زين الدين المختاري - المدخل إلى نظرية النقد النفسي سيكولوجية الصورة الشعرية في نقد العقاد (نموذجاً)

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:22 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الرابع

يُعنى هذا المحور بتحليل الأعمال الأدبية تحليلاً نفسيّاً، ولعلّ بداية الدّعوة النظرية إلى هذا الاتجاه كانت على يد جماعةٍ من الأساتذة والأكادميّين، نذكر منهم: محمّد خلف الله أحمد، وأمين الخولي، وحامد عبد القادر، إذ يعود الفضل إليهم في توجيه الدّراسة النفسية نحو الأعمال الأدبيّة والأدباء وتوثيق الصّلة بين علم النفس والأدب العربي.(1)

***‏

1-محمد خلف الله:‏

ألّف هذا النّاقد كتاباً سمّاه "من الوجهة النّفسية في دراسة الأدب ونقده "دعا فيه إلى ضرورة الإفادة من نظريات علم النّفس في تفسير الأدب. واستطاع بمساعدة "أحمد أمين" أن يدخل مادة" علم النفس الأدبي" ضمن موادّ التّعليم وطلاّب الدّراسات العليا في جامعة القاهرة(2) فضلاً عن تأثيره، بوصفه أستاذاً في الجامعة إذ بدأ يروج لدعوته بدراساتٍ نظريةٍ وتطبيقيّةٍ‏

شرح فيها بعض خصائص العلاقة التي تربط الأدب بعلم النفس، وتتلخّص دعوته في المعالم الآتية:‏

- إن دراسة الأدب في ضوء علم النّفس لا تحتاج، في نظره تَسْوِيغ مادام العمل الأدبي من إنتاج الإنسان. وهذا العمل هو المَعْبَر الذي يُوصلنا إلى نفس هذا الإنسان وماتنطوي عليه من إحساسات ومشاعر.(3)

- إن المنهج النفسي في دراسة الأدب ونقده، تتطلّبه المرحلة الرّاهنة من تطوّر العلوم الإنسانية، وميل الفكر المعاصر إلى الفهم والمعرفة أكثر من ميله إلى مجرّد الذوق والاستحسان(4) .‏

- إن وظيفة النّقد الجوهري لا تقوم إلى على أساس من فلسفةٍ ذوقيةٍ نفسيّةٍ شاملةٍ، تُنِير السبيل أمام الناقد وتفتح له منافذ التأثير الأدبي في النفوس(5) .‏

ولم يقتصر الدّارس على التّنظيم لدعوته، وإنّما طبّقها على النقد العربي القديم ليمتح منه بعض الارهاصات السيكولوجيّة. فقد انتهى في مبحثه "عبد القاهر الجرجاني وسيكولوجية التأثير الأدبي إلى أن كتاب "أسرار البلاغة" "رسالة" نفسيّةٌ ذوقيّةٌ في نواحي التأثير الأدبي، فكرتها الرئيسية، هي: أن مقياس الجودة الأدبية تأثير الصور البيانية في نفس متذوقها"(6)

وعلى الرغم من دعوة الباحث إلى ضرورة دراسة الأدب ونقده من الوجهة النفسية، فإنّه في دراساته التطبيقيّة على بعض الشعراء. كحسّان بن ثابت، وأبي العتاهية، لم يخرج عن المنحى الذي سلكه من قبل النقاد التأثريون، وظلّ يدور في فلك الشاعر لإبراز ملامح شخصيته؛ مثال ذلك، تتبّعه لأخبار حسّان بن ثابت عند الرواة، واستقصاء شعره لمعرفة صورة شخصيته؛ أي أن غايته الأولى، هي التعرّف على شخصية هذا الشاعر ونفسيّته، وليس الاهتمام بالشعر ذاته، وهذا ماتؤكده، تساؤلاته المتكررة ومحاولة الإجابة عنها: كيف كان حسان في هيئته؟ وكيف كانت مقوّمات شخصيته؟...(7)

نفهم من هذا، أن "محمد خلف الله" لم يتجاوز المنحى النفسي الذي يعنى بشخصية الشاعر أو الأديب إلى تفهّم العمل الأدبي نفسه وتذوقه. ولعل هذا ماحمل "محمد مندور" على نقد مذهبه، يقول: "إن مذهب خلف الله ومن يرى رأيه سينتهي بنا إلى قتل الأدب. الأدب لا يمكن أن نجدّده ونوجّهه ونحييه إلاّ بعناصره الأدبية البحتة، وهذا مايجب علينا جميعاً أن نجاهد في سبيله، إنّه لَوَهْمٌ بعيدٌ أن نظنّ في علم النفس، أو في علم الجمال، أو في غيرهما من العلوم كبير فائدة للأدب، يجب علينا أن نعرف كل تلك الأبحاث، ولكن على أن تحتفظ بتلك المعرفة لأنفسنا ولا نزجّ بها في الأدب ، وإلا كنا مفلسين نوهم الغير ببريقٍ كاذبٍ"(8)

وقد يكون في نقد "مندور" شيءٌ من الصّواب، لأنّ حصر الدراسة النقدية الأدبية في شخصية الأديب على حساب العمل الأدبي، وباسم علم النفس، سيؤدّي إلى تغريب الأدب عن مجاله، ولكن ليس شرطاً أن يحتفظ الناقد بالمعرفة لنفسه، خصوصاً إذا كانت الظاهرة الأدبيّة تتطلّب توظيف مختلف ضروب المعرفة بطريقةٍ لبقةٍ بعيدةٍ، بطبيعة الحال، عن الشّطط والغلّو.‏

ومهما يكن من أمرٍ، فإنّ المُعوّل عليه عند "مندور"، هو فنّ دراسة النّصوص الأدبيّة، والتّمييز بين الأساليب المختلفة، والاعتماد على الذّوق الأدبي.(9) وهذا مافات "خلف الله" في رأي أحد الباحثين، يقول في مقال له:‏

"ولقد فات الأستاذ خلف الله، وهذا في رأيي، وهو يدعو إلى مذهبه، أن يضمّ إلى دراسته النفسية في نقد الأدب، حتّى يكتب لها البقاء، مادعا إليه الدكتور مندور، أولاً، لتكتمل قواعد النّقد، فلا تكون هناك ثغرةٌ في هذه الدراسة بل يكون التوّفيق بين هذه الآثار جميعاً، فيستكمل القانون بنوده، ولا يكون ثمّةِ، رأيٌ ورأيٌ، وخلافٌ قاصدٌ، وآخر ذو مصلحةٍ في الدّفاع.."(10)

وليست المسألة، في نظرنا، مسألة توفيقٍ بين المناهج النّقدية أو الآثار الأدبية، لأن قواعد النقد لا تُفرض على النصّ الأدبيّ من الخارج، بل يجب أن تراعي طبيعته ووظيفته لتضمن، على الأقل، انسجامها معه، وحتى لا يغدو التطبيق، فوق ذلك مسرفاً معتسفاً.‏

وممّا لا شكّ فيه، أن دعوة خلف الله، دعوةٌ مشروعةٌ من حيث المبدأ، في دراسة الأدب ونقده، وقد أسهمت في توثيق الصلة بين علم النفس والأدب، أو خلق مايسمّى بـ "علم النفس الأدبي".‏

غير أن النظرة الأحادية إلى الأعمال الأدبية والنقدية، ومن جانبٍ واحدٍ هو الجانب السيكولوجي، يحجب عنّا كثيراً من الظواهر الأخرى.‏

ونرى أن "محمد مندور" نفسه لم يسلم، في نقده هو الآخر، من هذه النظرة الأحادية، وإن كانت أكثر مواءمة للنصوص الأدبية، إذ ظلّ متشبّثاً بمنهج "لانسون" التأثّري والقائم على شرح النصّ الأدبي "Lexplication, de texteL " وتذوقه، فضلاً عن الاهتمام بجوانبه الفقهية اللغوية والفنية الجمالية، فحد الأدب عنده ، الحياة، وصداه "الهمس"(11) .‏

ب- أمين الخولي:‏

وهو من الباحثين الذين أسهموا في توثيق الصّلة بين علم النفس والأدب وإرساء قواعد النقد النفسي، وأن تعدّدت مجالات بحثه؛ إذ كان من الأوائل الذين دعوا إلى ربط الأدب بالحياة الاجتماعية، وإلى دراسة التطوّر اللغوي للعربية.(12) وكان شعاره في كتابه "فنّ القول" أوّل التّجديد قتل القديم فهماً"(13)

غير أن المجال الذي انفرد به هذا الباحث، هو دراسة العلاقة بين علم النفس والبلاغة، واعتمد على هذه العلاقة في معالجة مسألة "إعجاز القرآن" التي تحتاج، في تصوّره، إلى أن تُدرس في ضوء السيّاق النفسي أو المعرفة النفسية؛ فالفهم الصحيح للقرآن الكريم، لا يقوم في نظره إلا على إدراك مااستخدمه من ظواهر فنية بلاغية بوساطة القواعد النفسية؛ فكلّ ما فيه من إيجازٍ وإطنابٍ وتوكيدٍ، وإشارةٍ، وإجمالٍ، وتفصيلٍ، وتكرارٍ، وإطالةٍ، وترتيبٍ، ومناسبةٍ... لا يعلّل إلا بالفهم النفسي وحده(14) .‏

وإذا كان "أمين الخولي" يلحّ على ضرورة الانطلاق من النص القرآني لفهمه فهماً نفسيّاً؛ فإنّه في العمل الأدبي يرى ضرورة الاعتماد على حياة الأديب، وهذا أمر طبيعيّ ومنطقي: فحياة الأديب ميسورة الدراسة، ليس بيننا وبينها حجابٌ على خلاف النصّ القرآني الذي لا يمكن دراسة صاحبه.‏

وليس أمامنا، إذن، سوى أن "نتبين جوّه النفسي لما حوله من ملابساتٍ وأسباب نزولٍ، ووقائع وأحوال للناس والبيئة دون أن نعد وذلك إلى شيء من فهم نفسي لمصدر النص...‏

ومن هنا يكون فهمنا للنص القرآني هو كل مانبغيه ولا نتجاوزه إلى شيءٍ من تاريخ الأدب وبيانه، لصاحب الكتاب وواضعه، لأنه أفق لا نرنو إليه.. على حين أن في فهم النص الأدبي في غير القرآن، إنما نفهم بذلك الأديب نفسه شاعراً أو ناشراً"(15)

معنى هذا، أننا استثنينا مَنْحَاه النفسي في دراسة النص القرآني- وهذا أمرٌ مفروضٌ عليه أمام صعوبة دراسة صاحبه- فإنه في معالجته النص الأدبي، لم يخرج، هو الآخر، عن الإطار الذي يعنى بشخصية الشاعر أو الأديب، بل إنه يرى في نقده النفسي ضرورة المزاوجة بين الأثر الأدبي وصاحبه لفهمهما معاً، فهماً نفسيّاً؛ فالعلاقة بينهما علاقة "جدليةٌ" كلاهما مكمّل للآخر، ولن يكون هذا الفهم النفسي كاملاً إلا بالنظر إلى أدب الأديب جملةً وتفصيلاً، أو كلاًّ متكاملاً ووحدةً متماسكةً.(16)

فالمنهج، إذن، كما شرحه صاحبه ينطوي على فكرتين:‏

الأولى: وَصْل الأدب بالاديب لفهمهما فهماً نفسيّاً.‏

والثانية: النّظر إلى العمل الأدبي كوحدةٍ متكاملةً متماسكةٍ ليسهل فهمُه وفهم صاحبه.‏

وفي ضوء هذا المنهج، تناول "أمين الخولي" بالدراسة النفسية أبا العلاء المعري، محاولاً فهم شخصيته فهماً نفسيّاً، ومن النتائج التي توصّل إليها في هذه الدراسة، أن "ظاهرة التّناقض"، هي السّمة البارزة في سلوك هذا الشاعر الفيلسوف، ليس في المسائل الدّينيّة فحسب، وإنما في كل آرائه، وأفكاره، ومواقفه..."(17)

ويعود سرّ هذا التناقض إلى ظاهرتين في نفسه، أولاهما: الرغبة المتوثّبة في الاستعلاء على ضعفه والقهر لواقعه، وهذه ظاهرةٌ مستوحاةٌ من نظرية "أدلر" القائمة على الظهور والتّعويض عن "مُركّب النّقص" ثانيتهما: دقّةٌ نفسيةٌ في إدراك عوالم النّفس وخوالجها المتغايرة، وتتصّل هذه الظاهرة بالوظائف الفيزيولوجية والبيولوجية، وخصوصاً، عاهة "العَمَى" التي كان لها أثرٌ في دقة حسّه، وعمق إدراكه وتأمّله، ورهافة شعوره، وصدق تعبيره(18) .‏

جـ- حامد عبد القادر:‏

يُعدّ هذا الناقد من هؤلاء الأوائل الذين أدخلوا مادّة "علم النفس الأدبي" في الجامعات المصرية، وأرسوا، بالتّنظير والتّطبيق، قواعد نظرية النقد النفسي، وهذا بكتابه "دراسات في علم النفس الأدبي...‏

وهذا الكتاب عبارةٌ عن محاضراتٍ ألقاها على طلاّب قسم اللغة العربية استجابةً لرغبة القائمين بشؤون معهد الدّراسات العليا، ولرغبة هؤلاء الطلاب النّابهين. وقد أعطاه ذلك العنوان لأنّه لا يَعْدو أن يكون، في نظره دراساتٍ تمهيديّةً في هذا الموضوع الطّريف الذي يعدّ من أحدث المباحث النفسية، وتمنّى أن تُتاح له الفرصة لاستكمال البحث حتى يصحّ أن يُسمى الكتاب "علم النفس الأدبي" أو "علم النفس والأدب"(19) .‏

وحرص "حامد عبد القادر" في هذه الدراسات على بيان العلاقة التي تربط الأدب بعلم النفس، وإن أسهب في سرد الحقائق النفسية وتعريف علم النفس، قد تناول من خلال هذه العلاقة تعريف الأدب، والاختلاف في تحديد معنى الجمال، كجمال اللفظ وجمال المعنى.....(20)

وبيّن أيضاً، حاجة الأديب إلى علم النفس، كما تناول بإيجاز الحياة العقلية، أو الجهاز النفسي كما صوّره "فرويد" كالشعور، وشبه الشعور، واللاّشعور، وبين آراءه وآراء تلميذه "أدلر" في العقل(21) . وعرض أيضاً، لأهمّ العمليّات العقلية في الإنتاج والتّقدير الأدبيّين، كالإدراك الحسّي، والتّصور، والتّخيّل وتداعي المعاني، والحكم وأثره في التّقدير، ومايلحق به من تعليلٍ، كالتعليل العلمي الأدبي، وحياةٍ وجدانيّةٍ كالانفعالات والعواطف(22) .‏

وتناول إلى جانب هذا كلّه، جماليات الفنون، فبيّن قيمة الفنّ في الحياة ومعناه، وأنواعه، وأغراض الأشغال به، وفرق بينه وبين العلم، كما عرض لبواعث الاشتغال به عند الفلاسفة وعلماء النفس، ولأثر الشعور النفسي في إدراك الجمال، وأسباب الاختلاف في التقدير الفنّي، وأثر العقل الباطن والصراع النفسي فيه، وفي الإنتاج الفنّي وعالج أيضاً الذّوق، فبّين معناه، ومظاهره، وعوامله الفطرية، وآراء أفلاطون وأرسطو وعبد القاهر الجرجاني فيه، والمؤثرات المختلفة في تنميته(23) .‏

وكان آخر مبحثٍ هو رسم منهجٍ تفصيليٍّ للنقد الأدبي، تناول هذا المنهج مؤهلات الناقد والأديب، والفعاليات العقليّة التي تُحدث تقدير الأدب، والإحساس البصري والصّور الذهنية والأفكار، والمعاني، والتأثّر الوجداني...(24)

وواضحٌ من هذه الموضوعات كلّها، أن معالجة مسائل العلاقة التي تربط الأدب بعلم النفس، كانت معالجة نظريّةً علميّةً، لم يتجاوزها الباحث إلى دراسةً إجرائيّةٍ على العمل الأدبي نفسه. وهذا. في تصوّرنا، صنيعٌ علميٌّ أكثر مما هو صنيعٌ نقديٌّ أدبيٌّ، ومع ذلك لانعدم فيه فائدةً، وخصوصاً في إرساء الأسس الأولى لنظرية النقد النفسي.‏

***‏

د- عز الدين اسماعيل:‏

لا نعدو الحقيقة إذا قلنا إن هذا الناقد، هو أحسن من طبّق علم النفس على الأعمال الأدبية لتفسيرها تفسيراً نفسّياً، وإن كان هذا التّطبيق لا يخلو من المبالغة والإسراف، في أحايين كثيرة.‏

ويجب أن نعرف أن الناقد لم يَثْبُت في مسيرته النقديّة على منهجٍ واحدٍ أو اتجاهٍ واحدٍ، إذ تداخلت في نقده المناهج والاتّجاهات، فقد تبنّى الاتّجاه الاجتماعي في بعض دراساته، وخصوصاً في كتابه "الشعر في إطار العصر الثوري" والاتّجاه الجمالي في كتابه، "الأسس الجمالية في النقد العربي".‏

وليس لنا، بطبيعة الحال، أن نخوض في هذين الاتجاهين حتى لا نبتعد عن موضوع هذا المدخل، أما الاتجاه النفسي، فقد تجّلت معالمه بصورةٍ خاصّةٍ في كتابيه: "الأدب وفنونه" والتّفسير النّفسي للأدب" وفي هذين المؤلفين أيضاً تبلورت بعض أسس نظرية النقد النفسي.‏

ونستطيع ، على كل حال، حصر هذه المعالم أو الأسس في النقاط الآتية:‏

1- تفسير العمل الأدبي نفسه، وهو الأساس الذي انطلق منه الناقد في ذينك الكتابين، فاهتم بتفسير الأعمال الأدبية ذاتها، في ضوء حقائق علم النفس دون أن يحفل كثيراً بدراسة شخصية الأديب أو عمليّة الإبداع. فهو يرى أن معرفة تفاصيل الطرق التي يكتب بها الأديب، لا تفيد كثيراً في فهم العمل الأدبي ذاته وفي تفسيره.(25) ومن أجل هذا، لم يقصر عنايته على دراسة شخصية الأديب، بل وجّهها إلى العمل الأدبي على اختلاف أجناسه وأنواعه.(26)

2- العمل الأدبي وليد اللاّشعور: يرى الناقد أن العمل الأدبي نشاطٌ باطنيٌّ أو لا شعوريٌّ، أو هو رمزٌ للرغبات المكبوتة في لا شعور الأديب، ومن هنا، تأتي ضرورة تفسيره، في ضوء المنهج النّفسيّ التّحليليّ، لأنه المنهج الوحيد الذي يختصّ بتحليل اللاّشعور(27) .‏

3- معرفة حياة الأديب وتفسير أدبه، يرى الناقد أن معرفة حياة الأديب قد تُفيد في فهم عمل الأديب وتفسيره، ولكنه لا يعتمد كثيراً على هذه القاعدة(28) ؛لأن حياة الأديب قد تفيد في استكناه رموز عمله الأدبي، ولكنّها قد لا تفيد في تفسير أعمالٍ أخرى، على حين نجد لعلم النفس وحقائقه قرائن كثيرة في معظم الأعمال الأدبية.‏

4- علم النفس بين الناقد والأديب، يؤمن عز الدين اسماعيل بأن التجلّيات النفسية في العمل الأدبي وظيفةٌ ينهض بها الناقد، وليس الأديب بتضمين أثره الفنّي حقائق سيكولوجية، إذ يكفي هذا الأثر مايحمله في ثناياه من ذخيرة نفسيّةٍ دون أن نقحم فيه نتائج التّحليل النّفسي.(29)

فهذه المهمّة يحقّقها الناقد الأدبي بما يفيده من هذه النّتائج، لاستنباط أبعاد العمل الأدبي وتفسير مايختبئ، وراءه من دلالاتٍ دون مبالغةٍ أو شططٍ.‏

على أن هذا لا يمنع الفنان الإفادة من حقائق علم النفس. وليس بالضرورة أن يكون عالِم التّحليل النفسي ناقداً للأدب لمجرّد أنه يستطيع تفسير الإشارات والرّموز الواردة في العمل الفنّي، ثم إن إشراك علم النفس في الأدب وفي كثيرٍ من المجالات، لا يعني بالضّرورة أيضاً أنّه يستطيع إنشاء الأدب(30) .‏

ويتّفق على هذا الرأي الأخير كثيرٌ من النقاد، فمحمد مندور، يرى أن إقحام علم النفس بمصطلحاته على الأدب والنقد، يُضّلل الأديب والناقد معاً، ولكنه لاينكر الاستفادة منه، شريطة أن تكون هناك حدودٌ يراعيها الأديب عند استخدامه علم النفس، وعالم النفس عند استخدامه الأدب.(31)

ولم يكن "سامي الدروبي" بعيداً عن هذه الفكرة حين رأى أن الأثر الأدبي لا يضيره أن يكون منطوياً على حقائق علم النفس التي عرفها الأديب وبطّن بها عمله الأدبي أو جعلها قاعاً له، ولكن يجب أن تكون هذه الحقائق، في نظره، ممازجةً لهذا العمل ذائبة فيه، لا مضافة إليه، أو مقدمة فيه، فكثيرٌ من المؤلفات الأدبية تحوّلت في رأسه إلى كتبٍ في علم النفس، ودروسٍ فيه نتيجة الإقحام المعتسف للحقائق النفسية(32) .‏

5- تقوم طريقة "عز الدين إسماعيل" في المعالجة النقدية على التّفسير، والتّحليل، والتّقويم أو الحكم، والاعتماد على المعرفة العلمية السيكولوجية، بعيداً عن هيمنة الأحكام الذّوقيّة المتميّعة، وهذه العناصر مجتمعةً تشكّل، في الوقت نفسه، مسلكيّته في النقد النفسي.‏

ويشرح الناقد هذه الطريقة بقوله: "لأننا في الوقت الذي استطعنا فيه أن نفسّر عناصر العمل الشعري ونحلّله، كنّا قد مهدّنا السبيل للحكم على القيمة الفنية لهذا الشعر حكماً دقيقاً تسنده المعرفة، لا مجرد حكم ذوقي متميّع، وربّما لاحظ القارئ أننا في كثيرٍ من الحالات التي كنّا نفسّر فيها الصّورة أو الرّمز....‏

كنّا نضمّن عملية التّفسير ذاتها حكماً، والواقع أن الشوط بين مرحلة التّفسير ومرحلة الحكم ليس بعيداً ، إن هي إلا أن يفرع الإنسان من عمليّة التّفسير حتى يطفو الحكم على السّطّح".(33)

وقد لا يقصد الناقد، ههنا، الفصل بين هذه المراحل، فالتّفسير، والتّحليل والتّقويم أو الحكم - فيما يرى رونيه وليك- مراحل متداخلة تجري في سياقٍ واحدٍ، والتّقويم الصحيح ينشأ عن الفهم الصّحيح.(34)

6- كلّ عملٍ أدبيٍّ قابل للتّحليل النّفسي، يرى "عز الدين إسماعيل" أيّ عملٍ أدبيٍّ كائناً ماكان نوعه أو عصره إنّما يمكن تناوله بالدّراسة التحليلية على أسسٍ نفسيّةٍ".(35)

وهذا رأيٌ فيه شيءٌ من الرّيبة لولا استخدام الناقد كلمة "يُمكن" لأن الأعمال الأدبية التي طبّق عليها منهجه في التّحليل النّفسيّ أعمالٌ منتقاةٌ، ولا يمكن أن تكون حكماً عامّاً ينسحب على كلّ ماينتجه الأديب.‏

صحيحٌ أن بعض الآثارالأدبيّة ينطوي على بعض التجارب النفسية الخاصّة أو العامّة، ويمكن أن يكون مجالاً تطبيقيّاً صالحاً للدّراسة السّيكلولوجيّة. ولكنّنا قد نفهمه دون حاجةٍ إلى إقحام نظريات علم النفس والمصطلحات دون حاجةٍ إلى إقحام نظريات علم النفس، والمصطلحات النفسية.‏

ولهذا، فمقولة، إن أي عملٍ يمكن تناوله بالدراسة التحليلية على أسسٍ نفسية، مقولةٌ، صحيحةٌ إذا التزم صاحبها حدود التطّبيق، أما أن يغرق في تهويماتٍ فرضّيةٍ سيكولوجيةٍ للوصول إلى الأمراض، والعُقد النفسية والغرائز.. فهذا مجالٌ آخر غير مجال النقد والأدب، لأن للعمل الأدبي قِيماً أخرى، ولا يمكن أن يكون همّاً نفسيّاً وحسب.‏

ومهما يكن من أمرٍ، فإنّ الناقد لم يقف عند حدود نظرية النقد النفسي في شرح العلاقة التي تربط علم النفس بالأدب والنقد، وإنما تعدّاها إلى مجال التطبيق، فتناول بالدراسة التفسيرية النفسية أعمالاً أدبيّةً مختلفةً كالشعر، والمسرحية، والقصة....‏

ولا يمكن -بطبيعة الحال- أن نتعقّب هذه الأعمال كلّها، فهذا المدخل لا يتّسع لهذا، ثم إن الفصل الخامس والأخير مُخصّصٌ للدراسة التطبيقية، ويكفي أن نشير إلى أن معظم النماذج المختارة، كانت خالصة مخلصةً لعلم النفس بعامّةٍ، ولحقائق التّحليل النفسي بخاصّةٍ.‏

ونستطيع، مع هذا، أن نختار من تلك الأعمال التطبيقية نموذجاً شعريّاً واحداً، أو أمثلةً من قصيدة "ثنائيةً ريفية" للشاعر "عبده بدوي" نبيّن من خلالها شطط الناقد وغلوّه في تطبيق التّحليل النفسي، إذ يستهلّ القصيدة بشرحٍ أدبيٍّ لموضوعها ومعانيها الظاهرة، فيراها، صورة حوارية بين زوجٍ ريفيٍّ وزوجةٍ، وهو حوارٌ يتناول في ظاهره الفرحة بحلول موسم الحصاد. والتغني بالثمار اليانعة الغنية التي انبتتها أرض حقلهما بعد عام من الشّقاء والعرق والجزع من أجل أن تنبت هذه الأرض....(36)

وهذه الفرحة التي يلتقي عندها الزوج والزوجة، تعيد إليهما ذكريات حبّهما القديم والموّال الذي كان يغنّيه ذلك المحبّ الرومنتيكي لمحبوبته الشّابة النّضرة، وكيف أن كلّ ذلك انتهى يوم ذهب إلى بيت أبيها ودفع المهر -وإن لم يكن كثيراً- وتزوجها، فمنذئذٍ أصبح للحبّ معنى آخر، وتحوّر شكله في ذلك العناء المشترك في فلح الأرض وبذر البذور وريّها، والجوع طوال العام ريثما تؤتي أكلها".(37)

ويشرع بعد هذا، في تفسير القصيدة تفسيراً نفسيّاً كَشَفَ له عن تجربةٍ واحدة هي "التّجربة الجنسية" بين الرجل والمرأة، فمعنى قول الزوجة: "قد وافى الحصاد" أنها حامل، وأنها أوشكت أن تضع حملها، ومعنى قولها لزوجها:‏

أنا لا أراك فبيننا سدّ من الثّمر المثير.‏

بيني وبينك من أغاني حقلنا الملتّف سور‏

دلالة في تصوّر الناقد، على انقطاع الاتصال الجنسي فترة من الزمن، بعد أن أصبحت الزوجة ممتلئة البطن بالجنين أو "بالثمر المثير"(38) بل إن الناقد ليذهب إلى أبعد من ذلك مشتطاً مسرفاً، حين يرى في قول الزوج:‏

"جعنا بها لتسير للحقل، المعرّى بالبذور، إشارات إلى مواضع وعمليات جنسية، فالحقل المعرى هنا رمز لعضو المرأة الجنسي، ووصفه بأنه معرّى يشير إمّا إلى أنه قد عرّي مما يكتنفه من شعر أو إلى معنى التّعرية الصريح، أو إليهما معاً، أما البذور فهي مايستمرّ هناك نتيجة لعملية الجماع من نطفة"(39)

وغير هذا الإسراف كثيرٌ في تفسير القصيدة، إذْ ردَّ النّاقد كلّ صورها إلى تجربةٍ واحدةٍ هي "التجربة الجنسية" بل هي الفرضيّة، التي انطلق منها وإليها انتهى في آخر المطاف معتبراً إياها الحقيقة النفسية الخطيرة التي تختفي وراء الصورة الخارجية. يقول "وإذن فهذه القصيدة تتضمّن تجربةً مستخفيةً وراء صورتها الخارجية، إنها في الظاهر تقول شيئاً جميلاً ومقبولاً، لكنها تنطوي على حقيقةٍ نفسيّةٍ خطيرةٍ، هي أن الجنس في حياة الإنسان هو مصدر سعادته ومصدر شقائه في الوقت نفسه..."(40)

فهذا النموذج التطبيقي، إذن، يغنينا عند ذكر سلبيات المنهج النفسي الذي سلكه عز الدين اسماعيل وغيره في دراسة العمل الأدبي، وهو منهج التحليل النّفسي الفرويدي القائم على كشف مكبوتات اللاّشعور من أمراضٍ،وعُقدٍ نفسيّةٍ، وغرائز جنسية....‏

غير أن المزيّة التي انفرد بها هذا الناقد هي العناية بالعمل الأدبي نفسه وتحليل نفسيات شخوصه. على حين عنى السّواد الأعظم، من النقاد والأدباء بدراسة شخصية الأديب من خلال أثره، وإن كنّا لا نجد فرقاً كبيراً بين الدّارسين، بما أن العمل النقدي سينتهي، في الأخير إلى وثيقةٍ نفسيّةٍ شبيهةٍ بوثائق علماء النفس في دراساتهم للأعمال الفنية.‏

ومما لا شكّ فيه، أن عز الدين اسماعيل استطاع بكتابه "التفسير النفسي للأدب" أن يفتح آفاقاً واسعةً أمام الدراسات النقدية الأدبية من الوجهة السيكولوجية، أو مايسمى "بالنقد النفسي" وأن يوثّق العلاقة بين المنهج النفسي والأدب، تنظيراً واجراءً. ومادراساته التطبيقية في الشعر، والمسرح، والقصة، إلا نماذج أو أمثلة، رام بها بيان كيفية إمكان استغلال علم النفس في تفسير العمل الأدبي، ودفع الزّعم القائل بصعوبة التّطبيق، ولعلّ هذا الذي جعله حبيس إطارٍ فرويديٍّ في التّحليل النّفسيّ.‏

(1) -البستاني، محمد عبد الحسين، المناهج النقدية في نقد المعاصرين ص:13‏

وينظر أبو الرضا، سعد أبو الرضا محمد، الاتجاه النفسي في الشعر، ص: 160.‏

(2) -محمد ،خلف الله، من الوجهة النفسية في دراسات الأدب ونقده، ص:د.‏

(3) خلف الله محمد، من الوجهة النفسية في دراسة الأدب ونقده، ص :10.‏

(4) المرجع نفسه، ص:19.‏

(5) المرجع نفسه، ص:تمهيد).‏

(6) خلف الله محمد، دراسات في الأدب الإسلامي، ص: 154.‏

(7) المرجع نفسه، ص:35 ومابعدها.‏

(8) مندور، محمد، في الميزان الجديد، ص 170-171.‏

(9) مندور، محمد، في الميزان الجديد، ص 162.‏

(10) زيادة، أبو طالب، مجلة الثقافة العربية، تموز 1975، 1975م العدد السابع، ليبيا عن مقالٍ بعنوان: "الأستاذ محمد خلف الله، في من الوجهة النفسية في دراسة الأدب ونقده، ص 57.‏

(11) برادة محمد، محمد مندور وتنظير النقد الأدبي، ص 241-242.‏

(12) شايف، عكاشة، اتجاهات النقد المعاصر في مصر، ص: 145.‏

(13) الخولي، أمين، فنّ القول، ص: 142.‏

(14) الخولي، أمين، مناهج تجديد في النحو والبلاغة والتفسير والأدب، ص: 203- و 230.‏

(15) الخولي، أمين، مناهج تجديد في النحو والبلاغة والتفسير والأدب، ص: 203- و 230.‏

(16) الخولي، أمين، مناهج تجديد في النحو والبلاغة والتفسير والأدب، ص: 334- و 336.‏

(17) شايف، عكاشة، اتجاهات النقد المعاصر في مصر، ص : 147-148.‏

(18) شايف، عكاشة، اتجاهات النقد المعاصر في مصر، ص : 147-148.‏

(19) عبد القادر، حامد، دراسات في علم النفس الأدبي، ص 4-5.‏

(20) عبد القادر، حامد، دراسات في علم النفس الأدبي، ص 19-و 31 ومابعدها.‏

(21) عبد القادر، حامد، دراسات في علم النفس الأدبي، ص 19- و 31 ومابعدها.‏

(22) عبد القادر، حامد، دراسات في علم النفس الأدبي، ص 19- و 31 ومابعدها.‏

(23) المرجع نفسه ، ص 67 وما بعدها.‏

(24) المرجع نفسه ، ص 156 وما بعدها.‏

(25) اسماعيل، عز الدين، التّفسير النفسي للأدب، ص 54 و 273.‏

(26) اسماعيل، عز الدين، التّفسير النفسي للأدب، ص:53و 54 و 273.‏

(27) اسماعيل، عز الدين، الأدب وفنونه، ص 101-102.‏

(28) اسماعيل، عز الدين، التّفسير النفسي للأدب، ص 53 -54 و 273.‏

(29) المرجع السابق، ص 25- 26 و 251.‏

(30) اسماعيل، عز الدين، التّفسير النفسي للأدب، ص 25- 26 و 251.‏

(31) مندور ، محمد، في الأدب والنقد، ص 48،49، 50.‏

(32) الدروبي، سامي، علم النفس والأدب، ص 128-129.‏

(33) اسماعيل، عز الدين، التّفسير النفسي للأدب، ص :125.‏

(34) اسبورن، د. حاضر النقد الأدبي، ص : 54.‏

(35) اسماعيل، عز الدين، التّفسير النفسي للأدب، ص 250.‏

(36) اسماعيل، عز الدين، التّفسير النفسي للأدب، ص 121، 122.‏

(37) تتمّة النص، التّفسير النفسي للأدب، ص 121-122.‏

(38) اسماعيل، عز الدين، التّفسير النفسي للأدب، ص 123.‏

(39) اسماعيل، عز الدين، التّفسير النفسي للأدب، 124.‏

(40) اسماعيل، عز الدين، التّفسير النفسي للأدب، ص 124.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244