستقرار في البلدان العربية. لقد أنهت الأوضاع العالمية الإقليمية فكرة اللجوء إلى الحروب، حروب التحرير في المدى المنظور، لكن الصراع العربي- الصهيوني سيستمر وسيتخذ أشكالاً جديدة، حيث أنه لا يمكن لأي كان ، ولا لأي جهة أو دولة مهما كبرت وطغت وتجبرت أن تفرض التطبيع على الشعب العربي. لن يستطيع أحد أن يلزم أي تاجر عربي بالاستيراد من إسرائيل، ولن يستطيع أحد أن يفرض على أي مواطن عربي شراء بضائع إسرائيلية أو استقبال يهودي في المؤسسات الصحفية والعلمية والتجارية. لا يستطيع أحد أن يلزمنا بشراء منتجات إسرائيلية باسم التطبيع. إن النظام الإقليمي الجديد والسوق الشرق أوسطية والتطبيع تخطيط صدر عن إسرائيل وتبتنه الولايات المتحدة الأميركية، وسوقته للدول الأوروبية، وتضغط على العرب لتبنيه والمشاركة فيه والقبول به، لذلك يجب الاستعداد لمواجهة هذا المخطط اليهودي الذي يقود إلى هيمنة إسرائيل على الاقتصادات العربية باسم "الشرق أوسطية" من خلال تحصين الوطن والمواطن وتنشيط مجلس الوحدة الاقتصادية ومؤسسات العمل العربي المشترك وتعزيز التعاون العربي في إطار الجامعة العربية ومؤسساتها وإقامة السوق العربية المشتركة بأسرع وقت ممكن. إن الكيان الصهيوني كيان قام علىاغتصاب أراضي ومقدسات العرب والمسلمين في القدس وبيت لحم والخليل ويعمل على تهويدها. واليهود هم أعداء الله والعروبة والإسلام. وسنستمر في رفض التعايش والتطبيع وتبيان مخاطره واعتبار إسرائيل عدوة ومغتصبة ودخيلة طالما كان هناك اغتصاب واحتلال وتهويد وقرآن وإسلام وعروبة ومبادئ حق وعدالة. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |