|
||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 02:22 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الثالث وهو المحور الذي يدرس عملية الإبداع الفني ذاتها متتبّعاً خطواتها، وآلياتها عند الأديب إلى أن يتمخض عنها تشكّل العمل الفنيّ. وقد ينطلق هذا المحور من الأثر الأدبي لتحليل تلك العملية، ولكن وظيفته تبقى محصورةً في فهم آليتها ودينا ميتها. ولهذا، فدراسة هذه الإشكالية أقرب إلى العلم منها إلى الفن، لأنها تتطلّب معالجةً علميّةً سيكولوجيّةً لفهمها وتعمّقها. وقد لا تفلح هذه المعالجة في فكّ مغالقها، لأنها على قدرٍ كبيرٍ من التّعقيد والغموض، فهي تتّصل بما يجري في باطن الشاعر من حالاتٍ نفسيّةٍ معقّدةٍ، وصراعاتٍ حادّةٍ في أثناء الإبداع، فضلاً عمّا له من سلوكٍ وعاداتٍ يمارسها وقت الكتابة. ولكلّ هذا أثرٌ في صياغة مسوداته إذ غالباً ما يطرأ عليها الشّطب والحذف والزيادة.. فعملية الإبداع من هذا الجانب إذن، لا تحتاج إلى اثباتٍ صلتها بالنقد النفسي الأدبي. وقد تكون دراسة "مصطفى سويف" في كتابه "الأسس النفسية للإبداع الفني في الشعر خاصّة" أحسن ما كُتب في هذا المجال؛ إذ قام هذا الباحث بتجربةٍ ميدانيةٍ، استخدم فيها طريقة "الاستبيان" أو "الاستخبار" للوصول إلى استقصاءٍ نفسيٍّ شاملٍ لكلّ ما يحيط بالعملية الإبداعية والمبدع معاً. وتقوم هذه الطريقة على استجواب بعض الشعراء بأسئلةٍ يجيبون عنها كتابةً. وقد قام الباحث، فعلاً، بتدوين أسئلته ثم قابلها بأجوبة الشعراء وبعض مسوّداتهم لمعرفة خطوات العملية الإبداعية. ولا يُمكن، بطبيعة الحال في مدخلٍ كهذا، عرض التجربة بتفاصيلها ودقائقها، ويكفي أن نذكر نص "الاستخبار" كاملاً ونختار من أجوبة الشعراء بعض الاعترافات التي تدل على عاداتهم وحالاتهم النفسية لحظة المخاص الشعري، لنعرض بعد ذلك، بإيجازٍ بعض النتائج التي توّصل إليها الباحث بعد استقرائه الأجوبة. *** 1-"نص الاستخبار:Questionnaire 1-إذا استطعت أن تتذكّر عملية الإبداع كما جرت في آخر قصيدة لك، فالمرجوّ أن تتبّع حياتها في نفسك، هل عاشت في نفسك صورها وأحداثها كاملة قبل النظم؟ أم هل بزغت وقت النّظْم فحسب؟ وإذا كانت قد عاشت قبل النّظْم فهل عاشت حياةً جامدةً، أي أنها ظهرت فجاءة كاملةً، وظلّت كما هي حتى انتهيت من كتابتها أم تطوّرت في حياتها قبل الكتابة أو أثناءها، وجعلت تمتليء وتتّضح في بعض نواحيها، وتتضاءل وتتلاشى في نواح أخرى؟ 2-وإذا صحّ أنها تطوّرت وتغيرّت، فهل تمارس أنت عملية تغييرها؟ أم تشعر بأن الأمور تجري بعيدةً عن متناول قدرتك، وكل ما هناك أنّك تشهد آثار التّغيّر؟ 3-ألك عادات تمارسها ساعة النّظْم أم لا _جوٌّ خاصٌّ، حُجرةٌ خاصّةٌ، قَلمٌ خاصٌّ، حِبْر خاصٌّ... الخ). 4- أَتشّعر بوجود صلةٍ بين أحداث حياتك الواقعيّة وبين ما تردٍ في قصائدك من أحداثٍ وصورٍ،وإذا كانت هناك صلةٌ يحسّها الشاعر، فليحدّثنا إذاً عمّا يشعر به إزاء ما يَرِد عليه من صورٍ وأحداث يضمّنها أعماله، أيشعر من أين تأتي وكيف؟ 5-أترى نهاية القصيدة قبل أن تبلغ هذه النهاية؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل تراها واضحةً أم لا؟ وإذا لم تكن تراها، فما الذي يحدّد لك أن ها هنا، قد بلغت النّهاية؟ وإذا كنت تراها فهل تنتهي القصيدة حيث كنت ترى؟(1) . وقد أجاب على هذا الاستخبار عددٌ غير قليلٍ من الشعراء. فمن سوريا) ذكر الباحث: خليل مردم بك، ورضا صافي، ومحمد مجدوب، ومن العراق) محمد بهجة الأثري ومن مصر): محمد الأسمر، وعادل الغضبان، وأحمد رامي(2) *** 2-الإجابات: ونستطيع بعد هذا، أن نختار من إجابات الشعراء بعض الاعترافات. فهذا الشاعر المصري "محمد الأسمر" يقول: "الذي أراه أن الشعر لا يستقيم أمره للشاعر إلا إذا كملت أدواته لديه، ومن أهمّ هذه الأدوات الشعور الصادق والقدرة على صياغة هذا الشعور في الألفاظ المتخيّرة. وحال الشاعر في معاناته للشعر أشبه الأشياء بحال التي تلد، فمعاني الشاعر وصياغته اللفظية التي تتمخّض عنها انعفالاته النفسية أبياتاً من الشعر، ليست في الحقيقة إلا ميلاد لبنات أفكار الشاعر"(3) . ويرى هذا المُجيب، أن هذا هو السّبب الأكبر الذي يدفع الشاعر إلى حبّ شعره والتعصّب إليه، ثم يسرد بعد ذلك الحالات التي تعتريه في النوّم واليقظة خلال عملية الإبداع، يقول: "... وإني في أوّل نَظْمي للقصيدة أجدني مسوقاً إلى نَظْمها بشعورٍ خفيٍّ ليس فيه ما يرهق أعصابي ثم يأخذني التيار الجارف فيربد وجهي، وأظل ذابل البصر، غائباً بعض الغياب عمّا حولي، وأحياناً أذرع الغرفة التي أنا بها، أو المكان الذي أنا فيه ذهاباً وإيّاباً، مهمهماً ومشيراً بيدي، مُحرقاً من السجائر ما شاء الله أن أحرق. وفي هذه الحالة، أعني حالة الانفعال الشعري، إذا جاء اللّيل ونِمْتُ كان نومي متقطّعاً أغفو الاغفاءة ثم أقوم ناهضاً إلى القلم والقرطاس، لأن معنىً من المعاني تمّت صياغته بيتاً من الأبيات"(4) . وهذا الشاعر السّوري "رضا صافي"، يصرّح في جوابه أن الوقت المفضّل لديه، هو الهزيع الأخير من الليل. ويفضّل كتابة أشعاره على المسودّة والمبيضة بقلم الرّصاص. وهو إذا أراد شطب ما لا يعجبه من الكلام، فإنّه يؤثر امْرار القلم بدل الممحاة.(5) ويبدو أن هذا السلوك، له راحته النفسية والذهنية، في نظرنا، لأنّ عملية المحو تعطّل لديه توارد الأفكار وتساوق الخواطر، وربّما تنسيه ما قد يطرق ذهنه من صورٍ يريد تقييدها لتوّها حتى لا تغيب. ولهذا، فعملية الشطب بالقلم لا تستغرق من صاحبها وقتاً طويلاً، إلا إذا أرادها هو للتلهّي، وهذا التلهّي لا يعطّل نشاط الوعي الباطني عن العمل، بل هو استعدادٌ أو وقفةٌ قصيرةٌ -لا شعورية- للراحة يتهيّأ فيها المبدع لاستقبال مولودٍ جديدٍ، قد يكون عبارةً، أو فكرةً، أو صورةً.. ومن عادات هذا الشاعر، أنه إذا فرغ من نَظْم مقطع المطلع، فإنه ينسخه لحينه على ورقةٍ مبيّضةٍ مستقلّةٍ بالقلم نفسه قلم الرصاص)، ثم يُضيف إليه المقاطع الأخرى واحداً تلو الآخر إلى أن تنتهي القصيدة كلّها. وهكذا يجد الشاعر نفسه أمام كومةٍ من المسودات، وواحدة مبيضة أثبت فيها ما تمّ نَظْمه(6) . وهذا شاعر آخر من "سوريا محمد مجدوب" يصرّح أنّ لأداة الكتابة صلةً بعملية الإبداع، وإن كانت صلة محدودة بالنسبة إليه، وهو خلاف "رضا صافي"، يفضّل قلم حبرٍ مَرنٍ لا يحرن، لأنّ من أشق الأمور على نفسه أن يحرن قلمه، أو يجفّ حبره في أثناء الكتابة. فهذا الانقطاع، يقطع عليه هو الآخر حبل أفكاره وخواطره، وهو يفضّل -إلى جانب هذا- الخلوة، والمكان الهاديء النظيف المُطلّ على المناظر الجميلة، وخصوصاً منظر البحر(7) . 3-النتائج: وتوصّل الباحث بعد استقراء أجوبة الشعراء وتحليلها إلى نتائج عدّة، أتاحت له معرفة بعض الخطوات التي تمر بها العمليّة الإبداعية قبل أن تسوي عملاً شعريّاً أو فنيّاً. وكانت معظم هذه الأجوبة متفقة الشهادات. ونستطيع أن نحصر تلك النتائج -كما أوردها صاحبها، مع اختصار بعض منها- في النقاط الآتية:(8) 1-تتّفق خمس إجابات على الشهادة بأن معظم القصائد لا تبزع دفعةً واحدةً دون أن يكون لها مقدّمات. والإجابتان الخاصّتان بالشاعرين رضا صافي، ومحمد الأسمر لا تشذّان عن هذا الرأي ولكنهما توضحانه. 2-تتفق كل الإجابات على الشهادة بأن الأنا لا تسيطر على عملية الإبداع حتى في النّوع الذي يبدو فيه مظهر "الإرادية"، بل يشعر الشاعر في معظم اللحظات أن المعاني حينما تجول برأسه هي التي تبحث عن ألفاظها اللائقة بها، أو أن قدرةً خفيّةً هي التي تملي عليه، أو أن الخواطر لها قدرةٌ على جلب بعضها بعضاً بينما يقف الأنا بلا حول ولا قوة.. 3-تتّفق الإجابات على انتحاء المكان الخالي في أثناء ممارسة الإبداع، ودلالة المكان الخالي تتمثّل في أنه يساعد استمرار بروز مجال الإبداع وسلبيّة الأنا.. 4-جاء في إجابة "مردم بك" و"رضا صافي" وصفٌ دقيقٌ للتغيّر الذي يطرأ على مجال الشاعر في لحظات الإبداع.. وربّما كانت هذه اللحظة، أعني لحظة ظهور الدلالات، هي أحقّ لحظات العملية كلّها باسم الالهام، ويبدو أنها أشد اللحظات غموضاً. 5-للأحداث الواقعيّة والمشاهدات والاطّلاعات التي تحدث في حياة الشاعر صلةٌ بما يبدعه، لم ينكرها أحدٌ من المجيبين، لكنّهم جميعاً يرون أنها صلةٌ غامضةٌ، فهُم يلمسون في قصائدهم آثار واقعهم، لكنهم لا يستطيعون أن يقرّروا من قبل أي أجزاء الواقع سوف يطفوا في لحظات الإبداع ويتسرّب إلى القصيدة، وهي من حيث هذا الغموض تشبه الصّلة بين أحداث حياتنا اليومية وما يتراءى لنا في الأحلام، فكثير ممّا نشهده في الحُلم يتعلّق بأحداثٍ مَرَرْنا بها عابرين في اليقظة، وكثيراً ما نحسب أن هذا الحادث الهام ستبدو آثاره في حُلمنا ومع ذلك فلا نشهد ما يمسّه.. 6-من خلال إجابة الشعراء عن السؤال الخاص بالنهاية، وكيف يتعرّفون عليها، نكشف عن عاملٍ هامٍّ في عملّية الإبداع، هو التّوتّر الذي يقوم كأساسٍ ديناميّ لوحدة القصيدة، بحيث يمكن أن نقول إن الشاعر يتحرّك في حدوده، وفي اللحظة التي ينتهي فيها هذا التّوتّر تكون نهاية القصيدة، ومع اختلاف الإجابات اختلافاً يكاد يَشِفّ عن التّعارض، فإنّها جميعاً متّفقة في الحقيقة الدينامية التي تعبّر عنها"(9) . *** 4-تحليل المسودّات: ولم يكتف الباحث بتحليل أجوبة الشعراء، والتعليق عليها، واستخلاص النتائج منها، بل حلّل أيضاً بعض المسودّات، فلاحظ تشابهاً كبيراً بينها، إذ كتب معظمها بأقلامٍ مختلفةٍ، وظهرت في مواضع كثيرة من القصيدة أمكنةٌ شاغرةٌ دلالة على أبياتٍ شاردةٍ، كما ظهر فيها شطب بخطوطٍ مستقيمةٍ وملتويةٍ دلالة على الحذف. ظهرت أيضاً أسهمٌ باتجاهاتٍ مختلفةٍ دلالة على الزيادة.. إلى ما هنالك من نقلات وقفزات، تدلّ كلها على ما يعتمل في نفس الشاعر من توتّرٍ وانفعالٍ لحظة المخاض الشّعري.(10) ويعترف الباحث أن هذه المسودات التي نقلها مصورة إلى كتابه عصيّة الفهم، تنطوي على غوامض كثيرة وجب توضيحها، ومن ثمّ، فإن تحليلها لم يكن أمراً هينّاً دون الاستعانة ببعض الأسئلة التي طُرحت على الشعراء عَقِب الفروغ من العمل الإبداعي. وكانت إجاباتهم معواناً له على استجلاء بعض الحقائق الإبداعية الغامضة، خصوصاً، وأنها أبدت تذكّراً طيبّاً لكثيرٍ من التّفاصيل الدّقيقة المتعلّقة بالمواقف الإبداعية.(11) وحتى تكون التجربة واضحةً، آثرنا نقل صورة المسودة رقم: 01*، وهي قصيدة "أرأيت ها أنذا..." للشاعر عبد الرحمن الشّرقاوي، مع تعليل الباحث عليها كاملاً بالتحليل، والتّصرّف فيه، أحياناً، بحذف بعض الاستطرادات غير الضّرورية. وكان لهذا الاختيار مسوّغاته الموضوعية: 1-أن يسير في التجربة التّعليق والصّورة جنباً إلى جنبٍ. 2-تيسير سبيل المقارنة والمعارضة. 3-صغر مساحة المسودة رقم 01، فقد استهلكت صفحةً واحدةً، وكان تحليلها قصيراً قياساً إلى المسودتين الثانية والثالثة. ومن النتائج التي انتهى إليها هذا الباحث في تحليله، ما يأتي:(12) 1-... أن هذه المسودة التي بين أيدينا، وهي أول صورة تظهر فيما القصيدة التي نحن بصددها، ليست صورةً دقيقةً لعملية الإبداع كما جرت فعلاً لدى الشاعر، فالشاعر يقرّر في إجابته أن أوّل عبارةٍ وردت على ذهنه هي "أنا لا أخون مشاعري" بينما تبدأ المسودة "أرأيت ها أنذا.." والفرق بينهما واضحٌ من حيث الدّلالة على موقف الأنا، ففي الأولى يقف موقفاً تقريريّاً، ويعبّر عن موقفه تعبيراً مباشراً، بينما يقف في الأخيرة موقف "الآخر" الذي يشهد الأنا ويصفه.. 2-إذا قرأنا القصيدة من البداية حتى النهاية، لاحظنا مجموعةً من القِمَم ومجموعةً من المنخفضات. ولكن ماذا نعني بهذا التّعبير في تحليل سيكولوجي؟ يظهر أننا أصبحنا شعراء. الواقع أنّ المنخفضات نجدها عندما يعود الشاعر إلى تكرار بيت أو بيتين أو مقطع بأكمله بعد عدة أبيات منوعة، ومما هو جدير بالملاحظة أن هذه المنخفضات يسبقها نوعٌ من الغموض في الصور والمعاني، وهي نفسها تمثّل لحظات يكاد يكون الغموض فيها تامّاً. يقول الشاعر في إجابته فيما يتعلّق بالفقرة التالية لـ "أنا لا أخون مشاعري"، معاني لها شكل حلو.. ثم إذا بي في غيبوبة فجعلت أكتب البقيّة.. ثم اتّضح الموقف من جديدٍ، شاع فيه الوضوح فكتبت: "الرقة الهوجاء تمرح في صباك الزاهر.." واتخذت الضحكات شكلاً مجسماً كأنّما أرى تمثال بوذا الساخر، عندئذ كتبت: "ومواكب الأوهام تخفق في ذهول ساخر.. "إلى "فكلّ أيامي جنون..." ثم أتتني تلك الحالة كالغيبوبة. وأول ما نستنتجه هنا: أن الشاعر يدفع إلى هذا التّرجيع دفعاً. ثانياً: يظهر أن لهذا الترجيع وظيفةً معيّنةً بالنسبة لعملية الإبداع، فقد رأينا أن الشاعر يصل إليه بعد وضوح ويخرج منه إلى وضوح، والظاهر أنه يمكّن الشاعر من مواصلة فعل الإبداع.. ومن الواضح في حالة المسودة التي بين أيدينا أن الترجيع ليس سوى هذه العودة، وهي واضحة في هذه القصيدة، لكنها قد لا تبدو بهذا الوضوح في قصائد أخرى. فالدّلالة الدّينامية للتّرجيع أنه نهاية وثبةٍ. 3-مما يزيد إثبات هذا الرأي، ما يُلاحظ قبيل المشهد الأخير الذي يبدأ بقول الشاعر: "ولقد مضيت أثير من تحت التراب معذبين" فالفقرة السّابقة على هذا البيت والتي تبدأ بقوله: "أرأيت هأنا لا أبين"، هذه الفقرة كلّها ترديدٌ لأبياتٍ قيلت من قبل، وعلى حساب رأينا تكون الدلالة الدينامية لهذا الترجيع أنه نهاية "وثبة" واضحة، وأنه استغلال المجال الذّهني أمام الشاعر. وقد سألنا الشاعر عما يذكره عن هذه اللّحظات التي تمّ فيها وضع هذا الجزء، فقال إنه كاد أن يتوقّف في هذا الموضع واستغلق المجال أمامه، وقد بدأ هذا الغموض قبل هذا الموضع بقليلٍ، عند قوله: "وأكاد من فرط الحنين أقول مالا أستبين" وانقشع قليلاً، لكنّه لم يلبث أن عاد إلى غموض آخر. وقد سألنا الشاعر عِدّة أسئلة حول لحظات الإبداع، وحاول هو أن يتذكّر كل شيء عنها، ومن أهمّ ما قاله في هذا الصدد: 4-فيما يتعلّق بالمشهد الأخير، وهو يلفت النظر لشدّة وضوحه، وكأنه الرقعة الأرجوانية في القصيدة: قال: رأيتني في شبه حلم، رؤى تمر في هدوء.. ثم رأيتني في حلم فعلاً، أشهد رؤيا.. عندئذٍ كتبت: "لقد مضيت أثير من تحت التراب معذبين" واستمرّ هذا الحلم إلى أن انتهى بانتهاء هذه الفقرة وفي نفس الحالة كتبت.. "ورأيته كالله".... 5-كذلك جاء في حديث الشاعر: كنت أحسّ أشياء أريد التّعبير عنها، لكنّي لا أعرف كيف أعبّر، اضطربت جدّاً، كتبت: "أرأيت ها أنذا لا أبين" كنت فعلاً لا أكاد أتبيّن ما أريد أن أصوّره.. كذلك عندما كتبت: "فكلّ أيامي جنون" كنت فعلاً في حالة تشبه الجنون في هذه اللحظة وعندما كتبت: "أنا لا أخون مشاعري" كنت فعلاً في هذه الحالة، أقول هذا، لا أوجه هذه الأحاسيس إلى أحدٍ، كنت أقولها أنا.. هذه العبارة لا تختلف عن سابقتها من حيث الدلالة الدينامية لكل منهما فكلاهما توضّح ظاهرة التّعبير عن "الحاضر المباشر" لدى الشاعر ونحن نقول "الحاضر المباشر" الدّلالة على أنه يجب أن يكون ذا صلة بالأنا، وليس مجرّد حضوره في مجال الإدراك البصري أو السّمعي أو حتى الذهني، بكاف لأن يجعله قابلاً لأن يصير جزءاً من بناء القصيدة".(13) رأينا أن نكتب نصّ التّحليل كاملاً- مع حذف بعض الاستطرادات القليلة- للأسباب الآتية: أ-لأنه يُوقِفنا على بعض المواقف الدّقيقة والغامضة التي تنطوي عليها العملية الإبداعية في المسودة رقم: 01. ب-لأنه يحوي بعض تصريحات الشاعر واعترافاته، وقد وجب الحفاظ عليها كما وردت في النصّ، لأنّها تعبّر عن حالاته النفسية، وعن التحوّلات التي طرأت عليه وعلى بعض أبيات القصيدة في أثناء تسويدها. جـ- لأنه يضمّ زمرةً من المصطلحات، وجب الحفاظ عليها - أيضاً- كما وردت في النصّ مثل: القمم، المنخفضات الترجيح، الوثبة، الحاضر المباشر..، ناهيك عن الحفاظ على السياق العام لنص التحليل نفسه. ويصرّح مصطفى سويف أن المنهج الذي سار على هدية في هذه الدراسة الميدانية، هو المنهج النفسي التّجريبي وليس التّحليل النفسي(14) ، لأن التجربة تُتيح له الكشف عن دينامية العملية الإبداعية والوقوف على آلياتها وخطواتها، وهذا ما لا يستطيعه البحث النظري، لأنه يفلسف العملية بعيداً عن التّطبيق الفعلي أو التّجربة. ويبدو أن هذا المنهج النفسي التجريبي الذي اختاره الباحث، وجد ضالّته في العملية الإبداعية، وخصوصاً في تفسير بعض مواقفها الغامضة. فقد أتاح له نصّ الاستخبار وإجابات الشعراء، والمسودات الوصول إلى نتائج عدّة، والكشف عن بعض الحالات النفسية التي تَعْتَوِر الشاعر في أثناء العمل الإبداعي. وقد أشار "رينيه وبليك وأوستن وارين"، في كتابهما نظرية الأدب، إلى هذه الفائدة التي يسديها علم النفس إلى عمليّة الإبداع على الخصوص، فهو يستطيع أن ينير جوانبها، ولكنه لا يعدو أن يكون معبراً إليها، أما حينما يتوجّه هذا العِلْم إلى العمل الفني ذاته، فإن حقيقته النفسية لا يمكن أن تكن حقيقةً فنّيةً إلا إذا متّنت التّلاحم والتّركيب.(15) بيد أن دراسة عملية الإبداع بأدوات: كالاستجوابات، والمسودات، والتشطيبات، والمقاطع.. قد تفيد في معرفة نشوء الأعمال الأدبية، وفي إدراك مختلف التّحولات التي تطرأ على العمل الفنّي إدراكاً نقديّاً، كما قد تساعد على استجلاء النص النّهائي. ولكنها قد لا تكون ضروريّةً لفهم الأعمال الأدبيّة المنتهية أو لتقييمها؛ وعليه، فإن أهمّيتها تكمن في حقولٍ معرفيّةٍ أخرى غير المعرفة النظرية بعلم النّفس.(16) وعلى الرغم من هذه الأدوات المستخدمة والمشفوعة باعترافات الشعراء، وتحليل الباحث نفسه، فإن هذا كلّه سيظل، في تصوّرنا، دون العملية الإبداعية، بوصفها عمليّةً معقدةً، لأن كثيراً من تفاصيلها الدّقيقة، يجري في لا وعي الشاعر، ثم إن النّفس الإنسانية، عموماً، لغزٌ عجيبٌ، فهي من العُمق والغموض والتّعقّد ما يجعل الفكر الإنساني قاصراً أمامها. (1) سويف مصطفى، الأسس النفسية للإبداع الفنّي في الشعر خاصّةً، ص210-211. (2) سويف مصطفى، الأسس النفسية للإبداع الفنّي في الشعر خاصّةً، ص:210-211. (3) سويف مصطفى، الأسس النفسية للإبداع الفني في الشعر خاصّةً ص228-229. (4) المرجع نفسه، ص:228-229. (5) سويف مصطفى، الأسس النفسية، ص223-224. (6) ينظر، سويف مصطفى، الأسس النفسية.. ص: 223-224. (7) المنظر السابق نفسه، ص227. (8) ينظر هذه النقاط، سويف مصطفى، الأسس النفسية، ص240 وما بعدها. (9) سويف مصطفى، الأسس النفسية، ص:243-244. (10) -سويف مصطفى، الأسس النفسية، ص:243-244. (11) -سويف مصطفى، الاسس النفسية، ص:244. * -ينظر هذه المسودة رقم 01 في الصفحة الموالية (12) -ينظر نص التحليل كاملاً: سويف مصطفى، الأسس النفسية، ص:244-249. (13) -نهاية نص التحليل، ص: 249. (14) -سويف مصطفى، الأسس النفسية، ص: 238-240. (15) -ويليك، رينيه ووارين، أوستن، نظرية الأدب، ص93-96. (16) -ويليك ريفيه ووارين أوستن، نظرية الأدب، ص93-94. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |