زين الدين المختاري - المدخل إلى نظرية النقد النفسي سيكولوجية الصورة الشعرية في نقد العقاد (نموذجاً)

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:22 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الخاتمة

كان ماتقدّم في تضاعيف هذا المدخل، محاولة لاستجلاء أهم الأسس التي قامت عليها نظرية النقد النفسي في النّصف الأول من هذا القرن، سواء على يد أقطاب مدرسة التحليل النفسي أو على يد بعض النقاد العرب المحدثين.‏

ولم تكن هذه المحاولة هيّنةً، لأنه كان علينا أن نحقّق الصّفة العلمية للمدخل بحصر ماتفرق في المراجع من ملامح هذه النظرية، وهذه العمليّة تتطلّب التّركيز في القراءة والكتابة، وحسن انتقاء المقبوس، ودقّة توثيقه بالعودة إلى مظّانّه الصّحيحة، فضلاً عن الإيجاز الذي تتطلّبه طبيعة المدخل.‏

وليس من السّهل أن يوجز المرء حشداً هائلاً من المقبوسات، توزّعت على كتبٍ في علم النفس وأخرى في النقد الأدبي الحديث والمعاصر، ولأمرٍ ماقالت العرب: "إن البلاغة في الإيجاز".‏

والمتتبّع لمحاور هذا المدخل، سيلحظ أن الاهتمام انصبّ على المحاور الثلاثة الأخيرة، وخصوصاً الفصل الأخير المتعلّق بالدراسة التّطبيقيّة، وهذا قياساً إلى مدرسة التحليل النفسي. وكان الغرض من هذا الاهتمام هو بيان الأثر الذي تركه علم النفس في النقد العربي الحديث إلى حدّ تشكيل نظريةً واضحةً المعالم في النقد النفسي.‏

ومهما يكن من أمرٍ، فإنّ هذا المدخل أتاح لنا الوقوف على محطات عدّة داخل كل محور من المحاور المدروسة. بيد أننا نرى أنه كان بوسع النقاد أن يشركوا سياقاتٍ علميةً أخرى، لا غنى عنها في دراسة العملية الإبداعية أو الإبداع الفنّي بشكلٍ عامٍّ، فإذا سلّمنا مبدئيّاً أن المحاور السّابقة تخضع للسياق النفسي، فإن المبدع لا يعيش في معزلٍ عن محيطه الخاص والعام.‏

ومن هنا، تكون معطيات الواقع بأشكاله المختلفة جزءاً منها، إن لم تكن مادّتها الأولى ومحرّكها الأساسي، ذلك أن العملية ليست نشاطاً نفسيّاً وحسب، فقد تكون وراءهما دوافع معرفية أخرى. وهي حين تنتهي عملاً فنيّاً، فهذا العمل ليس ملكاً للمبدع وحده - وإن كان له الحق في ادّعائه- يخرجه ليحجبه عن الناس، وإنما ليذيعه في أفراد المجتمع حتّى يُسهم في تعميق وعيهم، ويشاركوه تجربته.‏

ولهذا، كان من الأحسن أن ينظر النقاد إلى العملية الإبداعية من خلال حقولٍ معرفيّةٍ أخرى، فضلاً عن السياق النفسي، للوقوف على بعض قوانينها الموضوعية بوصفها شكلاً من أشكال الوعي الفردي، والجماعي، والاجتماعي...‏

وهذه ليست دعوة إلى منهجٍ بعينه، يُفرض على العمل الأدبي من الخارج، أو إلى منهجٍ تكامليٍّ شاملٍ، يسعى إلى تمييع الحدود بين المناهج النقدية والمواقف الفكرية، فالمنهج النقدي، في تصوّرنا، ليس ملكاً لناقدٍ دون آخر حتى ينافح هذا النّاقد عن حقٍّ ذاتيٍّ مشروعٍ، ويشيح بوجههه عن المناهج الأخرى، وإنّما هوملكٌ للظاهرة الأدبيّة، تأخذ مايوافقها وتطرح مايخالفها.‏

ولا نجانب الصواب، إذا قلنا إن الاهتمام بالمنهج النفسي في دراسة الأدب ونقده، شرع في الانحسار بعد النّصف الأوّل من هذا القرن، حتى بات من العسير العثور على دراسةٍ علميّةٍ تطبّق النقد النفسي في تحليل الأعمال الأدبية تطبيقاً سليماً على غرار دراسة "عز الدين اسماعيل" -على سبيل المثال- وإن اعتورها شططٌ كبيرٌ- وقد يعود هذا الانحسار إلى رواج الاتجاهين الجمالي والاجتماعي في الدراسات النقدية، والأدبية المعاصرة.‏

والحق، إن المحاور السابقة طرحت أمام النقاد صعوباتٍ جمّةً من حيث علاقتها بالنقد الأدبي؛ فالمحورالأّول المتعلّق بدراسة شخصية الشاعر أو الأديب، يتّكئ في الغالب على الوثائق التاريخية والثقافية النفسية في تصوير شخصيات الشعراء أو الأدباء؛ أي أن هذا المحور أقرب إلى السيرة الأدبية منه إلى النقد الأدبي.‏

أمّا المحور الثاني المتعلّق بالعمليّة الإبداعية، فيتطلّب بطبيعته المعقّدة سياقاً علمياً متطوّراً لمعالجته، لأنّه أقرب إلى العلم منه إلى الفن، أمّا المحور الثالث المتعلّق بدراسة العمل الأدبي ذاته، فقد حرص أصحابه على البقاء داخل النص للبقاء في إطار النقد الأدبي، وتتطلّب دراسة هذا المحور وعياً نقديّاً عميقاً، وثقافةً علميّةً واسعةً، وإلماماً كبيراً بالأدوات الفنيّة والآليات الجمالية.‏

وإذا كان هذا هو شِأن المحاور السابقة، فإنّ الفصل الأخير أردناه دراسةً تطبيقيّةً لسيكولوجيّة الصورة الشعرية في نقد العقاد ونماذجها في شعر ابن الرومي.‏

فالصورة الشعرية، عند العقاد، ليست همّاً لغويّاً أو صناعةً لفظّيةً، ديدن الشاعر فيها أو الناقد تطبيق الأشكال البلاغية القديمة تطبيقاً آليّاً في حسّيةٍ مفرطةٍ وحسب، وإنّما هي مظهرٌ من مظاهر الشعور النفسي، تماماً كما هي البلاغة؛ إذ لم تعد اليوم -في تصوّره- مَزيّةً لغويّةً، تنظر إلى اللغة كمجموعةٍ من الألفاظ والكلمات المنسوقة، وإنّما هي مزيّةٌ نفسيّةٌ مرتبطةٌ بكلّ نشاط المبدع الحسّي والنفسي والذهني.‏

ومن هنا، كانت الصّورة الشعرية - عند النّاقد- ذات دلالةٍ سيكولوجيّةٍ- وتظهر هذه الدّلالة من خلال تمازج اليقظة الحسيّة والباطنية، لتشكيل صورةٍ شعوريّةٍ مشخّصةٍ نموذجها شعر ابن الرومي خصوصاً، وما الإدراك الحسّي إلا مرحلة أوّلية تمرّ بها عمليّة التصوير الشعري لتمتزج بعد ذلك بنشاط الوعي الباطني، أو مايسميه النّاقد في تحليله لحواس ابن الرومي "يقظة الشعور الباطني" بعيداً -بطبيعة الحال- عمّا يمكن أن يُفهم من سُبحات هذا الوعي الباطن في التحليل النفسي عند غلاة المصّورين والرّمزيّين.‏

وأخيراً، إن هذا المدخل الذي نضعه بين يدي القارئ، لا ندّعي قصب السّبق في دراسة موضوعه، ولا نزعم أننا أوصدنا باب الحديث فيه، بيد أننا نرى أن أهميته تكمن في بعض تخريجاته، وفي تيسير سبيل تناول المادّة العلميّة، من مرجعيّةٍ غنّيةٍ ومتنوّعةٍ يمكن أن ينطلق منها القارئ إلى فضاءاتٍ أرحب للاستزادة من المعرفة في هذا الموضوع "المدخل إلى نظرية النقد النفسي".‏

- والحمد لله رب العالمين-‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244