زين الدين المختاري - المدخل إلى نظرية النقد النفسي سيكولوجية الصورة الشعرية في نقد العقاد (نموذجاً)

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:22 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الخامس

في نقد العقادنموذجاً)‏

- توطئة-‏

إن العلاقة بين الدرس النقدي للصورة الشعرية والدّرس السيكولوجي لها، علاقةٌ لا تحتاج، في نظرنا، إلى إثبات فَلِمُصطلح "الصورة" - كماهو معروف- دلالةٌ نفسيّةٌ ذهنيّةٌ فوق دلالته اللغوية، والرمزية، والبلاغية أو الفنيّة.(1)

إي إنّ للصورة الشعرية حسب دلالة المصطلح منهجاً نفسيّاً تدرس بوساطته إلى جانب المنهج الرمزي والبلاغي أو الفني(2) .‏

ونستشفّ هذه الدلالة النفسية للصورةالشعرية من خلال قيامها على اليقظة الحسيّة من جهةٍ، واليقظة الباطنية من جهةٍ أخرى، لأنّ الإدراك الحسّي للصورة في معزلٍ عن طبيعة الأشياء الداخلية والتّيقّظ الشّعوري، يحولّها إلى "صورةٍ نقليّةٍ" تدلّ على أسلوب الإنسان البدائي في التفكير، الأسلوب الذي لا يعير كبير اهتمامٍ لطبيعة الأشياء الداخلية، بل يرى أن الجوهر فيها لما ترصده العين وتتمكّن من التقاطه.. أي إن - الصورة النقلية تعكس الظواهر الخارجية بحدّ ذاتها من حيث هي موجودات ثابتة..."(3)

والحقّ، أن الإقرار بأن العقّاد أَؤلَى سيكولوجية الصورة الشعرية عنايةً خاصّةً، أو أفرد لها دراسةً قائمةً برأسها، أمرٌ فيه شيءٌ من المبالغة والغلوّ، ولكن آراءه النقدية في الشعر، المتفرّقة في تضاعيف كتبه ومقالاته تَشِي -من طرفٍ خفّيٍ- باقترابٍ واضحٍ من بعض سمات الصورة الشعرية من الناحية النفسية، كالإدراك الحسّي والباطني، والتصوير الشعوري المشخّص.‏

والذي يهمّنا ههنا، من هذه الدراسة التطبيقية في هذا الفصل الخامس والأخير، هو محاولة تلمّس الجانب النفسي في هذه السمات كدليلٍ -عند العقاد- على نشاط الملكة الشاعرية بخاصّةٍ والفنية بعامةٍ(4) ، أو الملكة الخالقة التي تستمدّ قوّتها من تفاعل النشاط الحسّي والنفسي والذهني(5) .‏

وهناك موضوعٌ آخر تناوله الناقد بالدراسة النقدية النفسية، نخاله متّصلاً بسيكولوجية الصورة الشعرية، وهو "الدلالة النفسية للكلمة المكرورة والمصغّرة داخل صور المتنبّي الشعرية"، ولكن هذا الموضوع لا يتّسع له صدر هذا المدخل، لذلك نكتفي بإبراز محورين نفسيين من خلال شعر ابن الرومي هما: سيكولوجية الصورة الشعرية بين اليقظة الحسيّة واليقظة الباطنية، والصورة الشعرية المشخّصة.‏

***‏

1- سيكولوجية الصورة الشعرية بين اليقظة الحسية واليقظة الباطنية:‏

صحيحٌ أن الإدراك الحسي للظواهر الخارجية عنصرٌ مطلوبٌ في تكوين الصّورة وتشكيلها، إذ لا غنى عن الحواس في إدراك المرئيات، والمسموعات، والمذوقات والمشمومات والملموسات...‏

ولكنّ جودة العمل الفني، ودقة وصفه، مَنُوطتان بقوة هذا الإدراك ووضوح الصّور والجزئيات في الذهن.‏

وهذا مادلّت عليه التجارب النفسية حين وجدت تفاوتاً كبيراً بين الإفراد في الإدراك الحسي؛ "فمنهم البصريون الذين يكون إدراكهم للمرئيات واضحاً دقيقاً مستوعباً.‏

ومنهم السّمعيون الذين يقوى فيهم إدراك الأصوات والنّغمات، ومنهم اللّمسيون الذين تقوى فيهم حاسّة اللّمس، فتدرك الملموسات إدراكاً تفصيليّاً واضحاً، ولا ريب أن قوة الإدراك الحسّي في ناحيةٍ من النواحي تساعد على دقّة الوصف في الناحية نفسها"(6) .‏

وعلى الرغم من أهمية العنصر الحسيّ في نسج خيوط الصور الشعرية، فإنه من الغلوّ، في نظر ناقدٍ، الاتكاء عليه "وتعليه على حساب بقيّة العناصر الأخرى المشكّلة للتجربة الشعرية وللصّور الفنية على السّواء...‏

إن الشعر كأي خَلْقٍ آخر نسج خيوطه الإحساس والعاطفة والفكرة.. وأن أيّ تحليلٍ للفنّ يجب أن يقوم في ضوء العلاقات والارتباطات المتداخلة الملتحمة بين الخيوط المشكّلة للنسيج، والتي لا يُمكن لها أن توجد منفصلةً بعضها عن بعضها الآخر"(7) .‏

ومن هذا المنطلق، دعا العقاد إلى تخليص الشعر العربي من وطأة الحسّية التي رانت عليه قروناً طويلة كما نَعَى، في الوقت نفسه، على الشعراء المقلّدين إفراطهم في الوصف الحسّي وتوهمّهم إنهم ببراعة التشبيه بالمحسوسات يصلون إلى قمة الشعر؛ فهم بهذا الوصف في غفلةٍ شديدةٍ في الحقيقة النفسية والشعورية للتصوير الذي "هو من عمل النّفس المركّبة، من خيالٍ وتصوّرٍ، وشعورٍ".(8)

وعليه، فالنفس هي مقياس الوقت في الإحساس أو في التّصوير الشعري الذي هو جزءٌ من هذا الإحساس وهي لِغِناها الشعوري، والتصوّري، والخيالي، فوق هذا المقياس، تملك حرية التّصرّف الفنيّ فيه، فتُطيل الزمن وتختزله بما يناسب رغبتها، دون أن يحدّ من طلاقتها الحسّ والاسترجاع، فالنفس، إذن، في تصوّر العقاد بخلاف الساعة المركّبة من حديدٍ أو نحاسٍ"، قد تنظر إلى اللمّحة، فإذا هي دهرٌ سرمدٌ لازدحامها بالمنظر بعد المنظر والخيال بعد الخيال إلى غير نهايةٍ يحدّها الحسّ ويقف عندها الاستحضار"(9) .‏

ونرى أن هذه المقارنة بين السّاعة الاصطناعية بوصفها المقياس العلمي للزمن المضبوط، وبين النفس الطبيعية بوصفها المقياس الفنّي للزمن المفتوح، أو الحرّ في الإحساس والتصوّر الشعري، تعكس إلى جانب بعدها السّيكولوجي تحدّياً فنيّاً جماليّاً، لا يستطيع العلم، في الواقع أن يحدّ من سَيْرِه، أو من تقدّم الفنّ عموماً؛ إذ ما استطاعت الأبحاث العلميّة في الصّوت أن تجعلنا لا نطرب لألحان "بتهوفن"(10)

ومن هذه الملامسة النفسية لحقيقة التصوير، يرى العقاد أن مهمّة الشعر، هي العناية "بالحركات النفسية"(11) ، لا بوصف الصور المحسوسة وحسب، مُفرّقاً في ذلك بين التصوير الشعري والتصوير الحسّي أو "التماثيلي" في أثناء حديثه عن "الكلاّوكون"(12) أو فنّ التّماثيل.‏

ويظهر هذا الفرق عنده في الأثر النفسي المباشر الذي تحدثه الصورة الشعرية من خلالها حركاتها وزمنها النفسيّين اللذين لا يحدّ من امتدادهما حاجز حسّي، وهذا بخلاف التصوير الحسيّ "التّماثيلي" الذي يعنى "بكل مايرى بالعين ولا يخامر النفس إلا من طريق الرؤية والملامسة. فالشاعر إذ وصف جمال المرأة وصف أثرها في النفس، ولم يشغل فنّه بتصوير المحسوسات إلا من حيث هي دلالةٌ على الخوالج والعواطف، أما المصوّر فله عملٌ آخر، وهو نقل الصور من حيث هي مظهرٌ ومكانٌ لا من حيث هي حركةٌ وزمانٌ، وهذه هي الخطوط البارزة في التّفريق بين الفنّين، ولكنها لا تمنع التداخل بينها والالتقاء فيما يتشابهان فيه ويتوافيان".(13)

ويسوق العقاد -نقلاً عن أمثلة "لسنغ" - مثالاً عن صورة "هيلينا" في شعر "هومر" وصورتها في تماثيل المثالين، يوضّح به مدى الأثر "السّيكولوجي" "Psycho - esthetique" الذي تحدثه الصورة الشعرية في النفس.(14)

وينتهي الناقد إلى أن هذا الامتداد في الحركة والزمن النفسيّين الذي عاشته "هيلينا" في وجدان المتلقّين من خلال التصوير الشعري، لم تعشه في صورتها الحسيّة المجسّدة بالتماثيل، والتي تعتمد على المظهر والمكان(15) .‏

ولعل هذه المعايشة الوجدانية التي حظيت بها صورة "هيلينا" في شعر "هومر" جاءت عن طريق الوصف الخيالي، وهو وصف الأشياء المحسوسة لا من حيث هي واقعةٌ في المكان بل من حيث هي واقعة في النّفس".(16)

ومن هذا الفهم النفسي لطبيعة التصوير الشعري، يحدّد العقاد منبع الصورة الشعرية مركّزاً في الوقت نفسه، على الجانب الحسّي والشّعور فيها؛ إذ يرى أن الملكة الشاعرية بخاصّة والفنّية بعامّةٍ، هي آلة التصوير التي فيها تتجمّع الصور ومنها تتوزّع بعد إعادة تركيبها وتشكيلها من جديد، ولكن يجب أن تعطيها النفس من سعة الإحساس وقوّته مايمكّنها من التقاط كل صور العالم في صورةٍ كاملةٍ، وتقديمها إلى المتلّقي نابضةً بالحياة(17) .‏

معنى هذا، ينبغي أن يكون الشاعر على حظٍ وافرٍ من الإحساس مايجعل ملكته الشاعرية، في تصور العقاد، أشبه بالعدسة المصوّرة ذات الإحساس الواسع الدّقيق، لا يفوتها التقاط جزئيات الصورة في رسمٍ كاملٍ ودقيقٍ للعالم(18) .‏

بيد أن الإحساس ههنا، ليس تلك القدرة الآلية وإنّما هو نشاط الحواس مُمتزجاً بالقدرة النفسية، أو بالنشاط الباطني الذي يتجلى في تصوير الإحساس وتخيّله باللفظ؛ لأنَّ "المسافة عظيمةٌ" بين شاعرٍ يصف لك مارآه، كما قد تراه المِرْآة أو المصوّرة الشمسية، وبين شاعرٍ يصف مارآه وشعر به وأجاله في روعه، وجعله جزءاً من حياته"(19) .‏

أما إذا كانت ملكة الشاعر على حظٍ يسيرٍ من النشاط الحسّي والباطني، فإنّها ترسم لنا جزءاً صغيراً من العالم، وصورةً ضيَّقة منه، وحتى لو أفرغت هذه الملكة كل طاقاتها الشعورية في رسم هذه الصورة الجزئية وأغنتها بالظلال والألوان، فهي لا ترقى إلى مستوى تلك الصورة الكاملة، وعليه، لا يمكن أن نبادلها بالصورة العالمية، ومن هنا، يفرّق العقاد بين شاعرٍ ملك قطعةً من العالم وشاعرٍ تربّع على عرش العالم كلّه بإحساسه القوي وشعوره الفيّاض وشاعريّته المتوثّبة"(20) .‏

نفهم من هذا، أن الجانب الحسّي، ماهو إلا مرحلة تمرّ بها الصورة الشعرية لتمتزج بعد ذلك بالجانب النفسي المتمثّل في المشاعر التي تتلقّاها النفس، وهنا يتوجّب على الشاعر أن يقوم بمهمّتين، مهمّة حسيّة نفسية ومهمة، جمالية مؤثرة؛ أي "وصف مايقع تحت الحسّ فيبرز في حلّةٍ قشيبةٍ تحرّك فينا أوتار الطرب..."(21) .‏

فالصورة الشعرية عند العقّاد، يجب أن تنتهي إلى الداخل بعد إدراكها من الخارج، لإعادة صياغتها وإخراجها في إهاب حيٍّ، يمتزج فيه الجانب الحسّي التعبيري، بالجانب النفسي الباطني، وفي هذا السياق، يقول "عبد الحي دياب":‏

"إن الصورة، في تصوّر العقاد، تمرّ بمرحلتين، الأولى: إدراك من الخارج إلى الدّاخل، وهو الإدراك الحسّي، في صورةٍ كاملةٍ وتقديمها إلى المتلقّي نابضةً بالحياة(22) .‏

معنى هذا، ينبغي أن يكون الشاعر على حظٍّ وافرٍ من الإحساس مايجعل ملكته الشاعرية، في تصور العقاد، أشبه بالعدسة المصوّرة ذات الإحساس الواسع الدّقيق، لا يفوتها التقاط جزئيات الصورة في رسمٍ كاملٍ ودقيقٍ للعالم(23) .‏

بيد أن الإحساس ههنا، ليس تلك القدرة الآلية وإنّما هو نشاط الحواس مُمتزجاً بالقدرة النفسية، أو بالنشاط الباطني الذي يتجلى في تصوير الإحساس وتخيّله باللفظ، لأنّ "المسافة عظيمةٌ بين شاعرٍ يصف لك مارآه، كما قد تراه المِرْآة أو المصوّرة الشمسية، وبين شاعرٍ يصف مارآه وشعر به وأجاله في روعه، وجعله جزءاً من حياته"(24) .‏

أما إذا كانت ملكة الشاعر على حظٍّ يسيرٍ من النشاط الحسّي والباطني، فإنّها ترسم لنا جزءاً صغيراً من العالم، وصورةً ضيّقةً منه، وحتى لو أفرغت هذه الملكة كل طاقاتها الشعورية في رسم هذه الصورة الجزئية وأغنتها بالظلال والألوان، فهي لا ترقى إلى مستوى تلك والأخرى إخراجٌ من الداخل إلى الخارج، وهو التعبير ممتزجاً بالخواطر التي تتلّقاها النفس(25) "‏

ونرى أنّ هذا الفهم النفسي للصورة الشعرية التّامة التي تحمل في ثناياها عالماً كاملاً، عند العقاد، قريبٌ إلى حدٍّ من "الصورة الرؤيوية"، التي تعتمد في تشكيل أساسها على الشعور الوجداني الغامض والخيال المؤلف، ذلك أن هذا النّوع من الصور ذو تجربةٍ إنسانيةٍ يتخطّى حدود الرؤية البصرية المباشرة لينفذ إلى الرؤية الشعرية عن طريق الاستكشاف والشعور والباطن "INTROSPECTION"(26) ، أو ما يسمّيه العقاد "يقظة الشعور الباطني"(27) في تحليله لحوّاس ابن الرومي، فنفس هذا الشاعر "تامّة الأداء تشعر شعوراً شديداً بالحياة من حيثما واجهتها وتداخل الطبيعة في كل جزءٍ من أجزائها، فقد عاش صاحبها يوماً يوماً من عمره وناحيةً ناحيةً من وجدانه ولابس الحياة ولابسته.‏

كأنها الجارية النّاهد"(28) .‏

ودامت الدنيا له غضّة.‏

فابن الرومي، في تصور العقاد، ملك جهازاً حسّياً ونفسّياً شديد الدّقة والحساسية، لا يقنع بنقل مايقع على الحواس من مرئيات، ومسموعات، ومشمومات، وملموسات والمقابلة بينها دون إشراكها بنشاط الوعي الباطني، "..... كلاّ! فإن هذه اليقظة الحسيّة لتصاحبها يقظة في الشعور الباطني، تسري به في كل مسرى وتنفذ به إلى كلّ منفذٍ وتترجم العواطف والأخلاق كما تترجم المناظر والألحان".‏

نفهم من هذا، أن الصّور الشعرية، تحتاج -فضلاً عن الحسّ الظاهر- إلى نشاطٍ داخليٍّ يساعد الشاعر على إدراك ظواهر الأشياء وبواطنها، لتحويلها إلى صورةٍ واعيةٍ تدسّ في ثنايا حسّيتها أفكاراً وخواطر، وتعكس، في الوقت نفسه، حالةً نفسيّةً وجدانيّةً، وإدراكاً ذهنيّاً؛ لأن التصوير في الشعر هو عملية ضبطٍ للوجود الظاهر والوجود الباطن وجعل هذه العوالم تدرك بالحسّ، بالحدس، بالعقل، بالرؤيا..."(29) .‏

وسنرى وشيكاً أن هذه العملية الباطنية تتطلّب ملكةً خالقةً، قادرةً على التشّخيص الشعوري، وهذه القدرة مستمدّةٌ، من باعثين نفسيين هما: "سعة الشعور ودقّته".‏

على أن العقاد -في نظرنا- بهذه المزاوجة بين اليقظة الحسيّة واليقظة الباطنية طمس ظاهر الحقيقة وإلغاء "الوعي الظّاهر" باسم "الوعي الباطن" كما يزعم بعض الغلاة من المصورين، ولَئِنْ كان الناقد يقصد ههنا فنّ التصوير أو الرّسم، فإنه يرى أن عَدْوَى هذا الوعي قد أصابت فنوناً أخرى، ولا نستبعد أن يكون من ضمنها فن القول بعامّةِ والصور الشعرية بخاصةٍ؛ "والخطأ هنا أن "الوعي الباطن" لم يلق ليلغي الوعي الظاهر أو يمنعنا أن نرى الدّنيا، ولكنه خلق ليظل وعياً باطناً حيث هو في قرارة الضّمير، نستدلّ عليه بعلاماته التي تتّفق عليها الأنظار، ومامن أحدٍ يبني بيته أو يطبخ طعامه، أو يخيط ملابسه، أو يحضّر دواءه، على مايتصوره هذا وذاك وأولئك في وعيهم الباطن الزعوم.... فلماذا يتغيّر وجه الإنسان لأن له وعياً باطناً، أو لأنّ المصوّر له وعيٌ باطنٌ، أو ما يزعم من هذا الهُراء"(30) .‏

ومهما يكن من أمرٍ، فإن العقاد لا يرمي "بالوعي الباطن"، كلّه، سيّما إذا كانت له علامةٌ تتّفق عليها الأنظار، ودلالةٌ قلّما يختلف فيها اثنان؛ ذلك أن "علم النفس المعاصر يقرّ بأن في ذهن الإنسان تكمن الصور والمشاعر في منطقةٍ لا واعيةٍ، لكنها تومض لصاحبها بطريقةٍ عفويّةٍ، تحت ضغط الإنفعال أو في ظروفٍ أخرى مواتيةٍ، فيفيد منها الخطيب والمفكّر وسائر أصحاب الأعمال العقلية"(31) .‏

بيد أن الإفراط في استخدام هذا الوعي يحوّله، في نظر العقاد، إلى بدعةٍ مرضيّةٍ، وعلّةٍ في بواطن المُولَعين به." الواقع أن الوعي الباطن له مكانٌ واحدٌ من شؤون هذه البدعة المرضية، ومكانه هو إظهار العلّة المرضيّة التي تكمن في بواطن المصوّورين المشغوفين بكلّ بدعةٍ من هذا القبيل... فهم بين مشوّهٍ أو ضئيلٍ، أو مهزوم النفس أو عجز عن لفت النظر إليه، فحيلتهم هي حيلة هذا الضّرب من الناس في اتخاذ المشاكسة والتحدّي والإغراب وسيلة للتّنبيه إليه، وهذه هي الحقيقة الواحدة التي لها شأن... الوعي الباطن... في مذهب هؤلاء الغلاة، فهم مصابون في وعيهم الباطن، يترجمونه كارهين، ويعرضون على الناس من ثمّ أعراض مَرضٍ معارض فنونٍ"(32) .‏

ولا نعدو الحقيقة إذ قلنا إن العقاد يقصد ههنا غلاة الرمزّيين بعامّةٍ، والسوريالييّن بخاصّةٍ، وعلى رأسهم "أندريه بروتون A. Breton" زعيم المدرسة السوريالية الذي أعلن في بيانه عام 1924م، القطيعة لكل رقابةٍ عقليّةٍ مفسحاً المجال لكل تداع تعبيري حرّ في تشكيل الصورة. أيّاً، كان نوع هذا التداعي؛ فالسّوريالية في ظّنه "آلية" نفسيةٌ ذاتيةٌ خالصةٌ، يستهدف بواساطتها التعبير إن قولاً وإن كتابةً، وإن بأيّ طريقةٍ أخرى عن السّير الحقيقي للفكر، هي إملاء من الذّهن في غياب كلّ رقابةٍ من العقل، وخارج كلّ اهتمامٍ جماليٍّ أو أخلاقيٍّ"(33) .‏

والعقاد حين ينعي على غلاة الرمزيّين نكرانهم الجانب الحسي في التعبير عن الحالات النفسية، والمشاعر المكبوتة لا ينفي -كما أسلفنا- وجود الوعي الباطن، ولكن ساءه أن يغدو هذا الوعي الوسيلة الوحيدة التي يستعين بها الإنسان على التصوير وتحليل الصور، ويصبح بعد ذلك كلّ فردٍ "فناً" قائماً برأسه بحجّة أنه يملك وعياً باطناً لا يشاركه فيه أحدٌ".(34)

وبناء على هذا، يقرّر الناقد أن الوعي الباطن حقيقةٌ متأصّلةٌ في طبائع النّاس منذ مئات السّنين، ولها جذورها الممتدّة في التاريخ الغابر، نستشفّها من التراث العربي والعجمي على حدٍّ سواءٍ عند قدماء المثّالين والمصوّرين والشعراء، وعليه، يجب أن تمضي هذه الحقيقة في عملها سواء أظهر "فرويد" أم لم يظهر، فهذا الوعي ترك أثره في شعر المتنبّي، والشريف وبيرون، ولامرتين دون أن يتنكّر لعمل الحواس أو يّطرح جانباً نشاط الأذواق والأذهان.‏

ونرى أنّ أثر الوعي الباطن في التراث الإنساني حقيقةٌ لم ينكرها "فرويد" بل صرّح بها معترفاً أنّ الذين ألهموه نظريته في التّحليل النفسي، وخصوصاً مستويات الشعور واللاشعور، هم الفلاسفة والشعراء، والفنانون الرومانسيّون على الخصوص(35) .‏

***‏

2- الصورة الشعرية المشخّصة ونماذجها في شعر ابن الرّومي:‏

وبناء على هذا الفهم النفسي للصورة الشعرية بين الإدراك الحسّي والباطني، يرى العقاد أن ابن الرومي كان بارعاً في استخدام حواسّه معتمداً على رؤيته في يقظة حسّه وشعوره الباطني، بعيداً عمّا يمكن أن يُفهم من سُبحات الوعي الباطن.‏

وقد تعود هذه البراعة إلى قدرته على "التشخيص" بوصفه عنصراً رئيساً في عمليّة التصوير الشعري؛ إذ عليه تتوقّف جودة الصورة الشعرية أو رداءتها، وهو دليل الملكة الخالقة التي تستمدّ قدرتها من باعثين نفسيين هما: "سعة الشعور، ودقّته"؛ فالشعور الواسع هو الذي يستوعب مافي الأرضين والسموات من الأجسام والمعاني، فإذا هي حيّة كلّها، لأنّها جزءٌ من تلك الحياة المستوعبة الشاملة. والشّعور الدّقيق هو الذي يتأثر بكلّ مؤثر ويهتزّ بكل هامسةٍ ولا مسةٍ، فيُستبعد جدّ الاستبعاد أن تؤثر فيه الأشياء ذلك التأثير وتوقظه تلك اليقظة وهي هامدةٌ صفرٌ من العاطفة خلوٌ من الإرادة".(36)

معنى هذا، أن الشعور مرتبطٌ بملكة الشاعر الخالقة وموهبته المبدعة، وهو مشروط في عملية التصوير الشعري، يساعد الشاعر على تجسيد مايعتمل في نفسه من الأجسام والمعاني. ووظيفته، في نظرنا، ليست احتواءً كمّياً لأشياء الطبيعية، يُحكم سعته فحسب، وإنّما انتقاءٌ نوعيٌّ لها،تتطلّبه تلك الدّقّة.‏

وهذه الأشياء، في الواقع، لا تملك لنفسها حراكاً مالم يكن لها من الدّاخل تيّقظٌ نفسيٌّ، يخرجها من حالة الجمود والهمود، إلى حالة النشاط والحيوية، في صورةٍ متحرّكةٍ نابضةٍ بالحياة، وهي في تصوّر العقّاد، لا تسرّ لذاتها أو تحزن لذاتها، وإنّما تسرّ الأشياء أو تحزن بما تكسوها الخواطر من الهيئات، وتعيرها الأذهان من الصّور"(37) .‏

على أن هذا النشاط الباطني -في تصوّرنا- ليس شعوراً عابراً أوتأثّراً عارضاً فحسب، وإنّما استجابةٌ ذهنيّةٌ، وإدراكٌ واعٍ لكلّ مؤُثرٍ من مؤثرات الطبيعة؛ فالشعور ههنا يعني أيضاً" هذا الوعي الذي يجعل الشاعر قادراً على التّمييز بين الصّور والأفكار.. وإذا كان من الحق أن هذا الشاعر لا يهتمّ بمظاهر الطبيعة إلا لمِا تُثيره في نفسه من صورٍ وأفكارٍ، فإنّ مما لا شكّ فيه أيضاً أن هذه المظاهر توقظ مشاعره وتدفعه إلى التّفكير المنظم، ونعينه بالتالي على خلق صورٍ مجرّدة، تعبّر عن نفسه وعن الحياة في آنٍ واحدٍ"(38) .‏

ومن هنا يرى العقاد أن التّشخيص يأتي بعد نشاط الوعي الداخلي؛ إذ "لابدّ... من شعورٍ يسبق التّشخيص ويلقي عليه ظلّه ويبثّ فيه من حياته"(39) ، ليغدو تشخيصاً شعوريّاً متميّزاً عن قدرة التّشخيص اللّفظي". التي هي حيلةٌ لفظيةٌ تُلجئنا إليها لوازم التّعبير، ويوحيها إلينا تداعي الفكر وتسلسل الخوطر"(40) .‏

وماهذا التداعي أو التسلسل -في علم النفس- إلا ضربٌ من العمليات العقلية، "وقد حصر أرسطو عوامل التّداعي في ثلاثة هي: التّشابه، التّضاد، الاقتران الزماني أو المكاني، وأرجعها المحدثون من علماءا لنفس إلى عاملٍ واحدٍ هو الاقتران الذهني.. فأنت إذ رأيت رجلاً طويلاً تتذكّر صديقاً لك يشبهه في طول القامة، والتجارب السّارة أو المؤلمة تُذكرّنا بأمثالها من تجاربنا الماضية، والطويل قد يُذكرنا بالقصير، والسّارّ قد يُذكّرنا بالمؤلم، والحوادث التي حدثت لك في زمانٍ أو مكانٍ واحدٍ يستدعي بعضها بعضاً وهذا كله راجعٌ لقوانين تداعي المعاني الأساسية..."(41) .‏

وتأسيساً على هذا الفهم النفسيّ للتّداعي، يرى العقادْ أنّ الصورة الشعرية المشخّصة نتاج موهبةٍ خالقةٍ "مقصودةٍ تكون عند أناسٍ ولا تكون عند آخرين"، وهي صورةٌ عميقة الشعور، لا تخضع لمنطق التّسلسل الفكريّ ولا تستجيب للحيل اللفظية والقوالب التشبيهية الجاهزة، بل يمتزج كل عنصرٍ فيها بتجربة الشاعر الشعورية لتعكس فوق جمالها الفنّي وجمال الطبيعة حالة هذا الشاعر النفسية(42) ...‏

فاختيار "ابن الرومي" مشهد الشمس ساعة الغروب كان اختياراً موّفقاً ينمّ على نفسيةٍ كليلةٍ كسيرةٍ، ارتمت في أحضان الأصيل، واندست في أضبانه تناجيه ويناجيها، كأنهما صاحبان يتهامسان اللوعة والأسى، والشوق في مشهدٍ رهيبٍ، شاركت رهبته الألوان والحركات، وكل عناصر الطبيعة ممتزجةً بشعورٍ وافر دقيقٍ، فالشاعر في وصفه يشّف "عن شغف الحيّ بالحيّ وشوق الصّاحب إلى الصاحب، وتسمع من تشبيهه بهارنّة طربٍ أو شجوٍ، لا تخرج إلا من نفسٍ مفعمةٍ بأصداء الطبيعة قد نفذت إلى طويتها وشاركتها فيما تتخيّله لها من حزنٍ وسرورٍ، فهو يحيا مع الشمس الغاربة حتى تضع على الأرض خدّا أضرع من وحشة الفراق، وهو يحيا مع النّور حين تخضلّ بالدّمع عيونه وتهبط الليل شجونه، وهو يحيا مع الذئاب والطّير الساجع في ساعة الغروب التي يمتزج فيها الحنان الذائب بالشوق الخفيض، وهوينظم ذلك كله في أنشودةٍ واحدةٍ لم تدع مزيداً لفن اللّون والحركة ولا مزيداً لِوَحيْ الخيال والسّليقة.‏

على الأفق الغربي ورساً مزعزعا‏

إذا رنّقت شمسُ الأصيل ونفّضت‏

وشوّل باقي عمرها فتشعشعا‏

وودّعت الدنيا لتقضي نحبها‏

وقد وضعت خدّا إلى الأرض أضرعا‏

ولاحظت النوار وهي مريضةٌ‏

توجّع من أوصابه ماتوجّعا‏

كما لاحظت عواده عين مدنف‏

كما اغرورقت عين الشجي لتدمعا‏

وظلّت عيون النور تخضلّ بالنّدى‏

كأنهما خلاّ صفاء تودّعا‏

وبين إغضاء الفراق عليهما‏

من الشمس فاخضرَّ اخضراراً مشعشعا‏

وقد ضربت في خضرة الرّوض صفرة‏

وغنّى مغني الطير فيه فسجّعا‏

وأذكى نسيم الرّوض ريعان ظله‏

كما حثحت النشوان صنجاً مشرعا(43)

وغردّ ربعيّ الذباب خلاله‏

فهذه الصور الشعرية -إذن- نفثة كئيبٍ كريبٍ، وأنشودة نفسٍ وَصِبةٍ وجعةٍ، عانقت مغيب الشمس نبتّة شكواها ودّنَفها في "شعور عميقٍ بوحشة الغروب وماينعكس من ذلك الشعور العميق على الشمس من ترنيقٍ، وضراعةٍ، وانكسارٍ ونظرٍ يائسٍ كنظر المريض إلى العواد ووجومٍ شائعٍ بينها وبين عيون النوار التي تغرورق على الأغصان لتدمع وتلحظ ألحاظاً خشّعاً من الشّجو والإغضاء".‏

وهذا النموذج الشعري، ضربٌ من التِّشخيص الشعوري الذي مثّله ابن الرّومي أحسن تمثيلٍ، وهو بخلافٍ التّشخيص اللّفظي الذي هو لعبٌ بالألفاظ وتسلسلٌ مفتعلٌ للأفكار والخواطر.‏

وعلى الرغم ممّا لهذا التّداعي من أهميةٍ في تشكيل صورٍ شعوريةٍ مشخّصةٍ متناسقةٍ، فإنّه ههنا في التِّشخيص اللّفظي يعتمد على آلية تتابع المناظر في شعورٍ مُبْهمٍ، ينمّ على ملكةٍ عقيمةٍ دأبها محاكاة قوالب جاهزة، وتشبيهات محفوظة من شعر الأقدمين، وقد ساق العقاد، المثال السّابق حجّةً على بعض الشعراء المقلّدين ممّن "ينظر إلى الشمس في هذاالمشهد -مشهد غروب الشمس- فيجعلها حسناء مفارقة، ومادامت حسناء مفارقة فهي معشوقة أو عاشقة، ومادامت معشوقة أو عاشقة، فهناك قصّة غرام تدور على هذا المعنى إلى حيث ينتهي بها المطاف، وكلّ هذا، لأنّ الشمس مؤنثة في اللغة العربية وحسناء في تشبيهات الشعراء، فهي قصة مولّدة من لفظ عرضي قد يكون لها نصيبٌ من الشعور، وقد لا يكون لها أقل نصيبٍ".(44)

معنى هذا، أن الصورة الشعرية المشخصة، لا تخضع لرتابة التسلسل المنطقي، كما لا يمكن للألفاظ بعلاقاتها البسيطة أن تولّد قصّةً بأكملها، وتفي في الوقت نفسه بمطلبيها الشعوري والحياتي.‏

ويرى العقاد، أن قدرة الشاعر على التصوير المطبوع موقوفةٌ على نقل صور الوجود كما هي واقعةٌ في حسّه ومشاعره، ثم يتوّلاها الخيال بعد ذلك بخلقٍ جديدٍ، بهذا يُتاح للشاعر إيجاد الأجسام الحيّة المناسبة للمعاني المجردّة، وابتكار الرموز اللائقة بالصور المحسوسة.‏

ومن هنا، يُنصّب الناقد ابن الرومي أوّل شاعر سبق بتشخيصه الشعوري المطبوع وفطرته المهيأة للتصوير عدداً غير قليل من شعراء الأمم، لأنه مصوّر بالفطرة المهيأة لهذه الصناعة، فلا ينظر ولا يلتفت إلا تنبّهت فيه الملكة الحاضرة أبداً وأخذت في العمل موفّقة مجيدة، سواء ظهر عليها أوسَهَا عنها كما قد يسهو المّصور وهو عاملٌ في بعض الأحايين".(45)

وتبرز هذه القدرة الحسيّة، والشعورية، والخيالية في شعر ابن الرومي عندما تغدو صورة مشاعر متتالية، ترمقها العين كأنها شخوصٌ ماثلةٌ أمامها، وخواطر متتابعة تتلقّفها النفس تلقّف الجائع، وحركات متواصلة تعبر حقّ التعبير عن براعة المزاوجة بين المرئيات والمشاعر.‏

ونرى أن هذه النفس في إحساسها بالأشكال لا تقوم بعملية الاستقبال Reception فحسب، وإنّما ينجم عن تلك الأشكال المستقبلة، والتي تفاعلت معها النفس والحواس برهة مامن الزمن عملية إرسالٍ Emission أو خلقٍ جديدٍ لتلك الأشكال، وهاتان العمليّتان تُتيحان لنفس الشاعر وحواسّه استكناه مغازي الصّور وملامحها، وتخريج أبعادها وحركاتها ومواقفها، وإغنائها بالتّشذيب والتّهذيب، لتأخذ شكلها النّهائي، وتنال، في الوقت نفسه، نصيبها من نفوس المتلقّين وأذواقهم.‏

ومن هنا، تصبح مهمّة الشاعر -في نظر العقاد- شبيهةً بمهمّة "الرسام" الذي بسط أمامه لوحته، وأقبل على الوجوه والأشكال يتفرّسها، ويطيل النظر إلى ملامحها وإشاراتها وماتشفّ عنه من المعاني، وتشير إليه من الدّلائل، ويراقبها في التفاتاتها ومواقفها وحركاتها لينثني بعد ذلك إلى لوحته فيثبت عليها ماتوارد على بصره وقريحته من الألوان والمعارف والهيئات من حيث هي تحفةٌ فنيّةٌ، تستوي الحواس والأذواق".(46)

فالصورة الشعرية إذن، ولادةٌ عسيرةٌ يشترك في تشكيلها النظر، والفن، والجمال، والخيال، والوعي، والشعور والنفس، والقريحة، ناهيك عن اللّون، والحركة، والزمان والمكان، وكلّ مظاهر الحياة والطبيعة(47) .‏

وامتلاك هذه العناصر، يعني امتلاك نفسٍ دقيقةٍ التصوير، صحيحة الإحساس، قادرةٍ على استخلاص أسرار الحياة والطبيعة، وتجريدها في صور مشخّصة، على ألا يكون هذا التّجريد مقصوداً لذاته، بل تقريباً للمعاني البعيدة.‏

فهذه النفس -إذن- أشبه عند العقاد بـ "بالمصوّرة الفلكية التي يرصدها الفلكيون لالتقاط أشعة النّور من أبعد السموات وأظلم الآفاق: نفس صحيحة الإحساس قويته، لا يغيب عنها قريبٌ ولا بعيد، ولا ظاهرٌ، ولا باطنٌ ممّا يحيط بها من مشاهد الحسّ والخيال، وليس يفوتها علم شيء دقّ أو جلّ ممّا توحي به الطبيعة والحياة من الحقائق والأسرار"(48) أي يجب أن يعرض الشاعر الأسرار في صورةٍ كاملةٍ لا أن يجرّد الصّور احتفالاً بالأسرار ذاتها.‏

ولعل تلك العناصر، هي الملكات التي تقوم على أساسها الصورة الشعرية، ليس عند العقاد فحسب، بل عند الجماعة كلها، فالصورة الشعرية إنّما تقوم أساساً، في نظر جماعة الديوان، على هذه الملكات والعواطف الإنسانية"(49) .‏

ومهما يكن من أمرٍ، فإنّ ابن الرومي، في تصورّ العقاد، استطاع أن يحقّق في شعره جلّ عناصر الصورة الشعرية المشخّصة، لأنه يملك مايسميه الناقد "النّفس الفنّية" الدالّة على تمازج ملكتي الشعر والتصوير فيه، وتفاعل مشاعره بصورة. ويشترك في هذه النفس معظم الفنّانين من شعراء ومصوّرين وموسيقّيين، لأنهم يملكون جميعاً وسائلها.‏

ولكنها تختلف من ناحية فعالية هذه الوسائل، وخصوصاً نشاط "الحاسّة" إزاء الجمال، وفي هذا السياق، يقول العقاد، في مقال له بعنوان "مثل من التصوير في شعر ابن الرومي:" فإن النّفس الفنّية جِبِلّةٌ واحدةٌ تختلف ماتختلف، ولكنها تتفّق في المعدن الأصيل الذي يجمع بينها عند دقّة الإحساس وحبّ الجمال، هي إنّما تختلف من ناحية "الحاسّة" التي تبلّغها رسائل الجمال، والوسيلة التي تعبّر بها عمّا يخامرها من الهاماته وخواطره، فالشاعر لا يخلو من ملكة الألوان والأشكال والفطنة إلى الحركات والأنغام.‏

والمصور لا يخلومن معاني الشعر وأصداء النّغم التي تراها العين معكوسةً على صور الأشياء. والموسيقي لا يخلو من السّرور بمحاسن المناظر والمعاني التي يترجم عنها في أصواته وألحانه، وكلّهم -لو أمكننا أن نتخيّل قرائحهم بمعزلٍ عن الأبصار، والأسماع، والأيدي والألسنة - أسرة من التوائم لا تعرف الواحد منها إلاّ حين يرتدي علامته من اللباس، أمّا ابن الرومي فقد كانت الملكتان فيه - الشعر والتصوير- متقاربتين أيّما تقاربٍ، ممزوجة أيّما تمازج وكان لا يعجب بشيءٍ إلا ولملكة المصورّ نصيبٌ من ذلك الإعجاب، ولا يشتهي شيء إلاّ وللنظر حظٌّ منه...(50) "‏

آثرنا التطويل في ذكر هذا النّصّ لنبيّن من جانبٍ إعجاب العقاد بابن الرومي، ومن جانبٍ آخر، قدرة هذا الشاعر المتميّزة على الجمع بين الشعر والتّصوير في صورٍ شعرّيّةٍ مشخّصةٍ، تحمل جلّ عناصر الجمال، من شعورٍ دقيقٍ، ونفسٍ فنّيةٍ وحاسّةٍ جماليّةٍ، ولونٍ ، وشكلٍ، وفطنةٍ، وحركةٍ، وموسيقى وبصرٍ، وسمعٍ، وشمٍّ، ولمسٍ، وذوقٍ، وخيالٍ...‏

وأوّل مايروع العقاد، براعة هذا الشاعر في تمثيل الحركة على الرّغم ممّا في تصويرها من صعوبةٍ، ولكنها عندما تمثل أمامه تسهل وتلين، لأنه يجريها على ماتريده حالاته النفسية من جدٍ أو هزلٍ، وحزنٍ أو سرورٍ(51) .‏

والأمثلة على ذلك كثيرةٌ، منها تلك الصّورة "الكاريكاتورية" الجميلة التي تصف أحدب في ثلاث حركات "زمكانية" نحسها دفعةً واحدةً دون تقطّعٍ في الزمان والمكان، حركة الأحدب وهو يتوجّس خيفة الضّرب كأنه متهيءٌ أن يُصفع وحركته كأنما صفعت قفاه مرّةً، وأخيراً حركته وهو يتجمّع عندما أحسّ ثانيةً لها:‏

فكأنّه مترّبص أن يُصفعا‏

قصرت أخادعه وطول قذاله‏

وأحسّ ثانيةً لها فتجمّعا‏

وكأنما صفعت قفاه مرة‏

فهذه الصورة جمعت إلى جانب الحركة كلّ العناصر والملكات من شكلٍ، وحسٍّ، وخيالٍ، وتأمّلٍ... في هيئة سخرٍ "عمل فيها الشاعر عمله المركّب ليتمّ فيها نصيب العين والضحك والخيال، فصورة الرّجل وهو يتهيّأ لأن يُصفع، ثمّ يتجمّع ليتّقي الصّفعة الثانية، هي صورة الأحدب بنصّها وفصّها، لا يُعوزها الاتقان الحسّي، ولا الحركة المَهِينة الزّرية، ولا التأمّل الطويل في ضمّ أجزاء الصورة بعضها إلى بعض حتّى يتّفق التشبيه هذا الاتّفاق"(52) .‏

ثلاث حركات -إذن- استطاعت الصورة الشعرية، في نظرنا، أن تمثّلها في هيئة واحدةٍ دون انفصالٍ في الزمان، والمكان، وهذا مالا نستطيعه أحياناّ حتّى "السّينما" بوسائلها التقنية المتطوّرة؛ إذ لابدّ أن تصوّر كل لقطةٍ أو حركةٍ على حدةٍ في صورةٍ منفصلةٍ مستقلّةٍ، ليتمّ عرضها بعد ذلك في صورٍ متتاليةٍ كأنّها صورةٌ واحدةٌ، والرسام أيضاً لا يستطيع رسم الحركات الثلاث في لوحةٍ واحدةٍ؛ إذ لابدّ من ثلاث لوحات لاستيفاء الصورة الشعرية، وهذه ميزة جماليّةٌ ينفرد بها الشعر عن سائر الفنون الأخرى.‏

ففي البيتين مشهدٌ لأحدب معقوف الظّهر، يتحرّك كأنه ماثلٌ أمامنا، وقد ارتسمت على غاربه حدبةٌ، وهو مشهدٌ جميلٌ -بلاشك- من حيث التصوير الفنّي، كما أنه يبعث على السخرية والضحك، ولكنه، في الوقت نفسه، مشهدٌ مؤثّرٌ يبعث على الإشفاق، إذ نحن أخذناه من الجانب الإنساني.‏

وابن الرومي، في الحقّ، أراد من خلال هذه الصورة الشعرية أن يعكس حالته النّفسية لحظة الهزل، ليعرب في وقتٍ واحدٍ عن تطيّره وتشاؤمه من هذا الرجل الذي كان يضايقه ويترصّد له أمام داره(53) .‏

ويمكن أن نقيس على هذه الصورة "وصفه لحركة الكتّان في حقله:‏

توسنه داني الرباب مطير‏

وجلس من الكتان أخضر ناعم‏

ذوائبه حتى يُقال غدير‏

إذا درجت فيه الشمال تتابعت‏

ووصفه - أيضاً- لحركة الرُّقاق في يد الصانع:‏

وبين رؤيتها قوراء كالقمر‏

مابين رؤيتها فيكفّه كرة‏

في صفحة الماء يُرمى فيه بالحجر"(54)

إلا بمقدار ماتنداح دائرة‏

ففي البيتين الأولين، صورةٌ جميلةٌ "لجلس الكتان" وقد فضّل ابن الرومي كلمة "جلس" على "حقل" أو"مزرعة" لتمثيل المنظر كلّه واستيفاء كلّ جزء من أجزائه الحسّية، ناهيك عن تمثيل عناصر الصورة كلّها.‏

"فالحركة" يجّسدها تتابع الذّوائب واطّرادها بفعل الرّيح، فكأنها غدير اطّردت صفحة مائه، "والمكان" يمثّله حقل الكتّان بحواشيه البليلة، وكان ذلك في الليل وقت الوسن، وهذا هو "الزمن" أما خضرة هذا النّبات فتمثّل "اللّون" كما أن نعومته تمثّل "الملمس"(55) ؛ "فالصورة كاملة لا تنقص منها سمةٌ من سمات المكان والزمان والحركة، ولاحظ من حظوظ العين واللمس والخيال، ومثلها صورة الرّقاق وهي تكبر في لمح البصر، كما "تنداح الدّوائر في صفحة الماء"(56) .وكلّ هذا لأنّ الشاعر كان قوي الملاحظة، ذا جهازٍ حسّيٍّ دقيقٍ، فكأنه في تصوّر العقاد "زجاجةٌ حسّاسةٌ شاملةٌ لاتخطئ، شيئاً ممّا يقابلها، وتصيبه لأنها حيّةٌ بالغةٌ في الحياة...."(57)

فهذه الصور، وإن بدت فيها الحركة جليّةٌ، فقد عملت فيها حواسّ الشاعر ماوسعها العمل، ونُضيف إليها حاسّة السّمع في حركة الرّجل الأحنى وهو يتأهب للصّفع ويتجمع، أو في تخيّلنا صوت الصّفع ذاته، وصوت حفيف ذوائب الكتان، وهي تطّرد مع الرّيح، وصوت كرة الرّقاق وهي تتكوّر بين كفّي الصّانع لتصبح قوراء كالقمر.‏

وهذه الصورة كلّها إنعاشٌ لحالة من حالات ابن الرومي النفسية لحظة الهدوء ولحظة التّوتّر، يستشفّها العقاد من خلال رافدين من روافد طيرته، كانا فيه "على أدقّ وأيقظ مايكونان في إنسانٍ"(58) ، هما : "الذوق الجمالي" و"تداعي الخواطر" أو مايسمّيه الناقد في موضعٍ آخر "ملكة تداعي الفكر"(59) .‏

فالشاعر حين يكون هادئ الشعور، متّزن المزاج، تشي صوره بيقظةٍ حسيّةٍ وشعوريةٍ وذوقٍ جماليٍّ رفيعٍ، مثال ذلك، وصفه لذوائب الكتّان وهي تتماوج مع الرّيح، كأنها غدير ماءٍ؛ فهذه صورةٌ شعريّةٌ جميلةٌ لمنظرٍ طبيعيّ جميلٍ، يدلّ على "نفسٍ مطبوعةٍ على ذوق الجمال، تفرح وتتهلّل للمناظر الجميلة..‏

ويصاحب الفرح الإقبال والاستبشار والرّغبة..."(60) .‏

وهو على العكس من ذلك، حين ينقلب مزاجه وتشتدّ عليه طيرته، ترى المسافة قريبة من حالته المرضية الطّيرة) وحالته النفسية؛ فصورة الأحدب وهو مستوفزٌ تارةً لأن يُصفع ومتجمّعٌ تارةً أخرى، صورةٌ جميلةٌ لرجلٍ مهين الخلقة زريّ المنظر". تعكس أيضاً ذوقاً جماليّاً رفيعاً، وهي على جمالها الفنّي تترجم حالةً نفسيّةً متوترةً مناقضةً للأولى، هي حالة الانقباض والنّفور من المناظر الدّميمة الشائعة "ويصاحب النفور الحزن والإنكار والتشاؤم والكراهة، وليس أقرب من المسافة بين النّفور والطيرة، إذا دقّ الحسّ وغلب عليه الحذر وأصبح الانقباض عنده نذيراً يثنيه ويقتضب عليه طريق أمله".(61)

أمّا الرّافد الثاني لطيرته، فهو "تداعي الخواطر" الذي يلاحظ في جميع صوره الشعرية، وهو لا يخرج أيضاً عن هذه الطبيعة المتّسمة بالحذر، والمزاج المركّب، والتشاؤم(62) . وهذا التّداعي في صور ابن الرومي على ضربين: ضرب معنوي، وأخر لفظي.‏

فالتّداعي المعنوي، يلاحظه العقاد، في تداني خواطر الشاعر وتنائيها، وفي تسلسل معانيه وتشعّبها حتّى تدقّ وتستنفد، فقد يبلغ منه توتّره الشعوري واضطرابه النفسي، أن تراه يجمع بين الخواطر المشتّتة، والمعاني المتباعدة بسانحةٍ تهيّئها له قريحته المتوفّزة الغنية، فتعدو عنده كلّ كلمة لغزاً، ولكنه لغز "ليس بعسيرٍ عليه استكناهه بفضل حركة ذهنه السريعة، فهو "ينتقل كومضة البرق بين المعاني ومشابهاتها ومناقضاتها، وبين الكلمات ومايجانسها ويشاكل حروفها وأوزانها، فلا يشقّ عليه أن يعثر بطلبته الموافقة لنزعة طبعه ومتوجّه ذهنه عند معنى من تلك المعاني ومشاكله من تلك المشاكلات.‏

ومثال ذلك هذه الصورة التي هجا بها "ابن طالب الكاتب، يقول(63) :‏

لأصحابه، نحس على القوم ثاقب‏

أُزيرق مشؤوم أُحيمر قاشر‏

لفعل نذير السّوءِ شبه مقارب‏

وهل أشبه المرّيخ إلا وفعله‏

وهي صورٌ تعكس -في تصور العقاد- مداخل الطيرة إلى نفس هذا الشاعر كما تعكس في الوقت نفسه "ذوق الجمال"، و "تداعي الخواطر"؛ "فانظر إلى لون الوجه الأحمر القاشر إلى نذير السّوء والبلاء، أين هما وماذا يجمع بينهما من الصّلة والمناسبة؟ ولا مناسبة. ولكن ضع بينهما المرّيخ ولونه الأحمر، ثم ضع مع المريّخ ما اقترن به في الأساطير من خصائصه الحرب والفتنة، تنتظم العلاقة وتنعقد المناسبة من جميع أطرافها... وفرّق هذا كلّه، فإذا هو أبعد المتفرّقات.. وأجمعه كما جمعه ابن الرومي فإذا هو أقرب المناسبات وألزم العلاقات".(64)

وللتداعي اللفظي أيضاً دلالةً سيكولوجية على حالة الشاعر المَرَضيّة "الطيرة"، على حركة ذهنه السّريعة، فهو يُعمل ذهنه في سرعةٍ خاطئةٍ لإيجاد تصحيفٍ في الكلمة أو علّةٍ في اللّفظة تطابق علّة صاحبها، وهو قادرٌ على توظيف هذا الضّرب من التّداعي الذي انصبّ في الغالب على الأسماء مدحاً وذمّاً تراه "يغوص في تصحيف حروفها مثل هذا الغوص ويستخرج البعيد والقريب من رموزها وقراءتها، ويستنبط منها مايشاء من ملامح اليمن والشؤم ودفائن المدح والذّم"(65) ..‏

وإنّ كنّا نرى أن الأمثلة على هذا الضّرب من التّداعي لا تمّس جوهر الصورة الشعرية لقيامها على الافتعال والتّلاعب اللفظي، وإن كانت تمسّ حالة الشاعر النفسية.‏

وليس شرطاً -في نظرنا- أن يكون تداعي الخواطر بنوعيه المعنوي واللّفظي دليلاً على تطّير ابن الرومي وتشاؤمه في كل الحالات؛ فقد يجيء هذا التداعي من باب إشباع الرغبة الفنيّة، أو من باب التفكّه والرياضة الذهنية ليس غير، ولهذا فربط صوره الشعرية بهذا الجانب النفسي المرضي، قد يصدق وقد لايصدق.‏

على أن هذا، لا يمنع النّاقد من تلمّس حالة الشاعر النفسية من خلال توارد خواطره، خصوصاً إذا كان ثمّة في سلوكه وطباعه، وصوره الشّعرية مايسوّغ ذلك، يقول العقاد: " وإنّ عقلاً كهذا العقل المطبوع على سرعة التنقّل بين المعاني والألفاظ، ومايتفرّع عليها ويتسلسل منها، ليس بالغريب أن يهتدي إلى مكامن الطيّرة والشؤم في كل معنى وكل كلمة ولاسيّما إذ رانت على نفسه الخيبة وقدر الفشل في كل خطوة، واقترن ذلك بالإحساس المتوفّز المتربّص الذي لا تضبطه عزيمةٌ ولا تحكمه صرامةٌ في الفطرة".(66)

وإذا كان هذا هو شأن توارد الخواطر -وخصوصاً التّوارد اللّفظي المتمثّل في اللّفظة المصّحفة - في الدلالة على نفسية ابن الرّومي المتطيّرة المتشائمة، فإن للكلمة، أحياناً دلالة ، سيكولوجية داخل الصورة الشعرية، في نظر العقاد، كالضّرورة الشعرية أو مايسمّيه "الضّرورة السّعيدة"(67) وكالكلمة والمصغّرة في شعر المتنبيّ خصوصاً(68) وهذا موضوع آخر لا يتسع له صدر هذا الفصل في هذا المدخل.‏

ومهما يكن من أمرٍ، فإنّ العقاد أدرك في النصف الأول من هذا القرن أن للتعبير بالصورة بعداً نفسيّاً يتجاوز رتابة التطبيق الآلي للشّكل البلاغي القديم إلى الكشف عن شخصية الشاعر ونفسيته،وذلك من خلال صورٍ شعريّةٍ تمتزج فيها اليقظة الحسيّة باليقظة الباطنة، وتضمّ فيضاً هائلاً من العناصر النفسيّة والجماليّة، كالشعور والتأمّل، والخيال، وتداعي، الخواطر، واللّون،' والشكل، والحركة... الخ، وقد رأينا أن ابن الرومي كان نموذجاً بصُوَره الشعورية المشخّصة.‏

ولا غرابة في هذا النّزوع النفسي، فالناقد يفضّل "مدرسة النقد السيكولوجي" على سائر المدارس الأخرى، لأنها الأقرب إلى رأيه، تتيح له تلمّس الأسرار النفسية في التجربة الشعرية، وتمكّنه، في الوقت نفسه، من إدراك الفوارق السيكولوجية بين شعراء عدّة يعيشون في مجتمع واحدٍ وزمنٍ واحدٍ، وهو مع تفضيله هذه المدرسة، يصرّح بأنه لم يكن "يوماً من أشياع مدرسة فرويد وتلاميذه في الدراسات النفسية"(69) .‏

وقد ظهر هذا بوضوحٍ في انتقاده دعاة "الوعي الباطن". من المصوّرين والرّمزيين والسورياليّين.‏

غير أننا أنّ حصر الصورة الشعرية في هذا الجانب النفسي، يحجب عنها كثيراً من أدواتها المعرفية الأخرى، كقيمتها الجمالية والفنية واللغوية.. وهذا مالاحظه عليه "محمد مندور" و"يوسف حسين بكار" حين أخذا على العقاد طغيان النزعة النفسية في دراسته صور التصغير في شعر المتنبي"(70) .‏

(1) اليافي، نعيم، مقدمة لدراسة الصورة الفنية، ص : 41-42-43، ومابعدها.‏

(2) اليافي ، نعيم، تطور الصورة الفنية في الشعر العربي الحديث، ص: 54، و 170، وينظر مقدمة لدراسة الصورة الفنية، ص: 69، ومابعدها.‏

(3) عسّاف، ساسين، الصورة الشعرية ونماذجها في إبداع أبي نواس، ص : 24.‏

(4) العقاد، عباس، يسألونك، ص 59.‏

(5) العقاد، عباس، مراجعات في الآداب والفنون، ص : 144، وينظر، ابن الرومي... حياته من شعره، ص : 255.‏

(6) عبد القادر، حامد، دراسات في علم النفس الأدبي، ص: 31.‏

(7) اليافي، نعيم، مقدّمة لدراسة الصورة الفنية، ص: 75.‏

(8) العقاد عباس، ساعات بين الكتب 309‏

(9) المرجع نفسه، ص 309‏

(10) الدروبي ، سامي علم النفس والأدب، ص: 8.‏

(11) العقاد ، عباس، ساعات بين الكتب، ص : 411.‏

(12) ساعات، ص : 409، "اللاوّكون" اسم كاهن إله البحر "نبتون" في مدينة طروادة، كتب عنه "لسنغ" ليبيّن الفروق بين الشعر والتصوير، ولهذا أطلق اسم "اللاّوكون" على كتابه الذي طرق فيه حدود الفنون وطرائقها في التعبير.‏

(13) العقاد ، عباس، ساعات بين الكتب، ص : 411.‏

(14) المرجع نفسه، ص : 411.‏

(15) العقاد، عباس، ساعات بين الكتب، ص 411.‏

(16) عسّاف ساسين، الصورة الشعرية ونماذجها في إبداع أبي نواس، ص:24.‏

(17) العقاد، عباس، ابن الرومي، حياته من شعره، ص: 264.‏

(18) العقاد، عباس، ابن الرومي، حياته من شعره، ص: 264.‏

(19) العقاد، عباس، ابن الرومي، حياته من شعره، ص: 264.‏

(20) العقاد، عباس، يسألونك، ص: 59-60.‏

(21) المقدسي أنيس، أمراء الشعر العربي في العصر العباسي، ص 251.‏

(22) العقاد، عباس، ابن الرومي، حياته من شعره، ص: 264.‏

(23) العقاد، عباس، ابن الرومي، حياته من شعره، ص: 264.‏

(24) العقاد، عباس، ابن الرومي، حياته من شعره، ص: 264.‏

(25) دياب، عبد الحي،' عبّاس العقاد ناقداً، ص: 435.‏

(26) عسّاق، ساسين، الصورة الشعرية، ونماذجها في إبداع أبي أنواس، ص: 24، 25، 26.‏

(27) العقاد، عباس، ابن الرومي، حياته من شعره، ص:244.-243‏

(28) المرجع نفسه، ص: 244.‏

(29) عساف، ساسين، الصورة الشعرية ونماذجها في إبداع أبي نواس، ص: 27.‏

(30) العقاد، عباس، يسألونك، ص: 63.‏

(31) عساف، ساسين، الصورة الشعرية ونماذجها في إبداع أبي نواس، ص: 26.‏

(32) العقاد، عباس، يسألونك، ص: 63.‏

(33) أندريه بروتون، بيانات السوريالية، ص: 41.‏

(34) العقاد، عباس، يسألونك، ص:118.‏

(35) سيجموند فرويد، تفسير الأحلام، ص: 11-12.‏

(36) العقاد ،عباس، ابن الرومي حياته من شعره، ص: 255.‏

(37) العقاد، عباس، مطالعات في الكتب والحياة، ص :291.‏

(38) مصايف، محمد، جماعة الديوان في النقد، ص: 248،249.‏

(39) العقاد ،عباس، ابن الرومي حياته من شعره، ص: 256.‏

(40) العقاد ،عباس، ابن الرومي حياته من شعره، ص: 255.‏

(41) عبد القادر، حامد، دراسات في علم النفس الأدبي، ص:39.‏

(42) العقاد عباس، ابن الرومي حياته من شعره - ص 255.‏

(43) العقاد ، عباس ابن الرومي حياته من شعره، ص: 250-251.‏

هكذا وردت الأبيات في كتاب العقاد، ويلاحظ فيها غياب جواب الشرط "إذا" وبعد مراجعة الديوان تبيّن أنها مجتزأة من قصيدة طويلة في الطّرد.‏

(44) العقاد ، عباس ابن الرومي حياته من شعره، ص: 255-256.‏

(45) العقاد ، عباس ابن الرومي حياته من شعره، ص: 258.‏

(46) العقاد ، عباس ابن الرومي حياته من شعره، ص: 262.‏

(47) العقاد ، عباس مطالعات في الكتب والحياة، ص : 139.‏

(48) العقاد، عباس، مطالعات في الكتب والحياة، ص: 139.‏

(49) مصايف محمد، جماعة الديوان في النقد، ص: 250-251.‏

(50) العقاد عباس، مراجعات في الآداب والفنون، ص: 144-145.‏

(51) العقاد، عباس، ابن الرومي حياته من شعره، ص : 258.‏

(52) العقاد، عباس، ابن الرومي حياته من شعره، ص : 116.‏

(53) العقاد، عباس، ابن الرومي حياته من شعره، ص :116.‏

(54) العقاد، عباس، ابن الرومي حياته من شعره، ص : 258.‏

(55) العقاد، عباس، يسألونك، ص: 61-62.‏

(56) العقاد، عباس، ابن الرومي حياته من شعره، ص : 259.‏

(57) العقاد، عباس، يسألونك، ص 62.‏

(58) العقاد، عباس، ابن الرومي حياته من شعره، ص : 173.‏

(59) العقاد، عباس مراجعات في الآداب والفنون، ص: 151.‏

(60) العقاد، عباس، ابن الرومي حياته من شعره، ص :172- 173.‏

(61) العقاد، عباس، ابن الرومي حياته من شعره، ص :172- 173.‏

(62) العقاد، عباس، ابن الرومي حياته من شعره، ص : - 173.‏

(63) العقاد، عباس، ابن الرومي حياته من شعره، ص : 176.‏

(64) العقاد، عباس، ابن الرومي حياته من شعره، ص : 176-177.‏

(65) العقاد، عباس، ابن الرومي حياته من شعره، ص : 174.‏

(66) العقاد، عباس، ابن الرومي حياته من شعره، ص : 175.‏

(67) العقاد، عباس، ساعات بين الكتب، ص: 172.‏

مثال هذه الضّرورة السّعيدة، عبارة "تمدّ منه اليدان" في قصيدة "زلزال مسينا" لحافظ ابراهيم،وهي عبارةٌ مبنيةٌ للمجهول قد يستهجنها العروضيون، ولكن العقاد يراها تُصوّر حالةً نفسيةً.‏

(68) العقاد، عباس، ساعات بين الكتب، ص: 513-515.‏

مثال الكلمة المكرورة، كلمة "مودّة" التي تردّدت في شعر المتنبي باشتقاقاتٍ مختلفةٍ، وتدلّ، في نظر العقاد، على افتقار الشاعر إلى الودّ والأدواء طوال حياته حت قنع بالتزيين والطلاء، ينظر، العقاد، مطالعات، ص 128-129. ومثال الكلمة المصغّرة في صور المتنبي الشعرية: "كويفير، خويدم، أحيمق، شويعر، شويهات..." ويرجع العقاد ولع الشاعر بالتصغير إلى إساسٍ نفسيةٍ هو "الشعور بالعظمة"، ينظر العقاد مطالعات، ص: 120-126-127.‏

(69) العقاد، عباس، يوميات، ج2، ص : 425.‏

(70) ينظر مندور، محمد، النقد المنهجي عند العرب، ص: 301.‏

وينظر، مندور، محمد في الميزان الجديد، ص : 183.‏

وينظر، يكاد، يوسف حسين، قضايا في النقد والشعر، ص: 124-125.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244