|
||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 02:22 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الحوار في الأزمنة الساخنة نظرة إلى المسألة الثقافة في العقود الأخيرة
ساد الركود الحياة الثقافية زمناً طويلاً في ظل الحكم العثماني فألف الناس الركود وصارت الحركة توجع أجسادهم وأرواحهم، وتطاول الليل كثيراً فألفت عيون الناس الظلام وصار ضوء النجوم الخافت يؤلمها ويبهرها.. وحين دبت الحركة وارتفعت المشاعل وتعالت الأصوات داعية إلى النهوض للسير في موكب الشمس قال من لهم منفعة في بقاء الليل: "هذا خروج على ما تركه الأجداد" وزعم بعضهم أن فيه من الكفر ما فيه. ولكن الحركة ازدادت وأشرقت الشمس. حدث ارتباك وتردد وتخبط.. ثم تعالت صرخات ابتهاج وترحيب وصرخات ألم واستهجان.. حدث اندفاع إلى الأمام، وحدث انكفاء وانزواء، فتحت نوافذ فدخل الضوء والهواء وأغلقت نوافذ فحُجب الضوء وفسد الهواء، وتسارعت حركة المتحركين وزاد انطواء المنطوين فأدى ذلك إلى تطرفين متناقضين: تمسك بالقديم، بل بالبالي من القديم، قابله رفض مطلق وتدميري لكل قديم، حتى المتحرك فيه. ووجدت فئة عملت على أن تخرج المتزمتين إلى ضوء النهار برفق وأن تكبح اندفاع المندفعين إلى الأمام وكانت فئة قليلة.. ومن ركود الراكدين، ومن حصافة الحصفاء، واندفاع المندفعين تكونت ملامح الثقافة العربية المعاصرة. كان سلاح الترجمة أحد الأسلحة الرئيسية في أيدي الداعين إلى التجديد والخروج إلى رحاب الثقافة العالمية.. ولم يكونوا الوحيدين الذين استعملوا هذا السلاح.. فلقد استعمله المحافظون غير المتزمتين وحتى بعض المتزمتين في مجالات ضيقة.. وكان أن انعكست ملامح الثقافة العالمية، على تعدد وجوهها ومدارسها، في ثقافتنا المعاصرة.. وكانت لذلك فوائد جُلّى، وكانت بعض المحاذير. كانت المجابهة شاملة واستعملت فيها كل الأسلحة، وكان ذلك انعكاساً طبيعياً للتوتر الاجتماعي- السياسي إذ دار الصراع الثقافي في جوهر الأمر حول الأمور الاجتماعية والسياسية أساساً. ولم يخلُ أي ميدان من المتطرفين. فإذا كان الداعون إلى التقدم الاجتماعي، مثلاً، يرون أن من عوامل التقدم خروج النساء إلى العمل على قدم المساواة مع الرجل، وإلى المشاركة في كل ميادين الحياة الاجتماعية فان المحافظين رأوا رأياً آخر يتلخص في أن مهمة المرأة الأولى هي العناية بالأسرة وبالتالي لا يجوز أن تشارك في الحياة الاجتماعية مشاركة واسعة لأن في ذلك مفسدة لها وللمجتمع. وانفعل بعض التجديديين وردوا على التزمت بعنف وكان شعارهم: شرف المرأة ليس في سروالها، بل في رأسها، وقيمتها الحقيقية في عملها الاجتماعي، ولن تكتمل إنسانيتها إلا بالعمل، ونسي بعضهم أن تحرر المرأة جزء من تحرر المجتمع ولا يتم بمعزل عن القضايا الأخرى. وانفعل المحافظون وانفعل المجددون.. وانعكس ذلك على الساحة الثقافية وكانت الأصداء داوية. نقل لنا رواد النهضة بعضاً من صور الحياة في الغرب، وحدثنا بعضهم عن حرية المرأة هناك.. وفي كتاب "الساق على الساق" لأحمد فارس الشدياق الكثير من تلك الصور.. ولكن الفارياق كانت ترافقه الفارياقة وكانت تحصي عليه حتى رغباته ومرامي نظراته، أو هكذا زعم.. أما فرسان الحلبات الجديدة المتطرفون فكانوا من عيار أثقل، لا من حيث الوزن الأدبي- الثقافي بل من حيث "كشف المخبأ" والمعذرة من الشدياق على استعمال عنوان كتابه في هذا السياق. لقد دعا الكثيرون إلى إخراج النساء من الحريم، وكان بينهم من حدد أماكن لهن في المعامل والمزارع والوظائف العامة وكل ميادين النشاط الاجتماعي، ورأى هؤلاء ضرورة تحرر النساء اجتماعياً أولاً ولم يبحثوا في قضايا الجنس علانية بل اعتبروا المسألة الجنسية من بين المسائل الأخرى.. وهكذا تمت تجزئة ميادين التحرر ووضعت بينها تمايزات وأولويات مع أن هؤلاء كانوا من المعتدلين في هذه المسألة.. أما المتطرفون، وفي إطار تجزئة المسائل التحريرية فكان شعارهم هو إخراج النساء من الحريم بأي ثمن، حتى ولو ذهبن إلى مواخير البرجوازية التي كانت بحاجة إلى سلع بشرية من هذا النوع.. وكثرت عند هؤلاء الصور الجنسية- الغريزية بل لقد أوحى لنا نزار قباني، وهو من معتدلي المتطرفين، وكأن السحاق إحدى قمم طموحات المرأة أو أحد أنواء عالمها:
وذلك بعد أن وصف السحاق بين امرأتين كان يختلس النظر إليهما. وظن آخرون أن تدنيس كل القيم "القديمة" أو رفع صفة القداسة عن ما هو غير مقدس في نظرهم مسألة أساسية أو هي جزء أساسي من المسألة الأساسية في المعركة ضد المحافظة التي أطلق عليها اسم الجمود حينا واسم الرجعية حيناً آخر. ولم يقتصر الأمر على نزار وشعره ولا على الشعر والشعراء وحدهم بل دخلت الأجناس الأدبية الأخرى هذا الجانب من المعركة، وكانت كتب ليلى بعلبكي وغادة السمان وكانت رواية الدكتور سهيل إدريس "الحي اللاتيني" وغيرها وغيرها. لقد أفرط الدكتور سهيل إدريس، على سبيل المثال، في تصويره الحسي لمحاولاته إشباع جوعه الجنسي فأغضب المحافظين وقالوا فيه وفي أصحابه ما قالوا، ولم يقتصر الأمر على المحافظين وحدهم، فصراحة الدكتور إدريس وكلامه المكشوف على الجوع الجنسي وحده دفع بعض التقدميين المدافعين عن الجياع إلى الطعام إلى مهاجمة روايته منكرين أن يكون للجوع الجنسي أي مكان ما دام الجوع الآخر، الجوع الحقيقي إلى الخبز موجوداً. وكان هذا تطرفاً من نوع آخر. يخيل لي وأنا أقرأ الخطوط العريضة لأدب تلك الفترة أن بعض المثقفين العرب، وربما غير العرب أيضاً، لم يعرفوا نبرة للحوار سوى نبرة "العياط" ولم يمارسوا سوى شد الغطاء كل إلى ناحيته حتى الغاية القصوى، وكأن الأمور الوسط والمناطق الوسطى في كل المسائل غير موجودة في نظر هؤلاء. فأصحاب المدرسة الاجتماعية، أو جلهم، لا يرون غير قضايا جوع الجسد وإلى الطعام وحده.. ولا يرون في حياة الإنسان الخاصة والعامة سوى "القاعدة الاقتصادية" وكذلك كانت حال أصحاب المدرسة النفسانية.. فهم يربطون تاريخ البشر، وحتى الملائكة بالعقد النفسية والجنسية منها في المكان الأول. وكانت الفئة القليلة من الذين يفكرون بهدوء ويناقشون بهدوء ويعملون بهدوء ومثابرة تتلقى الضربات من المتطرفين كلهم من محافظين وسواهم. وكان جل "الحوار" بين النظريات والمدارس يتم عن طريق النظر إلى حسنات "الذات" بعدسة مكبرة جداً، والنظر إلى حسنات الآخر بعدسة مصغرة جداً، أو بصيغة أخرى، كان حوار البحث عن الثغرات عند الآخر وتضخيمها وصولاً حتى نفي كل ما هو إيجابي والنظر إلى الحسنات عند الأنا وتضخيمها وصولاً إلى نفي كل ما هو سلبي.. فالآخر كله خطأ وأنا لا أعرف الخطأ ولا يمكن أن أعرفه.. وحتى في الخندق التقدمي العلماني أو ما يفترض أن يكون العلماني وصل الخلاف حتى كسر العظم.. فكما ترجم "الماركسيون" الماركسية ولم يتمثلوها جيداً كذلك ترجم "الوجوديون" الوجودية ولم يتمثلوها جيداً، وقد يكونون ترجموها نكاية بالماركسيين. كانت المسألة مسألة رمي الآخر بأي سلاح يقع في متناول اليد. وجرى تصوير المسائل المتكاملة والمتفاعلة على أنها مسائل متناقضة ومتناحرة. وضاع العلم والمنطق بين أقدام المتحاورين باسم العلم والمنطق. أجل لقد استبدل قانون التفاعل بقانون التناحر، وكل ذلك تحت لافتات من العلم والمنطق والموضوعية والجدلية والوجودية وغيرها. أذكر أن أحد الأساتذة الأجلاء كان يهمس في أذني كلما التقينا: "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان" ثم يبتسم. وكنت أرد باسماً: "ولكنه ويا للأسف، لا يستطيع أن يستغني عن الخبز". وكنت أفهم مداعبته جيداً. وكان يفهم قصدي جيداً. وكان الكثيرون من المتحاورين يقولون: "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان" كي يسارعوا إلى البرهنة على أن الإنسان لا يحتاج إلى الخبز.. وخصوصاً إنسان الفن والأدب.. وكان آخرون يرددون قول ماركس: "الإنسان يحتاج إلى الطعام أولاً، ثم يفكر ويتفلسف" أو ما في معنى هذا الكلام، كي يسارعوا إلى الإيحاء للآخرين بأن الإنسان لا يحتاج إلى أن الخبز ممثلاً للخيرات المادية وحدها. أجل، لقد تناول كل طرف هذه العبارة أو تلك من المنهل الفكري الذي كان ينتمي إليه، وقد استعمل بعضهم تلك العبارات في غير المعنى الذي وضعت له.. وكادت "الطاسة" تضيع. وتصادمت التيارات.. انزوى المحافظون واحتضنوا الماضي بحرص ورخموا عليه كما ترخم الدجاجة على البيض حالمين بأن تفقس من هذا البيض نسور الأزمنة المجيدة الغابرة، وأوصدوا الأبواب والنوافذ جيداً كي لا تستغفلهم نسمة باردة وتلامس البيض فيفسد. واندفع االمحدثون أو "المحداثيون جيداً" إلى الأمام سابقين الزمن العربي الراهن بمسافات فلكية. أجل، لقد ذاب هؤلاء عشقاً بالماضي وركوده، وذاب أولئك عشقاً بالغرب وحضارته. وكما انقسم المحافظون إلى فئات كذلك انقسم المحدثون إلى فئات، بل صار كل واحد منهم مدرسة بذاتها، بل حداثة بذاتها وعصراً بذاته. وكان المقلدون والمقلدات "أكثر من الهم على القلب" على هذا الرصيف أو ذاك.. وكانوا يسمون تقليدهم الغرب وتقليد بعضهم بعضاً حداثة الحداثة. وحيث يكون التقليد تكون الرتابة.. فشتان ما بين المبدع والمقلد. واستخدمت الأطراف المتنازعة سلاح الترجمة لأهداف شتى، المحافظون الوسطيون يترجمون الأدب الكلاسيكي الذي يناسب "محافظتهم" ويشط الحداثيون وينفون كل "القيم القديمة" ويترجمون ما تنتجه "دكاكين الموضة" في الغرب.. ومن يستطيع أن يلاحق كل "الموديلات" التي تنتجها مقاهي المدن الأوروبية ودكاكين الموضة فيها؟!. المحافظون المتشددون يعتبرون الخروج على "الأساليب المتبعة" كفراً أو كالكفر، والشكلانيون المتطرفون يرون الأساليب المتبعة قيوداً لا تليق بالإبداع الذي يجب أن ينطلق حراً من كل قيد. وأصيب بعض النتاج بفقر دم خطر، وصار بعض آخر منه إلى ما يشبه هلوسات المصابين بالعصاب أو بالحمى.. وتلاشت الحدود بين الأجناس الأدبية ودخلت الإشارات التي تميز الرياضيات إلى القصيدة الحديثة وبنيت قصائد كثيرة وفق الأشكال الهندسية الاقليدية.. فكتبت القصيدة المثلث والقصيدة الدائرة والقصيدة المعين وغيرها. ونبتسم الآن ونحن نراجع حساب المرحلة الماضية. لقد تحول الحوار مع الغرب إلى تقليد للغرب.. وأي غرب! إنه الغرب الاستهلاكي في أحيان كثيرة. وتحول الماضي المّوار بالدينامية إلى وثن أو ما يشبه الوثن ولم تكن غلة المحافظين بالوفيرة ولم يبق لهم من كبير أثر في الحياة الثقافية المعاصرة. إن ينابيع الإبداع الحقيقية هي التي تنبع من الماضي وتسير في الحاضر لتصب في المستقبل.. وقد تمسكوا بالماضي وحده فخرجوا من الحاضر ولم يتطلعوا إلى المستقبل. وإذا نظرنا إلى بيادر الشكلانيين فسوف نجد الكثير من القش اليابس تطمره الأيام بغبار رمادي.. لقد أفرطوا في الطيران إلى المستقبل متناسين الماضي والحاضر وغير مزودين بزاد الأزمنة.. فتعبوا كثيراً.. وأما الغلة فكانت هواء في الغالب. وعلى الرغم من كل ذلك كان تصادم التيارات وتداخلها مفيداً كما أشرت سابقاً، فبعد الجري الطويل في حلبات التباري يقف المتبارون لمراجعة الذات، ولقد اقتنع الكثيرون بأن الإبداع ليس قوالب صبها الأقدمون مرة واحدة وإلى الأبد. واقتنع الكثيرون بأن الإبداع ليس هلاماً أو هواء لا ضابط له، ويبدو أن صراخ الجميع بآرائهم لم يكن بلا طائل. فلقد أدرك "الأخلاقيون جداً" المتمسكون بالماضي جداً، أو بقشور الماضي، أن سلفنا الصالح جداً لم تكن لديه عقدة الجنس، وأن مسائل الجنس ليست حرماً مقدساً لا يجوز الوقوف على عتبته. وأدرك الاباحيون جداً أن الإنسان ليس مجموعة من العقد الجنسية وحسب بل هو كائن مجتمعي يحتاج إلى الخبز والجنس والفن والأخلاق وشتى الحاجات والفضائل الإنسانية. ويستمر الحوار وسوف يستمر.. ويتم التقدم عبر التناقض إلى الأمام والأعلى.. ولكنه تقدم شاق لولبي وغير سريع. لقد أطلق الطموحون المستعجلون جداً سهامهم التجديدية إلى الأعلى فارتفعت ثم سقطت.. لقد شقت الهواء إذ صعدت ولم يكن في وسع الهواء أن يحملها طويلاً لأنه هواء. والتقدم الثقافي يبنى كما يبنى الهرم.. وبلوغ الذروة السامقة فيه يحتاج إلى قاعدة عريضة كما تقول الحكمة القديمة، والقاعدة العريضة هنا هي مؤسسات ثقافية اجتماعية تلبي حاجات العصر الثقافية وتمد القوى المبدعة بكل ما تحتاج إليه. فحتى الإبداع الفردي ليس فردياً تماماً. إن الحوار مع العالم ضروري. والحوار الثقافي- الحضاري أخذ وعطاء.. والإفادة من خبرة الآخرين لم تعد موضوع نقاش.. وتبقى مسألة أن ندرس تربتنا الثقافية جيدا وأن نحسن الغرس ورعاية الغراس، وأن نولد غراساً فريدة متميزة نقدمها لبساتين الآخرين كي تزدهر حديقة العالم الثقافية المشتركة. لقد بدأ رواد النهضة الثقافية العربية حواراً جاداً فيما بينهم ومع العالم.. ونطرح اليوم مسألة متابعة ذلك الحوار وتطويره عمقاً واتساعاً.. فهل نفعل ذلك؟. إن الركود خطر بلا شك ولكن الحداثة الحقيقية ليست قفزاً من فراغ إلى فراغ. إنها مسيرة جادة وشاقة.. وحوارنا مع من سبقونا لن يكون حوار خصومة.. إنه دراسة تفيدنا ولا تفيدهم.. فنحن لن نستطيع " إصلاح" ماحدث ومضى لكننا نستطيع الإفادة من حسناته وسيئاته غاية الإفادة. إن ورثة المدارس القديمة موجودون على الساحة الثقافية اليوم.. فهل نعود إلى الوراء قليلاً مع كل شوط كي نندفع بقوة إلى الأمام كما يفعل العداؤون أم نبدأ الشوط الجديد من المواقع الجديدة؟. لكن القضايا الجديدة مرتبطة بالقديمة من حيث الجوهر.. إن نهر الثقافة يتابع جريانه.. وما فاض منه إلى هذا ا لجانب أو ذاك لم يكن هو الذي حدد سمته ومجراه. صحيح أنه يتقدم نحو آفاق جديدة لكنه يتقدم مدفوعاً بقوة أصالته التاريخية وعلى تربة واقعنا الحبلى بالألم والأمل. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |