|
||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 02:22 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
هل ثمة وصول؟ كيف؟ حين أتت السبع العجاف على سنابل حقل الروح أذبل القنوط جسد العبارة. قلت للأم الطبيعة: كل ما فيك يكمل نقيضه ويكتمل به. فلماذا لا نكون نحن البشر على صورتك ومثالك؟ وخيل لي أن الطبيعة ابتسمت بحنان. ... يبدو لي أن الإنسان منذ أن انفصل، نسبياً، عن الطبيعة والأشياء الطبيعية، وشعر بذلك الانفصال، راح يعمل بشتى الوسائل الذهنية للعودة إلى صدر الأم والتناغم مع حركة الكون. لقد خلق كوناً صغيراً له متصلاً بالكون الأعظم بوساطة النواميس الكونية الشاملة ومتمتعاً باستقلال ذاتي نسبي نتيجة سيطرته المحدودة على الطبيعة وفهمه بعض نواميسها وإمساكه بزمام بعض شؤون الحياة. ولقد جعله هذا الانفصال النسبي دائم الحنين إلى الجنة الضائعة، الجنة التي اغترب عنها بصنعه أدوات ووسائل أبعدته عن الالتحام المباشر بها، فصار يتصل بها بالأدوات بعد أن كان يحيا فيها ويتحسسها بحواسه. لقد ألف جسده الارتعاش لوقع قطرات المطر طوال آلاف السنين، وها هو الآن يمنع قطرات المطر من أن تكف في منزله الحديث، وكانت له مع الليل ونجومه حكايات وأساطير، وكانت له فيه معارك وأهوال ومخاوف، وكانت له أفراح وأغنيات، ثم ها هو ذا ينفصل عن أسرار الليل بالنور الاصطناعي فيتلاشى الخوف القديم ويشحب لون الحكايات والأساطير وتختفي الأشباح. لقد انتقل من عالم السحر والتوجس والتوهم إلى عالم أضاءه عقله فتلاشت منه الظلال الموحيه وتكشفت له الحقائق.. وكم في العالم من أشياء وهمها أجمل من حقيقتها، وخيالها أبهى من صورتها، وظلها ألطف من كيانها! حين كانت المرأة عارية صورها الفنانون في رسوم الكهوف وفي الأساطير مكتسية ولو بورقة تين أو سواها، وحين اكتست بأفخر الملابس وصنعت لها بعض الشعوب حزاماً للعفة صار الشعراء والكتاب والفنانون يتفننون في تصويرها عارية.. وكذلك كان شأنهم مع الطبيعة. حين كانت بكراً وعارية ألبسوها صنوف "الملابس" المصطنعة، وحين ارتدت ما صنعوه لها وغيروا شكلها زاد اشتياقهم إليها بريئة عارية من كل لباس أو بهرج. ومن غريب أمر الإنسان أنه اخترع شتى ضروب الأدوات ليكسب شيئاً من الوقت الذي كان ينفقه على العمل، وحين حصل عليه راح يبتكر شتى الوسائل لإضاعة ذلك الوقت.. وقد دفعه الهيام بالتسليه إلى ابتكار تسليات مدمرة.. لكنه ابتكر إلى جانبها أشياء أخرى مفيدة ومنها شتى الفنون. ... تكون رغباتنا جنات في خيالنا لكنها تصير أرضاً حين نحققها، وإذ نقف على أرض تلك الرغبات المحققة تولد فينا رغبات جديدة تصير أرضاً حين نحققها وننطلق من فوقها لنحقق رغبات غيرها. من منا لم يقرع باب جنة الأنوثة؟ من منا لم يزدد عطشاً بعد أن شرب من كوثرها؟ وهذا أنا أسأل مرتبكاً: هل الذين ابتكروا كلمة "جنة" هم من أولئك الذين حلموا بالوصول إلى أماكن على الأرض ثم لم يرتووا بعد وصولهم، وظل الشوق إلى الوصول متقداً في نفوسهم وظل القلق؟ ها هو زمن الفتور يفترس أعضائي ذهبت القوة ولم يأتِ الوهن تلاشت الطمأنينة ولم يولد الخوف صار الصيف ذكرى ولم يأتِ الشتاء أفتح باب الذاكرة، يملؤها النسيان اتكىء على الحلم، يتبدد مثل سحابة وتبقين في عروقي أبهى من الذكرى وأشهى من الحلم تمتلىء نفسي بمشاعر عجيبة أخاطب كياناً غامضاً أدعوه: أنت. تصيرين لي الفرح والحنان. ... أسمع نداءات اشتياق ترسلها امرأة لم تجد رفيقاً أهمس للأثير: أسمعك أيتها المرأة! فكيف الوصول إليك؟ يضبح الأثير مثل غابة في يوم عاصف. يخيل لي أنني ألتقط نداءات ملايين الكائنات التائقة. أفكر: سيكون الوصول مستحيلاً. وأسأل: هل ستصير هذه النداءات الباحثة عن صدى نجوماً في سماوات عوالم لم تتكون بعد؟ أم أن كوكب الشعر الدري سيولد منها ذات يوم؟ ربما.. وأشعر بالطمأنينة.. أهمس: أنت. وأعلم أن الوصول مستحيل. ... حين كان الإنسان ملتحماً بالطبيعة لم يكن محتاجاً إلى رؤيتها لأنها كانت فيه وكان فيها، وحين خرج منها خرجت منه فصار محتاجاً إلى النظر إليها ومطابقة شموليتها مع خصوصيته الجديدة المكتسبة. الطبيعة متناغمة ومتوازنة وحين انفصلنا عنها كسرنا مرآة تناغمها وتناسقها ثم رحنا نحاول إعادتها إلى ما كانت عليه من وحدة وصفاء، وصارت تزداد تكسراً وقتاماً.. وكانت أدواتنا قاصرة. وقلنا: فليكن الفن وسيلتنا المثلى للدخول إلى تناغم الكون وتوازنه ونسينا أن وسائطنا أفقدت حواسنا رهافتها الأولى، رهافة طفولتها.. وابتكرنا أوهاماً وتخيلات ثم عشقنا أوهامنا وتخيلاتنا. وتعقدت الأدوات والوسائل وتفاقم سوء الفهم وازدادت المعوقات. نقول يساعدنا اللون على التواصل.. ولكن، ما لون الحزن وما لون الكراهية أو الغبطة وكلها ذات مراتب وأطياف؟ ثم إن اللون مقيد بحدود قدرة العين على رؤية التمايزات وعين الخيال والمشاعر غير مقيدة بحدود.. وألوان الطبيعة والكون متداخلة وغير محدودة. ونقول: تساعدنا الكلمة، والكلمة مثقله بتاريخها وبما لحق بها من صدأ التداول اليومي، في حين أن المشاعر طازجة تنبثق كالبغتة وتتموج وتتدفق من غير توقف. المشاعر متحركة ومدلول الكلمات ثابت وراكد، وهذا ما يجعلنا نشعر وكأننا لم نقل ما أردنا أن نقوله، وكأن الآخرين لن يفهموا ما أردناه فهماً دقيقاً.. وكثيراً ما يزعم مرهفو المشاعر أن التواصل مستحيل: "ذلك لأن الصوت والمعنى في اللغة لا يرتبطان إلا ارتباطاً اصطلاحياً" (بول فاليري- الخلق الفني- ترجمة بديع الكسم ص23). لقد ضاق السهروردي ذرعاً بكثافة العالم فهتف :"اللهم خلص لطيفي من هذا العالم الكثيف" (أبجد العلوم الجزء3 ص112). وحال الشاعر مثل حال المتصوف مع العالم: يضيقان ذرعاً بالكثافة. كان أبو حيان التوحيدي، وهو من هو قدرةً على التعبير، وصاحب الأسلوب الجميل والإطلاع الواسع يشكو فيقول: "ضاق اللفظ واتسع المعنى" (الإشارات الإلهية ص156- 157). ولقد قال النفري: "كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة". وقالت الأوائل: "من سمع الغناء على حقيقته مات" وكل هؤلاء وغيرهم إنما أشاروا إلى حقيقة واحدة خلاصتها أن الوصول إلى الفن المطلق، الفن الكامل، أمر فوق طاقة البشر، والوصول يعني الفناء رهافة وعذوبة وذوباناً في المطلق. والحي لا يبقى حياً إذ يذوب ولا ندري إن كان الذائب يستطيع الإبداع. والأعمال الفنية ليست بالجواهر القائمة بذاتها.. فهي مزيج من انعكاسات شتى الحوادث والانفعالات عبر ذات فرد هو ابن بيئة محددة مكاناً وزماناً وقد عانى تجارب شتى واطلع إلى هذا الحد أو ذاك على إبداعات من سبقوه ومن عاصروه، وهي إشارات مكثفة إلى كل ذلك وهي أعمق واسمى من ذلك، إذ قد تفتح أمام المتلقي الذكي أبواب عوالم أرحب وأغنى، وأعمق، وقد تصير قاعدة لطيرانات أبعد وأعلى. والشعر بذاته، على استحالة الوصول إليه، وإذ يظل هاجس الشعراء كما تظل الحقيقة المطلقة هاجس الفلاسفة والمفكرين، هو شىء لا يمكن تعريفه أو تحديده أو نقله إلى كلمات أخرى غير كلماته التي ولد بها كائناً عضوياً تشريحه يقتله، ووصفه يشوهه ويحط من قدره. وقد يكون الفن، والشعر منه، تفجر طاقة الروح وحنين المنفصم إلى الالتحام، والشعر بذاته أو الشعر الصافي هو التفجر المطلق أو الاحتراق الذي لا بقايا بعده، هو الضوء الأنقى، الضوء المستحيل. وعلى قدر الاقتراب من المستحيل يكون الاقتراب من الشعر الجوهر، "من سمع الغناء على حقيقته مات" والغناء هو الشعر هنا. والموت شعراً أو انفعالاً بالشعر وتفاعلاً معه هو استجابة تفجرية من المتلقي موازية للتفجر الإبداعي ومساوية له في الطبيعة والجوهر، أي هي احتراق مطلق وتحول إلى ضوء نقي.. ومن يدري! قد تتحول الحياة إلى ضوء إذا ملأنا العالم شعراً. وكما تتجلى الحياة في الجسد يتجلى الشعر في اللغة، أي إن اللطيف يتجلى في الكثيف. والتواصل يتم بالجسد وعن طريق اللغة أو اللون أو الإشارة وشتى الوسائط الاصطلاحية الأخرى، وهي وسائط كثيفة تحتاج إلى شحنة عالية من الطاقة كي تصبح موصلة، وهي تمتص الكثير من الطاقة، وقد لا توصلها جيداً وكما نريد، وكل ذلك يجعل مرهفي الإحساس يشعرون بالوحدة التي قد تصل إلى حدود الغربة، وبالتالي ينكرون إمكان التواصل. ... والفن الحق، والشعر منه، كالزمان المطلق والزمان كلي لا يتجزأ، كل لحظة منه هي الأزل والأبد معاً، وهو يدور حول نفسه في المكان المطلق. والمكان كلي لا يتجزأ وهو يدور حول نفسه في الزمان. والزمان والمكان يتفاعلان فينجبان الحياة. والحياة تنجب الشعر. والشعر إذا سما صار حياة. ... يقول العاشق الشاعر: لست أول العاشقين ولا أجلّهم شأنا. أنا أسعى إلى الوصول لأنني عاشق. والعشق مرتبة يتساوى مستحقوها فلا تفاوت ولا تمايز. أما القائل: أنا عبد للمعشوق وأفخر بعبوديتي له، فهو لم يعرف العشق بل خيل له، العشق يحرر، والمعشوق يريد أنداداً ولا يريد عبيداً. أيها الشعراء! لا تشينوا شعركم بكلمات الاستجداء والتذلل. لقد خلق الشعر ليسمو بنا لا لنذلّه. الشعر أداتنا للوصول، فهل سنصل؟ وإذا وصل الشعراء إليه فهل سيوصلونه؟ صموئيل بيكيت ينفي إمكانية التواصل لأن وسائل التواصل معدومة. ويرى بول فاليري أن التأليف قليل جداً في الشعر العالمي. فهو لا يرى الوصف والسرد من الشعر في شيء. ونرى أن المسألة نسبية والإطلاق مضر. ... وتبقى مسألة الطبع والصنع.. المسألة التي تتجدد مع كل جيل. يقول أندريه موروا: "إن العمل الفني الذي يُبالغ في إتقان صنعه هو عمل فني سيئ الصنع" (بول فاليري- تأملات في الفن- ص76). وللمسألة وجه آخر: الفن والفلسفة يلتقيان في المنشأ والغاية وتختلف وسائلهما التي هي الأخرى من نتاج العقل.. والاختلاف هنا نسبي. والفن والفلسفة، ومعها العلوم، نوعان متمايزان من الأسئلة غايتهما الكشف عن سر الكينونة. ويقال اصطلاحاً: أسئلة العقل أقرب إلى الفلسفة والعلم وأسئلة القلب أقرب إلى الشعر. وإليكم هذه الحكاية: رأى القدماء عيوب الإنسان فسألوا: هل يولد كائن نقي من عفونة الرحم؟ وانتخى الآله زفس فأنجب ميدوزا من رأسه.. وكانت كما تعلمون. فلعن الناس رأسه وباركوا الأرحام حتى ان بعضهم قد عبدها. وفي الشعر قد تكون القصيدة التي تولد من الرأس أقل هفوات وأكثر إتقاناً. لكنها لن تكون شعراً. فالشعر قد يحبل به العقل، ولكنه يولد من القلب أو لا يكون. وسيبقى كالإنسان المولود من عفونة الرحم: جميلاً وعذباً لكنه غير كامل. وسيظل الكوكب الدري بعيداً بعيداً وسنبقى في شوق إلى الوصول. وسيولد المزيد من الجمال مع ولادة كل شاعر. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |