الدكتور غازي حسين - القمم والمؤتمرات الاقتصادية والأمنية من التطبيع إلى الهيمنة

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:21 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الملحق رقم/ 8/ بسم الله الرحمن الرحيم

البيان الصادر عن ندوة المواجهة العربية لمخططات التعاون بين إسرائيل والدول العربية في القاهرة.‏

استمراراً لأداء رسالتها الوطنية والقومية في الدفاع عن المصالح الحيوية والأمن القومي لمصر والوطن العربي، قامت اللجنة المصرية لمقاومة التطبيع ومواجهة الصهيونية بتنظيم ندوة موسعة تناولت بأسلوب علمي دراسة ومناقشة الدوافع والأهداف وراء إصرار الحلف الصهيوني الأمريكي على مواصلة عقد دورات سنوية لما يسمى القمة الاقتصادية للشرق الأوسط وشمال افريقيا والذي تنعقد دورته الثالثة في القاهرة خلال نوفمبر الحالي.‏

ولقد شارك في أعمال هذه الندوة بتقديم الدراسات والبحوث والأوراق (مرفق قائمة بالأوراق المقدمة) وكذا بالتعليق عليها ومناقشة محتوياتها، عدد كبير من المفكرين وأساتذة الجامعات والقيادات الحزبية والشخصيات العامة.‏

ولقد أسفرت أعمال الندوة التي التزمت بالمنهج العلمي في تعرضها لكافة القضايا التي طرحت للبحث والمناقشة عن اتفاق عام حول النقاط التالية:-‏

أولاً ملاحظات عامة:‏

1-إن انتظام انعقاد ما يسمى بمؤتمر القمة الاقتصادية، دون أن تظهر أية بادرة باحتمال الوصول إلى سلام شامل وعادل في المنطقة، بل ومع تصاعد شراسة وعدوانية الممارسات الإسرائيلية التي بلغت ذروتها في مذبحة قانا بقيادة شيمون بيريز، ومذبحة القدس بقيادة بنيامين نتنياهو، يسقط تماماً كل المبررات والمزاعم التي ساقها الحلف الصهيوني الأمريكي لاستحداث هذه المؤتمرات المشبوهة.‏

2-القول بأن الاقتصاد هو موضوع هذه المؤتمرات ولا محل للسياسة فيها، علاوة على أنه يتناقض مع الخطاب السياسي الذي استخدمه وما زال يستخدمه الداعون والمشاركون في هذه المؤتمرات، وبالإضافة إلى أنه يجافي موقف مصر الرسمي نحو السلام العادل، فإنه من قبيل الشذوذ غير المسبوق في العلاقات الدولية أن يتقدم التعاون الاقتصادي على التفاهم السياسي.‏

3-إن إسرائيل هي التي وضعت القاعدة الفكرية لهذه المؤتمرات، من خلال الطرح النظري الذي صاغه شيمون بيريز في كتابه (الشرق الأوسط الجديد) وأيده بالدعم السياسي للولايات المتحدة الأمريكية.‏

واجتماع العرب مع إسرائيل في إطار مؤتمرات عنوانها التعاون الاقتصادي، لينهى عملياً المقاطعة العربية ويسقطها دون أي التزام سياسي من قبل إسرائيل حيال الحقوق العربية التي اغتصبتها.‏

4-إذا كان أنصار التطبيع يرددون بأن الصراع الإسرائيلي العربي هو في جوهره صراع حضارات، فإن ذلك أدعى إلى إحياء المشروع الشامل للأمة العربية والذي تبلور عبر قرون من النضال، في المشروع القومي العربي الوحدوي قبل ظهور الكيان الإسرائيلي بمرحلة طويلة.‏

5-الخطاب السياسي الإسرائيلي والأمريكي الذي يتعامل معه أنصار التطبيع العرب في إطار المشروع الشرق أوسطي، ويلقى لديهم القبول ما هو إلا دعوة فجة إلى أن تتخلى الأمة العربية عن ذاكرتها القومية. في الوقت الذي ينطوي عليه ذات الخطاب في مطالباته وممارساته الأمنية والاستراتيجية على إحياء وإنعاش الذاكرة العنصرية والصهيونية، ولعل الاحتفال الذي تنظمه إسرائيل على نطاق عالمي بمناسبة مرور 3 آلاف سنة على بناء هيكل سليمان مثل صارخ لهذا التشنج العنصري.‏

ثانياً- طبيعة ومضمون وأهداف مؤتمرات القمة الاقتصادية:‏

ولقد أجمعت الآراء التي تضمنتها الدراسات وعبرت عنها المناقشات التي دارت أن مؤتمرات القمة الاقتصادية هي تجسيد للمشروع الشرق أوسطي الذي نظرّ له بيريز، والانتقال به من مرحلة الترويج الفكري إلى مرحلة التواجد المؤسسي على أرض الواقع.‏

ولقد توصلت هذه الآراء من خلال الرصد والتشخيص والاستقراء إلى النتائج والحقائق التالية:‏

1-إن المشروع الشرق أوسطي صياغة إسرائيلية بدعم أمريكي لخلق نظام إقليمي في الشرق الأوسط تتمتع فيه إسرائيل بالسيطرة الاقتصادية والعسكرية مع استمرارها حليفاً استراتيجياً للولايات المتحدة الأمريكية.‏

وهو نظام يجري تنفيذه في إطار استراتيجية شاملة تقوم على الإخضاع والإلحاق والتفرقة بين أجزاء الأمة العربية واستخدام العرب ضد العرب لحراسة المصالح الأمريكية الإسرائيلية، ويستهدف في منتهاه تأسيس بنية فوقية تجب الجامعة العربية وتتجاوز كل بنى ومؤسسات النظام العربي.‏

2-إن الاجتماعات التي تجري في إطار مؤتمرات التعاون الاقتصادي هي في حقيقتها مدخل لتنفيذ مشروع إسرائيل طويل الأجل على مراحل، وتسير فيه إسرائيل بتكتيك المستوطنات، أي خلق واقع اقتصادي جديد كل يوم، يخترق المنطقة العربية بأكملها.‏

والمطروح حالياً مثلث إسرائيلي أردني فلسطيني ليكون بمثابة رأس حربة لإختراق المنطقة.‏

والمرحلة الثانية ستكون التركيز على مشروعات الربط الإقليمي بحيث تصبح إسرائيل هي المتحكمة في كل شيء بدءاً من الطرق حتى أنابيب النفط والغاز والوصول إلى هدفها النهائي وهو السيطرة على الطاقة والمياه وطرق المواصلات ومسارات التجارة والمال والتكنولوجيا.‏

وهكذا تصبح إسرائيل بوابة العالم الأول إلى السوق الإقليمية وعلى نحو يحقن اقتصادها بعناصر قوة جديدة تمكنها من استيعاب المهاجرين اليهود الجدد والحد من البطالة.‏

وذلك كله على حساب استنزاف طاقات الأمة العربية وتهميش دور مصر.‏

3-ومع ذلك فإن إسرائيل لا تريد اندماجاً حقيقياً مع دول المنطقة يخرجها من نطاق التكامل مع الغرب اقتصادياً واستراتيجياً، ولكن ما تريده هو بناء تجمع اقتصادي لا يقوم على التكافؤ، تكون هي مركزه، وتستخدمه لمساومة التكتلات الاقتصادية الكبرى.‏

4-إن الدور العربي المسموح به في إطار مؤتمرات التعاون الاقتصادي هو تعديل الهوامش على النص الإسرائيلي.‏

5-يرتب مشروع النظام الشرق أوسطي أوضاعاً تعرض الأمن القومي لتهديدات جسيمة من بينها:-‏

*الاستعاضة عن الأمن القومي العربي بإقامة نظام اقليمي جديد يحقق لإسرائيل التوسع الاستيطاني على حساب الأمن القومي العربي.‏

*ضمان التفوق العسكري الإسرائيلي على الدول العربية مجتمعة.‏

*احتفاظ إسرائيل بترسانتها النووية.‏

*التواجد العسكري المكثف لأمريكا داخل بعض الأقطار.‏

*ربط إسرائيل بمعاهدات واتفاقيات عسكرية وأمنية مع دول الجوار الجغرافي.‏

6-تركيز إسرائيل على التطبيع الثقافي ليس فقط بقصد فرض مفاهيمها التي تتعارض مع مصالحها ولكن الأبعد من ذلك لشطب المفهوم القومي العربي ونفى وجوده.‏

7-إن الناتج العام للمشروع الشرق أوسطي سيصب في وعاء المكاسب الإسرائيلية على المستوى الاستراتيجي ويحقق لها على المستوى تفوقاً وتميزاً لا يمكن قياسه بأي معيار مادي أو اقتصادي، بينما يعرض سيادة الأقطار العربية مجتمعة ومنفردة، وأمنها القومي لاختراقات تكلفهم مصيرهم ومستقبلهم.‏

ثالثاً: الرؤية العربية للمواجهة.‏

ولقد أجمعت الآراء في هذا المجال على الرفض الكامل للمشروع الشرق أوسطي -الذي ترسى قواعده وتقيم مؤسساته مؤتمرات القمة الاقتصادية، وكذا اجتمعت على رفض كل صور التطبيع مع العدو الصهيوني.‏

وتعددت الاجتهادات في تحديد أساليب المواجهة واستحضرت الخبرة المتراكمة لمقاومة التطبيع في مصر منذ توقيع معاهدة كامب ديفيد.‏

وتبلورت الآراء في عدد من التوصيات من بينها:‏

1-دعم وتأكيد موقف القوى الشعبية والسياسية والمنظمات الجماهيرية والهيئات المهنية الرافض للاشتراك في أية مؤتمرات أو تجمعات أو لقاءات تحضرها إسرائيل أو تدعو إلى التعاون معها واعتبار الخروج على هذا الالتزام تحدياً للمشاعر الوطنية والقومية يستدعي المواجهة والحساب.‏

2-ممارسة كل صور الضغط المتاحة على الحكومات والقيادات التي تتعامل وتتعاون مع إسرائيل لكي توقف على الفور كل السياسات والأنشطة المتصلة بالتطبيع مع العدو الصهيوني بما في ذلك امتناعها عن المشاركة في مؤتمر القمة الاقتصادي الذي ينعقد في القاهرة 12 نوفمبر الجاري.‏

3-التصدي الفعال للقلة من المثقفين الذين أصابهم مس التطبيع مع العدو الصهيوني، والداعين إليه صراحة أو بالاتفاق وكشفهم وحصارهم بالدور النشط وإدانتهم في نظر الرأي العام.‏

وكذا مقاومة الاختراق التطبيقي باستنفار الروح القومية، من خلال الانتماء القومي لدى الجماهير وتوظيف الأدوات التاريخية والثقافية والأدبية والفنية لدعم هذا التوجه.‏

4-العمل على إحياء المشروع القومي العربي الوحدوي الذي يستهدف تحقيق تنمية عربية مستقلة واعتماد جماعي على الذات، وذلك من خلال استنهاض الروح القومية لدى الجماهير في مصر وعلى صعيد الوطن العربي، وتعبئتها في عمل شعبي مشترك ومنظم ومتواصل، يفرض على الأنظمة الحاكمة الانضمام إليها وتوفير مناخ ديمقراطي يتيح لتلك الجماهير إطلاق طاقاتها الإنتاجية والإبداعية وتعزيز التضامن والتعاون العربي والمساهمة الفعالة في إقامة مجتمع متقدم تظله العدالة الاجتماعية.‏

5-تعبئة وتوحيد جهود الأحزاب السياسية العربية وكذا المنظمات الجماهيرية والهيئات والاتحادات المهنية والعمالية العربية لحث الحكومات على تفعيل كل المنظمات والمؤسسات العربية القائمة، وفي مقدمتها الجامعة العربية ووكالاتها واتحاداتها ولجانها المتخصصة -خاصة- مجلس الوحدة الاقتصادية للاضطلاع بالمهام الموكولة إليها وإحياء مشروعات التعاون والاندماج فيما بينها- وتحديداً مشروعات التكامل الاقتصادي والسوق العربية المشتركة وصندوق النقد العربي وغيرها من المشروعات التي جرت دراستها وحصلت على موافقة الحكومات العربية وتوقفت عند حد التنفيذ.‏

6-تكوين جبهة من القوى والفعاليات والحزبية العربية تقوم بوضع استراتيجية قومية تحقق الأماني والأهداف القومية في ظل المتغيرات والظروف الدولية الجديدة وتحدد الأساليب العلمية لبلوغ هذه الغايات.‏

7-تأسيس حركة تضامن مع أبناء الأراضي العربية المحتلة في فلسطين وسوريا ولبنان تمدهم بالتأييد المادي والمعنوي في حالات المواجهة مع العدو الصهيوني.‏

8-الاستفادة من دروس فشل العمل العربي الوحدوي في الماضي وذلك يهدف استحداث الأدوات والوسائل العملية المناسبة ومواجهة مشروعات الهيمنة والتسلط.‏

9-الاستمرار في متابعة ورصد التطبيع في كافة المجالات، باستخدام الأساليب والأدوات العلمية الحديثة وتشخيص المخاطر وتوظيف هذه المعلومات لخدمة الأهداف السابقة ولخلق حركة مقاومة واعية ورأي عام مدرك فداحة الخسائر الوطنية والقومية التي قد تنجم عن التهاون في مقاومة التطبيع.‏

إن إحياء المشروع القومي العربي الوحدوي لم يعد خياراً يمكن استبداله أو الاستغناء عنه بل هو ضرورة واجبة يستلزم تحقيقها النضال المتصل القائم على أن العرب أمة واحدة لها حضارتها المتميزة ولغتها المشتركة وثقافتها الغنية ومساهمتها الحضارية على مدى التاريخ الإنساني ومن غير المقبول ولا المعقول التفريط في لك هذه الخصائص إرضاء للعنصرية الصهيونية أو انحناء للهيمنة الأمريكية.‏

القاهرة 23 أكتوبر 1996.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244